أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - أم الزين بنشيخة المسكيني - الحب في ثقافة المقاومة















المزيد.....

الحب في ثقافة المقاومة


أم الزين بنشيخة المسكيني
الحوار المتمدن-العدد: 5671 - 2017 / 10 / 16 - 15:37
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    



الكاتبة التونسية أم الزين بن شيخة تكتب عن "الحب وثقافة المقاومة"
حاورها الناقد حاتم التليلي

1)جاء في كتابكم الأخير "الفنّ في زمن الإرهاب"في استعادة لقولة للشاعر الفرنسي ريمبو أنّ "الحبّ ينبغي إعادة ابتكاره من جديد"، فهل تعتقدون أنّ الحبّ لا يوجد اليوم ؟
- نعم يبدو أنّنا أدركنا زمنا قد ارتدّت فيه كثيرا قدرة البشر على الحبّ. فنحن اليوم في المنظومة الامبريالية العالمية، وحيث نخضع إلى عالم السوق وأجندات رؤوس الأموال الذين يتحكّمون بخرائط الدول وبسياسات الحقيقة معا، قد فقدنا قدرتنا على الحبّ وصرنا الى مجرّد أرقام في المكنة الكبرى للسطو على مساحة الحياة. وعليه فإنّ نداء "ابتكار الحبّ من جديد" ليس ترفا رومنسيّا بل هو ضرورة حيويّة. لأنّ الحبّ الذي نناديه ههنا صحبة الشعراء ليس شأنا فرديّا خاصّا، ولا يقع اختزاله في الحياة الحميمة للفرد البرجوازي، إنّما هو براديغم رمزيّ لحثّ البشر على جعل العالم يولد على نحو مغاير. لكن كيف للعالم أن يولد صلب برنوغرافيا البؤس المعولم بحيث لا يكاد البشر اليوم ينامون ويصحون إلاّ على أخبار عدد المقتولين وعدد المهجّرين وعدد الموتى غرقا وحرقا، وعدد المجوّعين والمهمّشين والبطّالين؟ لقد صار العالم يعاني من فقر مدقع لا في البطون فحسب بل في المشاعر الجميلة أيضا. لقد آن الأوان أن نعيد الى البشر قدرتهم على الفرح..والحبّ هو إمكانيّة جوهريّة من إمكانيات الفرح. وهو معنى الاستعارة الشعرية التي استعادها باديو من رمبو من أجل التفكير مرّة أخرى بموضوعة الحبّ. ومعنى هذه الاستعارة هي ضرورة فتح أفق مغاير لإمكانية ولادة العالم مرّة أخرى. وكلّ ولادة ترتبط ضرورو بقصّة حبّ ما. وهنا نكتفي بالإشارة إلى أنّ الامر يتعلّق بتحوّل عميق تشهده الفلسفة تحت راية "ضرورة ابنكار الحبّ من جديد". هذا ما يقصده ألان باديو بحيث ينبغي أن ننتهي مع فلسفات النهايات : نهاية الكاتب (رولان بارط) ونهاية الإنسان (فوكو) ونهاية السرديّات الكبرى (ليوتار)ونهاية التاريخ (فوكو ياما) ونهاية حضارة الكتاب (دريدا)...باستعادة مفهوم الحبّ يمكن للفلسفة اليوم أن تغلق فكر النهايات وأن تستشرف على فكر البدايات، وذلك فيما أبعد من فكر "ما بعد الحداثة" الذي أنجز حدادا فلسفيا مطوّلا على الكارثة اليهوديّة. فيما أبعد من فلسفة الكارثة ثمّة فلسفة الحبّ بما هو بداية مغايرة وشكل جديد من الحياة. وهنا يكون الحبّ شكلا جديدا من مقاومة عولمة الاكتئاب والنفوس المتعبة.
2)لقد وقع تنشيط مفهوم الحبّ في الفلسفة المعاصرة من طرف مفكّرين كبار في حجم ألان باديو وطوني نيغري وأغمبان، في أيّ معنى تفهمون هذه العودة الفلسفية الى التفكير بالحبّ كشكل من المقاومة؟
- نعم، ثمّة استعادة فلسفيّة قويّة لمفهوم الحبّ نعثر عليها لدى شقّين من الفلاسفة متناقضين من حيث الرهان السياسي العام لكل منهما : الطرف الأوّل خاصّ بتنشيط مسيحي تأويلي يجد لدى الفيلسوف الفرنسي بول ريكور نموذجا له. أمّا الطرف الثاني فهو من توقيع فلاسفة اشتغلوا على براديغم المقاومة ونخصّ بالذكر بخاصّة ألان باديو وطوني نيغري. وفي الحقيقة يجري التمييز هنا بين الحبّ كتيمة تأويلية والحبّ بوصفه اقتدارا لتغيير العالم. هو الفرق بين تصوّر يستعيد الحبّ من أجل ضرب من المصالحة بين "شعرية الحبّ ونثرية العدالة" في أفق ما يسمّيه ريكور إدماج "ضرب من الرأفة والسخاء في قوانينا" بغاية جعل العدالة إنصافا، والحبّ الذي ينتج المشترك (بحسب نيغري) ويجعل من الجموع إقتدارا وتجاوزا وإبداعا للحياة. ومن أجل أن يكون الحبّ شكلا من المقاومة، ينبغي أن يكون قادرا على تحرير الأفراد من الحبّ المعولم القائم على الفرد المنعزل المغلق على رغباته الاستهلاكيّة، ومن الحبّ اللاهوتي الكئيب بحيث يذوب الأفراد في طقوس العبادة، ويسلّمون مشاعرهم الى الكهنوت. ثمّة طبعا شكل مغاير من الحبّ هو الحبّ الروحانيّ الذي طوّره المتصوّفة لكن هذا النوع من الحبّ لا تدركه غير النفوس الاستثنائيّة، وربّما يكون زمن هذه النفوس قد ولّى .
3)ما رأيكم فيما حدث أخيرا في تونس تحت عنوان "القبلة" التي أدّت بحبيبين الى السجن بتهمة "خدش الحياء العام"؟
- حدث "القبلة" التي حكم فيها على "محبّين" بالسجن يمكن تأويلها على معان عدّة : المعنى الأوّل هو الردّة الأخلاقية التي نعيشها في تونس اليوم تحت راية سطو الإسلام السياسي على إدارة الدولة. فالحدث في حدّ ذاته رغم كلّ الضجيج الإعلامي ورغم كلّ غوغاء "البوليس الديني"، لا يمثّل مشكلة في معنى كارثة أحدثت ضررا بالجميع، بل هو حدث عرضي يوميّ يقع كلّ يوم هنا وهناك، أمام المعاهد أو في مكاتب الإدارة، أو في سيّارات الليل الخاصّة بأثرياء القوم، أو حتى في بعض المساجد وقد حدث فيها ما هو أفظع من وجهة نظر "الأخلاق الحميدة" والتونسيين يعلمون هذا الأمر. وهنا جدير بنا التذكير بأنّ واقعة تحوّل بعض المساجد في تونس (وهذا حدث فعلا في أحد مساجد منّوبة)الى مخزن للأسلحة هو أخطر بكثير من قبلة "خدش الحياء"، لأنّ الأسلحة تقتل، والقبل لا تضرّ أحدا. المعنى الثاني : وهو الأخطر هو استغلال مثل هذه الأحداث العرضيّة الفرديّة من أجل حملة سياسيّة ضدّ الحريات الفرديّة، وهذا الأمر هو الأخطر على دولة أسّست دستورها على مبادئ الديمقراطية وحقوق الانسانية وحرمة الشخص. المعنى الثالث : أمّا عن " تهمة المسّ الأخلاق الحميدة و خدش الحياء" : فنكتفي بالسؤال فقط كيف لحياء وطن ألاّ يُخدش بمجاهدات النكاح التونسيات اللائي يمارسن الجنس مع إرهابيين خرّبوا مدائن وهجّروا شعبا ويتّموا أطفالا؟ أو هو وطن قد بلغ من الهشاشة والتعب الى حدّ صار يودع فيه شرفه في "قبلة" عارضة ؟ الحكاية إذن لا علاقة لها لا بالحبّ ولا بالأخلاق، بل بسياسات تخطّط لأسلمة المجتمع. وهذا ما ينبغي الانتباه إليه، فيما أبعد من احتجاجات حقوق الانسان، وفيما أبعد أيضا من دعاة الحياء الذين لا يخجلون من السماح للدعاة بالفتوى في "نكاح القاصرات وختان البنات وتعدّد الزوجات"، وتزعجهم "قبلة"، مشكوك في صحّة وقوعها أيضا. وأخيرا علينا التأكيد بخاصّة على أنّ كلّ هذه الحادثة بضجيجها الإعلامي ليست سوى ضرب من التلهية وتحويل وجهة الرأي العام عن القضايا الحارقة : قوارب الموت من جهة ومشاكل ميزانية 2018 من جهة أخرى.
4)الحبّ والثورة : هل يمكن للحبّ الذي يجعل ثورة ما ممكنة (حبّ الوطن، وحبّ الحقيقة وحبّ المستقبل) أن يساهم في تجديد الذاتيات الجماعية من أجل ابداع شكل جديد من الحياة؟
- الحبّ هو شكل آخر من الثورة بوصفه بداية العالم في كلّ مرّة. وهو ما كتبه الفيلسوف الفرنسي ألان باديو الذين اشتغلنا عليه في كتابنا "الفنّ في زمن الإرهاب" قائلا ما يلي :" إنّ الحبّ هو إمكانيّة أن يشهد المرء على ولادة العالم من جديد". وهنا يتعلّق الأمر بالتفكير بالحبّ بما هو قدرة على تحرير العالم من السخريّة العدميّة المعمّمة لعالم امبريالي لا تزهر فيه غير كلبيّة القتلة وأجندات الفاسدين. لا شيء يسعفنا في هذا المستنقع الكبير للأيادي القذرة غير ثورة الحبّ على أنفسنا وقد تحوّلنا الى أفراد هشّة مكتئبة عصابية نرجسية رهينة لحضارة البضاعة..لقد صرنا الى حقل اختبار واسع لمثيرات السلع والدعاية والوصاية على قلوبنا وعقولنا ومشاعرنا الأكثر حميمية. ثمّة إذن إمكانية للحديث عن حبّ نضالي، بوصفه حبّا إبداعيّا يجدّد الذوات ويمنحها طاقات إيجابية للانطلاق نحو شكل أجمل من الحياة . الحبّ يعلّمنا ألاّ نستسلم للواقع الذي تودعنا فيه الدول الحالية كما لو كنّا أحذية مهملة، ويمنحنا فرصة أخرى من أجل إبداع شكل الحياة الذي نرغب فيه.
5) إذا كان الكره لا يفكّر بعبارة الفيلسوف النابتة، كيف يمكن أن نحشر الحبّ في خانة التفكير؟
- أنت تشير هنا طبعا الى نصّ نشره مؤخّرا المفكّر فتحي المسكيني تحت عنوان "كوجيطو الكراهيّة"، لكن ما المقصود بكوجيطو الكراهية؟ المقصود هو أنّ راية التفكير في ديارنا تحوّلت من "الأنا أفكّر" الى "أنا أكره"، نعم الكره لا يفكّر، لكنّه صار ضربا من الممارسة التاريخية الخاصّة بنا من جهة أجندات الإرهاب الإسلاموي المعولم. لا أحد منّا يمكنه إنكار هذا الكوجيطو : ثمّة ضرب من الإنتكاسة الروحيّة العميقة التي أصابت نمط الذاتية الخاصّة بنا اليوم. أن تكون مسلما معناه أن تحمل حزاما ناسفا من الضغينة والحقد والثأر من الغرب. هكذا تحديدا يفكّر بنا الغرب حتى وإن لم يكن في شكل خطاب رسمي، حتى وإن كان في الأمر الكثير من التحامل علينا وتشويهنا. أن تكون الذات في الصورة التي لدينا عن أنفسنا، تستقي هويّتها من الكراهية والضغينة والثأر وكلّ المشاعر العدميّة، فهذا أمر واقع علينا معالجته قبل انتصار الخراب على أوطاننا. وإنّ التصحّر الأصولي المعاصر لهو علامة بيّنة على كوجيطو الكراهيّة. ولأنّ الكره لا يفكّر فهو يقتل : وهذا ما يجعل الشباب الإسلامي المتطرّف يمتهن حرفة القتل حيثما حلّ في العالم : فكيف يقدم شابّ في مقتبل العمر على دحس أبرياء في الطريق وقتلهم أو على تفجير أمكنة مدنيّة وقتل أناس لا ذنب لهم غير أنّهم يوجدون في مكان ما ،أويأكلون أو يرقصون أو ينامون..؟ نعم نحن ننتمي الى تاريخ طويل من الكراهيّة وسفك الدماء، وربّما لم يتبقّ لنا اليوم من مساحة الحبّ الخجولة غير بعض القصائد اليتيمة وأغنيات الزمن الجميل. في سياق كوجيطو الكراهية يكتب المسكيني ما يلي :"أن نكره أنفسنا هو صيغة مرعبة عن كوجيطو معطّل من الداخل" هذه حقيقة صادمة . إنّ الإنسان في ديارنا مكنة معطوبة ينبغي إصلاحها وتجديد طاقتها على محبّة الحياة. من أجل ذلك علينا أن نتجرّأ على مصارحة أنفسنا بأمراضها ونقاط عطالتها وإلاّ تحوّلنا الى مسخرة التاريخ . يقول المسكيني :" الكراهيّة هي فضيلة العبيد أولئك الذين كفّوا عن خلق أنفسهم منذ وقت طويل". كيف نتحرّر من تاريخ الكراهيّة ؟ وكيف نؤرّخ لأنفسنا من وجهة نظر الحبّ ؟ يمكن للشعراء والموسيقيين والأدباء ههنا أن يكونوا مرّة أخرى طاقة مجدّدة للروح العميقة التي تخصّنا، لكن شريطة أن يصاحبهم الفيلسوف نحو الدرب الذي قد يؤدّي الى اختراع المستقبل. لا مستقبل للكراهيّة..وحده الحبّ يبني الأوطان ويبدع المستحيل كلّما استولت الدول على سياسات الممكن.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,105,704,337
- كيف بإله ينصف حلم السمك ؟
- سياسات العبث ..قد تعمّر طويلا
- لن تجنّ وحيدا هذا اليوم في جمالية الخطاب الواصف
- لا شيء يشجّعك على أن تبقى واقفا - من روايتي -لن تُجنّ وحيدا ...
- حلم يتشرّد ...
- تراود الحرف على التعب ..
- ما الذي يحدث على عتبة - الله الاسلامي - ؟
- أي رحيل يشبه رحيلهم ؟...
- أضناها القرنفل ذات مساء ..
- شهقة الياسمين
- تضاريس على قلق...
- العنف و الهوية
- جاء يؤجّل قتله ليلة أخرى ... الى روح الشهيد شكري بلعيد في أر ...
- كم ثمن الحريّة ؟ أو في امكانيات ابداع المستقبل ..
- القتل التكنوقراطي
- تنام خارج أحلامها ...
- يبيعون الأصفاد بالحلوى ..
- عائد من موته الى موتنا ..
- قتلوه خوفا من صوته فقتلهم بموته ..
- شهادة وفاة حكومة لم تعرف الطريق الى القبر ..


المزيد.....




- اكتشاف مقبرة عمرها أكثر من 4 آلاف عام في مصر
- في أحدث إطلالة لها.. كايلي جينر ترتدي فستان لمصمم كويتي
- الامة القومـي يعلن وصول الإمام الصـادق المهدي للبـلاد في الخ ...
- الدقير يرفض التراشق مع أبو عيسى ويجدِّد دعوته للعمل المشترك ...
- وسط توقعات لهجوم تركي.. التحالف الدولي يعزز قواته شرق الفرات ...
- وزير الخارجية الألماني في بغداد في زيارة رسمية
- نتنياهو يتحدث عن عملية تطبيع جارية مع العرب ويذكر دولة وإمار ...
- والد ميغان ماركل يطلب من ملكة بريطانيا أن تصالحه مع ابنته في ...
- تركيا -فقدت الأمل- في إسقاط الأسد
- حكم نادر بتبني مثلي في سنغافورة طفلا ولد من رحم مؤجر


المزيد.....

- مراجعة ل حقوق النساء في الإسلام: من العدالة النسبية إلى الإن ... / توفيق السيف
- هل يمكن إصلاح الرأسمالية؟ / محمود يوسف بكير
- ملكية برلمانية ام جمهورية برلمانية .. اي تغيير جذري سيكون با ... / سعيد الوجاني
- محمد ومعاوية - التاريخ المجهول / هشام حتاته
- ابستمولوجيا العلاقات الدولية / مروان حج محمد
- نشوء الأمم / انطون سعادة
- جنون الخلود / انطون سعادة
- اللفياثان المريض..ثنائية الطغيان السياسي والعجز التنموي للدو ... / مجدى عبد الهادى
- الأقتصاد الريعي المركزي ومأزق انفلات السوق / د.مظهر محمد صالح
- الحوار المستحيل / سعود سالم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - أم الزين بنشيخة المسكيني - الحب في ثقافة المقاومة