أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - مصطفى فؤاد عبيد - فلسفة المراجعات الفكرية














المزيد.....

فلسفة المراجعات الفكرية


مصطفى فؤاد عبيد
الحوار المتمدن-العدد: 5653 - 2017 / 9 / 28 - 18:14
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    




بالرغم من الكم الهائل للاختراعات والاكتشافات العلمية التي توصل إليها العلماء والباحثين في مختلف المجالات، والتي كان معظمها مسخراً لصالح البشرية جمعاء وساهمت في حل المشكلات وصناعة التطور والتقدم الحضاري والتنمية والازدهار في كل مكان حول العالم، إلاّ أن بعض أولئك المخترعين أبدو أسفهم وندمهم الشديد على اختراعات محددة توصلوا إليها وكانت سبباً في تأجيج الحروب والصراعات بين الأمم وزيادة حجم الدمار والخراب وارتفاع في أعداد الضحايا الأبرياء نتيجة لاستخدامها، حتى أننا لم نشهد، وربما لن نشهد أبداً، أن أبدى أي شخص ممن استعملوا تلك الاختراعات عن ندمه أو أسفه الصادق لاستعمالها المباشر أو غير المباشر في إيقاع الدمار والخراب وقتل الأبرياء!!

وإذا تأملنا موقف المخترعين الذين عبروا، بصدق، عن ندمهم وأسفهم على اختراعاتهم المدمرة نجد أنهم إنما كانوا في حقيقة الأمر يعبرون عن أسفهم وندمهم على تكبدهم عناء البحث والدراسة والتحليل وقضاءهم الوقت الطويل في مختبراتهم العلمية وبذلهم للجهد الكبير في التفكير حتى توصلوا إلى تلك الاختراعات التي تبين لهم لاحقاً أنها سيئة وما كان لهم أن يتوصلوا إليها ولا تتناسب مع غاياتهم وأهدافهم النبيلة، بحيث تسبب لهم ذلك في شعورهم الصادق بالندم والنابع من ضميرهم العلمي والبحثي المستقر في وجدانهم، وقد شكل لهم هذا الموقف نقطة تحول ودفعهم لإجراء ما يمكن تسميته مراجعة فكرية بحثية شاملة لما يقومون به من أبحاث ويتوصلون له من اختراعات، وهذا ما يفسر ندرة تكرار الاختراعات من هذا النوع من المخترع الواحد على مر الأجيال.

أما الأشخاص الذين استعملوا تلك الاختراعات في التدمير فإنهم لم يمروا بكل تلك المراحل البحثية والفكرية أصلاً، ولم يبذلوا الوقت والجهد بنفس القدر الذي بذله مخترعوها، بل ربما لم يكلفهم الأمر سوى توقيع الأوامر على الورق أو الاتصال أو الإشارة أو حتى مجرد ضغطة زر، وبالتالي فإن شعورهم بالندم، إن وُجد، فإنه لا يعدو أن يكون شعوراً وقتياً على استعمالها في المكان أو الوقت غير المناسب، وبالتالي فهو شعور لا يُشكل لهم نقطة تحول ولا يدفعهم إلى إجراء أية مراجعات فكرية من أي نوع، وذلك لأنهم نادمون على قرار لحظي وليس على مسيرة فكرية بحثية طويلة المدى أدت إلى اختراع سيء، حتى أنهم ربما يعاودون استخدام تلك الاختراعات مراراً وتكراراً في مواقف أخرى وقد يصل بهم الأمر أن يتمسكوا بها أكثر من مخترعيها الأصليين، لأنها تحقق غاياتهم وأهدافهم من استعمالها في حروبهم وصراعاتهم الخاصة.

وعلى الجانب الآخر من العلوم، وفيما يخص العلوم الإنسانية والنشاط الفكري الإنساني بشكل عام، فإن المتأمل لمسيرة الفكر والفلسفة والثقافة في عصرنا هذا يلحظ ندرة المفكرين والفلاسفة أولاً، وندرة مراجعاتهم وتحولاتهم الفكرية الإستراتيجية، كما يمكن أن يلحظ الثبات النسبي المستقر لأفكارهم ومعتقداتهم على مر الأجيال، إلى الدرجة التي يظلون فيها متمسكين بتلك الأفكار والمعتقدات حتى بعد تلاشي منابعها الأصلية التي أثبتت فشلها في تحقيق الأهداف والغايات التي تأسست من أجلها، بحيث تبدو حالة الثبات الدقيق لأفكارهم ومعتقداتهم ورؤاهم تجاه مختلف قضايا المجتمع العصرية وكأنها حالة من السبات العميق الذي يغيبهم عن كل ما يحدث من تغيرات وتطورات في مجتمعاتهم وسائر المجتمعات الأخرى حول العالم.

وبالقياس على فلسفة العلماء والباحثين المتخصصين في العلوم الطبيعية الذين شعروا بالندم وقام كل منهم بإجراء مراجعة فكرية بعد مسيرة بحثية طويلة انتهت بتوصله للاخترع الذي لم يتوافق مع أهدافه وغاياته، فإنه يمكن استنباط أن الثبات أو حتى التحجّر الفكري وندرة المراجعات والتحولات الفكرية الإنسانية الإستراتيجية في المجتمعات العربية والعالمية في هذا العصر هو نتيجة منطقية لكون معظم المفكرين والمثقفين والعلماء والباحثين الحاليين قد قاموا بنسخ أفكارهم ومعتقداتهم عن مفكرين ومثقفين وفلاسفة سابقين توارثوها عنهم عبر الأجيال، فهم لا يمتلكون المسيرة الفكرية الخاصة بهم ولم يمروا بكل المراحل الفكرية والبحثية التي مر بها أصحابها المفكرين الأصليين، والذين لو كانوا أحياء الآن لربما قاموا هم بالمراجعات والتحولات الفكرية التي تلزم وتتوافق مع كل التغيرات والتطورات الحالية وبما يساهم في حل المشكلات والصراعات وتحقيق الأهداف والغايات التي سعوا إلى تحقيقها في زمانهم.

إن إجراء أية مراجعة فكرية إستراتيجية ناجحة في هذا العصر، سواء كانت من قِبل الأفراد أو المؤسسات أو حتى المجتمعات، يستلزم أولاً، وقبل أي شيء آخر، وجود المسيرة الفكرية التي تتطلب المراجعة أصلاً، مسيرة فكرية طويلة المدى فيها من التركيز والتأمل والاستبصار أكثر مما فيها من التشتيت والتململ والاستهتار، وفيها من الاستقلالية والإقدام والانتصار أكثر مما فيها من التبعية والانهزام والانكسار، فلسفتها التأسيس والإبداع والابتكار وليس النسخ والتقليد والاندثار، ومتى توفرت مثل هذه المسيرة الفكرية فإنه يمكن إجراء المراجعة الفكرية بالمعنى الحقيقي لها، بحيث تعبر هذه المراجعة عن الرغبة في التغيير والحصول على نتائج أفضل على المدى الإستراتيجي البعيد وتحقيق الغايات الإنسانية النبيلة عوضاً عن تحقيق المصالح الفردية الضئيلة، تماماً مثلما حدث مع المخترعين في العلوم الطبيعية.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- فلسفة الفقه والفقه الُمقارن .. بين الشريعة والقانون!!
- الأديان ونظم تشغيل الكمبيوتر Religions & Operating Systems
- نحو التطوير الإستراتيجي لمنظومة الاقتصاد (4) تصحيح ثقافة ترش ...
- ثنائية العالِم والمثقف العربي في العصر الحديث
- نحو التطوير الإستراتيجي للنظم القانونية (3) استقراء القاعدة ...
- نحو التطوير الإستراتيجي لمنظومة التربية والتعليم (6) مفارقة ...
- تصورات نقدية حول نظرية المؤامرة
- نحو التطوير الإستراتيجي لمنظومة التربية والتعليم(5) تعدد فتر ...
- نظريات تطوير المناهج التعليمية الحديثة (3) التطوير التفاعلي
- نظريات تطوير المناهج التعليمية الحديثة (2) المعايير العقلية ...
- نظريات تطوير المناهج التعليمية الحديثة (1) نظرية الثبات الكم ...
- نحو التطوير الإستراتيجي لمنظومة الأمن (6) نظريات الإدارة الأ ...
- نحو التطوير الإستراتيجي لمنظومة الفساد (2) درجات الفساد
- نحو التطوير الإستراتيجي لمنظومة الفساد (1) مخارج الطوارئ
- نظريات الإدارة الأمنية الإستراتيجية (5) التنسيق والتعاون الأ ...
- نحو التطوير الإستراتيجي لمنظومة التدريب والتنمية البشرية (1) ...
- نحو تطوير الفنون والثقافة الفنية والتذوق الفني – 4 تطوير الش ...
- نحو إصلاح وتطوير منظومة التعليم العالي والبحث العلمي(5) ثقاف ...
- نحو التطوير الإستراتيجي لمنظومة الأمن (4) مفارقة شخصية رجل ا ...
- أسرار التنمية الإستراتيجية الحديثة (1) مركز الثقل التنموي


المزيد.....




- باكستان: 4 قتلى بهجوم انتحاري استهدف كنيسة بقداس الأحد
- قواعد ارتداء البدلة المثالية.. من -سيد- الأزياء الرجّالية!
- الآلاف يحتجون وسط جاكرتا على قرار ترامب بشأن القدس
- علماء روس يتحكمون بالأجهزة عن بعد بحركة الإنسان
- -سيلفي تشينو- فن جديد للرسم على القهوة
- انتحار 5 أطفال في الجزائر بعد استخدامهم لعبة الحوت الأزرق
- -الملك- جيمس يواصل تسلق سلم المجد بالسلة الأميركية
- واشنطن بوست تدعو لمواجهة تهديد روسيا للانتخابات الأميركية
- الأردن 2017.. القدس تقلب الأولويات
- انطلاق أعمال قمة -الإيكواس- في أبوجا


المزيد.....

- الاسلوب القويم لتعامل الاسرة مع اطفالها / حامد الحمداني
- ما بعد الحداثة / نايف سلوم
- في ذكرى يومها العالمي: الفلسفة ليست غير الحرية في تعريفها ال ... / حسين الهنداوي
- النموذج النظري للترجمة العربية للنص الفلسفي عند طه عبد الرحم ... / تفروت لحسن
- السوفسطائي سقراط وصغاره / الطيب بوعزة
- في علم اجتماع الفرد / وديع العبيدي
- أرسطو و النظريات ما قبل سقراطية حول المعرفة / الشريف ازكنداوي
- نظرية القيمة / رمضان الصباغ
- نسق اربان القيمى / رمضان الصباغ
- نسق -اربان - القيمى / رمضان الصباغ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - مصطفى فؤاد عبيد - فلسفة المراجعات الفكرية