أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - قراءات في عالم الكتب و المطبوعات - محمد الأزرقي - قراءة في كتاب چومسكي -وداعا للحلم الأمريكي-















المزيد.....



قراءة في كتاب چومسكي -وداعا للحلم الأمريكي-


محمد الأزرقي
الحوار المتمدن-العدد: 5632 - 2017 / 9 / 6 - 01:14
المحور: قراءات في عالم الكتب و المطبوعات
    


وُضِع هذا الكتاب ليستعرض الأسس العشرة، التي ناقشها المفكّر الكبير چومسكي في فلم وثائقي تعاون پيتر هوچيچسُن وكلي نايكس وجارِد سكَوت في إعداده وإخراجه. يفتتح المؤلف فصله الأول بالمقارنة بين افكار ماديسُن حول الديمقراطية وضرورة حصر السلطة بيد القلة من الإثرياء وتقديمها بهذه الصورة الناقصة، بعذر حماية الأقلية الغنية من "طغيان الأكثرية،" وبيّن افكار جفرسُن لوضع السلطة بيد الشعب. كان هذا الأخير طبعا في صفّ الديمقراطيين ومعارضا لطبقة الإرستقراطيين. الفكرة الأساسية هي أنّ الأرستقراطيين يعتبرون أنفسهم القوة التي يجب الوثوق بها من بين جماعة من الأشخاص المتميّزين بشكل خاص، ومن ذوي النفوذ القادرين على اتخاذ القرارات وعمل الأشياء الصائبة. أمّا الديمقراطيون، فقد اعتقدوا أنّ السلطة يجب أن تكون في أيدي الشعب. وفي النهاية، فإنّ هؤلاء هم مصدر القرارات التي يتمّ اتخاذها. وهم ايضا من يقومون بالإجراءات المعقولة. وإذا كنّا نحب تلك القرارات أم لا، فإنّ ذلك ما يجب علينا دعمه.
ثمّ ينتقل المؤلف ليشرح طبيعة آثام المجتمع الأمريكي ويركز أوّلا عل قضية إبادة السكان الأصليين للبلد والقضاء على ثقافتهم وحضارتهم ووجودهم. وهذه ظاهرة استعمارية مورست في مناطق عديدة من العالم، من ضمنها استراليا. وجدير بالذكر أنّ تلك الإبادة شملت الإستيلاء على بعض المقتنيات وسرقتها وعرضها في متاحف الجامعات والمتاحف الوطنية. فمثلا رفضت جامعة كيمبرج طلبا من استرالي لإعادة قطع أثرية مهمة تعود للسكان الأصليين في بلاده بعد أن أخذها المستكشف البريطاني جيمس كوك قبل 250 عاما.
ويسعى رودني كيلي إلى استعادة أربعة رماح من متحف الحضارة القديمة والإنثربولوجيا التابع للجامعة بالنيابة عن شعب گويگال الذي كان يسكن الأجزاء الجنوبية من سيدني، أكبر مدن استراليا. وتقول الجامعة إنّ الكابتن كوك أخذ الرماح بعد أول مواجهة عنيفة بين سكان أصليين وأوروپيين على سواحل خليج پوتاني في سيدني في عام 1770. كما أخذ أيضا درعا موجودا حاليا في المتحف البريطاني. ويطالب كيلي أيضا باسترداده. [http://ara.reuters.com/article/entertainmentNews/idARAKBN1980HY] وتعدّ تلك القطع الأثرية رمزا مهما لأول اتصال بين البريطانيين والسكان الأصليين لأستراليا ومقاومة الاستعمار، لكنّ جامعة كيمبرج رفضت الطلب لاستعادتها.
ثمّ يتعرض چومسكي للأثم الآخر، وهو نظام العبودية. يقول إنّه تمّ اختطف قوم كثار من بيئتهم وحضارتهم وقبائلهم في افريقيا. نقِلوا عبر البحار والمحيطات وهم مكبّلون بالأغلال ليكونوا عبيدا ممتلكين يعملون في الحقول والمزارع التي يمتلكها البيض لزراعة القطن والتبغ في جنوب البلاد، حين كانت جزء من التاج البريطاني. يتعرض المؤلف لهذه الظاهرة بالتفصيل في كتابه المعنون "عن الإرهاب الغربي" الذي ترجمته ونُشر في بيروت من قبل الدار العربية للعلوم- ناشرون.
يعود المؤلف بنا الى اواخر القرن الثامن عشر، ليذكّرنا أنّه كانت توجد وجهات نظر متعارضة حول كيفية تنظيم المجتمع وبنائه. وهناك عنصر رئيسي يجب ألّا يغيب عن الأذهان وهو التأثير الغالب للولايات الجنوبية التي تقوم على العبودية. في الحقيقة أنّ وجود العبودية برأيه كان سببا في اندلاع الثورة الأمريكية. بحلول عام 1770، صرّح بعض القضاة البريطانيين، مثل اللورد مانسفيلد، في مطالعته الشهيرة قائلا، "إنّنا اوضحنا بشكل صريح أنّ نظام العبودية فاحش وقذر ويجب عدم تحمّله." كان مالكو العبيد من الأمريكيين في الجنوب يرون ذلك "مكتوبا على الجدران"، كما يُقال. ورأى اللورد مانسفيلد أنّه لو استمرّت المستعمرات الأولى تابعة للتاج البريطاني لكان تمّ الغاء العبودية واصبحت لا شرعية. توجد دلائل قوية على أنّ هذا الموضوع كان عاملا رئيسيا في قيام الثورة، التي ساهمت فيها ولايات العبيد بشكل فعّال، وكانت فرجينيا أكثرها قوة. ومقابل ذلك ظهرت بدايات المعارضة للعبودية في شمال شرقي البلاد، لكنّها كانت محدودة، والدستور يعكس ذلك، حسب رأي المؤلف.
يستشهد چومسكي بآراء عدد من المفكرين والفلاسفة القدماء والمحدثين، فتضم القائمة ماديسُن وجفرسُن وأرسطو و سومرست ف. ستيوَرت واللورد مانسفيلد ومالكُم أكس ومارتن لوثر كينگ وگيلورد نلسُن. يورد مثلا ما ذكر أرسطو بأنّ الفاقة والعوز هما سبب عاهات الديمقراطية، وهذا هو ما يبرر وجوب اتخاذ خطوات لضمان مستوى دائم من الرفاهية. هذا في الحقيقة من مصلحة كافة الطبقات، بما فيه طبقة الأثرياء ذاتهم. ولذلك فإنّ السياسة الرشيدة هي جمع الفائض من الثروة ومن ثمّ توزيعه بصورة مجموعة من الهبات تُمنح للفقراء، والطريقة المثلى لتوزيع هذه الهبات، لو تجمّع فائض كاف منها، هو تشجيع هؤلاء لشراء قطع من الأرض لاستثمارها. وإذا كانت الهبات كبيرة، فعلى مستلميها أن يبدأوا مشاريع تجارية أو زراعية.
ينبهنا چومسكي في الفصل الثاني من كتابه الى أنّ ثورة الشباب الجامعي خاصة في الستينات قد اولدت ردود فعل مخيفة بالنسبة للطبقة الأرستقراطية في البلاد، والتي شعرت أنّ وجودها مهدّد فعلا وأنّ قبضتها على السلطة قد ارتخت. يشير الى مذكرة وجّهها عضو المحكمة العليا في البلد، لِوِس پاول، الى اعضاء غرفة التجارة، قال فيها، "المالكون والأثرياء جدّا يخضعون للإضطهاد الشامل أكثر من غيرهم. لقد تمّت السيطرة على كلّ شيء من قبل اليسار المحموم بقيادة هربرت ماركوس ورالف نادر والإعلام والجامعات. لكنّنا نحن، الذين نمتلك المال، علينا أن نصدّ الهجوم وندحره. المطلوب منّا أن نستعمل قوّتنا الإقتصادية لإنقاد الحرية" – بمعنى قوّتنا. ومن الطبيعي أن يضع تلك الأفكار بلغة المدافع، "الدفاع عن انفسنا ضدّ القوّة الخارجية ضروري." ولكن لو تمعّنا بالأمر لوجدنا أنّه دعوة لرجال الأعمال لاستعمال سيطرتهم على المصادر من أجل القيام بهجوم رئيسي لدفع موجة الديمقراطية. وهكذا صار، فتأسست مراكز التوجيه الفكري Think Tanks والجماعات التي تدافع عن الإحتكارت والشركات الكبرى Lobbyists وتزايد قوّة سوق الأموال.
إنْ كان الاقتصاد النيوليبرالي الحديث قد أعطانا وول ستريت وقدرتها الماليّة، فإنّ التأثير السياسي للأثرياء مصدره قرارٌ في عام 2010 للمحكمة العليا الأمريكيّة، سمح فعليّاً للأثرياء والشركات بتمويل السياسة والحملات الانتخابية بشكلٍ غير محدود. في السّابق، كان التمويل السياسي مرتبطاً بالتبرّع مباشرةً للمرشّح، وكان هناك سقفٌ للتبرّعات لكلّ فرد، حوالي عشرة آلاف دولار. كان بالإمكان الالتفاف على هذا السقف عبر أن يتبرّع رجل الأعمال باسمه واسم أفراد عائلته وموظّفيه، وتقوم الشركات الكبرى بخلق لوبيات تصنع مئات المنظّمات/الواجهات لغرض تجميع التمويل تحديداً. غير أنّ قرار المحكمة العليا غيّر كلّ شيء. صار بإمكان أيّ ثريّ أن ينشىء منظّمة تدعم مرشّحاً معيّنا، طالما أنه لا يعطي المال الى حملته مباشرة، وأن يرفدها بعشرات ملايين الدولارات. ازداد منذ عام 2010، نفوذ كبار الأثرياء في واشنطن بشكل هائل وأصبحوا يصنعون السياسة ويختارون المرشّحين، ولا يكتفون بدعمهم عبر إرسال الشيكات.
تقول مجلة نيويوركر أنّه أصبح هناك نوعان من متموّلي السياسة، أثرياء مثل زوكربرگ، صاحب الفيسبُك، ممّن يدفعون خلال المواسم الانتخابيّة فحسب، بينما وجد آخرون مثل عائلة كوخ وميرسر وغيرهم أنّ الاستثمار الأجدى هو في تمويل مؤسسات ومراكز اعلامية والتأثير على الرأي العام على المدى الطويل، وأن تفرض ارادتها مباشرة في السياسة، بدلاً من الاكتفاء بدعم مرشّحٍ ما. السّياسة الأمريكية، بمعنى آخر، أصبحت تشبه العالم "المثالي" الذي يتخيّله روبرت ميرسِر، القوي والذكي والثري الذي يفرض نفسه بماله، وتصبح ارادته ارادة الجماعة وأفكاره رأياً عاماً. [http://www.al-akhbar.com/node/274434] مع فتح الباب على مصراعيه أمام التمويل السياسي، أصبح البليونير الأمريكي يجمع، للمرّة الأولى، بين السلطة المالية والتأثير السياسي، أي انّه رجلٌ منيع، لا شيء يمنعه عن تحقيق ما يريد، طالما أنّ كلّ شيءٍ يُشرى بالمال. فمثلا، يؤمن ميرسِر بأنّ الإحتباس الحراري حجّة واهية، فموّل دراساتٍ وأبحاثاً تناسب هواه، وكاد أن يجعل من عالِمه المفضّل، وهو عالمٌ في الكيمياء الحيويّة، ينكر الإحتباس الحراري، رئيساً لوكالة البيئة.
ألغيَ التعليم الجامعي العام المجاني انتقاما من الطلبة الذين تصدّروا حركة الستينات وقاوموا حرب فيتنام بالإحتجاجات الصاخبة، فاصبح لزاما عليهم أنْ يلجأوا الى القروض لإكمال تعليمهم ، حتى وصلت الآن الى مستوى خيالي، يُقدّر بما مجموعه 1.4 تريليون دولارا. يقول چومسكي ، "إنّه لا تتوفر لدينا وثائق تدلّ على أنّ هذه الزيادة غير المعهودة قد خُطِط لها بشكل مقصود من قبل جهة ما. ولكن باستطاعة القارئ أن يدرك النتائج التي نجمت عنها. فهي أوّلا أدّت الى حرمان قطعات كبيرة من المواطنين من فرص التعليم الجامعي. وحتى الذين تمكّنوا من تجاوز هذه العقبة، وجدوا انفسهم وقد وقعوا في فخّ الديون. يتخرج الطالب/الطالبة من الكلية ليجد نفسه مدينا بملغ يتجاوز 100000 دولارا." الخريجون في فخّ محكم وأمامهم اختيارات محدودة للخروج من هذه الورطة. أعِدِّت هذه القروض الدراسية بشكل يتطلب من المدين دفعها، ولا يجوز بأيّ حال من الأحوال لأيّ من هؤلاء الخريجين أن يعلن افلاسه، كطريقة للتخلص من ذلك الدين، كما يُتاح لمن يقترض مبلغا لأجل فتح عمل أو يستلم قرضا شخصيا. فقروض الطلبة تبقى طوقا معلقا في اعناق الخريجين ما دام الشخص حيّا.
حتى التعليم الإبتدائي والثانوي خضعا للمراجعة والتغيير. أصبح الميل في مناهج التعليم لهاتين المرحلتين يركز على المهارات الميكانيكية، على حساب الإبداع والإستقلالية لدى الطلبة ومن يدرّسونهم. اصبح الهدف هو "التعليم من أجل اجتياز الإختبارات" أو تطبيق "القانون الخاص بتوفير وتحسين الدراسة حتى نهاية المرحلة الثانوية" No Child Left Behind أو "السباق الى القمّة." اعتقد أنّ كلّ هذه الشعارات، يجب أن تُعتبر طرقا من أجل السيطرة والتوجيه الفكري. ومن الطبيعي أنّ ما صاحب ذلك من الطرق الأخرى هو لغرض الغاء كافة فرص التعليم المجاني واختزالها. ثمّ اختلقوا ما يُسمّى المدارس المتميزة Charter Schools. يهدف هذا النوع من المدارس الى تحويل المعونات المالية الحكومية، التي تخصصها الدولة للتعليم العام، لتصبح من نصيب المدارس المتميزة الخاصة هذه. وذلك يعني اضعاف نظام التعليم العام، ولربّما موته ووضع نهاية له.
تمّ يطرح المؤلف فكرة أخرى تجاوبا مع احداث فترة الستينات، وهي اعادة النظر في طراز عمارة بناء الكليات. فالمباني الجديدة للكليات، وهذا بمحض الصدفة كان عالميا حسب قوله، قد صُمّمت لتكون في أماكن متباعدة ومنعزلة يمكن التحكّم بها للحيلولة دون قيام تجمعات كبيرة للطلبة. وعليه يمكن دفعهم في الأروقة للسيطرة على تحرّكاتهم، أو شيء من هذا القبيل، إضافة لذلك يجب عدم السماح ببناء قاعات واسعة تستوعب اعدادا كبيرة من الحضور مثل قاعة سپراول في بركلي، حيث أمكن للطلبة أن يتجمعوا ويعملوا ما يشاؤون في تلك الفترة، حسب قوله.
وما دمنا بصدد ذكر فترة الستينات وحرب فيتنام، خطر في ذهني سؤال عن الرؤساء الذين كانوا شبابا في تلك الفترة. جورج بُش، الإبن، تطوّع في الحرس الوطني ليتحاشى الخدمة العسكرية في فيتنام. بل كلنتن، حصل على تأجيل الإلتحاق لمدة عام حين كان طالبا في جامعة جورجتاون، مُدّد التأجيل عاما آخر حين ذهب للدراسة في جامعة كمبرج. سجّل حين عاد وتقرر أن يخدم في سلك البحرية، لكنّه لم يلتحق وداهن واختلق الإعذار، واعتبر ذلك جناية Felony تحرمه من شغل أيّة وظيفة حكومية. الغيت الجناية بأمر من الرئيس كارتر عام 1977 فتمكن كلنتُن من ترشيح نفسه كمدّع عام في ولاية اركنسا، وفُتِح الطريق امامه ليصبح رئيسا للبلاد عام 1992. [http://www.snopes.com/politics/clintons/felon.asp]. أمّا دونلد ترامب، فقصته لا تختلف كثيرا. حصل على تأجيل لمدة اربعة اعوام متتالية باعتباره طالبا جامعيا. في العام الخامس حصل على اعفاء طبّي بحجة أنّه يعاني من شيء ما في قدمه لا يمكّنه من الخدمة العسكرية، في حين [https://www.nytimes.com/2016/08/02/us/politics/donald-trump-draft-record.html] كانت ارواح ابناء الفقراء تُحصد كلّ يوم في ادغال فيتنام.
يعرّج چومسكي في الفصل الثالث من کتابه على زيادة دور المؤسسات المالية في هيكلية الإقتصاد. كانت شركات الصناعة بأشكالها المتنوعة هي عماد الإقتصاد وبالتالي صاحبة النفوذ والسطوة. تغيّر الأمر وقفزت المؤسسات المالية لتتصدّر السيادة. كانت المؤسسات المالية في العادة تشغل حيّزا صغيرا في الإقتصاد، ومهمّتها توزيع الأموال غير المستخدمة في بنوك الإدّخار لإدخالها في مجالات الإنتاجية. اصبح ذلك هو اسهامها في الإقتصاد وتمّ استحداث نظام لمراقبتها، وبذلك اصبحت تلك البنوك خاضعة للمتابعة. كانت بنوك [https://www.my.mec.biz/t30904.html#.WVQ4LuvyvZ4 ] الإستثمار مفصولة عن البنوك التجارية التي تتعامل مع الإدّخارات، والتي هي بدورها حذرة جدّا من القيام بأيّة محاولة للمجازفة في اموال المدّخرين في مسائل الإستثمار، التي قد تلحق الضّرر بمصالح المواطنين.

كان يوجد لغاية مطلع السبعينات نظام اقتصادي عالمي، وضعه المنتصرون في الحرب العالمية الثانية، خاصّة الولايات المتحدة وبريطانيا. قام هاري دكستر وايت، بتمثيل الولايات المتحدة، في حين قام جون تَينرد كينِز بتمثيل بريطانيا. أطلِق على النظام الجديد اسم نظام برِتن وودز Bretton Woods System، وتولى مسألة تدفق رأس المال، بحيث تكون قيمة العملات العالمية محسوبة نسبيّا بالدولار، الذي كان مغطىً بالذهب. كان هناك مجال محدود للمضاربة بالعُملة، لأنّه لا مجال لمثل ذلك اطلاقا. يعتقد بعض الإقتصاديين العرب أنّ تلك الخطوة هي أكبر خدعة في التاريخ، وأنّ النظام المالي العالمي بوضعه الحالي واعتماده على الدولار هو عملية احتيال عظمى مكتملة الأركان. فالدولار أو أيّ عملة، مثله مثل أيّ سلعة يزيد سعرها بزياده الطلب عليها. هذه هي الفكرة الرئيسية في استمرار سطوة الدولار كلّ هذا الوقت. "كل ما تراه حولك من تحالفات سياسية أو عداء يصل الى حد الحرب أو تعاون دولي بما فيه المعونات وقروض البنك الدولي أو أزمات اقتصادية مصطنعة أو انهيارات مالية ملفقة في الاسواق العالمية يدور حول هدف واحد هو خلق الطلب على الدولار، وكلما [http://middle-east-online.com/?id=251399] زاد الطلب عالميا على الدولار زادت قيمته وفي هذه الحالة تستطيع امريكا أن تطبع المزيد من الدولارات لتمويل احتياجاتها وجيوشها ورخائها."

وعلى أيّة حال فإنّه ما أن حلت فترة السبعينات حتى شهدنا تفكيك ذلك النظام تفكيكا كاملا. رُفعت القيود عن العملات فأدّى هذا بسرعة، وكما هو متوقع، لحدوث زيادة عالية مباشرة في مسألة المضاربة ضدّ العُملات. بحلول الثمانينات، أصبح من المجدي جدّا لشركة مثل جنرال الكترك أن تحصل على مزيد من الأرباح عن طريق التلاعب بالأموال، بدلا من تحسين انتاجها الصناعي داخل الولايات المتحدة. كما علينا أن نتذكر بأنّ هذه الشركة قد اصبحت بدرجة كبيرة مؤسسة مالية وليست صناعية كما كانت عليه من قبل. إنّها تحصل على نصف ارباحها تقريبا عن طريق نقل الأموال ضمن صفقات هنا وهناك بطرق معقدة. وليس واضحا أنّها تنتج أيّ شيء ذي قيمة اقتصادية. وعليه فإنّ ما حدث كان زيادة قاطعة في دور تموّل اقتصادها وصاحب ذلك انخفاض هائل في انتاجها الوطني. هذه ظاهرة اسميناها "تموّل الإقتصاد"، أي التحوّل من إنتاج السلع الى "انتاج" الأموال والأرباح. وصاحب ذلك نقل المعامل والتصنيع الى خارج البلاد Offshoring. صاحب ذلك الهروب ظاهرة اخرى وهي أنّ ما تصدّره الولايات المتحدة ايضا هو قيم إدارة الأعمال وتركيز الثروة بأيدي اقلية صغيرة وزيادة الضرائب على الطبقة العاملة وحرمانها من الحقوق واستغلالها وفق ابشع انواع الإستغلال، الى غير ذلك. يستطيعون جني الفوائد الكثيرة من خلال استغلال العمالة الرخيصة جدّا وغياب أيّة تقييدات مفروضة من أجل حماية البيئة. إنّ هذا ما تمّ نقله الى العالم الحقيقي، وهو نتيجة حتمية لتصميم انظمة التجارة من أجل حماية الأثرياء وذوي النفوذ.

يرى چومسكي أنّ الحلّ لمقاومة مثل هذا التجني والتسلط ممكن من خلال خلق تنظيمات فاعلة، ليس فقط للمطالبة بالإشراف على نشاطات البنوك الكبيرة ومراقبتها من قبل الحكومة، ولكن أيضا عن طريق الإصرار على شرعية الإشراف والمراقبة هذه. لا بُدّ من تحدّي المؤسسات المالية بكافة اشكالها، وبشكل واسع. "وهذه مهمة اخرى تقع ضمن مسؤولية الشعب المنظم المصرّ الملتزم بقضاياه، ليس فقط في مراقبة المؤسسات المالية، بل في طلب توضيح للأسباب الموجبة لكلّ خطوة أو إجراء تطالب به أو تنوي تطبيقه."
ثمّ يستشهد المؤلف بما ادلى به گرين سپام، المحافظ السابق لبنك الإحتياط الفدرلي، أمام لجنة الكونگرس من شهادة حول قضية غياب الأمن الوظيفي، والتي تشدّق فيها "بتهاوي ممانعة العمال خلال السنوات الأخيرة واستعدادهم لقبول زيادة محدودة في الأجور" مقابل الشعور بذلك الأمن. إنّ خلق بيئة عمل غير آمنة بشكل مقصود يُعدّ أسلوبا تستخدمه بعض الشركات من خلال فرض مطالب إضافية وممارسة ضغوط على الموظفين لأداء أعمال أكثر. إذ تعتقد هذه الشركات خطأ أنّ ذلك سيحفز الأداء. وهناك صور وأشكال مختلفة [http://www.bbc.com/arabic/vert-cap-40462369] لذلك النوع من الإدارة الخاطئة، ومن بينها القاعدة التي استخدمها جاك ويلش، الرئيس السابق لشركة جنرال إلكترِك، التي دعت إلى فصل 10% من الموظفين ذوي الأداء الأضعف. وهناك شكل آخر يعرف باسم "صعود أو خروج"، وهو يمثل ستراتيجية تستخدمها بعض الشركات في مجال القانون والاستشارات، والتي تتطلب الاستغناء عن الموظفين ذوي الأداء الضعيف، الذين لا يتقدمون في وظائفهم أو لا يحصلون على ترقيات لصعود السّلم الوظيفي.
ولكن من خلال إبقاء الموظفين على هذه الحالة من اليقظة الدائمة، وغرس مشاعر غياب الأمان الوظيفي في مكان العمل، فإنّ أصحاب العمل غالبا ما يلحقون قدرا أكبر من الضرر بموظفيهم، بدلا من تحفيزهم، حسب قول وِليَم شيمَن، رئيس مجموعة ميترس التجارية، وهي شركة أبحاث في مجال الإدارة في سمرفيل بولاية نيوجيرسي الأمريكية. يقول شيمَن حسب ما ورد في المصدر المذكور، "عندما تستخدم الشركات الأمان الوظيفي للتهديد، بدلا من استخدام أسلوب التحفيز، فإنّ ذلك يؤدي إلى نتائج عكسية، لأنّ الموظفين يفقدون شعورهم بالالتزام". ويمكن لهذا الأسلوب أنْ يدمر الثقة في مكان العمل.
يستشهد المؤلف في مطلع الفصل الرابع من كتابه بما صرّح به مدير شركة جنرال موترز قبل ستين عاما، "إنّ ما هو في صالح جنرال موترز، يصبّ في صالح البلد بكامله،" وهذا حقيقة لم يكن قولا زائفا. كما أنّ عكس المقولة صحيح هو الآخر، "ما هو في صالح البلد يصبّ في صالح جنرال موترز." ثمّ يسترجع بفخر ما قام به هنري فورد من مضاعفة اجور العمال في مصانعه ليكون بمقدور كلّ منهم أن يقتني سيّارة من تلك التي يشاركون بصنعها في معامله. لكنّ القضية لم تعد تتطابق مع واقع الحال الذي نشهده حاليا في الإقتصاد، الذي يقوم على أرقام الأرباح العالية وعلى تصنيع السلع في الخارج.
يمضي چومسكي من هناك ليستشهد برأي معاكس يتعلق بنصيحة مصرف سِتيگروپ، الذي كان، حسب اعتقاده، يجب حقا أن يكون ملكا للشعب لأنّه تمّ إنقاذه من الأفلاس عدة مرات بأموال الشعب، للمستثمرين فيه أن يزدادوا غنى ويعيشوا في رفاهية. وهذا في حقيقة الأمر مخالف تماما لما صرّح به المدير المذكور أعلاه. يمضي المصرف لينصح الإثرياء بأن يركّزوا جلّ اهتمامهم على زيادة ثرواتهم أكثر فأكثر، بما يقع حقيقة، ضمن افكار آدم سمِث المشينة جدّا حين صرّح، "كلّ شيء لنا، ولا شيء للآخرين. مَن هم الآخرون؟" وهذه حقا مشكلة عويصة، خاصة ونحن نصل الى حافة الهاوية. غير أنّه من وجهة نظر سادة العالم، الأمر لا يهمّ كثيرا ما دام الأثرياء يحصلون في الغد على الأرباح العالية. وماذا يهمّ إذا لم يجد احفادنا عالما يعيشون فيه؟ الحقيقة، أنّه موقف لا يتعلق بالأحفاد فقط، بل أنّه يتعلق ايضا بالبلد ومستقبله، حسب رأي المؤلف.
لو عدنا قليلا الى الوراء واطلعنا على التاريخ لوجدنا أنّ الرئيس روزفلت فرض نسبة ضريبة عالية على اثرياء امريكا من اصحاب الشركات الإحتكارية إبان فترة الكساد الكبير في مطلع الثلاثينات. غير أنّ تلك النسبة تلاشت مع مرور الوقت، منذ فترة السبعينات وتحوّل عبء الضريبة العالية الى عاتق المواطنين من عامّة الشعب. قام الرئيس الاميركي بَرّاك أوباما بمحاولة كسيحة لوضع اجراءات جديدة لخفض العجز العام بقيمة ثلاثة الاف مليار دولار، تشمل فرض ضريبة على الاثرياء الأمريكيين، الذين تفوق عائداتهم مليون دولارسنويا. كانت الضريبة الجديدة على الاثرياء ستحمل اسم قانون بافيت، في اشارة الى الملياردير وارِن بافيت، الذي صرح قبلها أنّ الامريكيين الاكثر ثراء تفرض عليهم ضرائب اقلّ مما يُفرض على الطبقات الوسطى، بما فيهم سكرتيرته الخاصة! وعليه، دعا البرلمانيين الى زيادة الضرائب على الاكثر ثراء بهدف خفض العجز الكبير في ميزانية البلاد. [http://www.jordanzad.com/-print-.php?id=55733] فبعض اصحاب الملايين في الولايات المتحدة لا تفرض عليهم ضرائب عالية لأنّ الارباح التي يجنونها من استثماراتهم لا تزال حتى الان تفرض عليها ضرائب اقلّ مما هي على الرواتب والأجور. أثار هذا الإقتراح معارضة قوية بين الجمهوريين، الذين ندّدوا بالفكرة ونعتوها بأنّها "حرب طبقات" على النظام الإقتصادي واحتكاراته الفاحشة الثراء.
جدير بالذكّر أنّ مفهوم "الاحتكار"، بالمعنى القانوني، يختلف جذريا عنه كمفهوم في الاقتصاد السياسي. في القانون الأمريكي، مثلا منذ السبعينيات، لا يتمّ النظر الى حالة على أنّها احتكار، الّا إذا أدّت الى رفع الأسعار وليس خفضها. عند الماركسيين، بدأت الرأسمالية الاحتكاريّة وقت خرجت الصناعة من نطاق وحدات انتاجٍ صغيرة ومتناثرة، وبدأ تركيز الانتاج في معامل وشركات ضخمة في أوائل القرن التاسع عشر. حين أصبحت المنافسة تقوم على الحجم والقدرة على دخول السّوق والتحكم بالأسعار وجمع الرساميل، وأصبحت تحتاج الى دعاية وشبكات توزيعٍ وتزويد. دخلت الرأسمالية في العصر الاحتكاري، وأصبحت فكرة "المنافسة الكاملة والحرة"، كما نظّر لها آباء الاقتصاد الكلاسيكي، أسطورة تشبه فكرة "المجتمع الطبيعي" لدى الفيلسوف الفرنسي، روسو. [http://www.al-akhbar.com/node/279066]

اثار چومسكي في نهاية فصله الرابع سؤالا حول كيفية اعادة عبء الضرائب الى عاتق الأغنياء بعد أن القوه على عاتق بقية المواطنين منذ فترة السبعينات. أشاد بحملة المرشح بَرني ساندرز عام 2016، واعتبر أنّ آراءه ومواقفه بشكل عامّ قد حضيت بتأييد شعبي، وكانت حتى وقت ليس بالبعيد أراء وسطية غير متطرفة إطلاقا. ومضى للقول، "إنّ ما أطلق عليه ساندرز اسم (الثورة السياسية) ما كان سيشكل صدمة أو مفاجأة كبيرة للرئيس دوايت أيزنهاور." وذلك يعني أنّ الطيف قد تحوّل الى اقصى يمين ما يريده المواطنون، وأنّ ما كان يُعتبر امرا وسطا غدا الآن تطرّفا وراديكالية.
يوجّه المؤلف بصراحته المعهودة اللوم للجمهوريّين الذين تحرّكوا كثيرا وكرّسوا نشاطاتهم ليكونوا في خدمة قطاع الإحتكارات الى الحدّ الذي جعلهم يفقدون الأمل في الحصول على الأصوات المطلوبة لتحقيق برامجهم. ولذلك إنصرفوا لتحريك قطاعات من الشعب ما كانت ضمن العملية السياسية في البلد. ويختتم فصله بسؤال محوري فحواه إنْ كان تحريك الجماهير الشعبية سيستمر ويتوسع ليكون قوة فاعلة تقف في وجه الميول الرجعية التي خلقت واقعا مريرا في هذا البلد.
أشار جومسكي الى الليبرالية الجديدة باعتبارها نوع من أنواع السياسات الاقتصادية. أخذت هذه قوة دفعها على مستوى العالم الرأسمالي الصناعي المتقدم كنوع من رد الفعل إزاء أزمة "التضخم الركودي،" التي ضربت الاقتصادات الغربية في منتصف السبعينيات من القرن المنصرم، إثر فوْرة أسعار النفط التي أعقبت حرب تشرين الأول/ أكتوبر 1973.
قبل ذلك بنحو 40 عاماً، وفي غمار أزمة الكساد الكبير في أوروپا وأمريكا بین الأعوام 1929 ـ 33، ظهر مذهب اقتصادي داخل الفكر الرأسمالي الدولي، دشّنه عالم الاقتصاد البريطاني كِنِز، يقوم على تدخل الدولة في الاقتصاد لمقاومة الكساد والبطالة عبر رفع مستوى الادّخار المنتج والاستثمار والتشغيل، انطلاقاً من أن الاقتصاد القائم على المشروعات الخاصة غير قادر في حدّ ذاته على تحقيق التوازن الكلّي بصفة تلقائية عند مستوى "التشغيل الكامل" أو قريباً منه، وفق ما دأبت على تأكيده الأدبيات الرأسمالية التقليدية. واعتبر كِنِز، في المقابل، أنّ زيادة معدل التوظف من خلال الإنفاق العام للدولة والتوسع في المشاريع العامة، داخل الاقتصاد المصاب بالركود، كفيل بحقن هذا الاقتصاد بجرعات منشطة تبدأ من زيادة الدخول الفردية والأجور، تعقبها زيادة في النفقات الاستهلاكية، وعن طريق ما أسماه "المضاعف" تحدث زيادات متتالية في مستويات الدخول حتى تصل إلى زيادة نهائية في مستوى الدخل الوطني تبلغ أضعاف الزيادة الأولية في الإنفاق العام الاستهلاكي العام والخاص.
اعتبارا من أوائل الثلاثينات، وجدت أفكار كِنِز سبيلها إلى التطبيق العملي في أوروبا والولايات المتحدة، وخصوصاً في هذه الأخيرة من خلال ما سمي العقد الجديد New Deal التي اتبعها الرئيس الأمريكي فرانكلِن روزفلت. [http://www.al-akhbar.com/node/280093] منذ أواسط الثلاثينيات وحتى أواسط السبعينيات، وعلى مدى 40 عاماً، جرى اتباع سياسات اقتصادية في الدول الصناعية الغربية قائمة على ما يطلق عليه "سياسات دولة الرفاهية" من خلال قيام جهاز الدولة بدور رائد في مضمار حفز الزيادة في دخول الأفراد ومستويات معيشتهم، ابتداء من رفع معدلات التشغيل وزيادة مستويات الأجور وبناء نظم فعالة للتأمين الاجتماعي والصحي والتأمين ضد البطالة ودعم الغذاء الأساسي والقطاع الزراعي، إلى غير ذلك من سياسات توسعية نشطة في المجال الاقتصادي، إنتاجاً وتشغيلا واستثماراً واستهلاكا وتصديرا. في منتصف السبعينيات، حدث الانقلاب الكبير في محاور السياسات الاقتصادية للدول الصناعية، في محاولة للاستجابة لتحديات أزمة التضخم الركودي، التي أتينا على ذكرها.
ترتب على ذلك الإنقلاب ما تناوله چومسكي في مطلع فصله الخامس، حين تحدّث عن مفهوم التضامن وسعي الأسياد المتنفذين الدائم لتشتيت هذا المفهوم واجتثاثه من اذهان المواطنين. فالمطلوب أن يفكرّ الشخص بقضاياه ويحصر نشاطه باموره وحده، دون أن يتضامن مع الأخرين في صورة اتحاد أو تعاونية من أجل خدمة مصالح المساهمين. شيء يشبه ما صرحت به ثاجر حول الغاء "مفهوم المجتمع" والتركيز على الفرديّة. وعليه، فإنّ البرامج القائمة على هذا المفهوم مثل الضمان الإجتماعي والتعليم والخدمات الصحية، يجب أن تكون خاضعة للخصخصة، ولا يكون فيها للمجتمع أو حتى الحكومة أيّ دور. واخيرا تطرق المؤلف في نهاية الفصل الى التطرف عند الجمهوريين الذين لا يرغبون في تدخّل الحكومة، أو حتى وجودها، كما عند گروفر نوركوِست، ذي التأثير العالي جدّا. كان صاحبنا هذا وراء القسم الذي تطلب تواقيع اعضاء الحزب الجمهوري كافة، تعهّدوا فيه بأنّهم لن يسمحوا بزيادة الضرائب والتقليل من دور الحكومة. وكما اوضح مرارا وتكرارا أنّه في الأساس ينوي الغاء دور الحكومة تماما. وهذا طبعا اقتراح يفهمه الأسياد المتنفذون جيّدا، ويعلمون جيّدا أنّه يتعارض مع مبادئ الديمقراطية. تقوم الحكومة وفق مفهومها الديمقراطي بتنفيذ الإجراءات التي تكون في الصالح العام، والتي يطالب بها المواطنون. هذا ما تعنيه الديمقراطية فعلا، في رأي چومسكي.
غير أنّ الأسياد المتنفذين طبعا يفضّلون إحكام السيطرة على الحكومة، دون تدخّل الشعب بذلك. وعليه، فإنّهم سيفرحون حين يرون الحكومة تضعف وتتلاشى وتختفي من الوجود. إمّا ذلك، أو وجودها وفق شرطين. أوّلهما، أن تكون قوية للغاية باستطاعتها تحريك دافعي الضرائب ليسرعوا الى نجدة الأسياد فتقدّم العون المالي بسخاء لكي تنقذ احتكاراتهم من الإفلاس وتزيد من ثروتهم. ضربت إدارة أوباما مثلا واضحا على ذلك حين منحت بعض الشركات الإحتكارية والمؤسسات المالية القروض فأنقذتها من الإفلاس. الشرط الثاني هو أن تكون الحكومة مدعومة بقوة عسكرية ضاربة تضمن السيطرة على العالم بكافة اركانه الأربعة.
غير أنّ سيطرتهم على القوة العسكرية تشوبها احيانا بعض الملابسات، كما حدث مع هاري ترومَن، سنة 1951، حين أعلن إعفاء الجنرال دوگلاس ماك آرثر من قيادة القوّات الأمريكية في جنوب شرق آسيا، على خلفية خلاف الأخير مع البيت الأبيض حول الستراتيجية الأفضل لإنهاء الحرب الكورية. وفي الوسع، هنا، اقتباس حكاية الرئيس السابق بَراك أوباما مع الجنرال ستانلي ماكرِستِل، حين كان الأخير قائد القوّات الأمريكية وكامل قوّات الأطلسي في أفغانستان. ابتدأت الحكاية منذ المقابلة الصحفية المثيرة التي نشرتها مجلة "رولنگ ستون" الأمريكية، وأظهرت الجنرال وهو يسخر بوضوح من كبار مسؤولي البيت الأبيض. [http://www.alquds.co.uk/?p=675818]. وبالفعل، اقتدى أوباما بأمثولة سلفه ترومَن، فأعفى الجنرال من موقعه القيادي، أو قبل استقالته على نحو ما، مشدّدا على أنّ سلوك ماكرِستِل لم يكن يلبي المعايير التي يجب أن يهتدي بها القائد العسكري، وهو سلوك يهدّد مبدأ سيطرة السلطة المدنية على الجيش. الفارق الجوهري تمثّل، مع ذلك، في أنّ الخلاف حول خيارات ستراتيجية كبرى هو الذي كان الحافز وراء قرار ترومَن بإعفاء ماك آرثر، في حين أنّ أوباما كان متفقا تماما، ما خلا تفاصيل غير أساسية وغير حاسمة، مع ستراتيجية ماكرِستِل في أفغانستان، والتي اقترحها الأخير على البيت الأبيض استجابة لطلب الإدارة الجديدة، وتمّ الإعلان عنها رسميا.

تميزت فترة حكم كِلنتُن باتجاهين، هما فسح المجال للقطاع المالي وقطاع الخدمات ليحلا محل القطاع الصناعي والتجاري في توجيه اقتصاد البلد ويلعبا فيه دورا رئيسيا. ثانيا، الغاء قوانين المراقبة المالية بشكل خاص وعدم التمييز بين بنوك التوفير وبنوك الإستثمار. وجدير بالذكر أنه كانت توجد هيئات ولجان ومجالس مهمتها مراقبة الوضع المالي للبلاد شملت التالي:

1. هيئة CFTC، وتعني هيئة المتاجرة في السلع الآجلة. وهي هيئة تابعة للكونگرس الأمريكي وتقوم بتنظيم العمل في الأسواق المالية والرقابة عليها للحدّ من المخالفات. إضافة الى ذلك سعيها المستمر لتقليل مخاطر الأسواق المالية ومشتقاتها على الإقتصاد الأمريكي وعلى جمهور المتاجرين من عملاء شركات الوساطة الأمريكية. وتصل صلاحياتها لإغلاق شركات الوساطة، بناء على ما تصدره هيئة NFA من قوانين.
2. هيئة NFA وتعني الهيئة الوطنية للعقود الآجلة، وهي هيئة مستقلة غير حكومية تضع وتطبق القوانين والتشريعات اللازمة لحماية المستثمرين واستثماراتهم من شركات الوساطة، وتسعى دائما لكسب ثقة المستثمرين بالوصول إلى أعلى مستويات الأمانة والنزاهة والشفافية.
3. هيئة تنظيم القطاع المالي FINRA. هيئة تنظيمية مستقلة تعمل بتفويض من الكونگرس الأمريكي لحماية المستثمرين في الأوراق المالية وتوفير أقصى قدر من النزاهة والأمانة.
4. NYSE . وهي شركة تابعة لبورصة نيويورك للأوراق المالية، وهي شركة مستقلة غير هادفة للربح تهدف لتعزيز سلامة السوق وحماية المستثمرين.
5. مكتب مراقبة العملة OCC . وهو مكتب مستقل في وزارة الخزانة الأمريكية ويشرف على جميع البنوك الوطنية، ومؤسسات الإدخار وفروع ووكالات المصارف والبنوك الأجنبية داخل الولايات المتحدة.

6. لجنة الأوراق المالية والبورصات SEC وهي لجنة حكومية فيدرالية تنفذ قانون الأوراق المالية الفيدرالي، وتنظم العمل في الأوراق المالية وتشرف على كافة الأنظمة والخدمات المتعلقة بها. [http://www.arabictrader.com/ar/knowledge-base/details] .

كما برزت ظاهرتان في عهد أوباما، خاصة في الفترة التي تولى فيها أرِك هولدر وزارة العدل. الأولى، حين خرجوا علينا بمفهوم "الكبار لا يسقطون" بحجة أنّ سقوط الشركات والبنوك وإغلاق المصانع يؤدي الى ارتفاع البطالة. وهذه كلمات حق يُراد بها باطل، كما الشائع عندنا. الظاهرة الأخرى هي الإكتفاء بالتحقيق في المخالفات وفرض الغرامات، دون محاكمات حتى لا يخضع أحد من مسؤولي الإحتكارات والمؤسسات المخالِفة ويقضي بعض الوقت في السجن لقضايا جنح مالية. معنى ذلك ثانية، "الكبار لا يذهبون للسجون".
يذكر المؤلف في مطلع فصله السادس أنّه في فترة التسعينات، كانت البرامج الأقتصادية بشكل كبير خلال إدارة كلنتن في عهدة روبرت روبن وجماعته. وهم جميعا من قطاع الصناعة المالية، وهدفهم الغاء قانون گلاس- سِنگال، الذي صدر في ثلاثينات القرن الماضي. نجح هؤلاء في عام 1999 في الغاء ه، بالتعاون مع الجناح اليميني من الجمهوريين بقيادة فِل گرام وآخرين. وهذا النجاح يعني بالأساس أنّ اموال عمليات المجازفة في بنوك الإستثمار اصبحت مضمونة من قبل الحكومة. بإمكان المرء أن يرى ماذا ستقود اليه هذه الخطوة. في نفس الوقت الذي مُنعت فيه المراقبة على المشتقات derivatives، وهي عمليات مالية معقدة، اصبح الأمر هو رفع كافة التقييدات. وهذا يعني أنّ البنوك في مأمن أن تعمل ما تشاء لأنّ دعم الحكومة لها مضمون.
استعرض المؤلف فيما بعد الإنجازات التي تمّت في عهد نِكسُن فقال، "لقد تمّ في فترته إقرار قانون حمایة المستهلکین CPSC وقانون مراعاة الشروط الصحية في أماكن العمل OSHA، وكذلك قانون وكالة حماية البيئة EPA." لم يفضّل رجال الأعمال هذه القوانين بمجموعها وكافة التعليمات القانونية التي وُضعت في حينها، كما لم يحبّوا زيادة الضرائب عليهم،. هبّوا من توّهم لمعارضتها فجمعوا صفوفهم للقضاء عليها من خلال جماعات الضغط ومن ثم سياسة الباب الدّوار. حين يترك اعضاء مجلس الشيوخ واعضاء مجلس النواب مناصبهم الحكومية، ومثلهم ضباط وزارة الدفاع ومنتسبي وزارة الخارجية وبعض المسؤولين في وكالات الأمن الوطني وغيرها، فإنّهم ينخرطون في انظمة القطاع التجاري، الذي تشكّل البنوك والشركات الغالبية فيه. وهي نفس الجهات التي شرّع هؤلاء القوانين لمراقبتها. وهذه طبعا نتيجة حتمية لمفهوم "وضع اليد على التعليمات القانونية." هذا هو المكان الذي ينتهي فيه هؤلاء وشركاؤهم. وعليه فهم يدخلون النظام ويخرجون منه حسب الظروف. وهذا يعني ايضا وجود حلقة محكمة تتكون من قسمين في وسطها باب دوّار يتيح لهؤلاء الإنتقال بين جانبي الحلقة بحريّة وسهولة. فمرّة هم مشرعون حكوميون ثمّ في فترة أخرى ضمن مجموعة الضغط، ثمّ يعودون للجانب الحكومي، وهكذا. الهدف هو السيطرة على المشرّعين ووضعهم في قبضة الشركة أو المؤسسة المالية التي يعملون لصالحها.
تجري محاولات متكررة من قبيل اليمين في هذه البلاد لخصخصة الضمان الإجتماعي وتقليص الرعاية الصحية في البلاد. تشير المؤشرات العالمية إلى أنّ الولايات المتحدة الأمريكية من أكثر دول العالم التي تنفق على الخدمات الصحية، حيث ينفق الأمريكيون ١٧% من إجمالي الناتج المحلي على النفقات العلاجية بمعدل ٧٢٩٠ دولارا للفرد سنويا. وبالرغم من ذلك أظهر آخر استطلاع للرأي أجرته مؤسسة هارِس أنّ 80% من الأمريكيين يرون أنّ نظام الخدمات الصحية في بلادهم بحاجة إلى تغيير شامل .لا يوجد نظام تأمين صحي شامل يغطي كافة سكان البلد، ويبلغ عدد الأشخاص الذين لا يتوفر لهم تأمين صحي١٥،٤% من إجمالي المواطنين أي نحو ٤٦،٤ مليون نسمة. [http://www.alriyadh.com/519570].
وبناء على هذا فإنّ الرئيس أوباما بذل جهد حثيثا استمر لمدة سنة، تمخّض عن اقتراحه الذي تضمن عمل كل من مجلس النواب ومجلس الشيوخ في خطة واحدة. وفى مارس 2010 وخلال الجلسات التي عقدها مجلس النواب الأمريكي والتي اتسمت بالصعوبة واختلاف الرأي ما بين المعارض والمؤيد، أعلن الكونگرس موافقته على برنامج الإصلاح الشامل للرعاية الصحية مساهما في توسيع قاعدة تأمينية لتشمل الأمريكيين دون استثناء سُمّي أوباما كير. وهذا قانون تعهد دونلد ترامپ بالغاءه وتشريع قانون آخر ليحلّ محله. غير أنّ المحاولة فشلت لحد الآن.

هذا وكان العديد من الجمهوريين، لا سيما في الجناحين المحافظ والمعتدل في الحزب، قد عبّروا عن قلق بالغ حيال مسودة القانون المعدلة للرعاية الصحية، والتي تنص على إبقاء أجزاء من برنامج أوباما كير وإلغاء جزء كبير من تمويله، وكذلك تقليص برنامج الرعاية الصحية الفيدرالية للفقراء وذوي الاحتياجات الخاصة. سيوقف مشروع القانون الجديد تدريجيا العمل بهذا البرنامج، وهو ما يخشاه جمهوريون يحذرون من خسارة ملايين المقيمين في الولايات المتحدة للتغطية الصحية. يعكس هذا الانشقاق ايضا غضبهم من عدم إلغاء الضرائب المفروضة بموجب أوباما كير. [http://www.al-akhbar.com/node/280426]

لقد تخبط ترامپ خلال الأشهر الستة الأولى في البيت الأبيض وسط الفوضى والفضائح والغضب وما يثيره، الامر الذي يمكن أن يهدد إدارته بكاملها. [https://www.annahar.com/article/622265] شهد كلّ الرؤساء أزمات بدا في حينها وكأنها ستلقي بالبيت الأبيض في مهب الريح. فمثلا، واجه إبرَهام لنكِن حربا أهلية دامية، وتعرّض بِل كلِنتُن للمهانة خلال التحقيق في فضيحة عارمة، واحتاج بَراك أوباما لخمسة أشهر لمعالجة مشكلة التسرب النفطي وأكثر لإعادة تصويب عجلة الاقتصاد. لكنّ قلة من الرؤساء تسبّبوا بمثل هذا السخط أو واجهوا كلّ هذا العدد من الأزمات، مثلما حدث مع ترامب خلال نصف سنة في الحكم.
إفتتح المؤلف فصله السابع بالإشارة الى قرار المحكمة العليا الأمريكية بصدد قضية اتحاد المواطنين وكيف أنّها اصبغت صفة الشخصنة على الإحتكارات واعطتها حرية الكلام، فتحوّل المال بسرعة الى نوع من حرية الكلام والرأي، فانهالت الأموال للتأثير على الإنتخابات. برّر القاضي كندي عن تأييده للقرار بالقول، "لقد اعطينا مؤسسة CBS الإعلامية، وهي مؤسسة احتكارية، حرية الكلام. فما المانع أن نعطي نفس الحق لمؤسسة احتكارية اخرى هي جنرال إلكترك، نفس الحق؟" يذكّرنا المؤلف أنّ القاضي المذكور قد فاته أنّ المؤسسة الأولى تعمل من أجل الخدمة العامة، وبالتالي الصالح العام.
يجب ألا نُصاب بالدوار والإمتعاض من قرارات وتبريرات على هذا النّمط، والتي يصفها المؤلف بالحلقة المفرغة. إنّه قرار لا يمكن تصديقه لأنّه وضع البلد في موقف ازدادت فيه قوّة رجال الأعمال واحتكاراتهم بشكل فاق ما كان معروفا من الناحية التاريخية. وهذا جزء من الحلقة المفرغة. "فقضاة المحكة العليا يتمّ ترشيحهم لمناصبهم من قبل رؤساء رجعيي التفكير، وهم انفسهم وصلوا الى مراكزهم بتمويل من رجال الأعمال والإحتكارات." وهكذا تسير الأمور على هذا المنوال وتكتمل في الحلقة المفرغة التي اشار اليها.
استشهد المؤلف بنظرية تومَس فرْگِسُن، المتخصص في العلوم السياسيّة والذي ركّز في بحوثه على تمويل الحملات الإنتخابية، التي اطلق عليها اسم "الإستثمار في السياسة." وهو يشير بهذا الى أنّ رجال الأعمال والمستثمرين، وليس الناخبون، هم اصحاب التأثير العظيم على النظام السياسي في البلد. عنى بهذا أنّ المرشحين سيكونون دائما في حاجة الى بلايين الدولارات لتمويل حملاتهم. والى أين ستتوجّه هذه الحملات، خاصّة بعد قرار المحكمة العليا بصدد قانون قضية اتحاد المواطنين، الذي حرّر الإحتكارات من أيّة قيود لتمويل الحملات الإنتخابية؟ "فإذا أردت أن تكون داخل اللعبة، يجب أن تذهب الى مركز النظام الإحتكاري،" حسب قوله.
يشرح چومسكي الديمقراطية الزائفة التي يشتريها اصحاب المال والنفوذ فيقول، "المرشح المدين لك بالفضل لأنّك تبرّعت لحملته بسخاء، يوسّع أمامك المجالات ويفتح الأبواب لأنّه/لأنّها تريد أن يكون التمويل مستمرّا." وحين يفوز المرشحون، فإنّ ذلك يعني أنّ محامي الإحتكارات سيتوافدون على مكاتب المشرّعين، أي الأشخاص الذين يدفعون بالقوانين الى الكونگرس للنظر فيها والمصادقة عليها وإرسالها للرئيس للتوقيع. [http://russia-now.com/ar/135277] يكون المشرّعون أحيانا حتى على غير علم بما في تلك القوانين حين يصوّتون عليها. لكنّ الأشخاص العاملين في مكاتب النواب واعضاء مجلس الشيوخ يعرفون ما فيها تماما. وهم الأشخاص الذين يجتمع بهم أوّلا ممثلو الإحتكارات lobbyists ومحاموها ويوفرون لهم المعلومات، وبالأساس هم من يعدّون النسخ الأولية للقوانين ويكتبونها شخصيّا. وعليه فإنّ ما يظهر في النهاية كنصوص قانونية، هي حقيقة ما أعده محامو الإحتكارات وممثلوها، الذين فُتِحت أمامهم ابواب الكونگرس [https://www.amazon.com/Best-Democracy-Money-Can-Buy/dp/045228567] واروقته ومكاتبه بفعل التمويل الذي قدِّم خلال الحملات الإنتخابية. وهذا بطبيعة الحال يتنافى مع فكرة الديمقراطية ومبادئها. كتب المؤلف اللاذع گرگ پَلاست كتابا شيقا عنوانه أفضل ديمقراطية يمكن أن تشتريها نقدا. تحدّث فيه عن الوهم الذي يسوّقونه في بلدهم وحول العالم.
يستذكر المؤلف انتخابات سابقة انتهت بفضيحة كبرى، حيث توقف مصير الانتخابات إلى فرز الأصوات في ولاية فلوريدا فقط، ولم يكن لأيّ من المرشحَين وزن في تلك الولاية. وكما نعلم فإنّ الجمهوريين أعطوا معلومة كاذبة لوكالة سي أن أن تفيد بأنّ المرشح بُش الإبن فاز في الولاية المذكورة. كشفت القناة عن مضمون هذه الرسالة فانهالت التهاني على المرشح بُش بما في ذلك التهاني من قبل الزعماء الأجانب، بل حتى من المرشح المنافس گور نفسه، الذي اعترف بهزيمته. وفي نظر الرأي العام أصبح مرشح ولاية تكسَس رئيسا [https://arabic.sputniknews.com/arabic.ruvr.ru/2012_08_31/86782684] قانونيا للدولة. وعندما اتضح بعد مرور عدة ساعات بأنّ فوز بُش بولاية فلوريدا لم يتم التأكد منها، والفجوة بين المرشحين لاتتجاوز نسبتها 1%، صرح گور بأنّه عازم على طلب إعادة فرز الأصوات. ونتيجة لهذا كله وبعد مرور عدة أسابيع لم يتم تحديد الفائز، ولكن في النهاية اوقفت المحكمة العليا وبشكل مفاجئ عملية إعادة فرز الأصوات، وأقرت بفوز جورج بُش على خصمه ألبرت گور.

يكيل المؤلف في مطلع فصله الثامن المديح للرئيس روزفلت، الذي تولى الحكم عام 1933، والذي عُرف عنه تعاطفه مع النقابات العمالية. ويُنقل عنه أنّه ذكر لقادة اتحادات العمال، ""يجب أن تضغطوا عليّ لتشريع هذه القوانين والتوقيع عليها. إذا تمكنتم من الضغط عليّ، فإنّي مستعدّ أن أحقق ذلك." الذي عناه في حينه أن اخرجوا الى الشوارع والساحات العامة وتظاهروا واجمعوا صفوفكم واحتجوا ونظموا حركتكم العمالية واعلنوا الإضرابات، الى غير ذلك. وحين يصبح الضغط الشعبي كافيا، فإني سأجعل من طلباتكم قوانين وتشريعات تفضلونها. وعليه، كان يوجد خليط من تعاطف الحكومة ورغبتها في تخطي الصّدمات التي تسبّب بها الكساد العظيم في تلك الفترة، والذي كان نتيجة للأزمة المالية. كانت الإدارة الأمريكية راغبة في تشريع القوانين التي تصبّ في الصالح العام.
تعود بداية النقابات العمالية في أمريكا إلى عام 1794 حين شكّل صانعو الأحذية في فيلادلفيا، التي كانت عاصمة مؤقتة لأمريكا بين عامي 1790-1800، نقابة كانت لها أهمية سابقة، ويكمن السؤال هنا، لماذا صانعو الأحذية تحديدا؟ الجواب أنّ أصحاب المهارات والحرف أسرع تشكّلا للنقابات، لأنّهم يُعتبرون ذوي شأن في مجتمعهم، ولهم تواصل شبه يومي بكافة طبقات المجتمع، حيث يبث لهم الناس همومهم. وهذا صحيح أيضا في عدة دول كبريطانيا والسويد، حيث يُعتبر عمل الصبّاغين فنّ بديع ويتبؤون منزلة عالية آنئذ. وبالجهة المقابلة أيضًا تجد أنّ العمّال الذين يتشاركون العمل في مكان واحد، كعمّال المناجم مثلاً، أقرب للتشكّل لأنّ في تشكيلاتهم تنعكس صرخات الأسى والتذمر وأحلام اليأس.
كان الرئيس الأمريكي في فترة العشرينات جمهوري هو هربرت هوفر، الذي اعتقد أنّ القطاع الخاص يجب أن يكون بمعزل عن القطاع الحكومي المليء بالتشوّهات الإدارية. ونظرا لزيادة عدد العاطلين الأمريكيين فإنّ الرئيس عمل جاهدا لطرد العمّال الذين دخلوا بصورة غير شرعية لأمريكا، لتكون هناك فرص عمل للأمريكيين، ووقع العديد من المشاريع الحكومية لإنعاش الاقتصاد لكنّ جدوى جهده لم يكن له تأثير بارز. رشّح نفسه لولاية ثانية لكنّ أصوات الناخبين أبت إلا أن تختار الديمقراطي روزفلت رئيسا جديدا للبلاد في عام 1933. [http://arb.majalla.com/2013/06/article55245953]
الحديث عن المشاريع التي تصب في مصلحة الوطن عن طريق حقوق العمال والتشريعات المتعلقة بها، يجرّنا حتما الى للحديث عن روزفلت، الذي اشتهر بحماسته المطلقة في أول 100 يوم من توليه مقاليد الحكم. قدّم الرئيس العديد من المقترحات للمجالس التشريعية بخصوص أنظمة التأمين والبنوك، والتي تمت الموافقة عليها ممّا ساهم تدريجيّا في احتواء الأزمة. لكنّ المشاريع التي أورثت روزفلت سمعته أتت من عقل مستشاره حادّ الذكاء هَري هوپكنز، الذي استحدث مؤسسات هدفها الأول توظيف من يفتقدون المهارات التي تؤهلهم لسوق العمل، وهم الغالبية، في أعمال إنشائية للبنية التحتية مثل الجسور والطرق ونحوها، ممّا تتطلب عددا كبيرا من العمّال. كانت الأزمة، التي هو بصدد حلّها، هي إحلال هذه الطاقات البشرية في مجالات عمل لها قيمة حقيقية في المدى الطويل، وتحفظ كرامة الإنسان. كان هذا المستشار يقول دائمًا "التصدّق بالمال على العاطلين يحفظ وجودهم الشكلي لكنّه يدمر معنوياتهم، أما إعطاؤهم فرص العمل، فذلك الذي يحفظ لهم كرامتهم." وبحسب رأي المؤلف، ساهم هذا في توظيف قرابة 8 ملايين مواطنا بين عامي 1935-1943، ويُعتبر هذا العدد مهولا جدا، خصوصا في ظل الأوضاع الإقتصادية الصعبة.
لكنّ نهاية الحرب وضعت نهاية للإصلاحات العمّالية. في الحقيقة، أنّ عالم رجال الأعمال بدأ يطوّر ما كان يُسمّى في ذلك الوقت اتباع الطرق العلمية لكسر الإضرابات. لم يعد العنف مجديا، وليس باستطاعتهم إيقافها باتباع هذا الأسلوب. وعليه، مالوا الى اتخاذ اساليب أكثر تعقيدا لإضعاف قوّة الطبقة العاملة ووقف نشاطاتها. عملوا كلّ مافي وسعهم، خاصة حين اصبحت المؤسسات التشريعية والتنفيذية رهن تبرعاتهم السخيّة للحملات الإنتخابية. نجم عن ذلك تدني فعالية الإتحادات وضعف أدوارها في الساحة السياسية والمهنية. فمثلا، بلغت نسبة العمال المنضوين تحت رايات الإتحادات والنقابات ذروتها عام 1954 حيث وصلت الى 35%. وكان عدد العمال النقابيين عام 1979 يقدر بحوالي 21 مليون عاملا وعاملة. بدأت الأعداد بالإنحسار منذ ذلك التاريخ. فمثلا في عام 2016 كان عدد الأعضاء 14.6 مليونا وهو أقلّ ممّا كان عليه عام 1982، حيث كان العدد 17.7 مليونا. أمّا النسبة فانخفضت الى 10.7% بعد أن كانت 20.1% عام 1983. أمّا في القطاع الخاص، انخفضت النسبة الى 7% وهو مستوى أقلّ ممّا كان عليه منذ عام 1932. [https://en.wikipedia.org/wiki/Labor_-union-s_in_the_United_States]
يختتم المؤلف فصله بالدعوة لزيادة الوعي الطبقي لدى المواطنين ويقترح العمل بما تمّ عمله في فترة ثلاثينات القرن الماضي، إذ يمكن أن يتكرّر ويُعاد العمل بموجبه. وعلينا أن نتذكّر أنّ ما تمّ فعله حدث عقب فترة من شيوع عدم المساواة العميقة وكساد مخرّب وتدمير للحركة العمالية، وقت كان المجتمع أكثر فقرا ممّا هو عليه الآن، وتوفرت فيه فرص قليلة محدودة. "بإمكاننا أن نقوم باجراءات الثلاثينات ونغيّر تيّار النمو نحو الإتجاه المغاير. هذا ما يجب عمله الآن، لأنّ الأمور لا تحدث من ذاتها وتتطلب تحريكا."
يأتي المؤلف في مطلع فصله التاسع على ذكر دَيفد هيوم، فيصفه "الفيلسوف السياسي العظيم." هو الذي كتب حول ما اطلق عليه "أسس النظرية التي تقوم عليها الحكومة." ينظر هيوم إلى كلّ معرفة تخصّ الإنسان على أنّها فلسفة أخلاقية، بما فيها نظرية المعرفة ومبحث السياسة والدين والاقتصاد. ومعنى هذا أنّ ما يفهمه هيوم من مصطلح الفلسفة الأخلاقية ليس مقتصرا على ما يُفهم عادة منه أنّه يخص مبحث الأخلاق. فحسب هيوم تنقسم المعارف البشرية إلى فلسفة طبيعية تضم كلّ معارفنا عن الطبيعة بالمعنى الفيزيائي والكيميائي والأحيائي والرياضي، وفلسفة أخلاقية تضم كلّ ما يخص الإنسان. ونظرا لأنّ المعرفة ظاهرة إنسانية هي والسياسة والاقتصاد والدين، فقد نظر إليها هيوم على أنّها تنتمي إلى الفلسفة الأخلاقية. كان في ذلك منطلقا من [https://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%AF%D9] الاعتقاد في أنّ ما يحدّد كلّ إنتاج إنساني هو طبيعته الأخلاقية من انفعالات ومشاعر وعواطف وإدراك حسي ومخيلة وفهم. ولذلك فإنّ هيوم قد وضع لبحثه في الطبيعة البشرية عنوانا فرعيا هو "محاولة لإدخال المنهج التجريبي في الموضوعات الأخلاقية." وهو يقصد بالموضوعات الأخلاقية كلّ أجزاء كتابه، الفهم الإنساني والانفعالات والأخلاق.

لم يكن هيوم هو أول من بحث في الطبيعة البشرية، ذلك لأنّ هذا البحث كان ملازما للفكر الفلسفي منذ ظهوره لدى اليونانيين، لكنّه يُعدّ أول من بحث فيها انطلاقا من المنهج التجريبي. وهو يقصد من المنهج التجريبي تتبع موضوعات الفلسفة من معرفة وأخلاق انطلاقا من بداياتها الأولى. فهو يدرس المعرفة انطلاقا من الإدراك الحسي وانطباعات الحواس، ويدرك الأخلاق انطلاقا من الانفعالات. والحقيقة أنّ البدء بالإدراك الحسي والانفعالات لدراسة المعرفة والأخلاق يجعل نظريته سيكولوجية، وهو يعترف بذلك بالفعل ويذهب إلى أنّ علم النفس هو العلم الفلسفي الحقيقى عن جدارة. والملاحظ أنّ علم النفس الذي يفهمه هيوم هو علم الطبيعة البشرية، ولذلك نستطيع أن نفهم مصطلح "الطبيعة البشرية" باعتبارها العنوان العام لفلسفته على أنّه الطبيعة السيكولوجية للبشر. ولهذا السبب يُنظر إلى هيوم على أنّه من إرهاصات علم النفس التجريبي الحديث.
كما يشير المؤلف في هذا الفصل الى دور اجهزة العلاقات العامة ومؤسسات الدعاية والإعلان في قضيتين اساسيتين، هما خلق المواطن المستهلك غير الواعي الذي ينتقص الى القرارات العقلانية حين يقرر ماذا يشتري. لو تأملت في الأمر، فإنّ صناعة الإعلانات التي تنفق مئات الملايين من الدولارات سنويا لخلق المواطن الذي يركّز على تحقيق رغبات مصطنعة فُرضت عليه من الخارج، فأصبح اسيرا كمن يفتقر الى المعلومات حول ما يستهلك وقُيّد ليتخذ قرارات غيرعقلانية فيما يصرف. وكانت النتيجة أنّ الناس يصرفون اموالا بالغة وهم على وهم بأنّ ما يتخذونه من قرارات عقلاني. وتستمر الشركات تبذل الجهود والأموال الطائلة لتحقيق هذا الغرض. يعتقد المؤلف أنّها على صواب، بأنّها لا تبدّد الأموال هباء. ولو توقفت هذه الشركات عن ذلك لبدأ الناس يتخذون قرارات عقلانية، تؤدي في الأساس الى تفكيك السلطة غير الشرعية ومؤسساتها البالية.
القضية الأخرى هي خلق المواطن غير الواعي لحقوقه الديمقراطية وخداعه لاختيار المرشحين، الذين لا يعملون لصالحه حين يذهب لصناديق الإقتراع. لقد حوّلوا الناس الى مشاهدين بدلا من أن يكونوا مساهمين. وهنا تمكنوا من خلق "ديمقراطية تعمل بالشكل المطلوب" تماما كما أرادها مادِسُن، وكما عبّر عنها پاول في مذكرته الشهيرة، حسب قول المؤلف. ونحن نشاهدها المرّة تلو المرّة في تلك الإحتفالات الصاخبة البهيجة لانتصار هذا المرشح أو ذاك. نحن فقط مشاهدون. ثمّ يمضي ليخبرنا أنّه إثر فوزه في انتخابات الرئاسة، حصل الرئيس أوباما على جائزة من شركات الإعلان، بسبب تسويق حملته عام 2008. لم يجرِ الإعلان عن هذه الجائزة هنا في هذه البلاد، ولكن لو راجعنا صحافة الأعمال العالمية، لوجدنا أنّ رؤساء تلك الشركات كانوا شديدي الفرح. ينقل المؤلف لنا قولهم، "لقد تعوّدنا (بيع) المرشحين و(تسويقهم) كما لوكنا نبيع معجون الأسنان ونسوّقه، منذ ريگن، وهذه المرّة يُعتبر نجاحنا لا مثيل له."
كما يعرّج على شركات الإعلانات، التي عملت لخلق صورة اجتماعية جديدة ومعان للمرأة المدخنة المتحرّرة من الإرتباط بالسلوكيات والأخلاق المتعلقة بالشهوانية والشبق والإغراء في فترة الثلاثينات من القرن العشرين. وعليه اصبح اعتبار التدخين مسألة محترمة يتطلبها التغيير الإجتماعي ومتطلبات المودة والإنثوية. كان الغرض هومضاعفة استهلاك السوق للسجائر. يوجّه چومسكي اللوم الى إدورد بِرنيز، الذي حقق نجاحات كبيرة في حياته تستحق أن نتأمّلها. أوّلها كان في تشجيع النساء على التدخين. لم تتعود النساء على التدخين في تلك الأيام، فقام صاحبنا بتنظيم حملة واسعة، انطلقت من مدينة چسترفيلد. القصد من الحملة هو إقناع النساء بأنّ التدخين يقارب ما نسميه هذه الأيام شيء لطيف/محبّب cool، لأنّه عنوان لتحرّر المرأة، الى غير ذلك من المبرّرات. لا أحد يستطيع تقدير عشرات الملايين من الميتات التي تسبّب فيها هذا النجاح.
من الأمور المفرحة أنّه لم يعد عدد المدخنين في الولايات المتحدة يتخطى 15% من إجمالي البالغين في البلاد. وهذه النسبة هي أدنى النسب المسجلة منذ عقود، بحسب ما كشفت السلطات الصحية الأمريكية.
فقد تراجع معدل مدخني السجائر في أوساط البالغين الأمريكيين من 24,7% في العام 1997 إلى 15,2% في 2015 ، وفق بيانات المركز الوطني للإحصاءات في مجال الصحة. ونسبة المدخنين هي أعلى في أوساط الرجال (17,4 %)، بالمقارنة مع النساء (13 %)، بحسب ما جاء في تقرير المركز.

في عام 1965، كان أكثر من أربعة أمريكيين من أصل عشرة (42%) من المدخنين، على ما كشفت مراكز مراقبة الأمراض والوقاية منها، التي تشرف على مركز الإحصاءات هذا. وشدّدت السلطات الصحية الأمريكية على أنّ إدمان التدخين يبقى السبب الأول للوفيات التي يمكن تفاديها في الولايات المتحدة، وهو يودي بحياة نحو 480000 شخصا كلّ سنة. وبحسب منظمة الصحة العالمية، يتسبب التدخين بوفاة نحو 6 ملايين شخصا في السنة. [https://www.alarabiya.net/ar/medicine-and-health/2015/09/01]
یشیر المؤلف في فصله الأخير الى مارتن گِلِنز، المتخصص في العلوم السياسية، الذي قام بإجراء بحوث هامة حول العلاقة بين المواقف العامة والسياسة العامة، معتمدا على بيانات استطلاع الرأي العام. كما ذكر [https://www.youtube.com/watch?v=wZWXvw-Re4Y] أنّه منذ سنوات، كتب وتحدّث عن خطورة بروز شخصية جذابة متطرفة في الولايات المتحدة. عن شخص يستطيع أن يستغلّ خوف المواطنين وغضبهم ويوظف ذلك لمصلحته. ونحن جميعا نعرف أنّ هاتين الظاهرتين تغليان داخل المجتمع، وأنّ مثل هذا الشخص سيوجّههما بعيدا عن المسببين الحقيقين للعلل نحو جهات ضعيفة. تحققت نبؤة چومسكي عام 2016.
الظاهرة التي نشاهدها هنا في هذه البلاد الآن هي "الغضب العام". أكثر الغاضبين بيض من طبقة العمال، التي تشغل اسفل الطبقة المتوسطة، التي القت بها فترة الليبرالية الجديدة الى جانب الطريق. لقد عاش هؤلاء ولعدة اجيال فترة من الركود والإنحطاط الإقتصادي. وهم الذي اوصلوا ترامپ الى البيت الأبيض. يدّعون أنّ لديهم مخاوف عميقة أنّهم خسروا وطنهم وأنّ "الآخرين قد سلبوه منهم". استغلت الجماعات العنصرية مثل كوكلاكس كلان والنازين الجدد واليمين البديل الوضع فنشطت وتداعت لأقامة المسيرات الغاضبة. توافدوا وهم يرتدون البدلات العسكرية ويحملون البنادق الرشاشة والعصي واللافتات البغيضة واطلقوا العنان لسلوكهم العدواني في شوارع مدينة شارلوتسفِل. قتِلت امرأة وجُرح العديد من مواطني المدينة الذين رفضوا أن تكون شوارع مدينتهم وساحاتها ميدانا لصوت النازية والعنصرية .
صبّ دونَلد ترامپالزيت على الموقف المتأزّم بعد تصريحاته بشأن حوادث شارلوتسفِل. لقد نقل محور الجدل بتأكيده أنّ التاريخ الأمريكي "يُمزَّق" عبر إزالة تماثيل شخصيات الولايات الجنوبية المؤيدة للعبودية. وتبنى ترامب في ثلاث تغريدات موقفا حاسما في هذا الجدل الحساس الذي عاد إلى الواجهة بعد أعمال العنف في فرجينيا حيث تجمع مؤيدون لفكرة تفوق البيض من اجل الاحتجاج مبدأيا على الإعلان عن ازالة تمثال للجنرال الجنوبي روبرت إي لي. [http://www.alarab.co.uk/?id=116878]
ثمّ يطرح چومسكي سؤالا عمّا أذا كانت الكائنات على وجه البسيطة تستطيع أن تبقى على قيد الحياة، بأيّ شكل من الأشكال؟ وهذه مسالة حقيقية بسبب التهديدات التي تتعرض لها البيئة ومسألة تغيّرات المناخ. جرت في پاريس عام 2015 مفاوضات حول انبعاثات الكاربون ونجمت عنها إتفاقية حول تلك التغيرات. کان على المفاوضین أن یعیدوا الصیاغة اللغویة لنصوص المعاهدة لأنّ الحزب الجمهوري سوف لن يقبل التصديق عليها.
تعهدت 194 دولة وقعت على اتفاق "باريس للمناخ 2015"، بما فيها الولايات المتحدة الأمريكية، على جملة من الإجراءات والقرارات المتعلقة بالمناخ. فماهي أبرز نقاط هذا الاتفاق؟ تعهد المجتمع الدولي بحصر ارتفاع درجة حرارة الأرض وإبقائها "دون درجتين مئويتين"، قياسا بعصر ما قبل الثورة الصناعية، و"متابعة الجهود لوقف ارتفاع الحرارة عند 1,5 درجة مئوية". وهذا يفرض تقليصا شديدا لانبعاثات الغازات المسببة للاحتباس الحراري باتخاذ إجراءات للحدّ من استهلاك الوقود الأحفوري والاستثمار في الطاقات البديلة واعادة تشجير الغابات. وتؤكد دول عديدة، خصوصا الواقعة على جزر والمهددة بارتفاع مستوى البحر، على أنها ستصبح في خطر في حال تجاوز ارتفاع حرارة الأرض 1,5 درجة مئوية. وتتمثل أحد أهم إجراءات الاتفاق في وضع آلية مراجعة كل خمس سنوات للتعهدات الوطنية التي تبقى اختيارية. وستجري أول مراجعة إجبارية في 2025عام ويتعين أن تشهد المراجعات التالية "إحراز تقدم". [http://www.france24.com/ar/20170602]

ومع ذلك قرّر ترامپ، أن ينسحب من هذه المعاهدة ويحقق قوله الكريه، "إننّي اعمل لصالح پتسبرگ، وليس لصالح پاريس!" ومعروف أنّ پتسبرگ كانت مركزا لصناعة الفولاذ، واصابها دمار اقتصادي هائل حين خسرت السوق لصالح شركات الفولاذ في كوريا الجنوبية. أصدر قادة فرنسا وألمانيا وايطاليا بيانا مشتركا يرفض التفاوض على الاتفاقية من جديد.وقال البيان "نرى أنّ الزخم الذي ولدته اتفاقية پاريس في ديسمبر 2015 لا يمكن التراجع عنه، ونعتقد بثبات أنه لا يمكن إعادة التفاوض على اتفاقية پاريس، لأنها أداة حيوية لكوكبنا ومجتمعاتنا واقتصاداتنا". وعبرت كندا عن "خيبتها الشديدة" لقرار الرئيس ترامپ ، بحسب تصريح وزيرة البيئة الكندية، كاثرين ماكينا، للصحفيين، كما عبرت رئيسة وزراء بريطانيا، تيريزا ماي، هي الأخرى عن خيبة أملها وأبلغت الرئيس ترامپ في اتصال هاتفي أنّ الاتفاقية تحمي رخاء وأمن الاجيال المستقبلية". [http://www.bbc.com/arabic/world-40122742]

يخبرنا المؤلف أنّه في عام 1955، وجّه برتراند رسل والبرت آينِشتاين، نداء مشتركا عاطفيا لكافة شعوب العالم، كي تدرك أنّه بإمكانها أن تتجنّب ما لا تُحمَد عقباه. وعليه يتوجّب على البشرية أن تقرّر وتستنكر قيام حرب نووية، سوف لا تبقي ولا تذر. يستطيع الرئيس الأمريكي أن يهدّد انفعاليّا دولة أجنبيّة، ومن دون استشارة الكونگرس أو حتى أقرب مستشاريه، بـ"النار والغضب". ووزير دفاعه يهدّد بـ"تدمير شعب" كوريا الشمالية برمّته. بالمقارنة مع الإمبراطوريّة البريطانية أو مع الإمبراطوريّة الرومانيّة، فإنّ الإمبراطوريّة الأمريكيّة أفضل مثال للقوّة الإمبراطوريّة المنفلّتة. هي بالمقاس، أكبر وأعظم من الإمبراطوريّتيْن، وأوسع نفوذاً على النطاق العالمي والكوني المنظور. لكنّ التناقض الأبرز في الحديث عن الإمبراطوريّة الأمريكيّة هو أنّ الحكومة ترفض أن تصنّف نفسها على أنّها إمبراطوريّة. ورغم الأخطار المتعاظمة والمغامرات غير المحسوبة، فأنّ الأمر لا يهم، لأنّها امبراطورية مصدّعة فشلت حتى في الإبقاء على الحلم الأمريكي الذي يداعب فقط مخيلة المواطنين. [http://www.al-akhbar.com/node/281976]
معضلة الإمبراطوريّة أنّها فشلت في فرض إرادتها العسكريّة بالقوّة. هي اجتاحت في السنوات الماضية فقط العراق وأفغانستان وسوريا. وهي خاضت وتخوض حروبا سريّة في مالي والصومال واليمن وپاكستان ولبنان. وكلّما فشلت الإمبراطوريّة في غزواتها كلّما اقتنعت بأنّ الحلّ يكمن في زيادة عدد وعديد قوّات الاحتلال الأمريكي. أوباما كان قد وعد بأنّه سينهي الحرب الأمريكيّة في العراق وأفغانستان، ثم عاد وأمر بزيادة قوات الاحتلال هناك. مَنَحَه بروز داعش حجّة لإرسال قوّات أمريكيّة مرّة ثانية إلى العراق، وبموافقة الحكومة التي شكّلها الاحتلال على مقاسه الطائفي الغرض. وترامپ يدرس اقتراحا من وزير دفاعه لزيادة عدد قوّات الاحتلال الأمریكي في أفغانستان، مرّة أخرى، فيما تزداد رقعة الأراضي الخاضعة لنفوذ طالبان. وهذه الزيادات في نشر القوّات بالإضافة إلى الزيادة التي اقترحها ترامپ للميزانيّة العسكريّة الأمريكيّة قد تحقّق نبوءات پول كنِدي عن مآل الإمبراطوريّات وبداية انهيارها.

د. محمد جياد الأزرقي
أستاذ متمرس، كلية ماونت هوليوك
قرية مونِگيو، ماسَچوست
الولايات المتحدة
September, 2017
mjiyad@mtholyoke.edu
Requiem For The American Dream
The 10 Principles of Concentration of Wealth & Power
Noam Chomsky
Seven Stories Press, First Edition
ISBN: 9zz81609807368





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- قراءة في كتاب چومسكي عن الإرهاب الغربي
- العواقب: مذكرات محقق أمريكي
- قتل أسامة بن لادن ومسالك الجرذان في سوريا
- قراءة في كتاب تفعيل الديمقراطية لمعالجة ازمات الرأسمالية
- قراءة في كتاب عصر التنمية المستدامة
- لورنس الآخر
- ألسباق للفوز بما تبقي من المصادر الطبيعيّة
- دور حكايا الساحرات الخيالية في النمو النفسي والعقلي للأطفال
- قراءة في كتاب ألمسألة ألأخلاقيّة وأسلحة الدّمار الشّامل مقار ...
- غرباء مألوفون
- التملص من جرائم التعذيب في السجون الأمريكية
- الأمل الوهم - أوباما والصراع العربي الصهيوني (الحلقة الثالثة ...
- الأمل الوهم - أوباما والصراع العربي الصهيوني (الحلقة الثانية ...
- الأمل الوهم - أوباما والصراع العربي الأسرائيلي (الحلقة الأول ...
- الأمبراطورية الصهيونية الأمريکية- الحلقة الرابعة
- الأمبراطورية الصهيونية الأمريکية - الحلقة الثالثة
- المرأة في الدخيل الجائر من التراث - الحلقة الأولی
- الأمبراطورية الصهيونية الأمريکية
- ألأمبراطورية الصهيونية الأمريکية
- المرأة في الدخيل الجائر من التراث -الحلقة الرابعة


المزيد.....




- صورة من مترو أنفاق موسكو تشغل العالم
- كيف يرى العرب مستقبل الصراع السوري؟
- نائب عراقي يتهم عناصر في الحشد الشعبي بالتحرش بنساء نينوى
- بن سلمان وبن زايد يلتقيان قيادات الإصلاح اليمني بالرياض
- دعوة إسرائيلية لتبادل الزيارات بين بن سلمان ونتنياهو
- غارات إسرائيلية على مواقع للمقاومة بغزة
- العثور على سفينة أثناء البحث عن الغواصة الأرجنتينية المفقودة ...
- حكم بحبس منفذ تفجير نيويورك بانتظار محاكمته
- القبض على نيجيرية -حاولت بيع طفلتيها-
- -مقتل 23 مدنيا سوريا- في غارات للتحالف الدولي بريف دير الزور ...


المزيد.....

- نقد النساء مصحح / نايف سلوم
- -أقتحام السماء- تأملات في الحراك الشعبي / مزاحم مبارك مال الله
- طروحات إدوارد سعيد وحميد دباشي في الاستشراق وما بعد الاستشرا ... / ماد قبريال قاتوج
- الأعداد العشر لصحيفة الحب وجود والوجود معرفة الالكترونية (فك ... / ريبر هبون
- صحن الجن / عادل الامين
- لا يمكن الدفاع عن الطائرات المسيرة القاتلة أخلاقياً / فضيلة يوسف
- الاقتصاد السياسي للفئات الرثة الحاكمة في العراق / كاظم حبيب
- ملخص كتاب: ثقافة التنمية، دراسة في أثر الرواسب الثقافية على ... / عبد الكريم جندي
- قراءة ميتا- نقدية في كتاب -في نظرية الأدب: محتوى الشكل، مساه ... / علاء عبد الهادي
- مقدمة كتاب يهود العراق والمواطنة المنتزعة / كاظم حبيب


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - قراءات في عالم الكتب و المطبوعات - محمد الأزرقي - قراءة في كتاب چومسكي -وداعا للحلم الأمريكي-