أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - هيثم بن محمد شطورو - تاريخية القرآن ( من خلال سيرة ابن هشام)















المزيد.....

تاريخية القرآن ( من خلال سيرة ابن هشام)


هيثم بن محمد شطورو

الحوار المتمدن-العدد: 5618 - 2017 / 8 / 23 - 06:25
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


.. عن ابن هشام قال ابن اسحاق: و كان الحارث ابن سويد منافقا، فخرج يوم أحد مع المسلمين، فلمى إلتـقى الناس عدا على المجذر بن ذياد البلوي (و هو من الأنصار)، لأن المجذر ابن ذياد كان قد قـتل أباه سويدا في بعض الحروب التي كانت بين الأوس و الخزرج، ثم لحق بمكة بقريش، و كان رسول الله ـ فيما يذكرون ـ قد أمر عمر ابن الخطاب بقـتله إن هو ظفر به، ففاته فكان بمكة، ثم بعث إلى أخيه الجلاس بن سويد يطلب التوبة ليرجع إلى قومه، فأنزل الله تعالى فيه فيما بلغني عن ابن عباس:
" كيف يهدي الله قوما كفروا بعد ايمانهم و شهدوا ان رسول الله حق و جاءهم البينات و الله لا يهدي القوم الظالمين". ( آية 86 من سورة آل عمران).
فهل يـبقى لنا أن نتـشبث بالمفعول الدائم المفترض لهذه الآية مثلا و قد تبين أنها تخص حدثا معينا لشخص معين؟
هل يجوز لنا كي ننـقذ افتراض اطلاقية القرآن أن نتـشبث بالفكرة التي قالتها هذه الآية و التي تـفيد انه لا فائدة ترتجى من توبة من ارتد عن الإيمان و أن الله لن يهديهم..إذا كان الأمر كذلك فلماذا لم يأخذ أبو بكر الصديق بهذا المفهوم في حروب الردة و قبَل عودة المرتدين عن ارتدادهم و دخولهم من جديد تحت خيمة الإسلام.. و إذا كان لابو بكر الشاهد على الوحي منذ بدايته ان يتصرف حسبما يراه أصلح في زمانه و ظروفه، فما بالنا اليوم و بعد 1400 سنة من لحظة القرآن نكبل أنفسنا عن المضي بحرية بواسطة العقل بتعلة أن الله قال و الرسول قال فنرجع عن ما يخدمنا و يصلح بنا في زماننا و عصرنا؟
... و عن ابن هشام قال ابن اسحاق: و خرج رسول الله ـ فيما بلغني ـ يلتمس حمزة ابن عبد المطلب، فوجده ببطن الوادي قد بُقر بطنه عن كبده، و مُثل به، فجُدع انفه و أذناه، فحدثـني محمد ابن جعفر بن الزبير: أن رسول الله قال حين رأى ما رأى : " لولا أن تحزن صفية ( عمة الرسول و أخت حمزة) و تكون سُنة من بعدي، لتركته حتى يكون في بطون السباع و حواصل الطير، و لئن أظهرني الله على قريش في موطن من المواطن، لأمثلن بثلاثين رجلا منهم"
قال ابن اسحاق: و حدثـني بريدة ابن سفيان بن فروة الاسلمي عن محمد ابن كعب القرظي، و حدثـني من لا أتهم، عن ابن عباس، ان الله عز و جل أنزل في ذلك من قول رسول الله و قول أصحابه :
" و إن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به، و لئن صبرتم لهو خير للصابرين، و اصبر و ما صبرك إلا بالله و لا تحزن عليهم و لا تكن في ضيق مما يمكرون" ( الآية 126 ـ 127 من سورة النحل). فصفا رسول الله و صبر و نهى عن المثلة..
و انظر أولا الحرص على تبين الحدث أو الواقعة التي كانت سببا في تـنزيل الآيات القرآنية مما يدلل على الحس التاريخي و الذي تجده في جميع الكتابات الفقهية، و لكن ما ينقص هو المنهج التاريخي الذي كان من المفترض الاهتداء إليه بسهولة نظرا لهذا الحس الذي نجده. المنهج التاريخي الذي كان من شانه أن يحسم مسالة الخروج من الاطلاقية و تبين النسبية..
من جهة أخرى فانه من الممكن التوصل إلى نوع من الاطلاقية و نحن إزاء قاعدة أخلاقية قالها الرب فيها كبت غريزة الانتـقام و رفع الأمر إلى الله بالصبر و عدم التصرف بالمثل بل بالارتـفاع عن مقابلة التصرف القبيح بمثله..
إضافة إلى ذلك فهنا نجد تميـيزا واضحا بين الله و الرسول و هو الأمر الذي لم يفصل في تاريخ الفكر الإسلامي و لم يحدد. فالواضح أن الرسول تملكته رغبة الانتـقام بأضعاف مما وقع له، و هي نزعة بشرية خالصة و غريزية، أما الله العقل الخالص فهو مرتـفع عن النزعات الغرائزية البشرية.. و بالتالي فمن خلال هذا الفصل نصل إلى إزالة كل تقديس عن الرسول و إن كان من مقدس فهو الله فقط بما هو العقل الخالص، الذي يمكن للإنسان أن يرتفع إليه. و بالتالي تكون هاتان الآيتان قاعدة لمفاهيم فلسفية عميقة نؤسس بها أخلاقا أو فلسفة أخلاقية ذات طابع قرآني.. و هنا فالقرآن من زاوية الاطلاقية الالاهية يكون صالحا لكل زمان و مكان، و ليس من زاوية النسبية الوقائعية للبشر بما فيهم الرسول محمد.
ثم أن القرآن يحفل بآيات التوجيه للرسول و معاتبته أحيانا مما يدلل على ربانيته. و من جهة المباشرتية الحدثية يدلل على إنسانيته و بشريته حتى انك تجد نفسك تسبح في متناقض الآيات. إذن هو جدل رباني إنساني عظيم للثورة الوحيدة في تاريخ الشرق مثلما قال الفيلسوف الألماني "هيغل"..
... عن ابن هشام قال ابن اسحاق: حدثـني الزهري، عن عبد الله ابن عبد الله ابن عتبة، عن ابن عباس، قال: سمعت عمر ابن الخطاب يقول لما تُوفي عبد الله ابن أبي دُعي رسول الله للصلاة عليه، فـقام إليه، فلما وقف عليه يريد الصلاة تحولت حتى قمت في صدره، فقلت: يا رسول الله، أتصلي على عدو الله عبد الله ابن أبي ابن سلول القائل كذا يوم كذا و القائل كذا يوم كذا؟ أعدد أيامه، و رسول الله يبتسم، حتى اذا أكثرت قال:
" يا عمر، أخر عني، اني قد خُيرت فاخترت". و نزلت هاته الآية: " و لا تصلي على أحد منهم مات أبدا و لا تـقم على قبره، إنهم كفروا بالله و رسوله و ماتوا و هم فاسقون".( 84 التوبة).
فالله اخذ برأي عمر. و لاحظ ان عمر التصق بالرسول حتى قال له "أخر عني"، و من قوله "أكثرت" ربما يكون المعنى انه كان يصيح و غاضب خاصة مما هو معلوم في شخص عمر ابن الخطاب من جلافة. و لاحظ إذن موقع الرسول الذي ابتسم أي الذي لم ينكر نقاشا و نقدا له، و إنما اخذ الأمر بحلم. لاحظ كذلك أن الرسول صلى على شخص تآمر عليه مع قريش.. و لاحظ أن الله قد اخذ بموقف عمر من المسالة و ليس بموقف محمد الحليم المتغاضي عن ماضي الأشخاص.. و الحق أن موقف الرسول المتجاوز للإساءة نجده أكثر إنسانية خاصة انه كان من موقع الأقوى..
فعبد الله ابن أبي ابن سلول كان سيتوج ملكا على يثرب لولا مبايعة الأنصار للرسول و بالتالي هجرته إليها و من ثم سلطانه على أهلها مما وئد حلم هذا الشخص في الملك، و من الطبيعي أن يكون كارها للرسول و منافقا له متحينا الفرصة للقضاء عليه.. كان الرسول مستوعبا لهذه المسألة و لكنه عوض أن يجعل منه عـدوا حرص دوما على التغاضي عنه بل القبول بالحديث معه و ربما التـشاور معه في بعض الأمور.. و شتان بين هذا الموقف الإنساني الكريم و بين موقف الثوار العرب و غيرهم قبل أن يصلوا إلى السلطة أو بعدها حيث يخونون حتى بعض رفاقهم بالضن و ليس بالبرهان القاطع و يعدموهم مثلما فعل "ستالين" مع "باكونين" أو "صدام حسين" مع "عبد الخالق السامرائي"..
... و عن ابن هشام انه قال: و هاجرت إلى رسول الله أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط في تلك المدة، فخرج أخواها عمارة و الوليد ابنا عقبة حتى قدما على رسول الله يسألانه ان يردها عليهما بالعهد الذي بينه و بين قريش في الحديبية. فلم يفعل و قد قال الله تعالى:
" يا أيها اللذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل لهم و لا هم يحلون لهن ءاتوهن ما أنفقوا و لا جناح عليكم أن تنكحوهن إذا ءاتيتموهن أجورهن و لا تُمسكوا بعصم الكوافر".( الممتحنة آية 10).
فمن الواضح جدا هنا أن هذه الآية وردت على سبيل الحصر كاستـثـناء من اتـفاق الحديبية بين الرسول و قريش و الذي يقضي بإرجاع من يأتي إلى الرسول مسلما إلى قريش. لقد استـثـني النساء ربما خوفا عليهن من القتل لإنكار العرب أي تمرد من النساء، و ربما كذلك ما تـقصده الله من إبراز رحمته بالنساء بدرجة أكثر من الرجال..
و على كل فهذه الآية يستـند عليها البعض للاستدلال على أمر الله بعدم تزويج المسلمة لغير المسلم، و هنا نجد ما ينافي هذا المعنى تماما في سيرة ابن هشام ( المتوفي سنة 213 او 218 هجري). إضافة إلى التأكيد المتـزايد على محايثة القرآن في اغلبه للأحداث الواقعية، مما يستوجب فعليا الحسم مع النظرة الاطلاقية على كل المستويات.. بذلك نفارق عقل الانحطاط المنحبس و نتجه إلى العقل التـقدمي الحر..

... و هكذا فالرجل المتدين ـ في نظر هيجل ـ إنما هو إنسان يحيا على التـناقض و الازدواج، لأن وعيه الذاتي في صميمه مزدوج، أو هو على الأصح وعي متـناقض يجمع بين كل من "الإنسان" و "الله" في ثنايا وعي واحد بعينه..
لأجل ذلك كانت و لا تـزال العقلية التراثية الإسلامية لا تجد غضاضة في مثل هذا الجمع، حتى أن "الله" و "الرسول محمد" هما شيء واحد في عقلية المسلمين. كما أن التاريخ الواقعي للآيات لم يطرح في الثـقافة الإسلامية قديمها و حديثها مشكلة التـناقض هذه و بالتالي الاتجاه نحو الفصل بينهما، أي بين الالاهي و الإنساني انطلاقا من القرآن نفسه، ليتحدد بوضوح ما يمكن أن يحمل نزعة الاطلاقية التي من الممكن بناء فلسفة أخلاقية من خلاله تكون متجاوزة بدورها لثـنايا الإنساني في زمانه و مكانه بما قد اختلطت فيه بالالاهي في صلب الخطاب و بالتالي في الوعي الإسلامي المشوش الذي غـدا باهتا غير قادر على ابتـناء تصورات عقلانية حديثة، بما انه لم يحـسم مسألة التاريخية في القرآن..
و لسائل أن يسأل لماذا هذا النبش؟ فنقول أن التـفكير الديني أصبح معيقا لأي تـقدم و في نفس الوقت يريد أن يحافظ على سيطرته. بما أننا نريد الانطلاق إلى المستـقبل فالتـقدمية اليوم هي بالتـفكير العلمي وحده، و بواسطته نعلمن نظرتـنا الدينية بما أننا عاجزون عن تجاوز الديني.. كان فخرا و امتيازا أن يكلمنا الله مباشرة بلغتـنا، و اليوم نجد تلك النعمة قد غدت نقمة في عصر العلم.. و ربما ما يحفظ للأمور رأسها هو إرجاع المسائل برمتها إلى إشكالية الوعي الإنساني فكيف يتجاوز شقائه و ازدواجيته و انعدام قدرته على بناء تصورات علمية لحياته و مستـقبله؟ كيف يتجاوز نفسه من منطق الاستهلاك المنفعي للكلمات إلى منطق التـفكير الحر الذي يصل به إلى ما يجب عليه القيام به عن إيمان بضرورة الفكرة في ذاتها و لذاتها بغض النظر عن منفعته من عـدمها إزاءها؟





الحوار المتمدن في مقدمة المواقع الإعلامية في العالم العربي، شكرا للجميع



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,319,780,058
- الرئيس التونسي يتحدى الشرق البائس
- زقاق الجن
- الأيادي القذرة
- نهاية الفصل الأول من الثورة
- الدوامة السورية إلى أين؟
- معركة -بدر-
- من يخون من؟
- ضرورة الانبعاث الفكري للثورة العربية
- انبعاث ثورية السلطة في تونس
- معركة -المصالحة- في تونس
- الأخلاق حرية
- يوم الإضراب العام
- دولة الثورة
- الهجوم الصاروخي الامريكي على سوريا
- الثورة المخاتلة
- الإصلاح التربوي ليس من مشمولات الوزير
- سلفنا السعيد المفقود فينا
- قراءة في الإصرار على إقالة وزير التربية
- المشهد الثقافي التونسي يعكس حقيقة ما يدور بالمشهد السياسي
- تونس أمام نهاية الانتقالي ام الثوري أم كليهما؟


المزيد.....




- الجزائريون في الشوارع للجمعة التاسعة على التوالي للمطالبة بر ...
- دول تدعم أطراف القتال في ليبيا بالمال والأسلحة.. وسلامة لـCN ...
- إيزيديون في العراق احتلفوا بعيد رأس السنة حسب تقويمهم... لكن ...
- داعش يصل إلى الكونغو
- استقالة حكومة مالي بعد مذبحة راح ضحيتها 160 شخصا
- إيزيديون في العراق احتلفوا بعيد رأس السنة حسب تقويمهم... لكن ...
- داعش يصل إلى الكونغو
- استقالة حكومة مالي بعد مذبحة راح ضحيتها 160 شخصا
- فرنسا تنقل قواتها إلى الحدود الروسية
- أفغانستان تتهم قطر بإفشال مؤتمر المصالحة مع طالبان


المزيد.....

- في مفهوم التواصل .. او اشكال التفاعل بين مكونات المادة والطب ... / حميد باجو
- فلسفة مبسطة: تعريفات فلسفية / نبيل عودة
- القدرةُ على استنباط الحكم الشرعي لدى أصحاب الشهادات الجامعية ... / وعد عباس
- العدمية بإعتبارها تحررًا - جياني فاتيمو / وليام العوطة
- ابن رشد والسياسة: قراءة في كتاب الضروري في السياسة لصاحبه اب ... / وليد مسكور
- الفلسفة هي الحل / سامح عسكر
- مجلة الحرية العدد 4 2019 / كتاب العدد
- تأثير الفلسفة العربية والإسلامية في الفكر اليهودي – موسوعة س ... / شهد بن رشيد
- الإله الوهم والوجود والأزلية / سامى لبيب
- الطريق إلى الكائن الثالث / معتز نادر


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - هيثم بن محمد شطورو - تاريخية القرآن ( من خلال سيرة ابن هشام)