أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ليندا كبرييل - كأني موسى الناجي من ظلم فرعون !















المزيد.....

كأني موسى الناجي من ظلم فرعون !


ليندا كبرييل
الحوار المتمدن-العدد: 5605 - 2017 / 8 / 10 - 23:18
المحور: الادب والفن
    


مدينة " مانادو Manado " الأندونيسية : ترتبط في ذاكرتي بميلاد عِشْقي لإله البحر " بوسيدون "، حيث رأيتُه القوة الأجمل والأعلى في الكون.
هناك رأيت ماراثون السباحة، حيث اشترك فيه أبناء وبنات المدينة، في سباق ممتع جوائزه رمزية.
كان البحر مختبراً فريداً لِ ( حوار الأجساد ) ، ما أن تعشّقها الماء حتى أصبحت جزءاً منه، وبدأ الجسد الخبير بتقطيع صفحته الألماسية وحفر الانتصارات عليها، فحلّقتْ الانعكاسات المشعّة بالقلوب السعيدة.
تركتْ الذكرى أثراً عميقاً في داخلي . ومنذ ذلك الوقت، توحّدتُ بعناصر الطبيعة من ماء وجبل وشجر وشمس، حتى أضحتْ القوة الفاعلة المحرِّكة لأعماقي.

جلستُ وحدي ذات مساء عند الشاطئ، والأضواء الكاشفة تحيط بالساهرين، أتأمل السابحات الفاتنات يعابثْن " بوسيدون "، وذيول الشمس تنسحب ليخيّم الشحوب على وجه البحر، إلا من أضواء المدينة في الطرف الآخر تنعكس كنَمْنمات، صانعةً في الأفق البعيد مشهداً موشّى بالألوان الزاهية.

راقتْ لي صورة الهلال يتهادَى كزورق على صفحة البحر، فتاقتْ نفسي للارتماء في أحضان إله الماء بوسيدون.
غطسْتُ بفرح طفولي في لُجّة البحر، الذي أفنيتُ زمناً من عمري وأنا أمنحه قلباً يذوب كذهب الشمس فوق الماء، وعيوناً أمنياتها تسيل كزئبقٍ في بحر الضياء.
أبهجتْني موجاته ؛ تحملني إلى الأعلى فأشرِفُ على مسكن الإله الرحب الممتد تحت ناظري، ثم تهبط بي في حنان وتغمرني بطياتها.

غير أني في لحظة .. انتابني جزع، أخذ يتعاظم وبوسيدون يجذبني إلى عمق البحر.
قاومتُ وسط منطقة لا تحيط بها الأعلام الصفراء والحمراء دليل منطقة السباحة الآمنة .. أكشح الماء بذراعيّ الضاربتين فلا أتقدّم . ووجدت مع إصراري وعزمي أن الماء يستهلك مني كل قوة .. كبر الفزع في قلبي ، قلبتُ على ظهري لأسْتطلِع ما حولي، فأدركتُ والذعْر يملؤني، أن قواي الخائرة لن تساعدني على الوصول إلى الشاطئ.
ما زال في السماء بعض النور، رفعتُ يدي طالبة النجدة .. ما من مجيب . غالبت خوفي . عدتُ أجاهد وأنا أنتزع الأنفاس . ناديتُ الحياة : لا أريد أن أموت.
بدا جهادي كصراعٍ مع القدر . اسْتدعيتُ أملي المحتضر ؛ أهلي وأحبابي . ويا للغرابة .. أن نبعَ من بين الرعْب والضعف شعور المتشبِّث بإرادة التحدي، فاستمدّ قلبي منه قوة ، وانتابني إحساسٌ ألا أترك نفسي فريسة لليأس . كنت في أشدّ لحظات الرعب .. والقوة أيضاً . فدَبَّ نشاط مفاجئ في ضربات ذراعيّ، وأخذ يأسي يضيق بمقدار ما أتقدّم .. حتى وجدت نفسي أشق بصعوبة طريقاً نحو الشاطئ.
انبسط الأمل الذي لا يعطي توقّده إلا لمَنْ يُخلِص له !!
فنزل شعور بالسكينة على قلبي ووجدت ذراعيّ تجدفان بسلاسة، واستسلم الماء أخيراً لضرباتي الرشيقة، فانطلقت كالسهم نحو برّ الأمان.

أدركتُ في تلك اللحظة أن الماء شيء حيّ .. يعاند الخبْط المجنون ولا يستجيب إلا لليد الحنون !!
وعلمتُ إذ ذاك .. أن الخبط واللبط الجاهل، يُفقِد الفعل قوته ويوقِظ القوى المضادة الكامنة فيه !!
.. وصلت وأنا ألهث، ارتميتُ على الرمل حطاماً متهدِّماً.
شعرت كأني موسى النبي الذي نجا من ظلم فرعون !

ألقيتُ نظرة متهالكة على مملكة إله البحر .. يا إلهي ؛ بوسيدون بالوعة بحرية هائلة، قد تشفط إشعاع الأمل والحلم والحب والحياة . أحببت بوسيدون، عشقتُه، لكنه انجرفَ إلى سلوك ينبو عن سلوك الأرباب المقدسة، فسقط عند ذاك من ألوهيته.
الألوهية فن إحياء الإنسان، تكرّس كمالها في عملية عطاءٍ مستمرة بلا شرط ولا تعليل.
بوسيدون !! لستَ إلهاً ..
ماذا فعلتَ بي ؟ بل ماذا فعلتَ ب " مينامي " ؟
أستطيع أن أتخيل بعد هذه التجربة المخيفة، ماذا حصل لصديقتي وهي تتخبط بين أمواج التسونامي الهادرة قبل ست سنوات، لتكون نهايتها المأساوية طعاماً للسمك.

ماتت عاشقة أرسطو وفولتير، ومَنْ ذكراها لا تترافق إلا بالابتسام والإعجاب، وتركت وراءها ابنها " هيكارو " الذي علّمته كيف يسْلق البيضة تحت إبْطه، أو يقليها بحرارة عينه * !
هيكارو الذي يتأتِئ ويحلم أن يصبح مذيعاً في التلفزيون *.. صار !!!
هو اليوم في الثالثة والثلاثين من عمره . درس في كلية الإعلام، ثم حقق حلمه وحصل على عمل كمراسل في محطة تلفزيونية محلية، بفضل السيد تاكاهاشي ــ أبيه الروحي ــ *، الذي رغم تقدمه في العمر، ورغم العرج في رجله بسبب الشلل، ما زال يمارس أعمال التطوع في مركز للمعاقين والمتخلفين ذهنياً.

عرفتُ مينامي في فترة من غربتي عندما كانت ذاكرتي تأبى أن تفارق مراعي الوطن . كنتُ أحاول جاهدةً في بلد غريب الإمساك بمستقبل مترفّعٍ عليّ، لم يُدْنِ لي الآمال بعد ؛ فأنطلقُ بكل قوتي إلى الأمام للقبض عليه لِيتراجع الناس إلى الوراء بنفس القوة .. فلا يتوقّف أحد في ذاكرتي.
كنت في مرحلة الارتباك والتخبّط والخابِط والمخبوط . فاعترضتْ هذه السيدة مسيرة اندفاعي لتعطي حياتي معنى جديداً .. وعلّمتْني كيف أفاوض الزمن، وأطوّق شروطه المجحفة في غربة صعبة، فكان أن جعلتُ الزمن يحسب كم ~~ من الحيوات سأتفضّل عليه وأقدّمها في يومه الواحد ! بدل أن يعدّ لي هذا الغدّار على مسبحته كمْ من الأيام يصرف على عمري في حياة واحدة !

لولا الشال الذي انسلّ من عنقي * في ذلك اليوم البعيد لما كسبتُ صداقتها.
سمعتُ آنذاك من يقول إنها ليست طبيعية ، ثم عرفت منها شخصياً أنها تحمل مرضاً وراثياً يعيقها عن التواصل مع المجتمع.
كانت غريزة الأرض مكْنونةً في أعماق مينامي ، قاحلة ، لا زرْع فيها ولا مطر.
وكان الحجر في كمون ، لا رَجْع له ولا رنين .. حتى جئتُها ! فانفكّ السحر عنها .. وكانت لي موسوعة إنسانية زاخرة بالعطاء.

رحلت مينامي، ومررتُ بجزء من تجربتها الرهيبة، فأي عذاب عانت هذه المسكينة.
انتهينا من حديث الموت .. فلْنقبضْ على الحياة !

البحر لحْن سماويُّ المقام ، لغته الأم في طبقتها الإلهية الرفيعة تراجيدية مَوَّاتية تتحدّى الحياة . لغته الثقافية في طبقتها الشعبية الدنيا إبداعية خصبة تتحدّى العدم . أبدعها الفينيقيّ عندما خاضَ سكون البحر، وجعله ينطق بلغة الابتكار المحليّة الحيّة، لا بجمود لغة الآلهة .
انطلق الإنسان منذ بدء الخليقة من أكواخه وأزقته، ليلقّن البحر أولى دروس التحضّر ولغة التعاطي مع المستقبل . ولم يخلُ الأمر على مرّ التاريخ من إدراك الإنسان للقوة التدميرية، التي يحملها تمرّد البحر بين فترة وأخرى، فيتلقّاها في فرّه منه ثم يكرّ عليه منقضّاً على هيجانه.

التسونامي ضرب جنوب وشرق آسيا في مرتين تاريخيتين :
ديسمبر كانون الأول 2004 في أندونيسيا ، ثم مارس آذار 2011 في اليابان.
رغم هذه المأساة الرهيبة .. جعل منها الإنسان لحظة ميلادية، شارك الكون كله صدْحاً واحتفالاً ، بمقدرته على الالتحام بالمصاعب، والاستمرار كما كان منذ فجر التاريخ . وسيظلّ !

شكراً لكل من تفضّل بقراءة هذه السلسلة التي بلغتْ ستة وعشرين مقالاً، بدءاً من مقال :
{ من بلاد الشمس المشرقة : كل فمتو ثانية ونحن بخير}
وشكراً لكل الأسماء الكريمة التي ساهمت في التعليق .
دامت حياتكم في سلام ، ولكم جميعاً تقديري واحترامي.

الإشارة ( *) تعني أن الحدث جاء ذكره في المقالات الماضية.

إلى كل منْ فقدَ عزيزاً، أرجو أن يستمع إلى أغنية :
I Am A Thousand Winds / Sen no Kaze ni Natte

" أرجوك لا تبكِ أمام قبري ، فأنا لست موجوداً، لست نائماً هناك، أنا ألف ريح، أهبّ في تلك السماء الواسعة "
التي تُرجِمتْ إلى اليابانية وأدّى الأغنية الفنان : Masafumi Akikawa
https://www.youtube.com/watch?v=yqzCwcL9xDc

"Do Not Stand at My Grave and Weep" is a poem written in 1932 by Mary Elizabeth Frye.

Please don t cry at my grave
I am not there, no way I m ing there
A thousand winds, I am a thousand winds
That big sky, there I m blowing

I am the light showering over the field
In the winter, I m snow that shines like diamonds
In the morning, I m a bird to wake you up
In the night, I m the star that looks after you

Please don t cry at my grave
I am not there, no way I ve died
A thousand winds, I am a thousand winds
That big sky, there I m blowing
A thousand winds, I am a thousand winds
That big sky, there I m blowing

كذلك أرجو الاستماع إلى الأغنية التي نُظِّمت بعد كارثة الزلزال والتسونامي 2011، والتي تذاع من المحطة اليابانية الحكومية NHK.
وقد انتشرت هذه الأغنية في العالم، وشاركت في أدائها فرق كورال أوروبية، أميركية، إسرائيلية، أندونيسية، مصرية ...

Hana wa Saku " Flowers will bloom "
الأغنية مترجمة إلى الإنكليزية في الرابط الأول:

https://www.youtube.com/watch?v=TwGh_kx37p0

نفس الأغنية التي أفضّل الاستماع إليها ( فرقة كورال يابانية) :
https://www.youtube.com/watch?v=qa6pU8D9dRM





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,052,703,711
- ورحلتْ مينامي في التسونامي
- زوروني .. حرام تنسوني بالمرة..
- طار صواب المتديّنين، وظلّتْ ( هاراجوكو ) متألقة !
- النفس البشرية ؛ في انتصارها وفي انكسارها.
- الضمير الذي لا ينام : الأحلام.
- لِيحْتفِظْ بوذا بجنّته لنفسه !
- الإقصاء، أشدّ الأحاسيس قسوة
- رُماة النِبال إذا تنكّروا في صورة النبلاء !
- الرتابة إعدام للحياة عن سابق إصرار !
- الفتى الذهبي - جان نصار -
- تعالَ أعلّمكَ فنّ العَوْم في الحياة يا ابني !
- تحت شجرة - ساكورا Sakura - *
- المُتأتِئ مذيع، والمشلول لاعِب كرة !
- - هيكارو - إذا سلقَ البيضة تحت إبطه !
- كُدْتُ أغرق في فنجان !
- ومع ذلك فهو أدونيس وذاك جبران وذاك المتنبي !
- الأعْوَجون (الأضْعفون) أوْلى بالمعروف
- الأعوجون أوْلى بالمعروف
- البوذيون فتافيت بشرية ؟!
- الشيطان لا الله .. يضمن لنا راحة البال !


المزيد.....




- سفير فلسطين بالجزائر: منظمة التحرير هي الممثل الشرعي والوحيد ...
- عارضة الأزياء هايلي بالدوين تؤكد زواجها من جاستين بيبر بطريق ...
- الثقافة القطرية تتألق بمنتدى سان بطرسبورغ الثقافي
- القطط السيامية
- غادة عبد الرازق بين حرب الأجهزة ونيران اللجان الإلكترونية
- في الملتقى الإذاعي والتلفزيوني.. احتفاء بالفنان كريم الرسام ...
- الترجمة مهنة يجب عدم الاستخفاف بها
- مذيع بي بي سي السابق اسماعيل طه يوارى الثرى في لندن
- -تاكسي القراءة- بالبصرة.. الكتاب يصل صالونات الحلاقة والمقاه ...
- رئيس الحكومة : رؤية الاصلاح المؤسساتي للاتحاد الافريقي تحظى ...


المزيد.....

- مجلة الخياط - العدد الثاني - اياد الخياط / اياد الخياط
- خرائب الوعي / سعود سالم
- شعرية الإخصاء في رواية - عرس بغل- / الحسن علاج
- جدلية العلاقة بين المسرح التفاعلي والقضايا المعاصرة / وسام عبد العظيم عباس
- مع قيس الزبيدي : عودة إلى السينما البديلة / جواد بشارة
- النكتة الجنسية والأنساق الثقافية: فضح المستور و انتهاك المحظ ... / أحمد محمد زغب
- أغانٍ إلى حفيدتي الملكة مارجو الديوان / أفنان القاسم
- رواية عروس البحر والشياطين / إيمى الأشقر
- -كولاج- المطربة والرقيب: مشاهد وروايات / أحمد جرادات
- اعترافات أهل القمة / ملهم الملائكة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ليندا كبرييل - كأني موسى الناجي من ظلم فرعون !