أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - مالك بارودي - جولة بين خرافات عبد الدّائم كحيل في الإعجاز العلمي القرآني: -البحر المسجور-















المزيد.....



جولة بين خرافات عبد الدّائم كحيل في الإعجاز العلمي القرآني: -البحر المسجور-


مالك بارودي
الحوار المتمدن-العدد: 5564 - 2017 / 6 / 27 - 23:09
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


جولة بين خرافات عبد الدّائم كحيل في الإعجاز العلمي القرآني: "البحر المسجور"
.
قال لي أحدهم، في إحدى المرّات، أنّ القرآن ذكر شيئًا عجيبًا لم يكتشفه العلم إلّا حديثا: أنّ البحر مسجورٌ، أي مشتعلٌ. فسألته: وما دليلك على صحّة ذلك؟ فردّ: ألم تقرأ أبحاث الدّكتور عبد الدّائم كحيل؟ لقد تحدّث بإسهاب عن الموضوع وفسّره وأثبته في الكثير من الفيديوهات. وقد إكتشف العلماء مؤخّرًا أنّ البحر مشتعلٌ فعلًا. فما تفسيرُك لهذا؟ أجبته بأنّي لا أصدّق هذا الأمر إطلاقًا وبأنّي لستُ من المهوُوسين بالإعجاز العلمي في القرآن ولا أعير هذه الخرافات أيّ إهتمامٍ... لكنّه أصرّ على رأيه وكان يعودُ بإستمرار إلى هذه الخرافة، فأدركتُ أنّها قد إستحوذت على دماغه كما يستحوذ المرضُ على جسد الإنسان وعقله، ووعدته بأن أبيّن له بالدّليل والبرهان أنّ كلّ ما قاله عبد الدّائم كحيل ليس إلّا ضحكًا على الذّقون، لأنّه يعرف أنّ المسلمين لا يطالعون وبالتّالي لن يبحثوا خلفه ولن يشغّلوا أدمغتهم إلّا لقول "سبحان الله".
.
ذهبتُ لأستجلي الأمر على اليوتيوب وفي مواقع أخرى كثيرة، فوجدتُ عبد الدّائم كحيل ينتهجُ نهج المدلّس القديم مصطفى محمود فيأتي بفيديوهات ليدعّم بها أكاذيبه وليصبّ فيها من الخرافات ما يمكّنه من إيهام النّاس بحقيقة الحكاية... لذلك قرّرتُ أن أجمع في مقالٍ واحدٍ كلّ ما يتعلّق بمسألة "البحر المسجور" وكلّ الأدلّة على خرافيّتها وعلى أنّها ليست سوى أكذوبة يضحك بها عبد الدّائم كحيل ومن لفّ لفّه من كهنة الإعجاز العلمي في الكتب الإسلامية الصّفراء على ذقون المسلمين...
.
وقد وجدته في أحد المقالات المنشورة على "موقع عبد الدائم الكحيل للاعجاز العلمي" وتحت عنوان "حقيقة البحر المسجور"، يقول:
"تمتد التصدعات الأرضية لتشمل قاع البحار والمحيطات، ففي قاع البحار هنالك تصدعات للقشرة الأرضية وشقوق يتدفق من خلالها السائل المنصهر من باطن الأرض. وقد اكتشف العلم الحديث هذه الشقوق حيث تتدفق الحمم المنصهرة في الماء لمئات الأمتار، والمنظر يوحي بأن البحر يحترق! هذه الحقيقة حدثنا عنها القرآن عندما أقسَم الله تعالى بالبحر المسجور أي المشتعل، يقول عز وجل: (والبحر المسجور) [الطور: 6].
"إن القرآن لو كان صناعة بشرية لامتزج بثقافة عصره، فمنذ أربعة عشر قرناً لم يكن لدى إنسان من الحقائق إلاَّ الأساطير والخرافات البعيدة عن الواقع، وإن خلوّ القرآن من أيٍّ من هذه الأساطير يمثل برهاناً مؤكداً على أنه كتاب ربِّ العالمين، أنزله بقدرته وبعلمه.
"ولكن قد يتساءل المرء عن سرّ وجود هذه الصدوع. ولماذا جعل الله الأرض متصدعة في معظم أجزائها؟ إن الجواب عن ذلك بسيط، فلولا هذه الصدوع، ولو كانت القشرة الأرضية كتلة واحدة لا شقوق فيها، لحُبس الضغط تحتها بفعل الحرارة والحركة وأدَّى ذلك إلى تحطم هذه القشرة وانعدمت الحياة.
"لذلك يمكن القول إن هذه الصدوع هي بمثابة فتحات تتنفس منها الأرض، وتخرج شيئاً من ثقلها وحرارتها وضغطها للخارج. بتعبير آخر هي صمام الأمان الذي يحفظ استقرار الأرض وتوازنها.
"إن حقيقة البحر المشتعل أو (البحر المسجور) أصبحت يقيناً ثابتاً. فنحن نستطيع اليوم مشاهدة الحمم المنصهرة في قاع المحيطات وهي تتدفق وتُلهب مياه المحيط ثم تتجمَّد وتشكل سلاسل من الجبال قد يبرز بعضها إلى سطح البحر مشكلاً جزراً بركانية. هذه الحقيقة العلمية لم يكن لأحد علم بها أثناء نزول القرآن ولا بعده بقرون طويلة، فكيف جاء العلم إلى القرآن ومن الذي أتى به في ذلك الزمان؟
"إنه الله تعالى الذي يعلم السرَّ وأخفى والذي حدثنا عن اشتعال البحار ويحدثنا عن مستقبل هذه البحار عندما يزداد اشتعالها: (وإذا البحار سجّرت) [التكوير: 6]، ثم يأتي يوم لتنفجر هذه البحار، يقول تعالى: (وإذا البحار فجّرت) [الإنفطار: 3]."
.
بدايةً، وقبل كلّ شيء، نُلاحظ أنّ المقال ليس إلّا إستعراضًا لمعلومات علميّة يتمّ حشرُ الآيات القرآنيّة في وسطها (تمامًا كما كان يفعل مؤسّسّ التّدليس الإعجازي مصطفى محمود منذ عقود)، وكأنّ العلم حجّة على صحّة القرآن... وهذه إحدى المغالطات التي يستغلّها كهنة الإعجاز العلمي لتمرير خرافاتهم. إذ أنّ توافق الإكتشافات العلميّة التي لدينا اليوم مع كلمة أو عبارة مذكورة في كتابٍ قديم ليس بالضّرورة دليلاً على أنّ من كتبه نبيّ ولا على أنّ مصدر الكتاب إلهي. فلا علاقة بين الأمرين إطلاقا. إذ قد يكتب أحدهم فكرة من وحي خياله أو حسب تصوّره للأمور فيُصادف بعد آلاف السّنين أن يكتشف العلمُ أشياء قريبة منها أو مطابقة لها. فهل هذا يعني أنّ الكاتب الذي عاش منذ آلاف السّنين كان عالمًا وأنّه ما كتب ذلك الكلام إلّا عن معرفة ودراية بالموضوع؟ هل هذا يعني أنّ الكاتب كان لديه وحيٌ؟ ولو بحثنا في كتب البوذيّين والهندوس (وهم لا يُعتبرون من أصحاب الدّيانات السّماويّة، أي لا علاقة لهم بالإله الإسلامي الذي يُنسبُ له الإعجاز العلمي المزعوم) لوجدنا الكثير من الأفكار التي يمكنُ أن تُطابق ما نعرفه اليوم عمّا كان خافيًا وقت كتابتها من أسرار الكون أو الطّبيعة أو جسم الإنسان. بل لو بحثنا في معلّقات العرب قبل الإسلام لوجدنا أشياء قد تُدهشنا وتجعل من يقرأها يعتقد أنّ تلك المعلّقات موحى بها من عند اللّات والعزّى، أو من عند هُبَلْ. وكذلك الأمر بالنّسبة للنّصوص المصريّة أو الإغريقيّة القديمة. وبهذه الطّريقة، سنجدُ أنفسنا أمام مليارات من الأنبياء والرّسل. فهل هذا مقبولٌ عند مدلّسي الإعجاز أو حتّى عند أيّ مسلم عادي؟
.
ثمّ أنّ ربط القرآن بهذه الطّريقة مع الله الإسلامي فكرة لا معنى لها. فحتّى لو سلّمنا بأنّ في القرآن إعجازًا وبأنّه وحيٌ وليس من تأليف محمّد بن آمنة، هذا لا يُثبتُ وجود علاقة بينه وبين الله الإسلامي. فقد يكون القرآن من وحي الملائكة (والملائكة تنبّأت في قصّة آدم القرآنيّة بأنّ الإنسان سيعيث في الدّنيا فسادًا وسيسفك الدّماء) وقد تكون من وحي الشّيطان (والشّيطان تنبّأ في نفس القصّة القرآنيّة، وقبل أن يكون لآدم أُنثى، بأنّ البشر سيتكاثرون...). وقد يكون من وحي إله آخر (ففي العالم هناك آلاف الدّيانات الأخرى، وكلّ دين يزعمُ أنّه هو الدّين الصّحيح وأنّ آلهته هي الآلهة الحقيقيّة). وقد يكون من وحي كائنات فضائيّة لم يتمَّ بعدُ العثور عليها، مثلما لم يتمّ العثور على أيّ دليل علمي واضح يثبتُ وجود إله القرآن.
.
لكن لنعُد إلى موضوعنا ولنتفحّص العبارات المذكورة. أين ذُكر "البحر المسجور" في القرآن؟ أتى ذكر هذه العبارة في الآية 6 من سورة "الطّور"، حيث يقول كاتب القرآن: "والطُّور. وكتاب مسطور. في رقّ منشور. والبيت المعمور. والسّقف المرفوع. والبحر المسجور. إنّ عذاب ربّك لواقع. ما له من دافع. يوم تمُورُ السّماء مُورا. وتسير الجبال سيرا. فويل يومئذ للمكذّبين". (الطّور، 1-11) كما نجدُ إشتقاقا آخر لنفس الجذر "سجر" في الآية "وإذا البحار سجّرت" (التكوير: 6).
.
فما تفسير الآية 6 التي ذُكرت فيها عبارة "البحر المسجور"؟ في تفسير الطّبري لهذه الآية، نقرأ ما يلي:
"قوله: {والبحر المسجور} اختلف أهل التأويل في معنى البحر المسجور، فقال بعضهم: الموقد. وتأوّل ذلك: والبحر الموقد المحمى. ذكر من قال ذلك: 25012- حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن داود، عن سعيد بن المسيّب، قال: قال علي رضي الله عنه لرجل من اليهود: أين جهنم؟ فقال: البحر، فقال: ما أراه إلا صادقا، {والبحر المسجور} {وإذا البحار سُجِّرَتْ} [التَّكوير: 6] مخففة. 25013- حدثني ابن حميد، قال: ثنا يعقوب، عن حفص بن حميد، عن شمر بن عطية، في قوله: {والبحر المسجور} قال: بمنزلة التنور المسجور. 25014- حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث. قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد {والبحر المسجور} قال: الموقد. 25015- حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {والبحر المسجور} قال: الموقد، وقرأ قول الله تعالى: {وإذا البحار سجرت} [التكوير: 6] قال: أوقدت. وقال آخرون: بل معنى ذلك: وإذا البحار ملئت، وقال: المسجور: المملوء. ذكر من قال ذلك: 25016- حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {والبحر المسجور} الممتلئ. وقال آخرون: بل المسجور: الذي قد ذهب ماؤه. ذكر من قال ذلك: 25017- حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي عن أبيه، عن ابن عباس في قوله: {والبحر المسجور} قال: سجره حين يذهب ماؤه ويفجر. وقال آخرون: المسجور: المحبوس. ذكر من قال ذلك: 25018- حدثني علي، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس في قوله: {والبحر المسجور} يقول: المحبوس. وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب قول من قال: معناه: والبحر المملوء المجموع ماؤه بعضه في بعض، وذلك أن الأغلب من معاني السجر: الإيقاد، كما يقال: سجرت التنور، بمعنى: أوقدت، أو الإمتلاء على ما وصفت، كما قال لبيد:
فتوسّطا عرض السري وصدعا *** مسجورة متجاورا قلامها
وكما قال النمر بن تولب العكلي:
إذا ساء طالع مسجورة *** ترى حولها النبع والسماسما
سقتها رواعد من صيــــ *** ـف وإن من خريف فلن يعدما
فإذا كان ذلك الأغلب من معاني السّجر، وكان البحر غير موقد اليوم، وكان الله تعالى ذكره قد وصفه بأنه مسجور، فبطُل عنه إحدى الصفتين، وهو الإيقاد صحت الصفة الأخرى التي هي له اليوم، وهو الإمتلاء، لأنه كل وقت ممتلئ. وقيل: إن هذا البحر المسجور الذي أقسم به ربنا تبارك وتعالى بحر في السماء تحت العرش. ذكر من قال ذلك: 25019- حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح، عن علي {والبحر المسجور} قال: بحر في السماء تحت العرش. 25020- قال: ثنا مهران، قال: وسمعته أنا من إسماعيل، قال: ثنا مهران عن سفيان، عن ليث، عن مجاهد، عن عبد الله بن عمرو {والبحر المسجور} قال: بحر تحت العرش. 25021- حدثني محمد بن عمارة، قال: ثنا عبيد الله بن موسى، قال: أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح في قوله: {والبحر المسجور} قال: بحر تحت العرش."
.
وفي تفسير إبن كثير للآية 6 من سورة "الطّور"، نقرأ:
"وقوله تعالى «والبحر المسجور»، قال الربيع بن أنس: هو الماء الذي تحت العرش الذي ينزل الله منه المطر الذي تحيا به الأجساد في قبورها يوم معادها. وقال الجمهور: هو هذا البحر. واختُلِفَ في معنى قوله المسجور، فقال بعضهم: المراد أنه يُوقد يوم القيامة نارًا، كقوله «وإذا البحار سُجِّرَتْ » أي أُضرمت فتصير نارًا تتأجج محيطة بأهل الموقف، ورواه سعيد بن المسيّب عن علي بن أبي طالب ورُوي عن ابن عباس وبه يقول سعيد بن جبير ومجاهد وعبد الله بن عبيد بن عمير وغيرهم. وقال العلاء بن بدر إنَّمَا سُمِّي البحر المسجور لأنه لا يُشرَبُ منه ماء ولا يُسقَى به زرعٌ وكذلك البحار يوم القيامة. كذا رواه عنه ابن أبي حاتم وعن سعيد بن جبير «والبحر المسجور » يعني المرسل. وقال قتادة المسجور المملوء واختاره ابن جرير ووجهه بأنه ليس موقدا يوم القيامة فهو مملوء. وقيل المراد به الفارغ. قال الأصمعي عن أبي عمرو بن العلاء عن ذي الرمة عن ابن عباس في قوله تعالى «والبحر المسجور» قال الفارغ. خرجت أمة تستسقي فرجعت فقالت إن الحوض مسجور يعني فارغا، رواه ابن مردويه في مسانيد الشعراء. وقيل المراد بالمسجور الممنوع المكفوف عن الأرض لئلا يغمرها فيغرق أهلها، قاله علي بن أبي طلحة عن ابن عباس وبه يقول السدي وغيره وعليه يدل الحديث الذي رواه الإمام أحمد رحمه الله في مسنده فإنه قال: حدثنا يزيد حدثنا العوام حدثني شيخ كان مرابطا بالسّاحل قال: لقيت أبا صالح مولى عمر بن الخطاب فقال: حدثنا عمر بن الخطاب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ليس من ليلة إلا والبحر يشرف فيها ثلاث مرات يستأذن الله تعالى أن ينفضخ عليهم فيكفه الله عز وجل وقال الحافظ أبو بكر الإسماعيلي حدثنا الحسن بن سفيان عن إسحاق بن راهويه عن يزيد وهو ابن هارون عن العوام ابن حوشب حدثني شيخ مرابط قال: خرجت ليلة لمحرسي لم يخرج أحد من الحرس غيري فأتيت الميناء فصعدت فجعل يخيل إلي أن البحر يشرف يحاذي رؤوس الجبال فعل ذلك مرارا وأنا مستيقظ فلقيت أبا صالح فقال حدثنا عمر بن الخطاب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ما من ليلة إلا والبحر يشرف ثلاث مرات يستأذن الله تعالى أن ينفضخ عليهم فيكفّه الله عز وجل، فيه رجل مبهم لم يُسَمَّ."
.
إذن، ومنذ البداية، نلاحظ أنّ معنى "مسجور" غير متّفق عليه بين المفسّرين: فجماعة منهم تقول أنّ معنى الكلمة "موقد" (وبعضهم يقولون "موقد" في المطلق والبعض الآخر يقيّد اللّفظ بزمن معيّن وهو يوم القيامة فقط)، وجماعة ثانية تقول أنّها بمعنى "ممتلئ" أو "مملوء"، وجماعة ثالثة تذهب إلى تفسير الكلمة على أنّ معناها "المفرغ من مائه" أو "الفارغ" وجماعة رابعة تقول "مسجون" أو "ممنوع ومكفوف عن الأرض" وجماعة خامسة تقول أنّ مسجور معناها "لا يُشرَبُ منه ماء ولا يُسقَى به زرعٌ وكذلك البحار يوم القيامة" وجماعة سادسة تقول أنّ البحر المذكور إنّما هو "بحرٌ في السّماء تحت العرش". فكيف تَفهَمُ كلّ هذا، عزيزي القارئ المسلم، في ضوء قول كاتب القرآن: "وإنه لتنزيل رب العالمين. نزل به الروح الأمين. على قلبك لتكون من المنذرين. بلسان عربي مبين" (سورة الشّعراء، 192-195)؟ أين البيانُ في كلامٍ غامضٍ مُبهمٍ يحتملُ التّأويل في كلّ الإتّجاهات فيذهبُ هذا في تفسيره إلى معنى ويذهبُ آخرون إلى النّقيض؟
.
وإذا عدنا للمعاجم نجد أنّ كلّ هذه المعاني موجودة فِعلًا في فعل "سجر" ومختلف إشتقاقاتها. ففي "لسان العرب" لإبن منظور (مادّة: سجر)، نقرأ:
.
"سَجَرَه يَسْجُرُه سَجْراً وسُجوراً وسَجَّرَه: ملأَه. وسَجَرْتُ النهَرَ: ملأْتُه. وقوله تعالى: وإِذا البِحارُ سُجِّرَت؛ فسّرهُ ثعلب فقال: مُلِئَتْ، قال ابن سيده: ولا وجه له إِلا أَن تكون مُلِئَت ناراً. وقوله تعالى: والبحرِ المَسْجُورِ؛ جاء في التفسير: أَن البحر يُسْجَر فيكون نارَ جهنم. وسَجَرَ يَسْجُر وانْسَجَرَ: امتلأَ. وكان علي بن أَبي طالب، عليه السلام، يقول: المسجورُ بالنّار أَي مملوء. قال: والمسجور في كلام العرب المملوء. وقد سَكَرْتُ الإِناء وسَجَرْته إِذا ملأْته؛ قال لبيد: مَسْجُورةً مُتَجاوراً قُلاَّمُها وقال في قوله: وإِذا البِحارُ سُجِّرَت؛ أَفضى بعضها إِلى بعض فصارت بحراً واحداً. وقال الربيع: سُجِّرَتْ أَي فاضت، وقال قتادة: ذَهَب ماؤها، وقال كعب: البحر جَهنم يُسْجَر، وقال الزجاج: قرئ سُجِّرت وسُجِرَت، ومعنى سُجِّرَت فُجِّرَت، وسُجِرَت مُلِئَتْ؛ وقيل: جُعِلَت مَبانِيها نِيرانَها بها أَهْلُ النار. أَبو سعيد: بحر مسجورٌ ومفجورٌ. ويقال: سَجَّرْ هذا الماءَ أَي فَجّرْه حيث تُرِيدُ. وسُجِرَت الثِّماد سَجْراً: مُلِئت من المطر وكذلك الماءُ سُجْرَة، والجمع سُجَر، ومنه البحر المسجور. والساجر: الموضع الذي يمرّ به السيل فيملؤه، على النسب، أَو يكون فاعلاً في معنى مفعول، والساجر: السيل الذي يملأ كل شيء. وسَجَرْت الماء في حلقه: صببته؛ قال مزاحم: كما سَجَرَتْ ذا المَهْدِ أُمٌّ حَفِيَّةٌ، بِيُمْنَى يَدَيْها، مِنْ قَدِيٍّ مُعَسَّلِ القَدِيُّ: الطَّيِّبُ الطَّعْمِ من الشراب والطعام. ويقال: وَرَدْنا ماءً ساجِراً إذا ملأَ السيْلُ. والساجر: الموضع الذي يأْتي عليه السيل فيملؤه؛ قال الشماخ: وأَحْمَى عليها ابْنَا يَزِيدَ بنِ مُسْهِرٍ، بِبَطْنِ المَراضِ، كلَّ حِسْيٍ وساجِرِ وبئر سَجْرٌ: ممتلئة والمَسْجُورُ: الفارغ من كل ما تقدم، ضِدٌّ؛ عن أَبي علي. أَبو زيد: المسجور يكون المَمْلُوءَ ويكون الذي ليس فيه شيء. الفراء: المَسْجُورُ اللبنُ الذي ماؤه أَكثر من لبنه. والمُسَجَّرُ: الذي غاض ماؤه. والسَّجْرُ: إيقادك في التَّنُّور تَسْجُرُه بالوَقُود سَجْراً. والسَّجُورُ: اسم الحَطَب. وسَجَرَ التَّنُّورَ يَسْجُرُه سَجْراً: أَوقده وأَحماه، وقيل: أَشبع وَقُودَه. والسَّجُورُ: ما أُوقِدَ به. والمِسْجَرَةُ: الخَشَبة التي تَسُوطُ بها فيه السَّجُورَ. وفي حديث عمرو بن العاص: فَصَلِّ حتى يَعْدِلَ الرُّمْحَ ظَلُّه ثم اقْصُرْ فإِن جهنم تُسْجَرُ وتُفتح أَبوابُها أَي توقد؛ كأَنه أَراد الإِبْرادَ بالظُّهر لقوله، صلى الله عليه وسلم: أَبْرِدُوا بالظهر فإِن شِدَّةَ الحرّ من فَيْحِ جهنم، وقيل: أَراد به ما جاء في الحديث الآخر: إِنّ الشمس إِذا استوتْ قارَنَها الشيطانُ فإِذا زالت فارَقَها؛ فلعل سَجْرَ جهنم حينئذٍ لمقارنة الشيطانِ الشمسَ وتَهْيِئَتِه لأَن يَسْجد له عُبَّادُ الشمس، فلذلك نهى عن ذلك في ذلك الوقت؛ قال الخطابي، رحمه الله تعالى: قوله تُسْجَرُ جهنم وبين قرني الشيطان وأَمثالها من الأَلفاظ الشرعية التي ينفرد الشارع بمعانيها ويجب علينا التصديقُ بها والوُقوفُ عند الإِقرار بصحتها والعملُ بِمُوجَبِها. وشَعْرٌ مُنْسَجِرٌ وَمَسْجُورٌ: مسترسل؛ قال الشاعر: إِذا ما انْثَنَى شَعْرُه المُنْسَجِرْ وكذلك اللؤلؤُ لؤلؤٌ مسجورٌ إِذا انتثر من نظامه. الجوهري: اللؤلؤُ المَسْجُورُ المنظومُ المسترسل؛ قال المخبل السعدي واسمه ربيعة بن مالك: وإِذ أَلَمَّ خَيَالُها طَرَفَتْ عَيْني، فماءُ شُؤُونها سَجْمُ كاللُّؤْلُؤِ المَسْجُورِ أُغفِلَ في سِلْكِ النِّظامِ، فخانه النَّظْمُ أَي كأَنَّ عيني أَصابتها طَرْفَةٌ فسالت دموعها منحدرة، كَدُرٍّ في سِلْكٍ انقطع فَتَحَدَّرَ دُرُّه؛ والشُّؤُونُ: جمعُ شَأْنٍ، وهو مَجْرَى الدمع إِلى العين. وشعر مُسَجَّرٌ: مُرَجَّلٌ. وسَجَرَ الشيءَ سَجْراً: أَرسله، والمُسَجَّرُ: الشعَر المُرْسَل؛ وأَنشد: إِذا ثُني فَرْعُها المُسَجَّر ولؤلؤة مَسْجُورَةٌ: كثيرة الماء. الأَصمعي: إِذا حنَّت الناقة فَطَرِبَتْ في إِثر ولدها قيل: سَجَرَت الناقةُ تَسْجُرُ سُجوراً وسَجْراً ومَدَّتْ حنينها... وقد يستعمل السَّجْرُ في صَوْتِ الرَّعْدِ. والساجِرُ والمَسْجُورُ: الساكن. أَبو عبيد: المَسْجُورُ الساكن والمُمْتَلِئُ معاً. والساجُورُ: القِلادةُ أَو الخشبة التي توضع في عنق الكلب. وسَجَرَ الكلبَ والرجلَ يَسْجُرُه سَجْراً: وضع الساجُورَ في عنقه؛ وحكى ابن جني: كلبٌ مُسَوْجَرٌ، فإِن صح ذلك فشاذٌّ نادر. َبو زيد: كتب الحجاج إِلى عامل له أَنِ ابْعَثْ إِليَّ فلاناً مُسَمَّعاً مُسَوْجَراً أَي مُقَيَّداً مغلولاً. وكلبٌ مَسْجُورٌ: في عنقه ساجورٌ."
.
وللمتمعّن في كلّ هذه المعاني أن يتساءل: على أيّ أساسٍ يجبُ أن أصدّق أنّ المعنى المقصود من طرف كاتب القرآن بالنسبة لكلمة "مسجور" هو بالضّبط ما ذهب إليه عبد الدّائم كحيل في تفسيره؟ على أساس ما إكتشفهُ علماء الغرب؟ ألا يعني هذا أنّ القرآن مُبهمٌ وناقصٌ وأنّه كان سيبقى كذلك لو لم يأتِ علماء الغرب بإكتشافاتهم وأبحاثهم لوضع النّقاط على الحروف وتوضيح طلاسمه؟ ثمّ ألا يُعتبر هذا طعنًا في محمّد بن آمنة الذي لم يُفسّر قرآنه كما يجب وبطريقة لا تقبلُ التّلاعب ولا تسمحُ بتعدّد المعاني وتضاربها وتفسير النّاس للآيات حسب أمزجتهم وأهوائهم؟ ألا يُعتبر ذلك طعنًا في الصّحابة وكلّ المسلمين الذين سبقوا عصرنا هذا (عصر فلتة زمانه عبد الدّائم كحيل ومن لفّ لفّه من المدلّسين) الذين أخذوا طلاسم القرآن كما هي فكانوا فِعْلًا كما يقول كاتب القرآن كـ"الحمار يحملُ أسفارًا" (سورة الجمعة، 5)؟
.
أمّا عن ربط عبد الدّائم كحيل للآية 6 من سورة الطّور مع الآية 6 من سورة التّكوير فكان على أساس الإشتقاق، لا أكثر ولا أقلّ. فكاهن الإعجاز العلمي يستعملُ التّقارب في الألفاظ لتمرير خرافته. ومن الواضح أنّ بداية سورة التّكوير هي حديثٌ عن "يوم القيامة" المزعوم وما سيحدث فيه. فبداية السّورة كما يلي: "إذا الشمس كورت. وإذا النجوم انكدرت. وإذا الجبال سيرت. وإذا العشار عطلت. وإذا الوحوش حشرت. وإذا البحار سجرت. وإذا النفوس زوجت. وإذا الموؤودة سئلت. بأي ذنب قتلت. وإذا الصحف نشرت. وإذا السماء كشطت. وإذا الجحيم سعرت. وإذا الجنة أزلفت. علمت نفس ما أحضرت". (التّكوير، 1-14) فما علاقتها بالحمم البركانيّة التي في قاع البحر الآن؟ فإذا كان الحديث في سورة التّكوير يدور حول ما سيحدث "يوم القيامة"، فلماذا تكون الآية 6 من سورة الطّور مختصّة بأشياء موجودة اليوم؟ ما الدّليل؟ لا شيء، بإستثناء التّقارب في الألفاظ.
.
وقد ورد في تفسير الطّبري للآية الأولى من سورة التّكوير ما يلي:
"اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: {إذا الشمس كورت} فقال بعضهم: معنى ذلك: إذا الشمس ذهب ضوءها. ذكر من قال ذلك: 28209- حدثنا الحسين بن الحريق، قال: ثنا الفضل بن موسى، عن الحسين بن واقد، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، قال: ثني أبي بن كعب، قال: ست آيات قبل يوم القيامة: بينا الناس في أسواقهم، إذ ذهب ضوء الشمس، فبينما هم كذلك، إذ تناثرت النجوم، فبينما هم كذلك، إذ وقعت الجبال على وجه الأرض، فتحركت واضطربت واحترقت، وفزعت الجن إلى الإنس، والإنس إلى الجن، واختلطت الدواب والطير والوحش، وماجوا بعضهم في بعض."
.
وهذا يتوافق مع ما ورد في سورة الإنفطار: "إذا السماء انفطرت. وإذا الكواكب انتثرت. وإذا البحار فجرت. وإذا القبور بعثرت. علمت نفس ما قدمت وأخرت" (الإنفطار، 1-5) إلّا إذا كان يوم القيامة قد أتى... فهل أتى أم لم يأتِ بعدُ؟ أم أنّ كلّ الحكاية تدليسٌ في تدليسٍ وتحريفٌ لمعاني القرآن بما يوافقُ الإكتشافات العلميّة؟
.
نأتي الآن إلى تقديم الأدلّة التي تثبتُ أنّ كلّ كلام عبد الدّائم كحيل تدليسٌ وكذبٌ وتحريفٌ.
.
أوّلًا، من النّاحية اللّغويّة، لفظ "مسجُور" كان معروفًا ومن الألفاظ الشّائعة لدى العرب، ويشهدُ بذلك ما قدّمناه أعلاه من "لسان العرب" لإبن منظور، وأيضًا قولُ زهير بن أبي سلمى:
"لقد عرفت ربيعة في جذام *** وكعب خالها وابنا ضرار
لقد نازعتم حسبا قديما *** وقد سجرت بحارهم بحاري"
فإذا كان إستعمال لفظ "مسجور" مع لفظ "البحر" يعتبر إعجازًا علميًّا، فلماذا لا يكون قول زهير بن أبي سلمى هو أيضًا إعجازًا علميًّا؟ بل الإعجاز العلمي ثابتٌ في قول الشّاعر وهو أولى به نظرًا لأنّه أتى قبل قول كاتب القرآن؟ فقد وُلد الشّاعر سنة 520 م ومات سنة 609 م، أي قبل إدّعاء محمّد بن آمنة نزول الوحي عليه. أَوَلَيْسَ الأسبقُ هُو الأولى بأن يُنسب إليه الإعجازُ؟ وبهذا، من حقّنا أن نسأل مدلّسي الإعجاز العلمي في القرآن نفس الأسئلة التي يطرحونها دائما على من يكذّبون القرآن: كيف عرف زهير بن أبي سلمى أنّ البحار متّقدة؟ أليس هذا دليلا على أنّ شعره موحى به من عند اللّات والعزّى؟ أليس هذا دليلا على أنّ محمّدا بن آمنة لم يفعل سوى سرقة التّعبير من شعر إبن أبي سلمى وصياغته بطريقة تتناسبُ مع السّجع الذي بدأت به سورة "الطّور" وحشره في السّور الأخرى؟ إلى آخره من الأسئلة التّافهة التي صدّعوا رؤوسنا بها...
.
ثانيًا، لسائلٍ أن يسأل: لماذا عمّم كاتب القرآن الإتّقاد على البحر كلّه؟ أو لنقل: لماذا ترك اللّفظ مبهمًا ولم يحدّد إن كان البحر كلّه هو المتّقد أم قاعُه فقط؟ فقوله "البحر المسجُور" لا يحدّد ما ذهب إليه عبد الدّائم كحيل من أنّ قاعه هو المتّقد. فقد يكون الإتّقاد على ضفافه أو في حيّز محدّد منه... ثمّ أنّ لفظ "البحر" أتى مفردًا، في حين أنّ ظاهرة إندفاع الصّهارة البركانيّة من الصّدوع في أعماق البحر موجودة في بحارٍ ومحيطات كثيرة. ألم يكن إله القرآن المزعوم يعرفُ ذلك؟ وهل عجز كاتب القرآن عن تبيين ذلك، أم خانته الكلمات فلم يستطع إيصال المعنى بصفة واضحة ولا لُبس فيها؟ (ونقصد هنا المعنى الذي ذهب إليه عبد الدائم كحيل والمهووسون بالإعجاز العلمي في القرآن من بعده.) أليس عدم توضيحه وتحديده للأمر بصفة لا تقبل الإختلاف في المعنى أو التّأويل عيبًا لغويًّا وبلاغيًّا فادحًا؟
.
ثالثًا، عبد الدّائم كحيل يريدُ إقناعنا بأنّ آية "البحر المسجور" تحدّثنا عن إندفاع الصّهارة البركانية في قاع البحار... لكن، لماذا لم يأتِ ذكر ألفاظ مثل "بركان" أو "براكين" ولا مرّة واحدة في القرآن كلّه؟ فهل نسي إله القرآن أن يذكر البراكين؟ أم أنّه ليس هو الذي خلقها؟ أم أنّه خلقها لاحقًا، بعد إنتهائه من كتابة القرآن و"تنزيله" على محمّد ولم تكن موجودة من قبلُ؟ أم أنّ إله القرآن مجرّد خرافة وكاتب القرآن لم يكن سوى بدويّ جاهلٍ بكلّ ما أتى بعده من علوم، بل جاهلٌ حتّى بوجود شيء إسمه "بركان" في عصره؟ أم أنّ الكلمة لم تأتِ إلّا للضّرورة الشّعريّة لكي يستقيم السّجع؟ فإذا كان القرآن يحتوي على إعجاز علمي عن علم الجيولوجيا وعلوم البحار، كان عليه أن يذكُر البراكين ولو مرّة واحدة ليكون لحديثه عن "البحر المسجور" بمعنى "المتّقد في أعماقه بفعل الحمم البركانية" دلالة وليثبت مشروعيّة ذهاب المفسّرين إلى تبنّي هذا المعنى بدلًا عن كلّ المعاني الأخرى، وإن لم يُدركهُ محمّد بن آمنة ومن عاصروه...
.
رابعًا، في أحد فيديوهاته المأخوذة من برنامج بُثَّ على قناة "الرّحمة"، يستدلُّ عبد الدّائم كحيل بترتيب السّور في المصحف ويقول بأنّ هناك إعجازًا آخر: فآية "وإذا البحار سجّرت" وردت في سورة التّكوير (ترتيبها في المصحف 81) وآية "وإذا البحار فجّرت" وردت في سورة الإنفطار (ترتيبها في المصحف 82)... فكيف يتوافقُ العلم مع القرآن؟ وكيف أتى الإنفجار بعد الإشتعال؟ أليس هذا دليلًا على أنّ القرآن موحى به من عند الله؟ إلخ. ولكن كشف هذا التّدليس سهلٌ، فلا علاقة لترتيب السّور في المصحف بما يسمّى "ترتيب النّزول"، أي الترتيب الزّمني لكتابتها. وإنّما ترتيبها في المصحف، حسب المراجع الإسلاميّة، أمرٌ راجعُ لمن جمعوا القرآن في عهد عثمان بن عفّان. ولو إتّبعنا منطق عبد الدّائم كحيل لنسفنا كلّ ما ورد في الكتب الإسلاميّة: فالمراجع تقول أنّ أوّل سورة في القرآن كانت سورة العلق، لكنّنا نجدُ أنّها السّورة رقم 96 في المصحف. بنفس منطق عبد الدّائم كحيل، يمكننا أن نقول: لا يوجدُ أيّ دليل على صحّة خرافة ظهور جبريل لمحمّد بن آمنة في غار حراء لأنّ سورة العلق أتتْ بعد 95 سورة أخرى وبالتّالي فهي ليست أوّل ما "اُنزِلَ" من القرآن. هذا ونُحيلُ عبد الدّائم كحيل على ما قاله "العلماء" في مسألة الترتيب الزّمني للسّور القرآنيّة، في مقالٍ منشور على موقع "الإسلام سؤال وجواب"، حيثُ نقرأ ما يلي:
.
"فقال مجد الدين الفيروز آبادي رحمه الله:
"اتّفقوا على أَنَّ أَوّل السُّور المكِّية اقرأ باسم رَبِّكَ الذي خَلَقَ، ثمَّ ن والقلم وَمَا يَسْطُرُونَ، ثمَّ سورة المزمِّل، ثمَّ سورة المدَّثِّر، ثمَّ سورة تبَّت، ثم إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ، ثم سَبِّحِ اسْمِ رَبِّكَ الأَعْلَى، ثمَّ والليل إِذَا يغشى، ثم وَالفَجْرِ، ثم وَالضُّحَى، ثمَّ أَلَمْ نَشْرَح، وَزعمت الشِّيعة أَنَّهما واحدَة، ثمَّ وَالعَصْرِ، ثم وَالعَادِيَّاتْ، ثم الكوثر، ثم أَلهاكم، ثم أَرأَيت، (ثم الكافرون)، ثمَّ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ، ثم الفلق، ثم الناس، ثم قل هو الله أَحد، ثمَّ وَالنَّجْم، ثم عَبَس، ثم القَدر، ثمَّ والشمس وَضُحَاهَا، ثم البروج، ثم وَالتِّينِ، ثم لإِيلاَفِ، ثم القارعة، ثم لاَ أُقْسِمُ بِيَوْمِ القيامة، ثم ويْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ، ثم وَالمُرْسِلاَتِ، ثم ق والقرآن المجيد، ثم لاَ أُقْسِمُ بهذا البلد، ثم والسماء والطارق، ثم اقْتَرَبَتِ السَّاعَة، ثم ص، ثم الأَعراف، ثم قُلْ أُوْحِىَ، ثم يس، ثم الفرقان، ثم الملائكة، ثم مريم، ثم طه، ثم الواقعة، ثم الشعراءُ، ثم النمل، ثم القَصَص، ثم بني إِسرائيل، ثم يونس، ثم هود، ثم يوسف، ثم الحِجْر، ثم الأَنعام، ثم الصَّافَّات، ثم لقمان، ثم سبأ، (ثم الزمر)، ثم المؤمن، ثم (حَم السجدة)، ثم (حَم عسق)، ثم الزخرف، ثم الدُّخَان، ثم الجاثية، ثم الأَحقاف، ثم الذاريات، ثم الغاشية، ثم الكهف، ثم النَّحل، ثم سورة نوح، ثم سورة إِبراهيم، ثم سورة الأَنبياءِ، ثم قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُون، ثم (الم السَّجدة)، ثم الطور، ثم (تبارك الملك)، ثم الحاقَّة، ثم سأَل سائل، ثم عَمَّ يَتَسَآءَلُون، ثم النازعات، ثم إِذَا السماء انفطرت، ثم إِذَا السماء انشقت، ثم الرُّوم، ثم العنكبوت، ثم المطفِّفين. فهذه خمس وثمانون سورة نزلت بمكة". انتهى من "بصائر ذوي التمييز" (1/98-99)."
.
أي أنّ سورتي الطّور والإنفطار من أواخر سور الفترة المكّيّة، في حين أنّ سورة التّكوير كانت من أوائل السّور (السّادسة زمنيًّا، حسب الترتيب المذكور). ثمّ أنّ سورتا التكوير والإنفطار تتحدّثان عن يوم القيامة، فكيف يكون حديثُ سورة الطّور عن أحداث قديمة أو معاصرة لنا، وليس هناك عاقلٌ يمكن أن يزعم أنّ يوم القيامة المزعوم قد حلّ؟
.
كما نقرأ في نفس المقال ما يلي:
"أما معرفة متى نزلت كل سورة على التحديد: فمتعذر؛ لأنه لم يرد توقيف صحيح، فيما نعلم، بمثل ذلك."
.
إذن، فكلّ ما قالهُ عبد الدّائم كحيل لا يُثبتُ أنّ القرآن كتاب سماويّ موحى به من عند الله كما يزعم، بل يُثبتُ أنّ كاهن الإعجاز العلمي هذا مدلّسٌ وكاذبٌ، فقط.
.
خامسًا، أعرف أنّ البعض سيحاولون الهروب من هذه الأسئلة بقولهم: ما كان لله أن يُثقل أذهان محمّد وأصحابه بأشياء غير معروفة في عصرهم ولن يتمّ إكتشافها إلّا في المستقبل البعيد، لذلك لم يُبيّن لهم حقيقتها لأنّها ستكون أعقد وأصعب من أن تتقبّلها عقولهم... لكن نقض هذا الإدّعاء سهلٌ: فكاتب القرآن حدّث هؤلاء البدو قبل أربعة عشر قرنًا عن أمور لم يكونوا يعرفونها ولا يعرفها أحدٌ إلى اليوم (بل ولا يمكن أن يعرفها الإنسانُ لا في المستقبل القريب ولا البعيد) مثل: الجنّة وجهنّم والعرش والسّبع السّماوات والسّبع أرضين والملائكة والجنّ والشّياطين وياجوج وماجوج والدّجّال الأعور وحور العين (وهذه مذكورة في سورة "الطّور" نفسها) وغيرها، فهل كلّ هذه الخرافات أسهلُ في الفهم من قوله بلسانٍ صريحٍ وفي لغة واضحة "والبحار الموقدة في أعماقها بفعل إندفاع حمم البراكين" مثلاً؟ ألم يكن قادرًا على التّعبير بطريقة لا تقبلُ التّأويل والتّفسير على عشرات الأوجه فيقبلها محمّد بن آمنة وأصحابه في زمنهم كما قبلوا ما ذكرناه من الخرافات القرآنيّة وتكون في نفس الوقت معجزة واضحة وقاطعة الدّلالة "لا ينتطحُ فيها عنزان" (كما يُقال) بالنّسبة لعصرنا نحنُ والعصور اللّاحقة، إن كان فعلًا يريدُ أن يجعل من القرآن كتاب عُلومٍ كما يزعمُ كهنة الإعجاز العلمي؟ فهل الله القرآني فاشلٌ إلى هذه الدّرجة؟
.
سادسًا، ما معنى قول بعض المفسّرين أنّ "البحر المسجور" هو "بحرٌ تحت العرش"؟ ألا تكون هذه الخرافة هي المعنى الحقيقي الذي قصده كاتب القرآن عند تأليفه لسورة "الطّور"؟
.
فقد ورد في كتاب "نهاية الأرب في فنون الأدب" للنّويري ما يلي:
"ورُوي عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس هو وأصحابه، إذ أتى عليهم سحاب. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «هل تدرون ما هذا؟» قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «هذا العنان، هذه رَوَايَا الأرض، يسوقها الله تعالى إلى قوم لا يشكرونه ولا يدعونه». ثم قال: «أتدرون ما فوقكم؟» قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «هذا الرقيع: سقف محفوظ، وموج مكفوف». ثم قال: «هل تدرون ما بينكم وبينها؟» قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «بينكم وبينها خمسمائة سنة». ثم قال: «هل تدرون ما فوق ذلك؟» قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «سماء في بعد ما بينها خمسمائة سنة». قال ذلك حتى بلغ سبع سماوات، ما بين كل سماءين، وما بين السماء والأرض. ثم قال: «هل تدرون ما فوق ذلك؟» قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «إن فوق ذلك العرش. وبينه وبين السماء بعد ما بين السماءين». ثم قال: «هل تدرون ما تحتكم؟» قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «إنها الأرض». ثم قال: «أتدرون ما تحت ذلك؟» قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «إن تحتها أرضاً أخرى، بينهما مسيرة خمسمائة سنة». حتى عد سبع أرضين، بين كل أرض وأرض خمسمائة سنة. أخرجه أبو عيسى الترمذي، في «جامعه»." (شهاب الدّين أحمد النّويري، نهاية الأرَب في فنون الأدَب، دار الكتب العلميّة، بيروت، 2004، ج1، ص23)
.
أظنّ أنّ معنى الحديث واضحٌ جدًّا. فقول محمّد بن آمنة: «هذا الرقيع: سقف محفوظ، وموج مكفوف» يدلّ على أنّه كان يعتقد أنّ السّماء سقفٌ وأنّ هناك بحرًا في هذه السّماء، أمواجه مكفوفة، أي محبُوسة. وهذا المعنى يتوافق مع ما ورد في تفسير إبن كثير والمذكور أعلاه.

ثمّ يُضيفُ النّويري بعض الأحاديث التي تدعمُ ما تقدّم:
"ويروى عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان جالساً بالبطحاء، بين أصحابه، إذ مرت عليهم سحابة. فنظروا إليها. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هل تدرون ما اسم هذه؟» قالوا: نعم. هذا السحاب. فقال صلى الله عليه وسلم: «والمزن». قالوا: والمزن. قال: «والعنان». قالوا: والعنان. فقال: «هل تدرون ما بين السماء والأرض؟» قالوا: لا ندري. قال: «خمسمائة عام. وبينها وبين السماء التي فوقها كذلك». حتى عدّ سبع سماوات. ثم قال: «وفوق السماء السابعة بحرٌ، بين أعلاه وأسفله كما بين سماء إلى سماء». وفي لفظ: كما بين السماء والأرض. «وفوق ذلك ثمانية أوعال، بين أظلافهم وركبهم مثل ما بين سماء إلى سماء، ثم فوق ظهورهم العرش، بين أسفله وأعلاه كما بين السماء والأرض».
"وجاء في رواية أخرى ذكر الكرسي، قال: «ثم ما بين السماء السابعة والكرسي مسيرة خمسمائة عام. ثم ما بين الكرسي إلى الماء مسيرة خمسمائة عام. والعرش فوق الماء». ولم يذكر الأوعال.
"وجاء في رواية أخرى ذكر الكرسي، وأن السّماوات في ضمنه. وهي بالنسبة إليه كحلْقة ملقاة في أرض فلاة، والكرسي بالنسبة إلى العرش كذرّة ملقاة في أرض فلاة فيحاء. (وفي رواية كحلقة).
"ورُوِيَ أن أبا ذرّ رضي الله عنه قال: يا رسول الله: أي آية أنزلت عليك أعظم؟ قال: «آية الكرسيّ». ثم قال: «يا أبا ذرّ! أتدري ما الكرسيّ؟» قلت: لا؛ فعلمني يا رسول الله، مِمَّا علّمك الله. فقال: «ما السماوات والأرض فيهن في الكرسي، إلا كحلْقة ألقاها مُلْقٍ في فلاةٍ. وما الكرسي في العرش، إلا كحلْقة ألقاها ملق في فلاة. وما العرش في الماء، إلا كحلْقة ألقاها ملق في فلاة. وما الماء في الريح، إلا كحلْقة ألقاها ملق في فلاة. وجميع ذلك في قبضة الله كالحبة، وأصغر من الحبة، في كف أحدكم. تعالى الله سبحانه». رواه أبو حاتم في كتاب العَظَمَة.
"والقول في هيئة السماء، على مذاهب أصحاب علم الهيئة، كثبر. أغضينا عنه، لأنّه لا يقوم عليه دليل واضح. فلذلك اقتصرنا على ذكر المنقول دون المعقول." (النّويري، نفس المصدر، ج1، ص23-24)
.
وفي موضع آخر من نفس الكتاب، يُضيفُ النّويري:
"وقد قال الله تعالى: «وسخّر لكم الشّمس والقمر دائبين» [إبراهيم: الآية 33] ورُوي عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أنّه قال: «أتدرون أين تذهبُ هذه الشّمسُ؟» قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: «إنّها تجري لمستقرّ لها تحت العرش، فتخرّ ساجدة؛ فلا تزال كذلك حتّى يؤذن لها في الطّلوع. ويوشك أن يقال لها: إرحعي من حيث جئتِ؛ وذلك طلوعها من مغربها».
"وذهب وهْب بن مُنبّه إلى أنّ الشّمس على عجلة لها ثلاثمائة وستّون عروة، وقد تعلّق بكلّ عروة مَلَكٌ؛ يجرّونها في السّماء ودونها البحر المسجور في موجٍ مكفوف كأنّهُ جبلٌ ممدودٌ في الهواء، ولو بَدَتْ الشّمسُ من ذلك البحر لأحرقت ما على وجه الأرض من شيء حتّى الجبال والصّخور. ورُوي عن كعب أنّهُ قال: «خلق الله القمر من نورٍ وخلق الشّمس من نارٍ». (النّويري، نفس المصدر، ج1، ص34)
.
وهنا يتّضحُ جليًّا للقارئ الأساس الخرافي الذي بُنيت عليه بدايةُ سورة "الطّور": "العرش في الماء"، "«وفوق السماء السابعة بحرٌ، بين أعلاه وأسفله كما بين سماء إلى سماء. وفوق ذلك ثمانية أوعال، بين أظلافهم وركبهم مثل ما بين سماء إلى سماء، ثم فوق ظهورهم العرش، بين أسفله وأعلاه كما بين السماء والأرض»". ثمّ ألا يتوافقُ قولُ وهْب بن منبّه (الملائكة التي تجرّ الشّمس في السّماء "ودونها البحر المسجور في موجٍ مكفوف"... "ولو بَدَتْ الشّمسُ من ذلك البحر لأحرقت ما على وجه الأرض من شيء حتّى الجبال والصّخور") مع نفس الإتّجاه الخرافي والأسطوري الذي في أحاديث محمّد بن آمنة المذكورة قبلها؟ فهل من يؤمن بخرافات كهذه ويحدّثُ النّاس بها يمكنُ أن يأتي بإعجازٍ علمي؟ أليس واضحًا تأثير الخرافة والأساطير على القرآن في الكثير من المواضع؟ فكيف تجتمعُ الخرافة مع الإعجاز العلمي المزعوم؟
.
ويبقى السّؤال مطروحًا: أين الإعجازُ في كلّ هذا؟ قرآنٌ غامضٌ يحتملٌ المعنى ونقيضه في نفس الوقت، بل يحتملٌ عشرات المعاني البعيدة كلّ البُعد عن بعضها البعض، وما إختلاف التّفسيرات التي أوردها المفسّرون في كتبهم إلّا جزء بسيط من مسلسل التّخبّط الإسلامي في تفسير هذا الكتاب الذي يزعم أنّه "بلسان عربي مبين"... آياتٌ أقرب لكلام السّكارى والمجانين منها إلى البيان والبلاغة... أفكارٌ خُرافيّةٌ وأساطير (وهذا يثبتُ كذب إدّعاء عبد الدّائم كحيل حين كتب في مقاله المنقول أعلاه: "إن القرآن لو كان صناعة بشرية لامتزج بثقافة عصره، فمنذ أربعة عشر قرناً لم يكن لدى إنسان من الحقائق إلاَّ الأساطير والخرافات البعيدة عن الواقع، وإن خلوّ القرآن من أيٍّ من هذه الأساطير يمثل برهاناً مؤكداً على أنه كتاب ربِّ العالمين، أنزله بقدرته وبعلمه." فهاهي الأساطير في القرآن واضحة وضوح الشّمس وتثبتُ أنّ هذا الكتاب من تأليف البشر.)...
.
ثمّ، هل يستطيعُ عبد الدّائم كحيل أو أيّ كاهن آخر من كهنة الإعجاز العلمي في القرآن أن يقدّموا ورقة بحثيّة في إعجاز "البحر المسجور" إلى أيّة مجلّة علميّة محترمة وذات صيت في مجالها فتحضى ورقتهم بالإهتمام ويتمّ نشرها؟ أكثر العلماء غباءً لا يمكن أن يسمح لنفسه بالبحث عن كلمة أو عبارة في نصٍّ قديم وإقتطاعها وكتابة ورقة بحثيّة حولها بإعتبار أنّها تشيرُ إلى أمرٍ لم يتمّ إكتشافه إلَّا حديثًا، لأنّهُ سيكون محطَّ سُخرية وإستهزاء كلّ المجتمع العلمي، وأبناء إختصاصه في الصّف الأوّل، بطبيعة الحال. فما بالك بنشره! فالعلم له أصوله وقواعده ولا يمكنُ أن يُبنى على كلمة أو أن يكون وجودُ عبارة ما في كتابٍ قديمٍ دليلًا على إثبات قانون علمي أو نظريّة أو حتّى ظاهرة طبيعيّة، كما هو الحالُ هنا.
.
لكن، في عالمنا "العربي الإسلامي"، حيث تسكُنُ الأمّيّة ويحيا الجهلُ حياة سعيدة، كلّ شيء ممكن. ومن يروّجون هذه الخرافات ويعملون على تسطيح الوعي لدى النّاس ومزيد تجهيلهم وحشو أدمغتهم بالخرافات، هؤلاء يُسمُّون أنفسهم "علماء" ويحضون بالتّقدير والإحترام، بل وتُقدَّمُ آراؤهم الخرافيّة وكتاباتهم المليئة بالتّدليس والكذب على أنّها حُججٌ دامغة على صحّة الإسلام وصحّة القرآن وصحّة نبوّة محمّد بن آمنة! بل وفي الكثير من الأحيان تُقدّم خزعبلاتهم على نظريّات العلماء الحقيقيّين! لذلك، ليس غريبًا أن تكون هذه الشّعوب "العربيّة المسلمة" في مؤخّرة الرّكب على جميع الأصعدة، وحتّى إنسانيًّا. ولا أملَ لها في الخروج من كهف الخرافة إلَّا للذّهاب إلى مزبلة التّاريخ.
.
وأخيرًا، لا يمكن أن أفوّت الفرصة دون لفت نظر القارئ لما يردّده عبد الدّائم كحيل في كلّ منشوراته وفيديوهاته وكلّما سنحت له الفرصة: ومن ذلك قوله في مقاله المذكور أعلاه: "وهذا المشهد يؤكد صحة ما جاء في القرآن بعكس ما يدعيه الملحدون من أن القرآن من تأليف محمد صلى الله عليه وسلم"، وسخريته، في الفيديوهات المشار إليها في الهوامش، من الملحدين لأنّهم لا يصدّقون لا القرآن ولا محمّد بن آمنة... والواضحُ أنّ الملحدين يشكّلون عقدة لدى كاهن الإعجاز العلمي هذا (وبالمناسبة، هو ليس الوحيد المهووس بالملحدين)، وإنّما هو يقول ذلك لعلمه بأنّ الملحدين هم خصومه الحقيقيّون الذين يفضحون خرافاته ودجله. لذلك نقول له: إذا كان المسلمون العاديّون يبتلعون تدليسك وكذبك، فالملحدون ليسوا مغيّبين مثلهم ليفعلوا الشّيء نفسه. وإذا كان المسلمون لا يبحثون ولا يشكّون في كلامك، فالملحدون سيبقون دائمًا بالمرصاد لكلّ الدّجاجلة الكذبة بائعي الأوهام. وإذا كان المسلم العادي لا يقرأ ولم يقرأ حتّى قرآنه، فالملحدون ما ألحدوا إلَّا لأنّهم طالعوا وبحثوا وفكّروا وعرفوا أنّ الأديان خرافات بائسة وأنّ الآلهة أكاذيب وأنّ القرآن لا يساوي حتّى ثمن الورق الذي يُطبعُ عليه. فدعك من الملحدين، فلن يزيدهم تركيزك عليهم إلّا سخرية منك ومن دينك المبنيّ على الأكاذيب والتّدليس والخرافات. وحاول أن تُعطينا شيئًا نافعًا، بدل أكداس الدّجل والشّعوذة التي تسمّيها بالإعجاز العلمي والعلم بريء منها ومنك ومن أمثالك.
.
---------------------
الهوامش:
1- مقاطع فيديو عن خرافة البحر المسجور لعبد الدائم كحيل:
https://www.facebook.com/malekbaroudix/videos/639218789604871
https://www.facebook.com/malekbaroudix/videos/639245616268855
2.. مقال "حقيقة البحر المسجور" على موقع عبد الدائم كحيل:
http://www.kaheel7.com/ar/index.php/2010-02-02-20-13-13/74-2010-02-26-03-08-49
3.. معنى "سجر" في "قاموس المعاني":
https://www.almaany.com/ar/dict/ar-ar/%D9%85%D8%B3%D8%AC%D9%88%D8%B1/
4.. مقال "ترتيب نزول السّور المكيّة والمدنيّة" على موقع "الإسلام سؤال وجواب":
https://islamqa.info/ar/221099
5.. كتاب "نهاية الأرَب في فنون الأدَب" لشهاب الدّين النّويري (33 مجلّدا):
http://waqfeya.com/book.php?bid=7610
3.. مدوّنات الكاتب مالك بارودي:
http://utopia-666.over-blog.com
http://ahewar1.blogspot.com
http://ahewar2.blogspot.com
4.. لتحميل نسخة من كتاب مالك بارودي "خرافات إسلامية":
https://archive.org/details/Islamic_myths
5.. صفحة "مالك بارودي" على الفيسبوك:
https://www.facebook.com/malekbaroudix





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,013,430,678
- خواطر لمن يعقلون – ج122
- همجيّة وإرهابُ الإسلام: علّة إقامة الحدّ على المرتدّ
- إلى السّلفي المدعو هيثم طلعت: وحي من جهة بلاد العرب أم أكاذي ...
- فليأتوا بحديث مثله - سورة رمضان
- هل التّكفيريّون والإرهابيّون لا يمثّلون الإسلام فِعلًا؟
- خواطر لمن يعقلون – ج121
- خواطر لمن يعقلون – ج120
- خواطر لمن يعقلون – ج119
- خواطر لمن يعقلون – ج118
- محمد بن آمنة يفجّر كنائس مصر
- خواطر لمن يعقلون – ج117
- خواطر لمن يعقلون – ج116
- خواطر لمن يعقلون – ج115
- خواطر لمن يعقلون – ج114
- خواطر لمن يعقلون – ج113
- خواطر لمن يعقلون – ج112
- خواطر لمن يعقلون – ج111
- خواطر لمن يعقلون – ج110
- خواطر لمن يعقلون – ج109
- حول السّلسلة المسرحيّة -من قصص العرش-


المزيد.....




- تقرير: زعيم جالية يهودية في ألمانيا مسيحي
- أستاذ الشريعة في الأزهر: يجوز شرعا حظر النقاب في أماكن العم ...
- ماذا كان يقصد بوتين بالحديث عن -الجنة والنار- بعد -الحرب الن ...
- مصر تمحو اسم مؤسس الإخوان المسلمين من الشوارع
- يهودية متدينة أسترالية متهمة بإنتهاكات جنسية ضد أطفال تلتمس ...
- مخاوف من أزمة جديدة مع اقتراب الكنيسة الأوكرانية من الاستقل ...
- يهودية متدينة أسترالية متهمة بإنتهاكات جنسية ضد أطفال تلتمس ...
- مخاوف من أزمة جديدة مع اقتراب الكنيسة الأوكرانية من الاستقل ...
- العراق... اعتقال متهم بحوزته آثار وكتب تاريخية مسيحية في نين ...
- أردوغان: لم يحدث انتهاك للحقوق الشخصية أو الدينية في تركيا خ ...


المزيد.....

- مَكّابِيُّون وليسَ مكّة: الخلفيّة التوراتيّة لسورة الفيل(2) / ناصر بن رجب
- في صيرورة العلمانية... محاولة في الفهم / هاشم نعمة
- البروتستانتية في الغرب والإسلام في الشرق.. كيف يؤثران على ق ... / مولود مدي
- مَكّابِيُّون وليسَ مكّة: الخلفيّة التوراتيّة لسورة الفيل(1) / ناصر بن رجب
- فلسفة عاشوراء..دراسة نقدية / سامح عسكر
- عودة الديني أم توظيف الدين؟ المستفيدون والمتضررون / خميس بن محمد عرفاوي
- لكل نفس بشرية جسدان : الكتاب كاملا / أحمد صبحى منصور
- الطهطاوي وانجازه المسكوت عنه / السيد نصر الدين السيد
- المسألة الدينية / أمينة بن عمر ورفيق حاتم رفيق
- للتحميل: أسلافنا في جينومنا - العلم الجديد لتطور البشر- ترج ... / Eugene E. Harris-ترجمة لؤي عشري


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - مالك بارودي - جولة بين خرافات عبد الدّائم كحيل في الإعجاز العلمي القرآني: -البحر المسجور-