أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الحركة العمالية والنقابية - حسقيل قوجمان - المنظمات المهنية والنقابية وانتماءاتها السياسية















المزيد.....


المنظمات المهنية والنقابية وانتماءاتها السياسية


حسقيل قوجمان
الحوار المتمدن-العدد: 1442 - 2006 / 1 / 26 - 10:09
المحور: الحركة العمالية والنقابية
    


حضرت اجتماعا عراقيا في لندن تحدث فيه بعض العراقيين القادمين من العراق. تكلمت فيه سيدة عن منظمة نسائية في العراق مناهضة للاحتلال وتحدث فيه نقابي عراقي يمثل نقابة عمالية معارضة للاحتلال. وتفضلت السيدة بعد انهاء كلمتها باهدائي مشكورة نسخة من جريدة دورية اسمها "عقول" كانت عددا خاصا يبحث ازمة البطالة في العراق من جميع وجوهها. اردت التعبير عن امتناني وتقديري فلم اجد وسيلة لذلك غير كتابة كلمة قد تقدم بعض الفائدة لكلا الجانبين، التنظيم النسائي والتنظيم النقابي. احاول في هذه الكلمة ان اعبر عن بعض ما اكتسبته من دروس وخبرات خلال حياتي السياسية عن موضوع التنظيم النقابي او الاجتماعي او المهني غير السياسي.
اذا تحدثنا عن نقابة عمال ايا كانت، مثل نقابة عمال السكك، عمال الميناء، عمال النفط، عمال النسيج، عمال الخياطة وغيرها فمن الواضح اننا نتحدث عن منظمة غير سياسية مفتوحة لكل شخص ينتمي الى المهنة التي تمثلها هذه النقابة. فنقابة عمال السكك الحديدية على سبيل المثال هي نقابة مفتوحة لجميع عمال السكك بصرف النظر عن ارائهم السياسية وظروفهم المادية والاجتماعية. ومن الطبيعي ان لا تكون هذه النقابة منظمة سياسية او منظمة لها اتجاه سياسي معين. من الضروري ان تكون هذه النقابة ملجأ لكل عامل من عمال السكك الحديدية يلجأ اليها لمناقشة مشاكله الاقتصادية والاجتماعية وحتى العائلية وخصوصا مشاكله في ظروف عمله واجوره والشروط الصحية المتوفرة في محل عمله الى اخر ذلك من المشاكل الكثيرة التي تكون اكثرها مشاكل عامة تشمل جميع اعضاء النقابة وجميع عمال السكك غير النقابيين ومنها مشاكل قد تكون مشاكل خاصة تخص عاملا واحدا او مجموعة من العمال. وعلى قيادة هذه المنظمة اضافة الى معالجة ودراسة جميع هذه المشاكل ومحاولة ايجاد الطريقة الصحيحة لمعالجتها ان تضع نصب عينيها مهمة جذب اكبر عدد من عمال السكك الحديدية الى الانتماء اليها وهدفها الامثل هو ان تضم كافة عمال السكك الحديدية. ويصدق هذا على كل نقابة وكل منظمة مهنية كنقابة المحامين والمهندسين وغيرها من المنظمات المهنية.
واذا تحدثنا عن المنظمات الاجتماعية كالمنظمات النسائية ومنظمات الشبيبة واتحادات الطلبة فهي كلها تمتاز بانها منظمات تعالج مشاكل اعضائها وتعمل على المطالبة بحقوق جميع الفئات الاجتماعية التي تمثلها سواء اكانوا من اعضائها ام لم يكونوا. فاية منظمة نسائية مثلا تعمل على تحقيق الحقوق التي تعتبرها حقوقا للمراة عموما وعلى صيانة هذه الحقوق وتوسيعها وليس حقوق عضواتها وحسب.
ان الوضع الطبيعي في جميع النقابات والجمعيات على انواعها هو ان تنشأ قياداتها من بين النشطين من اعضائها. ففي نقابة العمال مثلا يتعرف العمال المنتمون الى النقابة عن طريق النضال العمال النشطين الذين يتوسمون فيهم الاخلاص لاهداف النقابة والشعور بمشاكل العمال والتفاني من اجل حلها والصلابة في المفاوضات التي تجري خلال النضال فينتخبونهم لقيادة النقابة بصرف النظر عن انتمائهم الحزبي او ارائهم السياسية او اية صفة اخرى غير الاخلاص للنقابة والعمل من اجل تحقيق اهدافها.
من المفروض ان تكون جميع هذه النقابات والمنظمات الاجتماعية منظمات غير سياسية تعمل على تحقيق اهداف الاشخاص المنتمين اليها وغير المنتمين اليها من الفئة الاجتماعية التي تمثلها. ولكن لا يوجد ستار حديدي يفصل النضال الاجتماعي والمهني الاقتصادي والاجتماعي والثقافي غير السياسي عن النضال السياسي. فحين يطالب عمال نقابة معينة بزيادة اجورهم او بتحسين ظروف عملهم يكون نضالهم اقتصاديا او اجتماعيا. ولكن حين يضطر نفس العمال الى اعلان الاضراب من اجل تحقيق زيادة الاجور او التظاهر او الاعتصام في سبيل ذلك يتخذ نضالهم طابعا سياسيا شاؤوا ام ابوا خصوصا اذا تدخلت الحكومة في مساندة الراسماليين ضد حركة النقابة. واذا اعلن عمال السكك مثلا الاضراب وقررت نقابة عمال الميناء القيام باضراب تضامني مع عمال السكك فان نضال عمال الميناء يتخذ طابعا سياسيا. واذا اعلن اتحاد الطلبة الاضراب احتجاجا على قرار يعتبر اجحافا بحقوق الطلبة او ضد معاهدة تعتبر اجحافا في الحقوق الوطنية فان نضال الطلبة في هذه الحالة يصبح نضالا سياسيا. ويصدق نفس الامر على المنظمات الاجتماعية على اختلافها. ففي الواقع العملي لا يوجد حاجز متين يفصل العمل الاجتماعي والاقتصادي عن العمل السياسي.
واكثر من ذلك. ففي المواقف الحاسمة الشديدة الاهمية في حياة المجتمع يصبح من الضروري اشتراك جميع هذه المنظمات النقابية والاجتماعية في الحركة السياسية اشتراكا فاعلا بصرف النظر عن الاهداف الاقتصادية والاجتماعية والمهنية غير السياسية لهذه المنظمات. فعند توقيع معاهدة بورتسموث في نهاية ۱٩٤٧ مع بريطانيا شعر الشعب العراقي كله بكامل احزابه وجميع منظماته المهنية والاجتماعية القائمة وابنائه غير المنظمين باجحاف هذه المعاهدة وانتفض الشعب كله في النضال ضدها فكانت وثبة كانون التاريخية التي افلحت في الغاء معاهدة بورتسموث واسقاط حكومة صالح جبر. في هذه الانتفاضة تحولت جميع المنظمات النقابية والاجتماعية والمهنية القائمة الى العمل السياسي ضد المعاهدة وقدمت التضحيات الجمة في سبيل ذلك. ولم يكن بالامكان تحقيق ثورة اكتوبر لو لم تنضو سوفييتات العمال والفلاحين في روسيا تحت قيادة الحزب الاشتراكي الديمقراطي البلشفي بقيادة لينين. فالفصل التام بين العمل الاقتصادي الاجتماعي والعمل السياسي امر غير قابل للتحقيق. والعمل السياسي يفرض نفسه على المنظمات الاجتماعية الاقتصادية المهنية في ظروف النضال شاءت ام ابت. هذا ما نشاهده اليوم باجلى معانيه في حياة الشعب العراقي اليومية وظروفه الاقتصادية تحت الاحتلال الاميركي البريطاني. فليس امام اي مواطن عراقي مفر من ان يحدد موقفه معاديا للاحتلال ام مواليا له. والموقف من الاحتلال هو موقف سياسي ومعاداة الاحتلال هو نضال سياسي.
في الحقيقة ان مفهوم كون المنظمات المهنية والنقابية والاجتماعية منظمات غير سياسية لا يعني عدم اشتراك هذه المنظمات في الحياة السياسية في البلاد وانما تعني انها منظمات لا تشترط على اعضائها ان يتخذوا اتجاها سياسيا معينا من اجل قبولهم لعضويتها. وهذا هو الخلاف بين الاحزاب السياسية والمنظمات غير السياسية. ففي الحزب السياسي يشترط الحزب من العضو ان يتبنى برنامج الحزب ويؤمن به ويناضل من اجل تحقيقه. اما المنظمة الاجتماعية او المهنية او النقابية فيكفي ان يكون المنتمي اليها عضوا في الفئة الاجتماعية التي تمثلها النقابة او المنظمة الاجتماعية او المهنية. فعامل السكك ينتمي الى نقابته لكونه عامل سكك فقط والمرأة تنتمي الى المنظمة النسائية لانها امرأة والمحامي ينتمي الى نقابة المحامين لانه محام والطالب ينتمي الى اتحاد الطلبة لانه طالب.
ليس في كل ما جاء اعلاه من جديد ولكن الهدف من هذا البحث ليس تبيان العلاقة بين العمل الاقتصادي الاجتماعي والعمل السياسي انما اود فيه ان اقدم شيئا من ملاحظاتي خلال حياتي السياسية حول كيفية تحقيق الانتماء او الاتجاه السياسي لهذه المنظمات النقابية والمهنية والاجتماعية. ان تاريخ هذه المنظمات في الفترة التي سنحت لي فرصة مرافقة النضال السياسي في العراق يشير الى اتجاهين في تحقيق الاتجاه السياسي لهذه المنظمات.
الاتجاه الاول هو الاتجاه الطبيعي الذي يتحقق عن طريق النضال الداخلي في النقابة او المنظمة المهنية او الاجتماعية. من الطبيعي ان تضم اية نقابة او اية منظمة مهنية او اجتماعية في صفوفها اشخاصا ذوي نزعات سياسية مختلفة. فاذا كانت نقابة معينة تضم جميع او اغلب المنتمين الى المهنة التي تمثلها فمن الطبيعي ان يكون في هذه النقابة اعضاء ينتمون الى احزاب سياسية اضافة الى انتمائهم النقابي. وعليه ففي النقابة اشخاص ينتمون الى شتى الاحزاب السياسية القائمة في البلاد. وطبيعي ان هذه الاحزاب تختلف في برامجها واهدافها وقد تكون بل لابد ان تكون ثمة احزاب متعارضة في اهدافها بل ومعادية احداها للاخرى. وقد يكون في تلك النقابة العدد الكبير من الاعضاء الذين ليس لهم اتجاه سياسي بتاتا. ففي النقابة خليط من جميع الاتجاهات المتوفرة في المجتمع. وحين يوجد عضو نقابي ينتمي الى حزب سياسي فان من واجبه ان يحاول اجتذاب اعضاء اخرين الى حزبه من بين اعضاء النقابة التي ينتمي اليها. وهذا يعني ان النقابة تكون مرتعا لنضال داخلي سياسي شديد بين مختلف الاحزاب السياسية القائمة في البلاد. وهذا يعني انه على الرغم من ان النضال الاساسي للنقابة هو تحقيق اهداف النقابة الاساسية لتحقيق مصالح اعضائها وهو نضال منسجم يتحد جميع اعضاء النقابة على تحقيقه هناك نضال اخر تتصادم فيه المصالح السياسية للاعضاء المنتمين الى احزاب سياسية مختلفة. فهناك نضال موحد مشترك يتحد فيه جميع اعضاء النقابة او المنظمة وهناك صراع بين منتمي مختلف الاحزاب لكسب اعضاء جدد لاحزابهم ولحيازة مراكز قيادية في النقابة او المنظمة.
هذا الشكل من النضال المشترك الموحد من اجل تحقيق اهداف النقابة او المنظمة والصراع السياسي داخل النقابة او المنظمة هو الشكل الطبيعي الصحيح والمثمر في نشاط النقابة او المنظمة. والمهم في هذا النضال المشترك والصراع هو ان موقع اي عضو نقابي لا يتعين عن طريق انتمائه الحزبي السياسي وانما يتعين عن طريق نضاله المشترك الهادف الى تحقيق اهداف النقابة، الاهداف المشتركة لجميع عمال تلك المهنة سواء أكانوا منتمين الى النقابة ام كانوا غير منتمين الى النقابة. وهذا يعني ان اعضاء النقابة عموما بصرف النظر عن انتمائهم السياسي او عدم انتمائهم السياسي يراقبون نضالات اعضائهم النشطين ويمنحونهم ثقتهم ويختارونهم لقيادة اعمال ونشاطات النقابة. فالقائد النقابي او المهني لا يصبح قائدا بسبب انتمائه السياسي وانما بسبب اخلاصه ونشاطاته النقابية. واذا اثبت اعضاء حزب سياسي معين انهم اكثر من غيرهم اخلاصا ونشاطا في العمل النقابي بحيث ينالون ثقة اعضاء النقابة ويتسنمون قيادة النقابة او الاغلبية في قيادتها عن طريق كسب ثقة الاعضاء النقابيين اذ ذاك فقط يكون للحزب الذي ينتمون اليه تأثير في توجيه نضالات النقابة السياسية. وهذا يعني ان هذه النقابة تصبح سياسيا تحت قيادة هذا الحزب. هذا هو المفهوم الصحيح للقيادة. فالقيادة في هذه المنظمات تأتي عن طريق النضال الداخلي المشترك المثابر والمخلص في النشاط النقابي الاقتصادي والاجتماعي داخل النقابة وليس عن طريق فرض القيادة من الاعلى عن طريق فرض اشخاص معينين على قيادة النقابة او المنظمة الاجتماعية او المهنية.
ان تحقيق قيادة حزب سياسي لنقابة او لمنظمة اجتماعية او مهنية بهذه الطريقة السليمة يضمن للحزب امكانية توجيه النقابة او المنظمة وفقا لخطه السياسي عند نشوء ضرورة مشاركة النقابة او المنظمة في العمل السياسي.
هذا الاتجاه هو الاتجاه الطبيعي السليم الذي يحقق اولا وقبل كل شيء سير النقابة في تحقيق اهدافها المتعلقة بظروف اعضائها ومشاكلهم العامة والخاصة وتحقق ثانيا الاتجاه السياسي الفاعل عند ضرورة مساهمة النقابة او المنظمة في العمل السياسي.
هل سار العمل النقابي في العراق وفقا لهذا الاتجاه؟ نظرا الى ان حياتي السياسية في العراق كانت مرتبطة ارتباطا وثيقا بالحزب الشيوعي العراقي فانني استطيع الاجابة عن هذا السؤال عن تجربة الحزب الشيوعي في النضال النقابي والمهني والاجتماعي. من المعروف ان الحزب الشيوعي يسمي نفسه حزب الطبقة العاملة. فما معنى ان يكون الحزب حزبا للطبقة العاملة؟ من الناحية النظرية يعني حزب الطبقة العاملة انه مؤمن بنظرية الطبقة العاملة ويعمل على تطبيقها تطبيقا علميا صحيحا. ونظرية الطبقة العاملة هي الماركسية. والماركسية هي نظرية الطبقة العاملة لانها النظرية التي لا تفيد عند تطبيقها تطبيقا علميا صحيحا الا الطبقة العاملة وحلفاءها في تحقيق اهدافهم القريبة والبعيدة. ويعني حزب الطبقة العاملة من الناحية العملية في التطبيق ان الحزب يضم انشط عناصر النضال في سبيل تحقيق اهداف الطبقة العاملة القريبة والبعيدة. وتعني قيادة الطبقة العاملة ان حزب الطبقة العاملة يعمل من اجل اجتذاب الطبقة العاملة وسائر الكادحين عن طريق النضال المثابر والتوجيه النظري الصحيح للنضال لكي تمنحه الطبقة العاملة وحلفاؤها من الكادحين ثقتها وتنضوي تحت قيادته بمحض اختيارها. وفي رايي ان هذا الاتجاه الصحيح في نضال الحزب الشيوعي العراقي كان مطبقا تطبيقا يقرب الى الكمال في فترة قصيرة من عمر الحزب الشيوعي العراقي هي فترة قيادة الرفيق فهد للحزب من اواخر ۱٩۳٨ وحتى اعتقاله سنة ۱٩٤٧. ويبدو لي ان نضال الحزب الشيوعي في هذه الفترة من اجل تكوين النقابات والمنظمات الاجتماعية والمهنية وكسب ثقتها وتحقيق قيادتها كانت اقرب الى الكمال من الناحية العملية. ولكن هذا الوضع تغير بعد اعتقال الرفيق فهد وخصوصا بعد اعدامه. فقد برزت في قيادة الحزب الشيوعي قيادات فتية مليئة بالحماس والاخلاص والتفاني في سبيل اعادة بناء الحزب وقيادته ولكنها قليلة الخبرة وجاهلة لنظرية الطبقة العاملة التي كان من المفروض ان يتوجه الحزب وفقا لها. وقد شمل ضعف القيادة هذا موضوع النضال النقابي والاجتماعي.
من اهم مظاهر الانحراف السياسي والنظري في اتجاه الحزب الشيوعي ظاهرة تشويه مفهوم القيادة. فالاتجاه الصحيح لمفهوم قيادة الطبقة العاملة هو ان يكون الحزب فئة طليعية مثابرة في النضال من اجل حقوق الطبقة العاملة اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا وثقافيا بحيث يكتسب ثقة الطبقة العاملة التي تجد فيه قائدها الحكيم الموجه لنضالاتها التوجيه الصحيح. ولكن تشويه مفهوم قيادة الطبقة العاملة يعني ان الحزب يعتبر الطبقة العاملة ملكا له وانه نظرا لكونه الحزب الشيوعي فان قيادة الطبقة العاملة مقتصرة عليه ولا يحق لاي انسان او حزب اخر ان يدعي او يناضل في سبيل قيادة الطبقة العاملة. هذا التشويه لمفهوم القيادة كان سائدا في فترات طويلة في الحزب الشيوعي العراقي بعد اعدام الرفيق فهد. فعلى سبيل المثال كان الحزب يعتبر حركة السلام ملكا له وهي في الواقع حركة غير حزبية تضم كل انسان يناضل ضد الحروب وفي سبيل السلام العالمي. فكان الحزب يجد من حقه اذا لم يرض عن سلوك منظمة السلام ان يحلها بجرة قلم. ان هذا الاتجاه يعني اغتصاب القيادة وليس نيلها عن طريق النضال المثابر.
ليس هنا مجال سرد تاريخي لظاهرة تشويه مفهوم القيادة بخصوص الحركة النقابية والاجتماعية وبخصوص امور اخرى مثل قيادة الثورة في ثورة تموز. ولكني احاول ان ابحث نموذجا او نموذجين واضحين تاريخيا بخصوص تشويه مفهوم القيادة في الحركة النقابية والحركات الاجتماعية والمهنية.
المثل الاول هو بخصوص الحركة النقابية بعد ثورة ۱٤ تموز. للتاريخ اود ان اذكر ملاحظة ذاتية حدثت لي بهذا الخصوص. بعد الثورة مباشرة جاء بعض السجناء القياديين لمشاورتي قبل اطلاق سراحهم حول مستقبل العمل الحزبي ونشاطهم في هذا المجال بعد اطلاق سراحهم. وكان بين هؤلاء هادي هاشم الذي كان المسؤول الاول في سجن بعقوبة انذاك. كنت اعلم ان هادي هاشم سيكون له دور قيادي في العمل النقابي. ولذلك كانت نصيحتي له "لا تحاولوا احتكار العمل النقابي لان ذلك يحطم النقابات ويدمرها". وقد وعد باخذ نصيحتي بنظر الاعتبار.
فما الذي حدث في الحركة النقابية في الظروف شبه العلنية الحرة بعد الثورة؟ اعتبر الحزب الشيوعي نفسه القائد المطلق والوحيد الذي من حقه وحده ان يقود النقابات لانه حزب الطبقة العاملة. عين الحزب انذاك قادة من اعضائه ليتراسوا كل نقابة من النقابات التي نشات بعد الثورة. كان بين هؤلاء القادة من كانت لهم خبرات واسعة وتاريخ طويل في العمل النقابي. ولا اريد هنا ان اذكر الاسماء لانها كثيرة. ولكن تسنم اي عضو من هؤلاء قيادة نقابة معينة لم يكن سوى تدخل خارجي في النقابة. فلم يكن هذا القائد النقابي عضوا فاعلا في النقابة وعاملا من عمالها ولم ينظر اليه عمال النقابة باعتباره عضوا نقابيا يمثلهم. ادى هذا الوضع الى وجود حاجز متين بين قيادة النقابة وبين عمال النقابة. ولم يغير من هذه الحقيقة تاريخ هذا القائد النقابي الطويل. اضافة الى ذلك اضطر الحزب الى تكليف اشخاص لا علاقة لهم بالعمل النقابي لقيادة بعض النقابات وهم طلاب وخريجو جامعات لا يعرفون شيئا عن ظروف النقابة التي يمارسون قيادتها.
تطورت النقابات في هذه الفترة وازداد اعضاؤها وطبلت الدعاية الاعلامية للحزب وزمرت عن تطور الحركة النقابية في تلك الفترة. وجاءت انتخابات اتحاد النقابات في المؤتمر الذي عقد في ۱٩٥٩ الذي حضر افتتاحه عبد الكريم قاسم والقى خطابا فيه. وظهرت نتائج الانتخابات لاتحاد النقابات فصوت ٩٧ بالمائة او ما يقرب من ذلك من العمال للقيادة الشيوعية. وتألف اتحاد النقابات بقيادة صادق جعفر الفلاحي من اعضاء كانوا كلهم من كوادر الحزب الشيوعي. ولكن الحكومة قررت بعد ايام من انتهاء المؤتمر حل اتحاد النقابات ومصادرة املاكه والقاء جميع اعضاء الاتحاد في السجن. ولكن العمال الذين صوتوا لهذا الاتحاد بهذه النسبة العالية لم يقوموا باي عمل احتجاجي على الغاء اتحاد نقاباتهم وللمطالبة باطلاق سراح قادتهم. هذا مثال ساطع على ضرر احتكار العمل النقابي الاجتماعي بحجة ان الحزب هو قائد الطبقة العاملة. ان الحزب الشيوعي في هذه الحال لم يكن فعلا قائدا للحركة النقابية. ولو كان عشرون بالمائة من العمال يؤمنون بقيادة الحزب الشيوعي لاستطاعوا ان يناضلوا نضالا شديدا من اجل استعادة اتحاد نقاباتهم ومن اجل اطلاق سراح قادتهم. ان القيادة في هذه الحالة كانت اغتصابا للقيادة وليس حيازة لها.
والمثل الثاني الذي اود الاشارة اليه حدث في مؤتمر الحزب الذي عقد في عهد الجبهة القومية التقدمية بين حزب صدام والحزب الشيوعي العراقي. فمن على منبر المؤتمر وبحضور صدام قام سكرتير الحزب عزيز محمد باعلان تجميد المنظمات الاجتماعية التي انتخبته لقيادتها. كان معنى هذا في الواقع حلها والغاءها. ان هذه المنظمات الاجتماعية ليست ملكا للحزب الشيوعي وانما هي منظمات تضم اعضاءها وتعمل على تحقيق مصالحهم. وقد انتخبت اعضاءها المنتمين الى الحزب الشيوعي لقيادتها على اعتبار ان الشيوعيين اكثر اعضائها اخلاصا وتفانيا في تحقيق مصالحها. فمن اعطى عزيز محمد حق حلها او تجميدها؟ كانت الحكومات العراقية كلها تضطهد النقابات والمنظمات الاجتماعية بتهمة انها منظمات شيوعية. وكان الحزب ينكر هذا ويؤكد ان هذه المنظمات هي منظمات اجتماعية ومهنية وليست منظمات سياسية. ولكن عزيز محمد قام عند تجميده لهذه المنظمات من منبر منؤتمرالحزب الشيوعي بالاعتراف بكل الاتهامات التي كانت الحكومات المتعاقبة تلقيها على عاتق المنظمات النقابية والاجتماعية والمهنية. ظهر من قرار سكرتير الحزب انه يعتبر نفسه المالك والمسيطر على هذه المنظمات من حقه ان يبقيها او يلغيها حسبما يشاء.
اكتفي بهذين المثالين عن تشويه مفهوم القيادة. وارجو ان يكون في هذه السطور درس للمناضلين في صفوف النقابات والمنظمات الاجتماعية والمهنية باعتبار القيادة في هذه المنظمات قيادات حقيقية تنشأ داخل النقابات والمنظمات نتيجة لتميز هؤلاء الاعضاء في نضالهم النقابي او الاجتماعي داخل المنظمة وليس على اساس انتمائهم الحزبي. هذه النظرة لمفهوم القيادة هي النظرة الصحيحة الوحيدة التي تقود النقابة او المنظمة الى انجازات حقيقية لمصلحة المنظمة وتكون ملجأ حقيقيا لجميع الاشخاص الذين تمثلهم هذه المنظمة. ان اية نظرة اخرى لمفهوم قيادة المنظمات النقابية والاجتماعية والمهنية لا يؤدي الا الى تدمير وتحطيم المنظمة او النقابة.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- كتاب- خارطة طريق الولايات المتحدة الاميركية برؤية ماركسية - ...
- كتاب - خارطة طريق الولايات المتحدة الاميركية برؤية ماركسية - ...
- سبب حل الجيش العراقي
- اسطورة حكومة الوحدة الوطنية
- نفقات الحرب ليست مجرد وسيلة لشن الحرب انما هي هدف من اهدافها ...
- ملحق بمقال -حقوق الانسان وقوانينها- – كمال سيد قادر
- حقوق الانسان وقوانينها
- الاشتراكية لا تبنى على الفقر 4 واخيرة
- صدفة جميلة
- الاشتراكية لا تبنى على الفقر 3
- الاشتراكية لا تبنى على الفقر 2
- الاشتراكية لا تبنى على الفقر 1
- من وحي كتاب سفر ومحطات - البعية للسوفييت ودور اليهود 2
- ماركسية ام ماركسية لينينية؟
- دور اليهود العراقيين في الحركات السياسية السرية
- من وحي كتاب سفر ومحطات - التبعية للسوفييت ودور اليهود 1
- التحول من مرحلة الثورة البرجوازية الى مرحلة الثورة الاشتراكي ...
- من وحي كتاب سفر ومحطات - الطريق اللاراسمالي
- لا ديمقراطية بدون دكتاتورية
- من وحي كتاب سفر ومحطات - العمل الحاسم


المزيد.....




- أمين-العمال العرب-يزور إتحاد عمال قبرص ويلتقي قيادات العالم ...
- إبراهيم: الأعلى للجامعات يقرر قبول طلاب جدد بالجامعة العمالي ...
- هل تتدارك نيسان للسيارات فضيحة "الموظفين غير المؤهلين&q ...
- في الجلسة الختامية لبعثة العمل الدولية: مشروع قانون المنظمات ...
- Nakliyat-??-Turkey: Solidarity with the Working Class of Gre ...
- د. سر الختم الأمين ممثلا عن -عمال السودان- في دورة تدريبية ع ...
- بحضور شخصيات عالمية من مختلف القارات ووفد فلسطيني:الأمين الع ...
- صحيفة: رواتب الموظفين الفرنسيين المتأخرة بانتظار الحريري في ...
- موظفو شركة الحفر يطالبون بالمساواة مع أقرانهم في الشركات الن ...
- لا أمن للفقراء


المزيد.....

- في أفق تجاوز التعدد النقابي : / محمد الحنفي
- الإسلام / النقابة ... و تكريس المغالطة / محمد الحنفي
- عندما يتحول الظلام إلى وسيلة لتعبئة العمال نحو المجهول ...! ... / محمد الحنفي
- النقابة الوطنية للتعليم أي واقع … ؟ و أية آفاق … ؟ / محمد الحنفي
- نقطة نظام: العمل النقابي المبدئي الممارسة الانتهازية ...أية ... / محمد الحنفي
- تخريب النقابة … تخريب السياسة … أية علاقة / محمد الحنفي
- التربية النقابية والتربية الحزبية أو التناقض الذي يولد الضعف ... / محمد الحنفي
- حول شعارات مؤدلجي الدين الإسلامي وأشياء أخرى…. من أجل ك.د.ش ... / محمد الحنفي
- الأوراش الكونفيدرالية و ضرورة تقديم النقد الذاتي إلى الشغيلة ... / محمد الحنفي
- النضال النقابي بين رهانات الظرفية السياسية وطموحات الشعب الك ... / محمد الحنفي


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الحركة العمالية والنقابية - حسقيل قوجمان - المنظمات المهنية والنقابية وانتماءاتها السياسية