أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رائد الحواري - العراقي في رواية -يا مريم- سنان أنطون















المزيد.....


العراقي في رواية -يا مريم- سنان أنطون


رائد الحواري

الحوار المتمدن-العدد: 5430 - 2017 / 2 / 12 - 01:53
المحور: الادب والفن
    


العراقي في رواية
"يا مريم"
سنان أنطون
عندما نقرأ ما يكتب عن حال العراق والعراقي اثناء الحصار وبعد الاحتلال يتأكد لنا بأننا أمام تشكيل حالة جديدة ليس في العراق وحسب بل في المنطقة العربية، وهي تتماثل مع تلك التي حدثت بعد عام 1948 في فلسطين، بمعنى تهجير جموع سكانية هائلة كانت تشكل احدى اهم معالم الحياة الحضارية والثقافية في المنطقة واستبدالها بجموع أخرى، لتخدم مشروع استعماري امبريالي على حساب المشروع القومي والوطني العربي، هذا ما نجده في الروايات العراقية والسورية التي تحدثت عن هجرة السكان من هاتين المنطقتين.
قبل أن يبدأ مشروع الشرق الأوسط الجديد في المنطقة العربية كتبت الصحيفة الفرنسية "لوموند ديبلوماتيك" بأن العراق والسورية من الصعب اختراقهما طائفيا، لوجود حياة اجتماعية مدنية تصهر كل السكان في نظام اجتماعي مدني، فقد استطاع المجتمع ان يمحوا الفوارق الطائفية والمذهبية فيهما، وهناك العديد من الشواهد التي تؤكد هذا الأمر، لكن يبدو أن الغرب الامبريالي كان على علم مسبق بالوضع الاجتماعي المدني فيهما وعمل بخطة مدروسة ومعدة بدقة متناهية على إحداث فجوة في المجتمع، ثم توسيعها بحيث يكون هناك طرف أو طرفين يسيطران على الوضع الجغرافي والسكاني، ثم يقومان بعملية تطهير مذهبي/طائفي/فكري في سورية والعراق، وفعلا هذا ما كان، فعملية تهجير كل من هو غير مسلم (سني أو شيعي) منهما يؤكد على أن المخطط كان معدا مسبقا وبطريقة ممنهجة ودقيقة.
أنني أخجل عندما اتحدث عن المسألة المذهبية/الطائفية في منطقتنا، فنحن معا ـ بصرف النظر عن مذهبنا/ملتنا/عقيدتنا ـ شكلنا مجتمع مدني حضاري ثقافي، علم البشرية كيف تكتب ثم اضاف كنوز علمية وأدبية وفكرية تشهد لها كل الحضارات الأخرى، والآن يريدوننا أن نقول هذا مسيحي، وهذا شيعي، وهذا علوي، وهذا سني، وأزيدي، وهذا صائبي، وهذا درزي، وهذا كردي، وهذا جنوبي، وهذا ...، عملية تفريغ المنطقة من عناصرها المتنوعة والمتعدد يصب في خانة الاستعمار والجهل والتخلف، وأيضا يسهم في حرمانها من التطور والتقدم إلى الأمام اجتماعيا ومدنيا، فعندما يكون المجتمع كله ينتمي لملة/طائفة واحدة يجعله خامل لا يتقدم قيد انملة من الآخرين، من المجتمعات الأخرى، فهو يتعود على التشابه والتماثل، أي التقليد، بينما عندما يكون المجتمع متعدد ومتنوع يكون أكثر حيوية ونشاط وتفاعل مع بعضه البعض ومع الآخرين، المجتمعات الأخرى، وهذا ما تحدث به أحد الألمان عندما سؤل: "ألا تخشون من هذا الكم الهائل من السكان الذين يختلفون عنكم ثقافيا ولغويا واجتماعيا أن يؤثروا سالبا على الحياة المدنية في ألمانيا؟"، فأجاب: "بل على العكس هؤلاء سيثرون المجتمع الالماني ثقافيا وحضاريا".
كانت هذه المقدمة ضرورية قبل الدخول إلى الرواية لتأكيد أن ما جرى في المنطقة العربية هو (سايس بيكو) جديد، وكل من عمل وساهم ودعم قولا أو فعلا، ماديا أو فكريا، هو مساهم في الجريمة التي حدثت، وهي جريمة قومية ووطنية وإنسانية، "سنان أنطون" يؤكد لنا بأن ما جرى هو تطهير مذهبي/طائفي للمسيحين في العراق، وقد أشار في سرده للرواية بأن ما يجري في العراق بعد الاحتلال يتماثل مع ما جارى ليهود العراق الذين تم تهجيرهم منه وحرمانهم من الجنسية العراقية.
الماضي والحاضر
الراوي "يوسف" يقدم لنا العديد من المشاهد عن الحياة التي عاشها العراقي في الرواية، كيف كانت قبل الاحتلال وكيف اصبحت، مقرنا ذلك بالتفاوت العمري بينه وبين "مها" التي لم تعش/لم تشاهد سوى الموت والتفجيرات والقتل، "هل أهرب من الحاضر إلى ملجأ الماضي، كما اتهمتني هي؟، إذا كان الحاضر مفخخا ومليئا بالتفجيرات والقتل والبشاعة؟ ربما الماضي مثل حديقة البيت التي أحبها وأعتني بها كما لو كانت ابنتي، أهرب إليها من ضجيج الدنيا وبشاعتها، أنها فردوسي في قلب الجحيم أو "منطقة الحكم الذاتي" كما أسميها أحيانا،... يجب أن أسامحها، فزمانها غير زماني، وشبابها غيلا شبابي، هي فتحت عينيها الخضراوين على الحرب والحصار وذاقت طعم القحط والقتل والتشرد مبكرا، أما أنا فقد عشت أزمنة الخير وما أزال أتذكرها وأصدق بأنها حقيقة" ص11، بهذا القول يحسم لنا "يوسف" مسألة الحياة المدنية التي عاشها في العراق، فهو ما زال يتغذى من ذاك الدسم الذي تركته فيه الحياة المدنية في السابق، بينما "مها" التي لم تعرف أي هناء أو رخاء تجد في وضعها كمسيحية عراقية مهددة ومعرضة للموت في أي لحظة وفي أي مكان كانت، حتى في البيت أو في الكنيسة.
اعتقد لم يكن الراوي يريد أن يتحدث عن الفروقات العمرية بينه وبين "مها"، بل أراد أن يتحدث عن الفروقات الزمنية بينه وبينهما، بمعنى أنه عاش في حالة اجتماعية مدنية عادية، بينهما هي لم تعش في حالة رعب ووحشية بالمنطلق، ولهذا نجد الفرق والاختلاف بينهما، فالعمر ليس هو المقصود بقدر الفرق بين الزمن الذي عاشه "يوسف" والزمن الذي تعيشه "مها".
التنوع والتعدد
تناول حالة التعدد والتنوع في العراق تعد أحدى التأكيدات المهمة على فاعلية وحضور الحياة المدنية الاجتماعية فيه، لهذا نجد العديد من الكتاب تناول هذا التعدد والتنوع، ولا أدل على ذلك من رواية "طشاري" ورواية الحفيدة الأمريكية" لأنعام كجي جة التي أوضحت حقيقة راسخة، يحاول البعض تجاهلها خدمة لمشروع شرق أوسط جديد، وها هو "سنان أنطون" يوكد على هذا التعدد والتنوع في روايته "يا مريم".
يحدثنا عن جاره "سعدون" الذي عاشا معا كأخوين وصديقين لا يفرق بينهما دين ولا مله: " كان قد حضر قداس وجنازة حنة ورافق تابوتها إلى المقبرة وساعديني في إنزاله إلى القبر، جلس في الصف الأول في الكنسية وقرأ الفاتحة مرتين على روح حنة ونظر إليه بعض الحضور باستغراب يومها، لم تكن تلك أول مرة يدخل كنسية فيها في حياته، لأنه حضر عند وفاة ميخائيل وحبيبة" ص78، مسلم يدخل إلى كنسية لحضور جنازة ويقرأ سورة الفاتحة على شخص مسيحي!، هذا الأمر يعتبر من قبل الارهابين الكفر بعينه، لكن هناك العديد من المشاهد التي تحدثت عن هذا الأمر، ففي رواية "الحفيدة الأمريكية" نجد عين المشهد تماما، لكنة ليس في الكنسية بل في بيت الجدة، عندما كان "حيدر يقرأ القرآن فوق رأس الجدة وصورة مريم فوق رأسها، فالعراقي صهرته الحياة المدنية وجعلته يتجاوز الفروقات الدينية ويتعامل مع بعضه البعض بشكل انسيابي، فلا فروقات أو تعصبات أو حزازيات بين افراد المجتمع.
تحدثنا "مها" عن جارها "أبو محمد" كيف كانت مشاعره اتجاه ما يحصل للعراقيين من تهجير وقتل وتشرد: "ما درنا بالنا عليكم، وإنتو المفروض أمانة في ركبتنا، قال أبي له: "إحنا ما درنا بالنا عالعراق ... كلنا" ص122، مشاهد الألم والحزن يحملها العراقي بصرف النظر عن مذهبه، الأول يتحدث عن عدم الاعتناء والاهتمام بالإنسان، والثاني يتحدث عن عدم الاعتناء بالوطن بالعراق، ولهذا نجد الحصرة عند الأثنين، المهاجر والباقي.
بعد أن تفشى ظاهرة التفجيرات في الكنائس والأحياء التي يقطنها المسيحيون وجدها العراقي يواجه هذه التفجيرات والارهاب بهذا الشكل: " ثم ظهر بعض من أهالي المنطقة المسلمين يحضرون القداس ويجلسون جنبا إلى جنب مع من تبقى من المسيحيين، تأثرت عندما شاهدت البعض منهم يتحدثون للكاميرا يطالبوننا نحن ـ إخوتهم المسيحيين ـ كما سمونا بالعودة إلى بيوتنا لأن المنطقة أصبحت آمنة الآن، "لا تتركونا للغرباء، تعالوا وكعدوا هنا معززين مكرمين، إحنا أهليكم، قالها رجل وهو يوزع الحلوى في باحة الكنسية" ص125و 126، مشهد لا يؤكد الحياة الاجتماعية وحسب، بل أيضا يوكد على التضحية التي يتمتع بها العراقي، فهو مستعد للموت في سبيل الدفاع عن أهله وشعبه، بصرف النظر عن الملة أو المذهب، فالعراق يجمع الكل ويصهر الكل، ونجد هذا الانصهار في قول الرجل المضحي: "لا تتركونا للغرباء" بمعنى لا تتركوا العراق، لا تجعلونا وحدنا بديونكم، فنحن لا نستطيع أن نكون وحدنا.
بدون شك هذه المشاهد تعري الفكر الارهابي الذي جاءنا من الجزيرة العربية المدعوم والموجه من حكومات شيوخ النفط، الذين استطاعوا أن يخترقوا بمالهم عقول البعض ويجعلوهم يتخلوا عن إنسانيتهم قبل وطنيتهم، ويمسوا عناصر للقتل والخراب والتدمير والتهجير في العراق وسورية.
رجال الدين الارهابيين
بعد الاحتلال انتشر الفكر التكفيري في العراق مع من جاءوا مع القوات الغازية، فأصبح العراقي يسمع في خطبة الجمعة أقوال لم يعهدها من قبل، يسمع لغة غريبة عليه وعلى المجتمع، "كان صوت الخطيب دائما يلعلع كل جمعة عبر مكبرات الصوت ولسنوات طويلة هو يحث المؤمنين على التقوى والورع مهاجمة الكفر، لم أكن آبه كثيرا لأني لم أكن أعتقد بأنني أنا المقصودة، أو أن الرسالة موجهة لي بالذات كمسيحية، ولكن الفوضى احتلت كل مكان بعد الاحتلال سمحت لما ظنناه ضجيجا عابرا في البدء لأن يصبح أعلى من قبل، وأن يستخدم مفردات غريبة مل: "أهل الذمة" و"الجزية" مفردات رددها، بصوت عال، حاتم الرزاق، شيخ جامع النور الذي كان بالقرب من بيتنا، والذي لقب نفسه ب ب"أمير المنطقة" عام 2007، بدأ يصرخ بأنكر الأصوات عبلا مكبرات الصوت قائلا إن على أهل الذمة أن يدفعوا جزية قدرها 25 ألف دولار شهريا" ص119و120، إذن كل أفعال القتل، والأقوال الغريبة والمشوهة، والمشاهد القاسية والبشعة جاءت مع الاحتلال، الذي أوجد وسمح لهؤلاء الإرهابيين بأن يتحكموا بالعباد وأن يشرعوا قوانين بائدة وغريبة على العراقيين والتي من خلالها ومن خلال سلوكهم ومنهجهم استطاعوا أن يفرغوا/يحرموا العراق من أهم مزاياه، وجعله بثوب واحد فقط، كما هو الحال في الجزيرة العربية، التي يحكمها عائلات قبلية لا تعرف ألف باء التمدن والاجتماع.
القدس
العلاقة بين العراق وفلسطين علاقة تمتد منذ أن تشكلت الحضارة في منطقتنا، فالعراق والعراقي لا يمكن أن تغيب عنه تفكيره فلسطين، فهي تحتل جزء حيوي من تفكير العراقي، ولا يمكن للعراق أو العراقي أن يهملها أو يتجنبها، فكما هو العراق وطن العراقي فلسطين أيضا وطن وهم العراقي، يحدثنا "يوسف" عن أخته "حنة" التي تحتفظ بذكرياتها عن فلسطين والقدس بهذا المشهد: " أعجبتها روما كثيرا لكنها دائما تتحسر على القدس التي زارتها عام 1966، وكانت تظل تقول كلما دار نقاش حول فلسطين على التلفزيون أو في الجلسات: "أي شوقت ترجع القدس حتى نقدر نروح لكنيسة القيامة؟... كانت حنة قد غادرت من القدس بصليبين، واحد صغير موشوم على باطن ساعدها ونقش تحته "1966" سنة حجتها، ... أما الآخر وهو أكبر بكثير ومن الخشب الزيتون، فما زال معلقا، وحده، على الجدار الذي يواجه السرير " ص20، رغم أن الراوي يتحدث عن حال العراقي أثناء الحصار وبعد الاحتلال عام 2003، إلا أن القدس وفلسطين فرضت ذاتها على السارد، وهذا يؤكد على أن العراقي ـ في العقل الباطن ـ كما هو أيضا في العقل الواعي لا يمكنه التخلي/تجاهل/نسيان فلسطين، فهي الروح التي لا يستطيع أن يتركها أو يهجرها، هكذا هو حال العراقي، فيا له من حامل
(طقوس موت الإله تموزي) لكن بشكل جديد، وهنا تكمن أهمية الثقافية المتجذرة في الإنسان، في المجتمع، يمكن أن يبدل في الشكل لكن مضمونها واحد.
الهجرة
كل من تناول هجرة العراقي من العراق اقرنها بالموت والقتل والتدمير والخراب والخوف الذي وقع للعراقي أثناء الحصار وبعد الاحتلال، ولا ابالغ أن قلت أن أكثر شعوب الأرض تعلقا بوطنهم هم العراقيون، فالعراق الوطن، شيء لا يوصف ولا يمكن تحديد محاسنة، هو كالجنة التي قال عندها الرسول محمد (ص) " لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر" أجزم بأن العراق بالنسبة للعراقي هو هكذا، لهذا حاول "سامي مخائيل" العودة إلى العراق أكثر من مرة.
تلخص لنا "مها" دوافع الهجرة بهذا القول: "تختلف البدايات والنهايات، كل يبكي على عراقه السعيد، لكنني كنت أشعر وأنا أنظر إلى كل تلك الصور والتعليقات التي تصاحبها بأنني لا أمتلك زمنا سعيدا أحن إليه، لم يكن قد ولد بعد، ربما أكون سعيدة هناك، بعيدا عن العراق، بعيدا عن الموت والمفخخات وكل هذا الحقد الذي صار يسري في الشرايين، ستترك البلد لهم ليحرقوه ويمثلوا بجثته وسيذرفون دموعهم عليه بعد فوات الأوان الذي فات" ص140، هذا المشهد يؤكد ما جارى للعراقي، الموت والتفجيرات والمفخخات، الإرهاب الديني الذي جاء مع الاحتلال أسهموا جميعا في نزع العراقي من وطنه وجعله يبحث عن الأمن، عن النجاة من الموت، فالحياة تبقى تستحق أن نحافظ عليها، لهذا وجدنا العراقي يجبر على مغادرة وطنه.
هذا الأمر لم يقتصر على العراقي بعد الاحتلال علم 2003، بل كان هناك ارهاب قبله حدث في عام 1949 و1950، أجبر العديد من العراقيين على الهجرة وترك وطنهم الذي عاشوا فيه لأكثر من ثلاثة الاف عام، والمقصود هنا العراقي اليهودي، فكيف تم تهجيرهم؟ وهل اختلفت طرق تهجير العراقي في عام 1949 عن عام 2003، أم هي ذاتها؟. "لم يكن نسيم يبدي أي قلق، حتى في الأشهر الأخيرة قبل رحيله، وعندما كان بعض اليهود بدأوا بالهجرة والهرب، لكن والد نسيم لم يكن يفكر بها، ولا حتى بعد إصدار قانون إسقاط الجنسية عن اليهود عام 1950 قبل أسابيع من تاريخ التقاط الصورة، كان نسيم يكرر ما يقوله أبوه: إنها غيمة عابرة وإنهم سيظلون في العراق" ص44، إذن هناك مجموعة عوامل ساهمت في تهجير العراقي من وطنه في عام 1949، من خلال عمليات ارهابية وقرارات سياسية من الحكومة التي اسقطت الجنسية عن اليهود علما بأنهم متواجدون في العراق قبل المسلمين وقبل المسيحيين، لكن لأن الحكومة العراقية لعبة بيد الاستعمار الانجليزي، الذي أوعز على اتخذ مثل هذا القرار الجائر بحق العراقيين.
لقد كان هجرة العراقيين لوطنهم فاجعة للمهاجرين للمقيمين معا، وهذا ما نجده في الحوار الذي دار بين "شوكت المهاجر وبيم "يوسف" المقيم: "شلون هيجي تروحون؟" حاول سالم أن يكسر الحزن الذي خيم بتفاؤل مفرط أقرب إلى السذاجة، قائلا: "يالله، بلكي تروحون جم شهر، ومن تنحل مشكلة فلسطين ترجعون" ص44، بهذا الشكل كانت عملية الهجرة تلقي بظلالها الموجعة على كافة شرائح المجتمع العراقي، فهو وجد وتشكل من خلال هذا التعدد والتنوع، لكن اليد الاستعمارية التي استفادة من حالة التخلف والارتهان التي تبديها الحكومة الرجعية في العراق لأحداث هذا الشرخ في المجتمع، وأيضا نجد الحكومة العراقية التي تشكلت تحت أمرة "بريمر" تقوم بعين العمل الذي قامت به حكومة العراق أثناء الانتداب البريطاني في عام 1949، وهذا يعطي تأكيدا على أن عمليات التفريغ السكاني عمل ممنهج تقوم حكومات عميلة مستأجرة من قبل الغرب الامبريالي، وليس من حكومات وطنية أو قومية، لهذا نجد كل الهجرات القسرية والمؤلمة تحدث فقط في عهد الحكومات العملية للاستعمار فقط.
الرمز
جمالية أي عمل أدبي يكمن في تجاوزه لما هو عادي، الراوية تتحدث عن حدث واقعي، لكن الراوي أستطاع أن يتجاوز الواقعية ويخلق مشاهد تحمل شيء من الرمزية تطفي لمسة جمالية على النص، عندما يتحدث الراوي عن الحكومات المتعاقبة في العراق وصفها بهذا الشكل: " فتغيرت الصور فوق مكتبه من الملك إلى عبد الكريم قاسم، ثم عبد السلام عارف، وعبد الرحمن عارف، وأحمد حسن البكر، الذي اصبح يوسف في عهده، بفضل سنواته الطويلة في الخدمة، مديرا عاما، ثم جاء صدام حسين الذي ضربت صورته رقما قياسيا وتقاعد يوسف دون أن تتحرك صورة صدام المعلقة على جدار المكتب" ص47و48، وكأن الراوي أريد أن يشير إلى حالة الاستقرار التي تمتع بها العراق في عهد صدام دون سواه من الحكام، فأكبر وأهم التغيرات الايجابية والسلبية حدثت في عهده، بناء العراق القوي عسكريا وبشريا، وخوضه لأكبر حرب نظامية بعد الحرب العالمية الثانية، ثم صموده في وجه الحصار الذي دام أكثر من ثلاث عشرة سنة، ثم سقوط العراق في عهد بيد الاحتلال الامريكي المتحالف مع الرجعية العربية والدولة الاقليمية التي يهمها أن يكون العراق في حالة ضعف وتبعية، كل هذا حدث في عهد أهم قائد عراقي وطني، وكأنه الراوي يعيد العراق إلى عهد آخر ملوك العراق الوطنيين "نبونائيد" الذي بسقوطه على يد الفرس سقط العراق الوطني لمدة تزيد عن ألف سنة إلى أن جاء الفتح العربي الإسلامي واعادة للعراق مكانته الوطنية والقومية.
يحدث الراوي عن "بريسم" الذي يعشق النخيل حتى أنه عندما كان يشاهد نخلة مهملة نمن اصحابها كان يدق الباب عليهم ويوبخهم، وكان كلمته المعهودة: "ما عندي غير ألله والنخيل" ... مات وهو يعتني بالنخلة التي يخاطبها وكأنها بشر" ص83، رمزية النخل للعراقي لا أحد يشك بها، لكن الراوي أضاف جمالية عليها عندما جعل من حدث حقيقي يأخذ صفة رمزية، وكأن الرمز والواقع واحد في العراق وعند العراقي.
يستحضر الراوي ترنيمة دينية لفيروز أريد بها ان يجمع بين الإيمان والواقع، بين الدين والرمز:
"أنا الأم الحزينة وما من يعزيها
فليكن موت ابنك حياة لطالبيها
أم يسوع قد بكت فأبكت ناظريها
لهفي على أمة قتلت راعيها
ناح الحمام على تشتت أهلها
تعالوا إلى مريم أمه نعرفها
واحبيبي واحبيبي، أي حال أنت فيه؟
من رآك فشجاك، أنت أنت المفدى
يا حبيبي أي ذنب حمل العدل بينه؟
فأزادوك جراحا ليس فيها من شفاء" ص135، لن اسقط ما في هذه المقاطع على الواقع، لكن أعتقد بأن فيها العديد من الشواهد التي يمكننا أن نسقطها على العراق والعراقي.
يرسم لنا الراوي مشهد مقتل يوسف الذي كان في الكنيسة يحضر قداس الأحد بهذا الشكل: " وقبل أن يسكت قلبه كانت شفتاه قد همستا بصوت خافت "يا مريم" لكنه لم يكمن جملته. وظلت عيناه مفتوحتين حتى وهما تغرقان في ظلام الموت" ص156، مشهد يشير إلى استمرار الموت والحزن والظلام في العراق، لكن هناك صوت مؤمن "يا مريم" ما زال حاضرا يدعو للعراق وللعرقي لينهض من جديد ويعم السلام.
العنوان والغلاف والمضمون
هناك علاقة بين عنوان الراوية "يا مريم" وصورة الغلاف ومضمون الرواية، فكل هذه العناصر تتألف معا لتعطي المتلقي صورة عما يطرحه الراوي/ فالعنوان يحمل بعدا دينيا مسيحيا، وفي ذات الوقت يمثل استعانة بالعذراء لتخلصنا مما نحن فيه، وأيضا يحمل معاناتها عندما تم صلب أبنها "يسوع" أمامها وهي الأم الحنونة.
ونجد صورة الغلاف الذي يمثل العذراء التي تحمل طفلها، لكن دون وجود أي تفاصيل لوجهها أو لوجه أبنها، كل هذا يجعل صورة الأم التي تحمل ابنها تأخذ شكل ومضمون العاطفة والحنان الذي تخصه الأم لأبنها، ويمكننا أن نسقط صورة الأم على الوطن العراق الذي يحتضن أبناءه، وأيضا حالة العراق الذي قتله أبناءه كما قتل يسوع بيد من أراد تخليصهم من الخطيئة.

الراوية من منشورات الجمل، بيروت ـ بغداد، الطبعة الأولى 2012.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,423,786,604
- الشدة في قصيدة -تزلج على جليد الذكريات- محمد الربادي الكثير ...
- التأنيث في قصيدة -نبض المرايا- عبد السلام حسين محمدي
- الانحياز للجماهير في مسرحية -حدث في جمهورية الموز- بدر محارب
- الاضطراب والغضب في قصيدة -سفر سفر- معين بسيسو
- حقيقتنا في كتاب -الأنثى هي الأصل- نوال السعداوي
- الحكمة الصوفية في رواية -قواعد العشق الأربعون- إليف شافاق
- التأنيث في مسرحية -عالم ذكور- عفيف شليوط
- الأنثى في كتاب -الشاعرة والمعاناة- هاني أبو غضيب
- فرح الشاعر
- الشعر والمرأة والغضب في ديوان -الصافنات الجياع- محمد العموش
- العهد التركي في رواية -نابلس جمر تحت الرماد- هاني أبوغضيب
- صوت المرأة في ديوان - أنثى المطر الأول- وفاء عياشي بقاعي ال ...
- أنا الأسود وهم الأبيض في قصيدة -مسخ لغوي-
- أثر الواقع على الكتابة مالك البطلي
- التماثل بين اللفظ والفكرة في -ذات مساء- -محمد لينسي-
- الفاتحة في سردية -أيلول الاسود- شريف سمحان
- المخاطب في ديوان -غفوة في المهب- منصور الريكان
- ونحن والاحتلال في رواية -كافر سبت- عارف الحسيني
- الحب في -أنغام حب- أحمد محمد الدن
- المرأة وأثرها على الشاعر في -هذه الليلة- أياد شماسنه


المزيد.....




- إيران تبث لقطات -تدحض- الرواية الأمريكية بشأن إسقاط طائرتها ...
- الإعلان الترويجي لفيلم Cats يسبب رعبا جماعيا على شبكة الإنت ...
- 21 سنة من الرموز التعبيرية.. هل يمكن أن تكون أول لغة عالمية ...
- معرض فنان تشكيلي نرويجي يحقق نجاحا مبهرا في موسكو
- شاهد.. واقعة مستفزة لعازف يجلس على أغلى بيانو في مصر ووزارة ...
- قنوات إيرانية تبث لقطات تدحض الرواية الأمريكية بشأن إسقاط طا ...
- فيديو كليب يعرض الفنان محمد رمضان لغرامة
- هل شاهدتم -عندما تشيخ الذئاب-؟.. إليكم ما قاله الممثل أنس طي ...
- كاتب سيناريو فيلم -ولد ملكا-: الفيلم سيكون نقطة انعطاف في تا ...
- مخرج سينمائي يقدم أدلة تثبت -زيف- عملية الهبوط على القمر


المزيد.....

- سيكولوجيا فنون الأداء / كلين ولسون
- المسرح في بريطانيا / رياض عصمت
- الدادائية والسريالية - مقدمة قصيرة جدًا / ديفيد هوبكنز
- هواجس عادية عن يناير غير عادى سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- نشيد الاناشيد المصرى سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- متر الوطن بكام ؟ سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- كرباج ورا سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- كتاب الشعر سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- كتاب الشعر 1 سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- كانت وعاشت مصر سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رائد الحواري - العراقي في رواية -يا مريم- سنان أنطون