أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رابح لونيسي - الصحراء الكبرى في الإستراتيجيات الدولية















المزيد.....

الصحراء الكبرى في الإستراتيجيات الدولية


رابح لونيسي

الحوار المتمدن-العدد: 5366 - 2016 / 12 / 9 - 17:04
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


الصحراء الكبرى في الإستراتيجيات الدولية

البروفسور رابح لونيسي
- جامعة وهران-


يتساءل المتتبع عن الهدف من صدور تقارير دولية حول الصحراء الجزائرية ومشاكلها في هذا الوقت بالذات كما فعلت كريزس غروب الذي يتتبع مشاكل العالم، وإن كان التقرير محقا نوعا ما في تحذيره للجزائر ومطالبته بتنمية الصحراء التي تعاني فعلا التهميش التنموي والإقتصادي، مما ترك الساحة فارغة لإستغلال تلك الظروف المزرية من طرف دول ومجموعات تفكير وتخطيط لاعلاقة لها إطلاقا بخير المنطقة والمطالب المشروعة لسكانها، وإن لم يكن كذلك فما علاقة سوء التنمية بإثارة الحزازات في المنطقة، ومنها مثلا أحداث غرداية ثم العودة إلى إثارة أحداث ملوزة التاريخية وإعطائها تفسيرات "عرقية" كما فعل الإستعمار الفرنسي آنذاك لضرب وحدة الثورة الجزائرية وتماسكها، وعادة نجد وراء هذه الأطروحات والإشاعات مجموعات متواطئة مع بعض الجماعات الإرهابية التي تعمل على زرع الفوضى في الصحراء الكبرى كلها، أي كل هذه الصحراء الممتدة على مساحة 08,5 كيلومتر مربع، وتضم كل من الصحاري في الجزائر وليبيا وحتى مصر وغيرها.
فلنشر أن هناك فكرة قد سوقت بشكل غير مباشر للجماعات الإرهابية، ومنها داعش مفادها أن إقامة ماتسميها ب"دولة الخلافة الإسلامية" لايمكن ان يتحقق لها إلا إنطلاقا من الهوامش، وهي الصحراء الكبرى الغنية بالنفط ثم محاصرة المراكز كما فعل ماوتسي تونغ في مسيرته الكبرى في الصين الذي انطلق من الأرياف لمحاصرة المراكز ثم سقوط بكين في 1949، وأعطت لهذه الفكرة دعما تاريخيا بالعودة إلى تجربة نشوء الخلافة الإسلامية الأولى إنطلاقا من صحراء الجزيرة العربية بعد ظهور الإسلام في القرن السابع الميلادي، وكي تعيد هذه الجماعات إعادة إنتشارها في هذه الصحراء الكبرى يجب عليها زرع الفوضى فيها بتوظيف "الطائفية" و"الأوهام العرقية" وإستغلال المشاكل الإقتصادية والإجتماعية التي تتحمل السلطات، ومنها الجزائرية مسؤولية كبرى في ذلك، مما يتطلب منها معالجتها في أسرع وقت ممكن بدل الهروب إلى الأمام بتحميل الآخرين مسؤولية ما وصل إليه الوضع الإجتماعي من ترد في كل الترب الوطني الجزائري، ومنها الصحراء وإضاعة هذه السلطة فرص وراء فرص على الجزائريين آخرها تضييع مئات الآف الملايير من الدولارات التي جاءت من خلال الفورة النفطية منذ بداية الألفية الثالثة في شراء الذمم بدل إقامة إقتصاد وطني منتج يحرر الجزائر نهائيا من التبعية للمحروقات.
أن الإستراتيجي الحذق هو من يحقق أهدافه بتوظيف الآخرين كسلم يصعد بهم، ويبدو أن هذه الجماعات الإرهابية التي تستغل الدين ماهي إلا سلم في إستراتيجيات القوى الكبرى، ومنها فرنسا التي لم تتخل عن مشروعها الإستعماري في الصحراء الكبرى، ويعرف عنها إصرارها على الحفاظ على الصحراء وفصلها عن الجزائر بحكم غناها بالطاقة والمواد الأولية وموقعها الإستراتيجي كمدخل إلى غرب أفريقيا، ووضعت عدة مشاريع إستعمارية تجاه الصحراء الكبرى، ومن أبرزها مشروع "التنظيم المشترك للمناطق الصحراوية" عام1950 ثم تعديله عام1957، وبعد ما دفن هذا المشروع الإستعماري مع إسترجاع الجزائر إستقلالها التام على كل ترابها الوطني، أعاد القذافي إحياء هذا المشروع بشكل آخر، لكن تحت سيطرته، وذلك بدعوته وتخطيطه لإنشاء "الولايات المتحدة الصحراوية"، كما دعا عام2006 بتومبوكتو إلى إنشاء "الرابطة الشعبية والإجتماعية لقبائل الصحراء الكبرى"، وأستهدف من خلاله إضعاف الجزائر بفصل جزئها الجنوبي عنها، ويبدو أن يكون نفس المشروع تقوم بتنفيذه اليوم قوى كبرى، ويأتي على رأسها فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية.
وقد كثر الحديث عند البعض عن عملية لعودة الإستعمار بعد التدخل الفرنسي في شمال المالي، ويمكن إدراج ذلك ضمن الطروحات الماركسية التي تقول بأن الرأسمالية تعاني أزمة في إطار الأزمات الدورية للرأسمالية، والتي لا ننفي دورها في بدايات الإستعمار، خاصة إستعمار الجزائر عام1830 للخروج من مأزق أزمة إجتماعية وإقتصادية حادة عرفتها فرنسا آنذاك، وما دام أن اليوم الرأسمالية في أزمة حادة، فإن الإستعمار السابق أعاد نفس المنهج، لكن لا نعتقد أن عملية إعادة الإستعمار ستتم بالشكل الذي عرفناه في القرن 19م، بل سيعرف أشكالا أخرى لم تبرز بعد طبيعتها.
لكن هل سيكون ذلك تحت غطاء القضاء على الفوضى لضمان السلم والإستقرار بعد ما تظهر أعمال عنف حادة في المنطقة نتيجة العمليات الإرهابية والتناقضات الثقافية والطائفية وعرقيات وهمية؟ أم سيكون على شكل بقاء دائم للقوات الفرنسية تحت غطاء محاربة الإرهاب ؟ أم سيكون بإنشاء قواعد عسكرية تحت نفس الغطاء لكن لأهداف إستراتيجية أكبر في إطار الصراع حول زعامة العالم التي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية في مواجهة الصعود الصيني ؟.
لكن ما لم ينتبه له الكثير ومقلق فعلا بالنسبة للصحراء الكبرى هو عودة فكرة تشبيه الصحراء بالبحر، وقد طرحتها فرنسا الإستعمارية في مفاوضاتها مع جبهة التحرير الوطني، ومادام أنها تشبه البحر، فإن لكل الدول المحاذية لها الحق في في عملية تسييرها، وقد تكرر كلام تشبيه الصحراء بالبحر في الكثير من كتابات المخابرات الفرنسية اليوم وقادتها العسكريين، فمثلا دعا الأميرال الفرنسي جون دوفرسك في مداخلة له بباماكو في16/02/2013 إلى"ضرورة التفكير في الإستلهام من قانون البحار لتطبيقه على الصحراء"، وهو ما يخفي نوايا عميقة في إعادة النظر حتى في النظام الدولي بشأن الصحاري والأقطاب، أفلم يطالب الأمريكي بريجنسكي بالتسيير الدولي للقطب الشمالي بعد ما أكتشفت فيه ثروات عدة، وقال بأنه لا يمكن إبقاء ذلك في يد روسيا وحدها، ولايستبعد مستقبلا طرحا مماثلا بالنسبة للصحاري .
فلايجب أن تخفى عن أذهاننا بأن تشبيه الصحراء بالبحار والمحيطات معناه إمكانية تطبيق قوانين شبيهة بقانون البحار والمقسم لها إلى مياه أقليمية ومياه دولية، وثار حوله نقاش حاد بين الدول المتقدمة والضعيفة بشأن إستغلال ثروات المياه الدولية، ألم يقل متيران يوما أنه ليس من العدل أن تبقى ثروات في أيدي دول لا تعرف إستغلالها، ولم تنتجها -أي أنها هبة طبيعية-.
وما يقلق ويطرح أمامنا العديد من التساؤلات هو بروز مصطلحات جديدة ولدت حسب مايبدو في مخابر فرنسية وأمريكية، ومنها العودة القوية لتسمية "الساحل"،لأن معناه مرتبط بالبحر، ففرنسا الإستعمارية قد أشارت أثناء مفاوضاتها مع جبهة التحرير الوطني إلى فكرة عدم أحقية الجزائر في الصحراء لأنها تشبه البحر، ومن حق كل الدول المحاذية لها التقرير والتدخل في شؤون الصحراء، وهذه الدول بمثابة ساحل بالنسبة لبحر هو الصحراء، وكانت تقول آنذاك "أن الصحراء مجرد بحر داخلي له شواطيء تسكنها شعوب ساحلية"، هذا ما يدفعنا إلى القول بإمكانية وجود مشروعا على المدى البعيد للتعامل مع الصحراء مثل تعاملنا مع البحار، مما سيؤدي في الأخير إلى التعامل معها مثلما نتعامل مع المياه الدولية والأقليمية بالنسبة للبحار حسب قانون البحار، وما إستخدام مصطلح "الساحل" بشكل مبالغ في السنوات الأخيرة ماهو إلا تحضير نفسي لشعوبنا لإقناعها بهذا الطرح.
ومايدفعنا إلى إثارة الشكوك حول هذا الإستخدام المفرط لهذا المصطلح هو بروز مصطلح آخر في نفس الفترة وهو تسمية "الجهاديون" بدل "الإرهابيون" كمحاولة لإعطاء نوعا من "الشرعية الدينية" لهذا الجماعات الإرهابية بتوظيف الدراسات النفسية الخاصة بالعرب والمسلمين عند إختيار هذه المصطلحات، وهو ما يدل أن هناك إرتباطا وثيقا بين توظيف الحركات الإرهابية وتنفيذ مخططات تستهدف الصحراء الكبرى.
إن التشبيه المشبوه للصحراء الكبرى بالبحر، يعيدنا من جديد إلى القرن19 عندما أتهمت الجزائر في مؤتمر فيينا1815 برعاية القرصنة في البحر المتوسط، مما يستدعي إحتلالها، ألا يمكن أن يكون اليوم قد أستبدلت القرصنة في البحار بالإرهاب، فلنتتبع جيدا بعض المحاولات الفرنسية والمغربية والبعض من الذين وقعوا في فخ محاولة إتهام الجزائر بأنها وراء بعض الجماعات الإرهابية خاصة في الصحراء، أليس هو تكرار لنفس فكرة القرن 19م حول القرصنة في البحار؟، ونشير أن الجزائر آنذاك لم تكن تمارس القرصنة بل كانت تحمي السفن التجارية من القراصنة الذين أغلبهم أوروبيون مقابل دفع الإتاوات مقابل تلك الحماية.
وإذا أصبحت الصحراء شبيهة بالبحار، ومنها البحرالمتوسط في العلاقات الدولية الجديدة، فلا يستبعد أن يصبح الصراع للسيطرة عليها شبيه بالصراع من أجل السيطرة حول البحر المتوسط في الماضي، وهو ما يدفعنا إلى الحديث عن مخطط دولي كبير يخص الصحراء الكبرى، ويستند على زرع الفوضى واللاإستقرار بصفتها بلقان أفريقيا للدفع إلى تدخل دولي لإعادة الأمن والإستقرار ثم إعادة تشكيل خريطة منطقتنا كلها حسب مصالح وإستراتيجيات هذه القوى الكبرى، ونعتقد أن ليبيا، خاصة جنوبها تلعب دور المفجر لهذه الفوضى بتأثيرها في ما أصبح يسمى بالساحل، وكذلك شمال أفريقيا خاصة الجزائر ومصر وتونس، إضافة إلى السودان وغرب أفريقيا كلها.

البروفسور رابح لونيسي
- جامعة وهران-





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,389,027,624
- التأسيس للنزعة المغاربية بين عابد الجابري وعلي الحمامي الجزا ...
- منطلقات لإنقاذ الجزائر من إنفجار إجتماعي
- يوغرطة والأمير عبدالقادر-رموز للوطنية الجزائرية-
- جرائم الإرهاب في جزائر التسعينيات-مغالطات ورهانات-
- من وراء دفع الجزائر إلى الفوضى؟
- ترحيب متطرفو العالم بفوز دونالد ترامب
- العصبيات الخلدونية إلكترونيا
- عصبيات وإرهاب -نقد مقاربة جيل كيبل-
- نحو حرب عصبيات-إعادة إنتاج جزائر التسعينيات-
- جذور هزيمة العقل أمام العصبيات
- هل تعرض سيد قطب لتلاعبات مخابراتية؟
- -مثقفو وسياسويو- العصبيات
- لماذا رحب الإسلاميون بنظرية -صدام الحضارات- لهنتغتون؟
- التنظيمات الإخوانية في خدمة أجندات دولية وأقليمية في منطقتنا
- محاولات لإختطاف مالك بن نبي وتوظيفه
- إعدام الأردوغانية للإسلام السياسي في تركيا
- هل لأردوغان وحزبه علاقة بالإسلاميين؟
- إستشهاد محمد بوضياف في1992-إجهاض لإحياء مشروع الثورة الجزائر ...
- مالك بن نبي والثورة الجزائرية - تهميش وتوظيف -
- معطوب لوناس-ناظم حكمت الأمة الجزائرية-


المزيد.....




- وسط جدل وانقسام.. برلمان تونس يصادق على تعديل القانون الانتخ ...
- نيبينزيا: روسيا ستبقى ملتزمة باتفاقيات استقرار الوضع في سوري ...
- اليمن... اشتباكات في ميناء سقطرى والمحافظ يؤكد السيطرة على ا ...
- العراق.. هجوم يستهدف قيادة عمليات نينوى
- فيلادلفيا.. ضبط 16 طن كوكائين في سفينة
- ترامب: مستعدون لإيران
- من يقف وراء استهداف الناقلات في الخليج؟ ولماذا؟
- نيبينزيا: روسيا ستبقى ملتزمة باتفاقيات استقرار الوضع في سوري ...
- نيبينزيا: مذكرة سوتشي حول سوريا نفذت بالكامل والأعمال القتال ...
- وكيل المخابرات المصرية السابق لـ RT: لا يحق لأردوغان المعزول ...


المزيد.....

- الصراع على إفريقيا / حامد فضل الله
- وثائق المؤتمر الثالث للنهج الديمقراطي /
- الرؤية السياسية للحزب الاشتراكى المصرى / الحزب الاشتراكى المصرى
- في العربية والدارجة والتحوّل الجنسي الهوياتي / محمد بودهان
- في الأمازيغية والنزعة الأمازيغوفوبية / محمد بودهان
- في حراك الريف / محمد بودهان
- قضايا مغربية / محمد بودهان
- في الهوية الأمازيغية للمغرب / محمد بودهان
- الظهير البربري: حقيقة أم أسطورة؟ / محمد بودهان
- قلت عنها وقالت مريم رجوي / نورة طاع الله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رابح لونيسي - الصحراء الكبرى في الإستراتيجيات الدولية