أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - علي حسين يوسف - خطورة النص النيتشوي















المزيد.....

خطورة النص النيتشوي


علي حسين يوسف

الحوار المتمدن-العدد: 5292 - 2016 / 9 / 22 - 15:00
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


للنص ــ ليس أي نص طبعا ــ سطوة تصل حد الهيمنة على ذائقة المتلقي مما يجعله ــ أي النص ــ يترك آثارا في غاية الخطورة ؛ مكمن تلك السطوة فيما يتضمنه النص من اغراء يحرك شهوة التأويل في مسارب متعددة , حتى ليبتعد النص عن أصل وضعه فتتوالد نصوص لا حصر لها مع كل تأويل جديد ومع كل محاكاة جديدة , ولا أدل على ذلك من النصوص الفلسفية التي جمعت بين العمق الابستمولوجي وجمال الطرح والاسلوب , وللتقريب أكثر نستحضر كتابات نيتشه ودريدا , فإن نصوصهما تركت آثارا عميقة جدا على جسد المعرفة المعاصرة حتى لتبدو الابستمولوجيا بعد هذين الفيلسوفين غيرها مما كانت قبلهما لما تميزت به من عمق فكري متأت من المغايرة والاختلاف مع ما قبلهما , وما تميزت به أيضا من جدة في اسلوب الكتابة الفلسفية .
وتبدو خطورة نيتشه وسطوة المدونة النتشوية في أننا لا يمكن معه أن نسأل عن وجه الحق في مسألة ما , فالحقيقة واللا حقيقة اصبحت عنده في صف واحد , ومع نيتشه لا معنى للسؤال عن القيم أو السؤال عن حقيقة وجودنا طالما أن تلك المدونة أماتت الله أس الحقيقة , وطالما أن نيتشه لم يقل يوما إنه جاء بالحقيقة البديلة , أو اخترع مفهوما بديلا لما اماته على الرغم من تأكيده على نموذج الانسان السوبرمان .
فالسوبرمان نموذج انساني لا يتسم بأية قداسة , ولا يتصف بمطلقية أبدا ولا أية خاصة من خواص الإله , مخلوق واقعي كان يفترض أن يملك إرادة قوية تبيح له أن يسقط الأقنعة ليكشف الزيف الذي يتلبس وجودنا , ويعرّي المقولات الكاذبة جميعا ... فيا له من أغراء يقودنا جميعا إلى السعى لتمثل صفاته .
النص النتشوي كشف أن الوهم المضاعف قد غلف وجودنا منذ مئات من السنين حتى اصبحنا كائنات واهمة نعيش في غير عالمنا , نسخ مشوهة , وعقول اختزنت خبرات مغلوطة حتى ظنت بأنها امتلكت الحقيقة , والصواب انها كانت تبتعد عن حقيقة وجودها مع كل اعتقاد جديد .
وخطورة النص النتشوي تكمن ــ أيضا ــ في اعلائه من عزيمة الانسان ووضع كامل الثقة فيه : لا تمش في طريق من طرق الحياة إلا ومعك سوط عزيمتك وإرادتك لتلهب به كل عقبة تعترض طريقك ؛ هذه العزيمة قد تطرف نيتشه في الاشادة بها احيانا , حينما قال : إن أقوى وأسمى إرادة في الحياة لا تتمثل في الكفاح التافه من أجل الحياة ، وإنما في إرادة الحرب ، إرادة السيطرة .. أحب فقط ما كتبه الإنسان بدمه , لذلك يجب أن تخرج الأسود الضاحكة إلى تنور الوجود , ولا تنجح الامور ما لم تكن وراؤها نفوس تضج بالحيوية , فأنا كاللهيب النّهِم، ….احترق ، وآكل نفسي ….نورٌ : كلُّ ما أُمسكُهُ ،….ورَمادٌ : كلُّ ما أتركُه….أجلْ ! إنّي لهيب حقّاً .
والأمر الآخر في النص النتشوي الذي يثير الاغراء وشهوة القراءة المتجددة هذه الروح الثورية التي يمكن استكشافها مع قراءة كل سطر من سطور المدونة النتشوية , فالتمرد والثورة أهم ما اتسم به النص النتشوي ؛ التمرد على كل ما هو ثابت وقار ومطلق , فلا مطلق سوى الارادة والسعي نحو انسانية تحترم الانسان , وأول السلطات التي ثار بوجهها النص النتشوي سلطة رجال الدين , فقد كرههم نيتشه بدرجة كبيرة إلى حد أنه أوصى أخته قائلا : إنما إذا ما مت يا أختاه لا تجعلي أحدا القساوسة يتلو عليّ بعض الترهات ، في لحظة لا أستطيع فيها الدفاع عن نفسي , فهؤلاء قد أوهموا الضعفاء بأنهم يمتلكون الحقيقة في حين لا حقيقة هناك , فالحقيقة في داخل الانسان , فمن يحتقر نفسه مازال يحترم نفسه بوصفه محتقرا , وهناك أوثان في هذا العالم أكثر من الحقائق وفكرة المسيحية عن قبح العالم وشروره قد جعلت العالم قبيح وشرير , فأنا أومن بالرب لأنني ضعيف .
والامر الآخر في اغواء النص النتشوي تلك النسبية الشفيفة التي تغلفه ؛ فأنا لا أعلمُ مَنْ أنا ومنْ أين نشأتُ , وأنتم يا محبيْ المعرفة ! ماذا فعلتم جرّاء الحبِّ لأجل المعرفةِ حتّى الآن ؟ هل اقترفتم سرقةً أو قتلاً ، من أجل التعرّف على ما في روح السّارِق أو القاتلِ , ومنذ القدمِ يستحوذ علينا ــ أثناء الإعياء ــ التصوراتُ القاهرةُ , فالنّاس السطحيّون مضطرون للكذب دائماً ، بوصفهم محرومين من المضمون , فعندما يقترنُ الشكُ بالمعاناةِ تظهر الصوفيّةُ , فالعدمية والمسيحية كلمتان تتوافقان ابجديا في اللغة الألمانية ولكنهما بالحقيقة أكثر من متشابهان لغة , فليس هناك صدق , فنحن لسنا صادقين تماماً إلا في أحلامنا ؛ نحن نمدحُ ما يلائم ذوقنا، وهذا يعني إنّنا عندما نمدح فنحن نمدح ذوقنا الخاص ، ألا يخالف هذا كلَّ ذوقٍ سليم ؟ ومن منا لم يقدم يوما ذاته قربانا على مذبح الصيت الحسن ؟ إن الرغبة أعمق من وجع القلب , فيا صاح ، إنّ كلَّ شيءٍ كنتَ تحبّه أصابك بالخيبةِ : صارت الخيبةُ دَيْدَنَكَ من كلِّ بدٍّ ، وحبك الأخير الَّذيّ تسمّيه حباً للحقيقة هو بالضبط ما يجب أن يكون حباً ـ للخيبة حتى الحياة ذاتها لا تحتمل دون تدخل عبقرية الانسان بالفن والادب فالحياة بدون موسيقى ستكون غلطة. . ولا اعلم ما قد تريده روح فيلسوف أكثر من كونه راقصا جيدا .
وتتجلى نسبية النص النتشوي في نسبيته الاخلاقية , فعندما يعظ الطيبون فإنّهم يبعثون القرفَ ، وعندما يعظ الأشرار فإنّهم يبعثون الخوفَ , يشعر النّاس الأخلاقيون بالرضى عن النَّفْسِ أَثْناء تبكيت الضمير , فالسخطُ الأخلاقيُّ هو وسيلةُ الانتقامِ الأكثر خبثاً , ومع ذلك يقول نيتشه : لا أفهم سببَ ممارسة الوشاية ، إذا شئتَ أنْ تغيظ أحداً ما، يكفيك أنْ تقول عنه شيئاً صادقاً .
ولا يمكن بأية حال اتهام نيتشه بالعبثية والفوضوية ــ كما صدر ذلك عن بعضهم ــ بدليل أننا كثيرا جدا ما نقرأ حكما في غاية العمق والتفكر , فالرجل يسعى إلى السمو بالإنسان لمعرفة نفسه والقيام بواجباته بوصفه إنسانا : يقول : أنت ، أيها الغارف روحي بعمق أيها المخترق حياتي كعاصفة أيها اللامفهوم ، يا قريبي أريد معرفتك و خدمتك . . . أريد معرفتك أيها المجهول , لأن مَنْ لا يعيش في الجَلِيْل ، كما في منزله ، هو ذاك الَّذيّ يفهم الجَلِيْلَ شيئاَ فظيعاً ومزيفاً , والموتُ قريبٌ بما فيه الكفاية كي لا نرتاع من الحياةِ , والآلامُ المديدةُ والكبيرةُ تُربي الطاغيّةَ في الإنسانِ. . ومَهْلَكةُ الحكيمِ في أنّه أكثرُ الجميع عرضةً لإغراء الوله باللامعقوليّة , وكلُّ بهجةٍ تتضمن في نفسها شيئاً ما بوصفه رعباً وهرباً من أنفسنا ذاتها ـ أحايين إنكار الذات، ورفض الذات , فأولئك الَّذيّن كانوا يحبون الإِنْسانَ، أكثر الجميع إلى الآن، الَّذيّن سـببوا له دائماً الألم الأشدّ ؛ مثل جميع المحبين فهم يطلبون منه المحال , ومَنْ يتعرّض لهجماتٍ من جانب زمنه، هو ذلك الَّذيّ سـبقه بشكلٍ غير كافٍ ـ أو تخلّف عنه .
ومن كل ما تقدم نجد أن النص النتشوي بما هو نص توافر على النسبية والطرح الاسلوبي الجديد وعمق الفكرة فقد اصبح نصا خطيرا ؛ بمعنى أنه اصبح نصا مقلدا , توجيهيا مؤثرا بدرجات متفاوتة فلم يظهر تيار فلسفي بعد نيتشة الا وكان واقعا تحت تأثيره , وما مقولات ما بعد الحداثة إلا دليل واضح على ما ذكر .





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,682,798,545
- السوالف ... حكايات شعبية محصنة بالحكمة
- النص المثقف ... رؤية تأصيلية
- الدولة المدنية ؛ ما أحوجنا اليها اليوم
- الخطاب ... المفهوم والمهادات
- الدين والفلسفة والعلم والفن .... نحو الجذور
- الطابع الإشكالي للمكان في رواية ( خان الشابندر ) .
- عذراءُ سنجار أو الفجيعةُ روائياً
- قراءة في كتاب ( إشكاليات الخطاب النقدي العربي المعاصر )
- النقد الأدبي العراقي ... محاولة تصنيفية
- رواية ( الطلياني ) لشكري المبخوت , واحقية الفوز بالبوكر
- الشعرية ... تحولات المصطلح والتاريخ
- اهم مصادر دراسة الشعر العراقي ... القديم والحديث
- اهم مصادر دراسة الشعر العرقي ... القديم والحديث
- الملامح الاشكالية للمنجز الثقافي العراقي بعد 2003 المنجز ال ...
- قصيدة النثر عند نامق عبد ذيب ... معالم وعتبات
- القراءة والعشق والجنون
- الكتابة عن تجربة المرض
- حينما تنزف التراتيل انفاسه يتجذر الاسى ... قراءة في مجموعة ( ...
- الاختلاف المرْجيء بين الصوت والصمت
- من تمثلات الشعر الكربلائي المعاصر


المزيد.....




- هاري يعرب عن حزنه للتنازل عن الألقاب الملكية: لم يكن هناك خي ...
- كوريا الجنوبية تعلن عن أول إصابة بالفيروس الغامض
- إعلام القذافي يتحدث عن -خيبة أمل- حفتر والسراج من مؤتمر برلي ...
- مقتل 9 أشخاص على الأقل في انهيار جسر للمشاة على نهر في إندون ...
- استعدادات أمنية مكثفة لزيارة قادة عالميين إلى إسرائيل
- شاهد: سكان القرى الجبلية في بولندا يحتفلون بحلول السنة الجدي ...
- وكالة الطاقة الدولية تقول إن قطاع النفط والغاز يمكنه "ف ...
- وكالة الطاقة الدولية تقول إن قطاع النفط والغاز يمكنه "ف ...
- وصول أولى شحنات منحة طبية قطرية إلى السودان
- الغاز القادم من إسرائيل إلى مصر.. تساؤلات عن الجدوى والوجهة ...


المزيد.....

- هيدجر وميتافيزيقا الوجودية / علي محمد اليوسف
- في التمهيد إلى فيزياء الابستمولوجيا - الأسس الفيزيائية - ... / عبد الناصر حنفي
- التَّمَاهِي: إِيجَابِيَّاتُهُ وسَلْبِيَّاتُهُ (1) / غياث المرزوق
- التَّمَاهِي: إِيجَابِيَّاتُهُ وَسَلْبِيَّاتُهُ (2) / غياث المرزوق
- مدخل اجتماعي لدراسة الإلحاد في المجتمع العراقي المعاصر* / محمد لفته محل
- تفكيك العنف وأدواته.. (قراءة سوسيولوجية عراقية سياسية)/ الكت ... / وديع العبيدي
- العمل والملكية.. في التوازن التاريخي للديموقراطية الاجتماعية / مجدى عبد الهادى
- امرسون وإعادة بناء البراغماتية / عمر إحسان قنديل
- الرسائل الرمزية الصامتة في المدرسة: الوظيفة الاستلابية للمنه ... / علي أسعد وطفة
- الهيبة قوة عملية أيضاً / عبدالحميد برتو


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - علي حسين يوسف - خطورة النص النيتشوي