أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - علي الخليفي - الأوبئة المُقدسة















المزيد.....

الأوبئة المُقدسة


علي الخليفي

الحوار المتمدن-العدد: 5080 - 2016 / 2 / 20 - 09:43
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    



الأوبئة المُقدسة

تعرضت الإنسانية في مراحل تاريخية متعاقبة إلى ثلاث موجات من الأوبئة الفكرية الفتاكة، كان لها بالغ الأثر في إعاقة مسيرة الإنسان نحو بلوغ مرحلة التأنسن الكامل، تلك المرحلة التي لو بلغها لقادته نحو مرحلة التأله، ليصير إلهاً يمشي على الأرض .

تلك الأوبئة الثلاث عرفها الإنسان تحت مُسميات اليهودية والمسيحية والإسلام، ويُعزى سبب ظهور تلك الأوبئة إلى فيروس لاتوجد حتى الآن معلومات دقيقة عنه ولا عن كيفية نشؤه ولا المكان الذي جاء منه، لكن وبدراسة الحالات المُصابة بهذا الفيروس إتضح أنه غير أرضي النشأة وأنه قدِم إلى الأرض من الفضاءات الخارجية، والدليل على ذلك أن هذا الفيروس يقوم بعزل المصابين به عن واقعهم الأرضي ويدخلهم في حُمى من التهيؤات والخيالات التي تجعلهم يحلقون في الفضاءات الخارجية البعيدة عن كوكب الأرض، مدعين أنهم على تواصل مع كائن غيبي يسكن تلك الفضاءت البعيدة، ويُملي عليهم الشرائع والقوانين التي يجب أن تُسير حياتهم بل وحياة من حولهم حتى من غير المُصابين ولا الحاملين لذلك الفيروس الخبيث القاتل.

لا يوجد تاريخ مُحدد يُحدد بدقة أول ظهور لذاك الفيروس ولكن يُرجح أن أول ظهور له كان في الفترة ما بين 2324-1850 ق.م ، وكان أول من أُصيب به شخص يدعى إبراهام أو إبراهيم، ونقل هذا الإبراهام الفيروس إلى أبناءه والمقربين إليه ولم يستشري بشكل واسع ولم يتحول إلى جائحة أو وباء في عهد ذاك الإبرهام،ربما بسبب عزلته هو وأبنائه وإقامتهم في مناطق معزولة في الصحراء بعيداً عن التجمعات السكانية الكبيرة .
ظل من يحملون ذاك الفيروس معزولين في الصحراء حتى حدثت الكارثة وانتقل أحد أحفاده الحاملين لذاك الفيروس ويدعى يوسف للعيش في  مصر ،حيث يوجد أحد أكبر التجمعات السكانية، ثم قام بجلب بقية أحفاد إبراهام ليشاركوه العيش هناك .
ظل ذاك الفيروس في حالة كُمون، ولم ينشط بشكل فاعل في أياً من أحفاد إبراهام لفترة طويلة من الزمن ربما بسبب تواجدهم في المجتمع الفرعوني المُتمدن ،ذلك التواجد الذي كان يتطلب الإندماج في ذاك المجتمع والذي لم يوفر مناخ العزلة المناسب لنشاط الفيروس .
ظل الحال على ما هو عليه حتى مجيء أحد أحفاد ذاك الإبرهام، ذاك الحفيد إرتكب جريمة قتل لأحد أفراد المجتمع المتحضر الذي يعيش فيه، وهروباً من القصاص فر خارج ذلك المجتمع ليعيش حياة العزلة مع رعاة الغنم في بادية مدين، عُزلته تلك وفرت المناخ المناسب لنشاط الفيروس الكامن فيه حتى تمكن من كل تلافيف عقله، ليعود بعد تلك العُزلة إلى المكان الذي هرب منه مدعياً تواصله مع الكائن الغيي.
أفراد المحتمع الفرعوني المتحضر سخرو من إدعائته، وعرفوا أنه مصاب في عقله، لكنه وجد الإستجابة عند أفراد مجتمعه الإبراهيمي الذين كانوا حاملين لذاك الفيروس، لتنتقل حمى عدواه إليهم ولينشط ذاك الفيروس فيهم ويسيطر على تلافيف أمخاخهم . بذلك عرفت البشرية أول إنتشار لذك الفيروس في شكل وبائي .
بعد تمكن أولئك المصابين بذاك الفيروس من الخروج خارج المجتمع الفرعوني المتحضر، عزلو أنفسهم في الصحراء لسنوات طويلة، ولأن العُزلة كما أسلفنا هي المناخ المثالي لنشاط الفيروس، فقد تمكن الفيروس بالكامل من موسى وأتباعه من ذرية إبراهام، حيث خرجوا من عُزلتهم تلك في صحراء التيه بدعوى أن الكائن الغيبي قد تواصل معهم بل وأنزل إليهم ألواح مكتوبة بخط يديه، يقول لهم فيها بأنه إصطفاهم من بين خلقه وجعلهم أبنائه وأحبابه ومنحهم الحق في الأراضي التي من حولهم لتكون خالصةً لهم .
حملت تلك الهلوسات المرضية أولئك القوم على مهاجمة البلاد التي من حولهم والسيطرة عليها وطرد أهلها منها بدعوى أن الكائن الغيبي قد منحها لهم، ومنذ ذاك الحين لم تعرف تلك المنطقة التي إنتشر فيها ذاك الوباء الإستقرار، فدخلت في حُمى من الصراعات لم يُعرف لها نهاية، وحتى يوم الناس هذا لايزال ذرية إبراهيم من أتباع موسى يزعمون في حقهم في تلك الأرض التي وهبها لهم ربهم يهوا ويتناحرون مع ممن يقطنون تلك البلاد .

بعد عدة قرون من الزمن خرج من نفس النسل شخص أخر يُدعى عيسى ، ويُلقب نفسه بالمسيح، هذا المسيح توافرت له شروط العُزلة الكافية لينشط الفيروس في داخله بشكل مرعب، فهو قد عُزل عن الناس مذ كان جنيناً في رحم أمه التي إعتزلت قومها وفرت به بعيداً عنهم خوفاً من قتلهم له لأنه ثمرة مُحرمة لعلاقة مُحرمة قامت بها مع أحد النجارين. جاء هذا المسيح إلى الدنيا ليعيش حياة العُزلة في أبشع صورها ،فعُزلته لم تنتهي بإشتداد عوده وعودت أمه للعيش في مجتمعها، بل تفاقمت تلك العُزلة، حيث كان يعيش داخل مجتمعه منبوذا من قومه الذين كانوا يتجنبونه لأنه إبن حرام بحسب شريعتهم وأعرافهم .
ذلك الوضع من العُزلة منح الفيروس المناخ لينشط داخله بفاعلية قصوى، حتى أنه لم يدعي كسابقه موسى التواصل مع الكائن الغيبي، بل إدعى أنه إبن ذاك الكائن الغيبي ، وفي مرة أخرى بأنه هو نفسه الكائن الغيبي قد تجسد في صورة إنسان.
لم تدم هرطقة ذاك العيسى طويلاً فقد طبقت عليه الدولة الرومانية المتحضرة التي كان يعيش فيها حكم الإعدام، وإنتهت قصته في وقت سريع دون أن تتحول إلى وباء بين أبناء قومه، لكن بعد حين من الزمن قرر أحد المُختلين الذين وصلوا لحكم الإمبراطورية الرومانية إعتناق دعواه وفرضها على كل سكان إمبراطوريته المترامية الأطراف بالحديد والنار ، وبذلك تم نقل ذلك الوباء على نطاق أوسع، ففي حين ظل مقتصراً لقرون طويلة من الزمن في ذرية إبراهام، إنتقل على يد هذا الإمبراطور الأحمق ليتحول إلى وباء عالمي يستشري بين قوميات مختلفة وظل ذلك الوباء يستشري حتى لم يترك مكان في العالم إلا ووصل إليه، وتسبب في صراعات وحروب سُفك فيها من الدماء وأنتهك فيها من الأعراض ما يعجز الوصف عن سرده.

بعد ما يقرب من ستة قرون من موت مُدعي الألوهية ذاك، ظهر شخص أخر هو أيضاً من نسل ذاك الإبراهام، يٌدعى مُحمد ليدعي نفس الإدعاءات التي إدعاها أسلافه ممن أصيبوا بذاك الفيروس الغريب. هذا الشخص توفر له هو أيضاً مناخ العُزلة الكافي لينشط ذاك الفيروس في داخله ويخترق تلافيف مخه. فبالاضافة لكونه ولد وعاش في مُجتمع صحراوي منعزل على العالم، كانت له عُزلته الخاصة والتي كان سببها ميلاده بدون أب وموت أمه في سن مُبكر مما جعله يحيا حياة المنقطعين الذين لا سند لهم ، وهذا جعله يعيش عُزلتين وهو ما أعطى اخصب المناخات ليستشري الفيروس فيه بشكل لا علاج له.

لم يجد هذا المُحمد صعوبة تُذكر في نشر الفيروس بين قومه، فعُزلتهم في الصحراء كانت قد هيئتهم لتقبل ذلك الفيروس، وخلال فقط عقدين من الزمان كان ذاك الفيروس قد إجتاح كل قبائل تلك المنطقة الصحراوية المعروفة بجزيرة العرب، وفعل ذلك الفيروس فعله في المصابين به، فقد إدعوا تواصلهم بذات الكائن الغيبي الغريب الأطوار الذي تواصل معه أسلافهم ، وبأنه قد حملهم رسالة منه لبقية العالم، ومنحهم الحق ليجزوا رقاب كل البشر من حولهم ويستولو على ممتلاكاتهم وينتهكو أعراضهم إذا لم يقبلوا تمكين الفيروس من أنفسهم ، ولم ينسوا كعادة كل المصابين بذاك الفيروس أن يدعو أن ذلك الكائن الغيبي قد فضلهم على العالمين وجعلهم خير أمةٍ أُخرحت للناس .
خرج حملة ذلك الفيروس من صحراءهم مدفوعين بتلك الأوهام وإجتاحو العالم من حولهم، يقتلون ويسبون ويستعبدون وينتهكون كل المُحرمات الإنسانية بأسم كائنهم الغيبي، ولا تزال الإنسانية حتى اليوم تدفع أرواح أبنائها وأعراضهم وأموالهم ثمناً لتلك التهيئوات المرضية .

الأمم التي تعرضت للنوع الثاني من تلك الأوبئة والتي أنتقل إليها من المُصاب عيسى، أُتيح لها قبل ما يقرب من ثلاث قرون الفرصة لظهور فلاسفة ومفكرين ومصلحين تعرفوا على خصائص ذاك الفيروس و وجدو علاج فعال قادر على القضاء عليه، ألا وهو المعرفة، ومن ثم بدأو بحقن معاصريهم من المصابين بذاك الفيروس بجرعات عالية من العلم والمعرفة مما أمكنهم بعد فترة زمنية من القضاء المبرم على ذلك الوباء بين أغلبية أبناء جلدتهم، وعزل من هو ميئوس من شفاءه من ذاك الفيروس داخل صوامع وكنائس ، فيما يشبه الحجر الصحي لمنعهم من نقل الفيروس من جديد إلى غيرهم.

لقد عرفت البشرية خلال تاريخها الطويل، أنواع كثيرة من الأوبئة وإستطاعة بفضل العُقلاء من أبناءها وضع حد لها والقضاء عليها ، لكن ما جعل هذه الأوبئة الثلاث (اليهودية،المسيحية،الإسلام) ، ما جعلها تستشري بهذا الشكل المُرعب وتظل تنتقل عبر الأجيال لقرون متطاولة هو كون الفيروس المُسبب لها يتسلط على مخ الشخص المصاب ويدخله في حالة من التوهمات والتهيئوات التي تصور له أنه وحده من يمتلك حقيقة الأشياء وأن البقية من حوله من غير المُصابين مرضى يحتاحون لنقل الفيروس لهم لشفائهم من مرضهم، فتنعكس الآية هنا ويصبح هذا الشخص مستعصي على العلاج، لأن أولى خطوات العلاج هي إعتراف المريض بمرضه وعرض نفسه للمختصين لتشيخص مرضه وقبوله لتعاطي العلاجات الموصوفة له، وهذا كله غير متوفر في المُصابين بالأوبئة المقدسة، بل هم على النقيض تماماً من ذلك، فالمريض منهم يرى في نفسه المُعالج والطبيب لغيره.

العلاج لهذه الأوبئة صار متوفر بل وفي متناول أيدي كل المصابين بتلك الأوبئة ، فالمعرفة والتي هي العقار الوحيد القادر على سحق ذلك الفيروس صارت مبذولة للجميع، بل إقتحمت على أولئك المصابين بيوتهم وغرف نومهم ولكن لغبائهم المفرط فإنهم يبذلون كل ما في وسعهم للتحصن منها ولتحصين أبنائهم منها، ولا يوجد بديل أمام المجتمعات السليمة من هذه الأوبئة من الإتقاء منها إلا بفرض حجر صحي على المُصابين وعزلهم وإجبارهم على تناول عقار المعرفة ، ومن ثم جمع الحالات المستعصية على العلاج وإبادتها، فإبادة عدة ألاف أو حتى عدة ملايين سيكون أمر صحي جداًً إذا ما كانت إبادتهم ستنقد هذا الكوكب وساكنيه من فناء مُحقق في حال إستشراء تلك الأوبئة في كل أركانه.




تنويه: ما يقصده الكاتب بالعُزلة هنا ليست العُزلة في معناها الفلسفي ، بل العزلة بمعنى الإنقطاع عن التواصل مع العالم والتفاعل مع حركة الحضارة بسبب أمراض مجتمعية متوارثه ، تلك العزلة التي يكون ثالوثها الأقدس هو الفقر الجهل والمرض.










كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,559,295,213
- آيات من سورة البقر
- الأديان هي عِلّة إنحطاط الإنسان
- رسائل زرقاء .. إلى رشا ~ (3)
- العودة لرحلتي الشتاء والصيف
- خربشات على اللوح المحفوظ 3 3
- خربشات على اللوح المحفوظ 2 3
- خربشات على اللوح المحفوظ 1 3
- رسائل زرقاء .. إلى رشا ..(2)
- القرآنيون إلى أين ؟!!!
- أُم الدنيا بتزغط بط !!!
- رسائل زرقاء .. إلى رشا
- رسالة من ضحايا الجلاد القرشي
- إنتصار الوهم ووهم الإنتصار
- الكيان الصلّعمي السعودي
- لماذا يكرهون إسرائيل ؟
- بطالة العقول ~ عقول عاطلة عن العمل
- خِلافة داعش الراشدة
- مفاهيم مشوهة ~ القرامطة
- صُرَّةُ الميراث
- لِتَسْقُط مملكة الكورونا


المزيد.....




- المنح التعليمية بالحضارة الإسلامية.. موسيقي يرعى العلماء ومس ...
- أيتام تنظيم الدولة الإسلامية يواجهون مصيرا مجهولا
- منظمة التعاون الإسلامي تُدين اقتحام المسجد الأقصى المبارك
- -قناصة في الكنائس وأنفاق-... بماذا فوجئت القوات التركية عند ...
- مسيحيون يتظاهرون احتجاجا على غلق كنائس بالجزائر
- عضو مجلس الإفتاء بدبي: الثراء الفقهي المنقول منهل لا ينضب لك ...
- مفتي الأردن: علماء الشريعة الإسلامية وضعوا علوماً وقواعد مست ...
- رحلة لاستكشاف عالم سري أسفل كاتدرائية شهيرة
- كيف يعود أطفال تنظيم الدولة الإسلامية إلى بلدانهم؟
- 611 مستوطنا يتزعمهم وزير إسرائيلي يقتحمون المسجد الأقصى


المزيد.....

- ماملكت أيمانكم / مها محمد علي التيناوي
- السلطة السياسية، نهاية اللاهوت السياسي حسب بول ريكور / زهير الخويلدي
- الفلسفة في تجربتي الأدبية / محمود شاهين
- مشكلة الحديث عند المسلمين / محمد وجدي
- كتاب ( عدو الله / أعداء الله ) فى لمحة قرآنية وتاريخية / أحمد صبحى منصور
- التدين الشعبي و بناء الهوية الدينية / الفرفار العياشي
- ديكارت في مواجهة الإخوان / سامح عسكر
- الاسلام الوهابى وتراث العفاريت / هشام حتاته
- قراءات في كتاب رأس المال. اطلالة على مفهوم القيمة / عيسى ربضي
- ما هي السلفية الوهابية ؟ وما الفرق بينها وبين الإسلام ؟ عرض ... / إسلام بحيري


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - علي الخليفي - الأوبئة المُقدسة