أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق - حسقيل قوجمان - من وحي كتاب سفر ومحطات - البعية للسوفييت ودور اليهود 2















المزيد.....


من وحي كتاب سفر ومحطات - البعية للسوفييت ودور اليهود 2


حسقيل قوجمان
الحوار المتمدن-العدد: 1379 - 2005 / 11 / 15 - 10:46
المحور: اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق
    


في هذا القسم الثاني من المقال اعود الى موضوع التبعية للسوفييت. لدى دراسة اي موضوع دراسة ماركسية علينا ان ندرسه وفقا للظروف التي يحدث فيها اذ ليست اية ظاهرة منعزلة عما يحيط بها ولا يمكن فهم وتحليل اية ظاهرة بالانعزال عن الظواهر المحيطة بها. علينا في ظاهرة التبعية للسوفييت ايضا ان ندرسها وفقا للظروف التي حدثت فيها. لذا ينبغي ان ندرس هذه الظاهرة في فترتين متناقضتين من تاريخ الاتحاد السوفييتي، فترة بناء المجتمع الاشتراكي، من ۱٩۱٧ الى ۱٩٥۳ وفترة تدمير المجتمع الاشتراكي من ۱٩٥۳ الى ۱٩٩۱.
نعرف ان الماركسية تعتبر الطبقة العاملة العالمية طبقة واحدة حيثما وجدت على وجه الارض. وهذا ينبع من ان مصالح الطبقة العاملة هي واحدة وهي الخلاص من الاستغلال الراسمالي وبناء مجتمع خال من كل انواع الاستغلال. وظهر ذلك واضحا منذ رفع كارل ماركس شعاره العظيم "يا عمال العالم اتحدوا". وكان البيان الشيوعي بيانا للطبقة العاملة العالمية وليس للطبقة العاملة في بلد معين كألمانيا او فرنسا او انجلترا او الولايات المتحدة.
تأسست اول منظمة بروليتارية على هذا الاساس بقيادة كارل ماركس وانجلز وكانت هذه المنظمة هي الاممية الاولى التي كانت بمثابة حزب الطبقة العاملة العالمية. وكان نضال هذه الاممية نضالا موحدا للطبقة العاملة في جميع البلدان الراسمالية.
بعد ثورة اكتوبر وتكوين اول دولة اشتراكية ظافرة في التاريخ اصبحت الطبقة العاملة العالمية تنظر الى هذه الدولة كأنها دولتها وتنظر الى وطن الاشتراكية كوطن الطبقة العاملة العالمية الاول. وكان على هذه الدولة ان تبرهن بانها دولة العمال الاولى ووطن الطبقة العاملة الاول وهو ما قامت به الدولة السوفييتية تحت قيادة لينين وثم تحت قيادة ستالين بامتياز.
بعد نجاح ثورة اكتوبر وافلاس الاممية الثانية تكونت الاممية الثالثة باعتبارها حزب البروليتاريا العالمية. وكان من الطبيعي ان يكون دور الاتحاد السوفييتي بارزا في هذه الاممية نظرا لتوفر السلطة والخبرة والقدرات الكبيرة فيه. كانت الاحزاب الشيوعية التي نشأت في شتى بلدان العالم بما فيها البلدان المستعمرة والتابعة فروعا محلية للاممية الثالثة. فكان على الحزب الذي يرغب في الانتماء الى الاممية ان يبرهن على انه ملتزم بقواعد القبول في هذه الاممية اذ ان الاممية لم تكن تقبل كل من يطلب الانتماء اليها بل تشترط ان يكون الحزب الذي ينتمي اليها متمسكا بالمبادئ الشيوعية. وكان على الاممية الثالثة ان تسدي النصح والارشاد للاحزاب الفتية لمساعدتها على سلوك الطريق الصحيح نحو بناء احزاب شيوعية حقيقية. هذه كانت العلاقة الصحيحة بين الاحزاب الشيوعية المحلية وحزب الطبقة العاملة العالمية، الاممية الثالثة.
ماذا كان دور الاتحاد السوفييتي في هذه الفترة؟ كان مساعدة الاحزاب الشيوعية المحلية على تربية كوادر مؤهلة لقيادة تلك الاحزاب وعلى هذا الاساس انشئت جامعة كادحي الشرق لتثقيف الكوادر الشيوعية بالماركسية والخبرة في بناء وقيادة الاحزاب الشيوعية الفتية خصوصا في المستعمرات واشباه المستعمرات. وربما كان بامكان الدولة السوفييتية من خلال مشاكلها ونضالها من اجل بناء المجتمع الاشتراكي ان تساعد بعض الاحزاب على الحصول على الة طابعة او مطبعة صغيرة لمساعدة الحزب على نشر ادبياته وجرائده. هذا كل ما كانت الدولة السوفييتية تقدمه للاحزاب الشيوعية في تلك الفترة.
كانت مالية الاحزاب الشيوعية في تلك الفترة تأتي من بدلات الاشتراك التي يدفعها العمال من قوت اطفالهم لمساعدة الحزب على القيام بمهامه. كان مقياس نجاح الحزب بعدد هؤلاء المتبرعين للحزب من دخولهم الشحيحة مثلما كان وضع الحزب البلشفي قبل الثورة. وكان المقياس لقيادة الاحزاب هو اتقان القادة للنظرية الماركسية وكفاءاتهم في التنظيم والقيادة فظهر قادة عظام مثل ديمتروف وانور خوجا وراكوشي وبيروت وماوتسي تونغ وهوشي مين وفهد وغيرهم الكثير. وفي هذه الفترة كان قائد الحزب عادة هو القائد النظري والتنظيمي والسياسي للحزب. ان التبعية في هذه الفترة كانت تبعية طبيعية لا فرق بينها وبين تبعية عضو الحزب بالحزب وبقيادته. فكما ان العضو هو عضو في الحزب يلتزم بسياسته كذلك الحزب الشيوعي هو عضو في الاممية الثالثة ويلتزم بسياستها وقواعد الانتماء اليها.
كان الرفيق فهد نموذجا رائعا للقادة الشيوعيين سواء في اعادة بناء الحزب الشيوعي ام في قيادته وفي وضع منهاجه ونظامه الداخلي. وكان فهد نموذجا حقيقيا للتعبير عن العلاقة الاممية بين الحزب الشيوعي العراقي والاممية الثالثة وكذلك بين الحزب الشيوعي العراقي والاتحاد السوفييتي. كان فهد وطنيا ملما بجميع ظروف العراق الاجتماعية وماركسيا قديرا استطاع ان يحلل ظروف المجتمع العراقي وان يضع البرنامج الماركسي للثورة في بلد شبه استعماري شبه اقطاعي. هذا ما جعل الحزب الشيوعي السري تحت قيادة فهد اكبر حزب سياسي في العراق واكثرها جماهيرية رغم انه كان حزبا سريا غير شرعي.
في الوقت نفسه التزم فهد بقواعد الاممية الثالثة لتكوين الاحزاب الشيوعية فنال عن جدارة اعتراف الاممية بالحزب الشيوعي العراقي كفرع منها. وحتى حين وضع فهد برنامج الحزب عرضه على الاممية الثالثة قبل تقديمه للكونفرنس. كان هذا التوفيق بين ظروف العراق الاجتماعية وبين متطلبات الاممية الشيوعية اروع ما في سياسة فهد. وقد حقق هذا الارتباط بجدارة جعلت منه قائدا ماركسيا عظيما. هل يمكن القول بان فهد كان يعاني من التبعية للاممية الثالثة او للاتحاد السوفييتي؟ لا اعتقد ان انسانا منصفا يستطيع ان يصف العلاقة بين الحزب الشيوعي العراقي تحت قيادة فهد وبين الاممية الثالثة تبعية بل هي علاقة طبيعية بين الحزب الشيوعي العالمي، الاممية الثالثة، وبين فرع منه هو الحزب الشيوعي العراقي. كان فهد من اعظم المحبين للاتحاد السوفييتي لانه رأى بام عينيه التقدم الذي احرزه الاتحاد السوفييتي في بناء المجتمع الاشتراكي ولانه درس اضافة الى ماركسية ماركس وانجلز ولينين نظريات ستالين في بناء المجتمع الاشتراكي في بلد واحد. وتعاظم تقديره لستالين حين راقب عظمته في قيادة الحرب ضد الغزاة الهتلريين النازيين. فهل يمكن ان يقال ان فهد كان من عباد ستالين او من تبعية الاتحاد السوفييتي؟ لا اظن ذلك. ثم هل يمكن ان يقال ان اليهود استوعبوا فهد واطلعوه على خفايا السياسة السوفييتية؟ كان فهد القائد النظري والتنظيمي والسياسي للحزب وهذا ما أهله لان يكون احد القادة الشيوعيين البارزين في العالم.
بعد وفاة ستالين استولت زمرة انتهازية تحريفية بقيادة خروشوف على قيادة الحزب الشيوعي في الاتحاد السوفييتي والدولة السوفييتية. ومنذ استيلائها قلبت السياسة السوفييتية رأسا على عقب. ففي الفترة الخروشوفية من حكم الاتحاد السوفييتي، اي من ۱٩٥۳ الى ۱٩٩۱، تحول الاتحاد السوفييتي من دولة اشتراكية سائرة في طريق التحول الى الشيوعية الى دولة راسمالية مموهة بعبارات ماركسية وشعارات ثورية كاذبة، الى دولة مهمتها القضاء على الاشتراكية في الاتحاد السوفييتي والقضاء على الحركة الشيوعية في العالم كله. وافضل وسيلة للقضاء على الحركة الشيوعية هي تحويل الاحزاب الشيوعية الى احزاب عميلة تأتمر بأوامر "الحزب القائد" وبقادته الخروشوفيين.
كانت من اهم وسائل تحويل الاحزاب الشيوعية تحويلها الى مؤسسات مالية ذات طبيعة برجوازية، الى احزاب همها جمع المال ونيل اقصى الارباح. فكانت هذه الدولة تدفع رواتب ضخمة لكل حزب يخضع خضوعا تاما لقيادتها ولاوامرها. بعد انهيار الاتحاد السوفييتي نشرت احدى الصحف البريطانية قائمة بالرواتب التي كان يتقاضاها كل حزب شيوعي. وكانت حصة الحزب الشيوعي العراقي ۳٧۰ الف دولار في السنة. وكان هذا راتبا ضئيلا بالقياس الى الرواتب الضخمة التي كانت تدفع الى الاحزاب الكبيرة مثل الحزب الفرنسي والايطالي وحتى البريطاني والاسرائيلي. وقد سد الحزب الشيوعي التحريفي هذا النقص بالتجائه الى مصادر اخرى لجمع المال مثل حزب صدام وحافظ الاسد والقذافي وخادم الحرمين قبل التحول الى مصادر اكثر سخاءا مثل الولايات المتحدة وبريطانيا. اضافة الى ذلك كانت الحكومات الخروشوفية تقدم لقيادات الاحزاب عدا الرواتب الشخصية الخاصة امتيازات مغرية كقضاء العطل في منتجعات الاتحاد السوفييتي والسكنى المجانية هناك ورشو قادة الحزب بتعليم اولادهم الطب والصيدلة والهندسة والموسيقى وفن الرسم وغير ذلك وحتى السماح لهم بالعمل في السوق السوداء كسبا للارباح. بل ان الحكومات السوفييتية الخروشوفية عملت على تفسخ قادة الاحزاب الشيوعية خلقيا وجعلهم مدمنين على الخمور بحيث اصبح من لا يعاقر الخمر رجعيا متخلفا. وكان قادة الاحزاب الشيوعية يسافرون مجانا في طائرات الاتحاد السوفييتي وغيرها لحضور المؤتمرات في ارجاء العالم. كانت هذه الرشاوى ضمانا لكتم انفاس القادة ولاجبارهم على السكوت عن واقع ما يجري في الاتحاد السوفييتيي وما يجري من تدمير الاحزاب الشيوعية ذاتها والحركة الشيوعية العالمية ككل. وامثلة ذلك كثيرة في الحزب الشيوعي العراقي مثل اجبار الحزب على اتخاذ خط اب السيء الصيت الذي كان يقضي بحل الحزب الشيوعي ودفع الحزب الى عقد الجبهة مع الحكومة الفاشية والى منع الحزب عن اية حركة ثورية يريد القيام بها. بل على ما يبدو من كتاب سفر ومحطات كان الاتحاد السوفييتي هو الذي يوافق على تعيين شخص في المكتب السياسي وابعاده عنه.
اصبح مقياس القائد الحزبي في هذه الفترة هو جهله المطبق للنظرية الماركسية وعدم الالتزام باي موقف مبدئي والتفسخ التام. وقد قامت القيادة الخروشوفية بقتل العديد من قادة الاحزاب الشيوعية الذين كانت تخشى مقاومتهم لسياساتها التحريفية البعيدة كل البعد عن الماركسية او اقصاء مثل هؤلاء القادة عن قيادة الاحزاب والقائهم في السجون وتنصيب قادة اخرين يتميزون بالخنوع والرضوخ لاوامر الحزب السوفييتي. اصبحت العلاقة بين قادة اي حزب شيوعي وبين الحزب الشيوعي السوفييتي علاقة عميل يتقاضى اجوره لترويج سياسة الاتحاد السوفييتي المعادية للاحزاب الشيوعية الحقيقية والمعادية للشعوب وللطبقة العاملة خصوصا ولتمجيد الاتحاد السوفييتي باعتباره حامي السلام وصديق الشعوب وغير ذلك من الاتهامات الكاذبة. وكان تثقيف الكوادر الحزبية العالمية في الاتحاد السوفييتي يهدف الى تربية قادة من هذا النوع. اذا اخذنا الحزب الشيوعي العراقي مثلا نرى ان قيادة الحزب حين فكرت بازاحة سلام عادل من سكرتارية الحزب فكرت في تنصيب هادي هاشم مكانه وليس كادرا من كوادر الحزب النظرية مثل زكي خيري او عزيز الحاج او حتى بهاء الدين نوري او عامر عبدالله. وهادي هاشم كما اعرفه لم يكلف نفسه قراءة سطر واحد من كتاب ماركسي طيلة فترة وجوده في السجون السياسية. وبعد اغتيال سلام عادل حدث الشيء ذاته فنصبوا عزيز محمد الذي لم يعرف الفباء الماركسية ولم يكن قادرا حتى على كتابة خطاباته في المؤتمرات الحزبية اذ كان المثقفون من ورائه يكتبون له هذه الخطابات. فالمهم في السكرتير العام للحزب ان يكون جاهلا للماركسية وبارعا في تنظيم المؤامرات والشقاق حتى بين اعضاء المكتب السياسي للحزب وكان عزيز محمد مثلا رائعا لذلك. كان على السكرتير ان يكون بارعا في تمجيد سياسة الاتحاد السوفييتي وان يرفع الشعارات التحريفية الانتهازية مثل التحول السلمي والطريق اللاراسمالي والجبهات العريضة مع كل من يقبله فيها. وتاريخ الحزب الشيوعي مليء بالامثلة على ذلك اذ بقي يدافع ويمجد الاتحاد السوفييتي حتى ظهور شعاري البيريسترويكا والغلاسنوست اللذين اعلنهما غورباشوف وحتى يوم انهيار الاتحاد السوفييتي نهائيا.
كان موقف الاتحاد السوفييتي من الصين والبانيا مثلا ساطعا على محاربة الاحزاب التي لا تخضع لارادتها ولاوامرها. فمن المعروف ان الاتحاد السوفييتي اوقف جميع المساعدات التي كان الاتحاد السوفييتي في عهد ستالين قد اتفق على تقديمها للصين بحيث ان الصناعة والزراعة الصينية توقفت في يوم واحد وعجزت التراكتورات والمصانع عن العمل لامتناع الاتحاد السوفييتي حتى عن تقديم قطع الغيار الى الصين مما اجبر الصين على الاعتماد على نفسها في تحقيق تقدمها مما اضر بالحركة الشيوعية الصينية اضرارا شديدا. وكان نفس الموقف قد اتخذ تجاه البانيا تحت قيادة انور خوجا وحتى هدد الاتحاد السوفييتي باحتلال البانيا لولا ان البانيا اعلنت انها ستقاوم جيوش الاتحاد السوفييتي كجيوش غازية.
كمثال على نوع التثقيف الذي كان يوجهه الاتحاد السوفييتي الى كوادر الاحزاب الشيوعية في المدارس الحزبية اود ان اقتبس قصة وردت في كتاب سفر ومحطات تحت عنوان "شاهد من اهلها":
"في المدرسة الحزبية العليا في الاتحاد السوفييتي، السابق، وفي مادة العمل السري، يعكس الرفاق السوفييت، على الدارسين في هذا المجال، مجال العمل السري، التجربة التالية:
"من احد الاحزاب الشيوعية، لدولة من دول اميركا اللاتينية، كان الحزب، يتعرض لضربات متتالية ومميتة لسنوات عدة. في اخر ضربة كبيرة تعرض لها الحزب، كبست دار المطبعة المركزية، كان مسؤول المطبعة المركزية، هو السكرتير العام للحزب، ونتيجة ضربات عدة ومتكررة في السابق، ذهب احد الرفاق وهو عضو في المكتب السياسي الى موسكو سرا وطرح مشكلة حزبهم على الرفاق السوفييت.
"القيادة السوفييتية، وجهت دعوة رسمية للسكرتير، ذكرت في الدعوة، ضرورة التداول لقضايا تتعلق بدول امريكا اللاتينية.
"وبعد وصول السكرتير العام للحزب المذكور، جرى تحقيق صارم معه، لم يصمد، فاعترف وذكر في اعترافه، بأنه على علاقة مع المخابرات المركزية الامريكية منذ ۲۰ عاما .. انتهى الرجل ودفن هناك.؟
"والرفاق السوفييت، يؤكدون سرية هذا الموضوع، ولا يمكن باي حال من الاحوال التطرق الى الموضوع نهائيا." (ص ۳٦٩، ۳٧۰)
احتفظ ابو جلال بهذا السر الخطير واحترمه وفقا لقواعد العمل السري التي تعلمها على يد الاساتذة السوفييت في المدرسة الحزبية العليا الى ان انهار الاتحاد السوفييتي. ولكنه لاحظ ان فخري كريم الذي لم يدرس في هذه المدرسة كان على علم بهذه القصة فتوصل الى ان احد الحضور في الحلقة الدراسية قد خان الامانة وباح بالسر الى فخري كريم.
اريد ان اناقش هذه القصة من وجهة نظر اخرى. لا ادري اذا كانت القصة كلها حقيقة ام هي قصة مفبركة لغرض معين. ولكن من المعروف ان الحكومات الخروشوفية كانت تتخلص من كل قائد تشم منه رائحة التمرد على سياساتها بالقتل او الازاحة. كان الاستاذ الذي سرد القصة على طلابه استاذ "العمل السري". ولكنه اعطى مثالا رائعا على قواعد العمل السري بان باح لطلابه بسر من اسرار الدولة السوفييتية الخطيرة. وبهذا برهن على التزامه وبراعته في قواعد العمل السري. فقد باح بهذا السر الخطير الى طلاب قد يكون بينهم من لا يلتزم بسرية الخبر ويشيعه في حزبه او خارج حزبه. وفي نفس الوقت طلب من طلابه الحفاظ على السر وعدم التطرق اليه باي حال من الاحوال.
اذا اعتبرنا هذه القصة حقيقة وليست مفبركة فهي في الواقع جريمة قتل مع سبق الاصرار والترصد يستحق منفذوها الحكم عليهم بالاعدام او السجن المؤبد. فلماذا يبوح استاذ العمل السري بهذا السر الخطير لطلابه؟ من المعروف ان طلاب المدرسة الحزبية العليا هم من كوادر الاحزاب الشيوعية المتقدمة، فمنهم سكرتاريو الاحزاب واعضاء في المكاتب السياسية واللجان المركزية. ومن الواضح ان هؤلاء يقودون او يساهمون مساهمة فعالة في قيادة احزابهم بعد انهاء دراستهم والعودة الى احزابهم. ترى هل كانت اباحة هذا السر عليهم نوعا من التهديد؟ هل كان ذلك انذارا بالمصير الذي يؤول له مستقبل اي من هؤلاء الطلاب يتمرد على سياسة الاتحاد السوفييتي؟ لا استطيع ان ارى سببا يجعل استاذ العمل السري يبوح بمثل هذا السر الخطيرغير مثل هذا التهديد. فبوح مثل هذا السر الخطير للدولة السوفييتية الخروشوفية ليس درسا في المحافظة على سرية العمل بل درسا في البوح باكثر الاعمال سرية. اعتقد ان الاستاذ كان يقصد القول لطلابه ان مصير كل من يتحدى سياسة الاتحاد السوفييتي هو نفس مصير سكرتيرالحزب المذكور اي الموت والدفن.
وعلى ذكر العمل السري اود ان اقتبس حادثا شيقا جاء في كتاب سفر ومحطات. في يوم خميس بدون ذكر التاريخ كان ابو جلال يطبع منشورا حزبيا في داره الذي يشمل المطبعة مع احد الرفاق. وبعد الانتهاء من الطبع والرزم سمعا من التلفيزيون امرا بمنع التجول ليلة الجمعة ويوم الجمعة. كان انذاك يجري البحث عن ابو طبر وهو زرقاوي تلك الايام. وفي اليوم الثاني، يوم الجمعة، بدأ تمشيط جميع البيوت. كان التفتيش عن ابو طبر يجري بأن يدخل ضابطان البيوت للبحث عنه وليس كما يجري البحث عن الزرقاوي اليوم الذي يجري بالطائرات والمروحيات والدبابات والقنابل الذكية والقنابل العنقودية واليورانيوم المنضب والنابالم والفوسفور الابيض وحتى الغازات السامة او بهدم البيوت على سكانها رجالا ونساء واطفالا كما هدد به مجرم وزارة الدفاع العراقية على شاشة التلفزة. دخل الضابطان الدار المجاور للبيت الحزبي ثم اجتازا البيت الحزبي وانتقلا الى البيت المجاور الاخر فتنفسا الصعداء لان الوضع كان خطيرا يهدد باكتشاف المطبعة والمناشير ويعرضهما للاعتقال. ثم جاءت في كتاب سفر ومحطات العبارة التالية:
"بعد اقل من اسبوع، زارني الرفيق، باقر ابراهيم الموسوي، اخرج ورقة من جيبه وقال: اقرأ رفيق؟! توجيه صادر من مدير الامن العام (ناظم كزار) وموقع من قبله يقول فيه" : (لا يتم تفتيش اعضاء المكتب السياسي للحزب الشيوعي العراقي وهم) ثم يذكر سبعة بيوت حزبية مع ذكر العنوان الدقيق وهي بيوت عزيز محمد وزكي خيري وباقر ابراهيم وعمرعلي الشيخ وكريم احمد وبهاء الدين نوري وشوكت خزندار ولو ان الاخير لم يكن عضوا في المكتب السياسي.
لا اسأل هنا كيف حصل باقر ابراهيم على هذه الرسالة السرية الخطيرة ولكني اوردت هذا الحادث على انه برهان ساطع على مقدار سرية الحزب الشيوعي بحيث ان مدير الامن العام يعرف عنوان كل عضو من اعضاء المكتب السياسي وعنوان بيت المطبعة ويأمر بعدم تفتيشها.
نعود الان الى موضوع التبعية للسوفييت. في فترة بناء المجتمع الاشتراكي، اي في عهد عاصم فليح وفهد، كانت هذه التبعية مصلحة متبادلة بين وطن العمال الاول الاتحاد السوفييتي وبين الاحزاب الشيوعية العالمية. يقوم الاتحاد السوفييتي بمساندة نضالات هذه الشعوب والمساعدة على توجيهها وانضاجها وتثقيفها وتقوم الاحزاب الشيوعية بمساندة الاتحاد السوفييتي والدفاع عنه تجاه الدول الامبريالية التي كانت تريد القضاء عليه.
اما في عهد تدمير المجتمع الاشتراكي، اي في عهد الحكومات الخروشوفية المتعاقبة، عهد سلام عادل وعزيز محمد، فاصبحت تبعية الاتحاد السوفييتي تبعية عمالة تتقاضى الاحزاب الشيوعية اجورها لقاء خدع الطبقة العاملة، وتضليلها واقناعها بان الاتحاد السوفييتي هو صديق الشعوب ونصير السلام رغم علم هذه الاحزاب او علم قياداتها على الاقل بالتدهور الذي كان يجري في الاتحاد السوفييتي نحو اعادة الراسمالية بافضع اشكالها. ولهذا لم يكن في عمالة الاحزاب الشيوعية التحريفية التحول من العمالة للاتحاد السوفييتي الى العمالة للدول العربية الرجعية كعراق صدام وسورية الاسد وليبيا القذافي ومصر مبارك وحجاز السعود ثم عمالة الحزب الشيوعي للولايات المتحدة وبريطانيا واسرائيل ومساندة احتلال العراق والسكوت عن المجازر وحملات الابادة التي تقوم بها الولايات المتحدة والقوى المساندة لها كل يوم في "العراق الجديد".
هناك بون شاسع بين علاقة الاحزاب الشيوعية الحقيقية المناضلة في سبيل تحرير شعوبها من الاستعمار ومساندة الاتحاد السوفييتي في بنائه العظيم، المجتمع الاشتراكي السائر نحو تحقيق امل البشرية، المجتمع الشيوعي، وبين علاقة الاحزاب الشيوعية التحريفية الانتهازية العميلة للاتحاد السوفييتي الخروشوفي السائر في طريق استعادة الراسمالية والقوة القاهرة في سبيل تحطيم الحركة الشيوعية العالمية. العلاقة الاولى هي علاقة الطبقة العاملة بوطنها الاول والعلاقة الثانية هي تضليل الطبقة العاملة وحرفها عن النضال في سبيل تحقيق اهدافها في النضال ضد الطبقة البرجوازية الحاكمة وتحقيق النظام الاشتراكي في بلادها.
بدون فهم العلاقة مع السوفييت بهذه الطريقة، العلاقة بين الطبقة العاملة العالمية بوطنها الاول، الاتحاد السوفييتي الاشتراكي السائر نحو تحقيق المجتمع الشيوعي، والعلاقة بين احزاب شيوعية تحريفية عميلة للاتحاد السوفييتي السائر في طريق استعادة الراسمالية وتحطيم الحركة الشيوعية العالمية وادامة استعباد الطبقة العاملة العالمية لا يمكن ادراك هذه العلاقات ادراكا صحيحا.







رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- كتاب- خارطة طريق الولايات المتحدة الاميركية برؤية ماركسية - ...
- كتاب - خارطة طريق الولايات المتحدة الاميركية برؤية ماركسية - ...
- ماركسية ام ماركسية لينينية؟
- دور اليهود العراقيين في الحركات السياسية السرية
- من وحي كتاب سفر ومحطات - التبعية للسوفييت ودور اليهود 1
- التحول من مرحلة الثورة البرجوازية الى مرحلة الثورة الاشتراكي ...
- من وحي كتاب سفر ومحطات - الطريق اللاراسمالي
- لا ديمقراطية بدون دكتاتورية
- من وحي كتاب سفر ومحطات - العمل الحاسم
- الثورة البرجوازية وضرورتها
- نظام الاجور في الدولة الاشتراكية
- باسل ديوب-كلمة شكر
- من وحي كتاب سفر ومحطات. عبادة الحزب
- جعفر ابو العيس
- خواطر يهودي عراقي سابق
- من مرحلة اعداد مسودة الدستور الى مرحلة الاستفتاء عليها
- مفهوم الربح في الراسمالية وفي الاشتراكية
- مهزلة الدستور
- جواب الى قارئ اخر
- جواب الى قارئ كويتي


المزيد.....




- شيخ قطري من السعودية: قطر لم تعد لأهلها وباتت فندقا وسنستعيد ...
- مقتل 17 مدنيا في محافظة حجة اليمنية
- لغات داعش الثلاث
- موسكو تسقط مشروعا يابانيا حول سوريا في مجلس الأمن
- الحريري يرد على تصريحات وزير خارجية ألمانيا بتغريدة
- الاعتداء على ممتلكات مواطنتين سعوديتين في لبنان.. والحريري ي ...
- واشنطن تلوّح بـ-الكفاح من أجل العدالة- في سوريا خارج مجلس ال ...
- شاهد بالفيديو...ماذا فعل شاب مع فتاة في أحد شوارع الكويت
- طموحات الكرملين تخيف الاستخبارات الألمانية
- السفارة الروسية في واشنطن تحث أميركا على وقف تقيد حرية وسائل ...


المزيد.....

- قراءات في ذاكرة عزيز محمد السكرتير السابق للحزب الشيوعي العر ... / عزيز محمد
- رؤية الحزب لمشروع التغيير .. نحو دولة مدنية ديمقراطية اتحادي ... / الحزب الشيوعي العراقي
- نقاش مفتوح حول اللبرالية واللبرالية الجديدة وواقع العراق؟ ال ... / كاظم حبيب
- مبادرة «التغيير نحو الإصلاح الشامل» في العراق / اللجنة التحضيرية للمبادرة
- القبائل العربية وتطور العراق / عصمت موجد الشعلان
- تحليل الواقع السياسي والإجتماعي والثقافي في العراق ضمن إطار ... / كامل كاظم العضاض
- الأزمة العراقية الراهنة: الطائفية، الأقاليم، الدولة / عبد الحسين شعبان
- من تاريخ الكفاح المسلح لانصار الحزب الشيوعي العراقي (١ ... / فيصل الفوادي
- عقود من تاريخ الحزب الشيوعي العراقي - الجزء الاول / عزيز سباهي
- الأمن والدين ونوع الجنس في محافظة نينوى، العراق / ئالا علي


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق - حسقيل قوجمان - من وحي كتاب سفر ومحطات - البعية للسوفييت ودور اليهود 2