أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - جمال حكمت عبيد - -ما بين بغداد ورواندا طريق واحد-..قصة قصيرة














المزيد.....

-ما بين بغداد ورواندا طريق واحد-..قصة قصيرة


جمال حكمت عبيد

الحوار المتمدن-العدد: 5048 - 2016 / 1 / 18 - 15:21
المحور: الادب والفن
    



شعرتُ وانا انظر الى نداف الثلج المتساقط من عباب السماء بلمعان عينيّ.. شيء ما يأخذني يقودني نحو الافق البعيد حيث الفراغ الكوني ليصل بي الى ما اختاره خيالي، صورة مبعثرة لوطن احيائه مازالت في اطلال ذاكرتي.. امشي ازقة بغداد مدينتي ابحث عن اهلي واصدقائي.. ارتطم بوجوهٍ فارقتها منذ زمن ،احدّق فيها ،احاول رسم صورة كاملة لكيانها ويضيع عليّ رسمها متماهية عني منحسرة في ضباب خيالي.. خنخنة صوت المذيع الهولندي تسقطني من فوقي، واعود ابحث عن كياني وارى اربعة اوصال فيّ . يد تلطم على الصدر، واخرى احتمت تحت خيمة في العراء ،وجزء ثالث يسعى لخلق كيان غير كياني، ولم يبق لي سوى جزء قادني نحو الهجرة التي سوف أذوب فيها بعد سنين ويذوب ذكري كقطعة الثلج.
تأخذني حيرتي، الوج داخل الصالة، ابحث عن مخرج لأفكاري؛ ثم الوذ هارباً من البيت ..
عاصفة الثلج تضرب وجهي ، ندافه يتسارع سقوطه على ثيابي، يكسوني بياضاً يعود بي الى ايام مدينة السليمانية .. ابحث فيها عن امرأة عجوز كردية تسكن طريق المارة من الطلاب، تصيح بصوت متهدجٍ " اهلاً وسهلاً عرب" كانت ترحب بكل المارِّين لا فرق بيننا فنحن ابناء وطن واحد.
سَرَحْتُ بخيالي وانا اقف مكاني عند باب الدار ..جاء بالصدفة جاري الأفريقي بسيارته، بعد ان ركنها قال لي: يبدو ان الثلج قد راق لك يا صاحبي ؟
قلت له: نعم انه يُذكرني بأشياء كثيرة عشتها في بلدي، ابحث فيه عن بياض القلوب، عساني أجدها اليوم في وطني..
ابتسم لي وقال: لقد بحثت هذا قبلك في رواندا بلدي .. بعد ان مات اكثر من مليون رواندي!! وتحديداً من قبيلة الهوتو قتلهم ابناء وطنهم من قبائل التوتسي. والسبب الاستعمار والجيران ...
- قلت له كيف؟
- قال: دخَلَنا البلجيكيون مستعمرين بلادنا ، فتشوا عن تأريخنا كي يفرقوننا اثنياً؛ فلم يجدوا سوى معيار واحداً لتفريقنا وهو قياس انوفنا!!
طافت على وجهي ابتسامة استنكرت فيها ما سمعته، انظر الى وجهه وعرض انفه .. توقف عن الكلام، رفع يده واخذ يزيح الثلج المتساقط على كتفه واردف: من كان ذو انف عريض هذا من قبيلة الهوتو الأكثرية المزارعة، ومن كان ذو انف مستقيم وقصير فهذا من قبيلة التوتسي الرعاة وهم الاقلية.. اخرجوا لنا هويّات وجوازات على هذا الأساس حمَلَت اسم قبائلنا، وكأننا شعبان بعدما كنّا شعب واحد، متصاهرين متحابين حتى كاد الفرق يختفي فيما يبننا. فأنا من الهوتو وزوجي من التوتسي.. زمَّ فمه واخرج زفيرا من انفه العريض وهو يهز رأسه ، كادت الحسرة تبتلعه لكنه عاود القول:
- كبرت دائرة الخلاف بيننا برعاية الاستعمار والجار؛ شُقت وحدتنا، وحدث الذي حدث. .. توقفت دائرة الذبح بيننا؛ لكن الاهداف الخبيثة لن تتوقف، فالأصابع الخفية مازالت تُحرِك دمى القتل.. انها اصابع لأيدي طويلة تطلق الخبث ولما يشتد القتال ويكثر الموتى والمهجرين تغسل يدها وتصبح ايادي لصنع الخير!! .. سكت عن الكلام وراح يصوب عينيه نحو وجهي وكأنه يقول لي أفهمتَ ما اعني ؟ هزّ يده مستنكراً ثم قال: نحن في عالم مجنون يا جاري.. تأكدْ ان الحرب ستعود في رواندا! كل المعطيات تدل على هذا والمسالة وقت لا غير؛ فالبلد يغلي والمنتفعون كثروا والفساد والجهل مستشري في البلاد وإرادة عموم الشعب مختفية..
- واين الأمريكان عنكم ؟
- قال : حاول الاوربيون والامريكيون ترضية اطراف النزاع لحفظ ماء وجههم بعد المذبحة، جلبوا لنا الديمقراطية عبثاً. انها ديمقراطية فاشلة كالمعلبات الفاسدة ..صنعوها ثوباً لنا لكنها في الحقيقة كانت خرقاً بالية لا تكسو جسداً . توقف عن الكلام واطبق راحتي كفه واخذ يفرك بهما من شدة البرد ثم رفع يده ، ربتَ على كتفي وقال : فكرْ في نفسك واطفالك وانجو ...
- كيف وهناك في بغداد اهلي ..
- انا كذلك هناك في رواندا اهلي.. يبدو لي ان قدرنا واحد وطريقنا واحد ..اعذرني البرد شديد سأدخل بيتي .
دخل منعماً بدفء بيته وافكاره التي أوصلته الى نتيجة اختارها وارتاح باله.. وبقيت في حيرة افكاري.. اتساءل في سري أأجاري الوضع اكيّف حالي كما قالها جاري، واذوب في غربتي كقطعة الثلج واختفي ويختفي ذِكري؟ أم اصرخ بوجه السماء وبوجه اهل بلدي اقول لهم كفاكم .. ادعوهم الحذر كي لا يضيع الوطن.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,467,774,167
- سارت معي..قصة قصيرة
- وفاء امرأة هولندية
- مرفأ بلادي
- عزاء صامت..قصة قصيرة
- ساحة التحرير...
- صانعة الإبتسامة...قصة قصيرة
- حرب وأشياء اخرى..ح2...قصة قصيرة
- رحلة مع الموسيقى...قصة قصيرة
- ذاكرة مرْميّة....قصة قصيرة
- طائرُ اللّقلق..قصة قصيرة
- أنا وأُمي ووطني
- من هذه السيدة...قصة قصيرة
- عيد الحب...قصة قصيرة جداً
- حبٌ..وألم....قصة قصيرة جداً
- استوقفني مظفر النواب ...في قصتين قصيرتين جداً
- خربشة عند الفجر...قصة قصيرة
- حرب وأشياء أخرى...قصة قصيرة
- صور متشابكة...قصة قصيرة
- سنة سعيدة وأمنيات...قصة قصيرة
- ذكريات لاجئ عراقي...لحظة وداع...قصة قصيرة


المزيد.....




- شاهد: عرض أزياء للكلاب في أتلانتا
- شاهد: عرض أزياء للكلاب في أتلانتا
- القبض على مخرج سينمائي حاول إدخال مواد مخدرة بمطار القاهرة ( ...
- حكاية سرية لفتيات خاطرن بحياتهن لتذوق طعام هتلر وتجرع السم ب ...
- د. زياد بهاء الدين خلال مشاركته في فعالية “الفن الأفريقي: ال ...
- ابنة أحمد الفيشاوي توجه رسالة مؤثرة له بعد صدور حكم بحبسه
- بوراك أوزجفيت يتصدى للحملة على زوجته فهرية: عشقي لها يتضاعف ...
- إنطلاق الدورة 12 من مهرجان المسرح القومى..عبد الدايم : الحرا ...
- مهرجان -إلرو-: الحفل الموسيقي المفعم بالألوان
- يصدر قريباً كتاب -يوما أو بعض يوم- للكاتب محمد سلماوى


المزيد.....

- المنحى الفلسفي في شعر البريكان / ياسر جاسم قاسم
- عناقيد الأدب : يوميات الحرب والمقاومة / أحمد جرادات
- ديوان ربابنة الجحيم الشاطحون / السعيد عبدالغني
- ديوان علم الانعزال ، أنتيكات الغرائبية / السعيد عبدالغني
- استعادة المادة، الفن والاقتصادات العاطفية / عزة زين
- سيكولوجيا فنون الأداء / كلين ولسون
- المسرح في بريطانيا / رياض عصمت
- الدادائية والسريالية - مقدمة قصيرة جدًا / ديفيد هوبكنز
- هواجس عادية عن يناير غير عادى سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- نشيد الاناشيد المصرى سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - جمال حكمت عبيد - -ما بين بغداد ورواندا طريق واحد-..قصة قصيرة