أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أفنان القاسم - عساكر النص الكامل















المزيد.....



عساكر النص الكامل


أفنان القاسم
الحوار المتمدن-العدد: 4991 - 2015 / 11 / 20 - 11:04
المحور: الادب والفن
    


الأعمال الكاملة
الروايات (24)



د. أفنان القاسم


عساكر
MILITAIRES

رواية




صدرت بالفرنسية دار لارماطان باريس 2003
























































إلى أطفال العالم أجمع










































الفصل الأول

كانت الساعة الخارجية للبيت الأبيض تشير إلى منتصف الليل، وكان الليل بالأحرى باردًا، رغم ما تشتهر به واشنطن من اعتدال الجو في شهر مارس. في داخل البناية المحسودة من كل العالم، كان حفل استقبال يدور بلا طبل ولا زمر، ولم يزل السكون يسود في الخارج.
في قاعة الاستقبال الكبرى، كان الرئيس بولوش وزوجته، رئيس الوزراء البريطاني بليرو وزوجته، الوحيدين الذين يرتدون ملابسهم المدنية. سموكن وفستان سهرة، ذقون لامعة، تسريحات بديعة، ومجوهرات. آه، يا لأناقة هذين الزوجين الرئاسيين! يا لعظمة هذين الزوجين الإنجليزيين! يا للخفخفة! يا للأصابع الجميلة المعطرة! يا لروعة الأحذية اللماعة! يا للأنف الساحر! يا للفم! يا للابتسامة الساطعة! كان من الصعب أن نحزر ماركة معجون أسنانهم، وتواتر تنظيفهم بالفرشاة. أربعة، خمسة، ثمانية، عشرة في اليوم؟
كانوا يبتسمون بكل أسنانهم، ويؤكدون أن أسنان الزوجين الرئاسيين بيضاء أكثر ما يكون، وساطعة كالبيت الأبيض، وهما يستحقان العيش فيه بالفعل، لمدة فترة انتخابية واحدة. لا، فترتان. لهذا السبب من المهم أن تكون لهم أسنان جميلة دومًا. حقًا ليست هذه بطاقتهم الوحيدة للحكم، فلنكرر: فترتان انتخابيتان. لأن في متاهات سلطة على مثل هذا التعقيد، على مثل هذه العملقة، التي هي سلطة البيت الأبيض، الابتسامة الأكثر سطوعًا وحدها لا تكفي، فنقوم بفعل كل شيء، الشر، الخير –المصطلحان المفضلان للرئيس- مع احتفاظنا بالابتسامة، والابتسامة الرئاسية تخفي عددًا من الأسرار التي يجدر اكتشافها. وهذا ما نقترح القيام به، المحاولة على الأقل.
اقترح الرئيس شرب قدح من الشمبانيا على نجاح الحرب، وهو يقف مواجهًا المدعوين من نساء ورجال غارقين حتى الرقبة في اللباس العسكري. ومع ذلك كانوا لا ينتمون كلهم إلى الجيش، وهذا هو تحديد هام.
- نخب انتصار أمريكا! قذف الرئيس.
أجابوا كلهم بصوت خفيض واحد، والنساء يقلدن الرجال ليجعلن من أصواتهن أكثر ذكورية، ورفعوا أقداحهم:
- نخب انتصار أمريكا!
- وإنجلترا، أضاف رئيس الوزراء البريطاني بصوته الصغير، دون أن يثير أقل رد فعل.
بحركة من الرئيس، شربوا الشمبانيا كلهم جرعة واحدة قبل أن يحطموا أكوابهم على الأرض، بضربة خاطفة من أقدامهم. انخدش أكثرهم رعونة، أو جَرَحَ أقدامًا أخرى، أفلت أصحابها "آي" ضئيلة. ولم ينجح آخرون في تحطيم أقداحهم من الضربة الأولى، فاستبسلوا، وهم يحاولون أن يكونوا حذرين، لكن صدرت عنهم أصوات غريبة. ابتسموا، غمزوا. ابتسامات مجمدة، ليست ساطعة تمامًا. وغمزات كبيرة، بفم ينفتح ولا ينغلق تمامًا. اكتشف الرئيس، الذي أحس بقليل من الضيق سببه أصوات الأرانب تلك، أن كوبه كذلك لم يتحطم تمامًا، فسحقه بحركة مظفرة، رافقتها صيحات القتال من أفواه المدعوين، والموسيقى الصادحة.
ثم أخذ الكل يرقص، متحاشيًا حطام الزجاج كيفما اتفق، والقيام بحركات ميكانيكية. كانت لهم هيئات الروبوت العازم على رقص الرومبا حسب البوب، بينما جنديان كهلان أو ثلاثة نصف نيام يلتقطون بمجرفاتهم ومكانسهم شظايا الزجاج، وهم يندسون بين الراقصين، ويتثاءبون ملقين مِلَحَهُم:
- هذه أمك التي تحرك إليتيها بكثير من الرعونة، جيمي؟
- لا، هذه أختك، روبي.
- أختي، جيمي؟
- من تريد أن تكون، روبي؟ شارون ستون؟
- إن لم تكن شارون ستون، فهي حسبك أختي، جيمي؟
- ليست شارون ستون، وليست أختك، إنها شارون إليتيّ، فلا تزعل، روبي.
- هل أنت متأكد أنها شارون إليتيك، جيمي؟
- أنا متأكد، روبي.
- لكن كأختي، لم تعد لك إليتان، جيمي.
اقترب ثالث، وهو يرقص مع مكنسته، على نحو محزن.
- هو، لم تعد له إليتان، ومع ذلك...
- لم يجد سوى مكنسة المراحيض كمراقصة.
قلده بابتسامة مجمدة وحركات ميكانيكية، بينما ناح الثالث:
- لم أعد أحتمل! هذا مرهِق لسنواتي العشرين!
- هذا لأن ليست لك إليتا شارون ستون، سامّي!
- نعم، انتهت الحرب لنا، روبي.
- انتهينا بلا حرب، سامّي. آه! انتهينا، أليس كذلك، جيمي؟
- يُبرع الآخرون في الرقص كما سيبرعون في الحرب، التي على الأبواب، روبي.
- لماذا، هم يتدربون في البيت الأبيض، جيمي؟
- لن تكون أكثر من رقصة هذه الحرب المعلنة في بلاد ما بين النهرين. أن تعرف كيف تحرك إليتيك، قال جيمي مقلدًا، فتكسبها، هذه الحرب المعلنة في بلاد ما بين النهرين.
- في العراق، جيمي، صحح سامّي.
- في ماذا؟
- في العراق، جيمي.
- نعم، في... قلتَ أين، سامّي؟
- قال لك في العراق، تدخل روبي. هناك حيث يرقصون مع العقارب بلا حاجة إلى إليتين كإليتي شارون ستون، جيمي. في العراق.
- في بلاد ما بين النهرين.
في حين أن حديثًا جادًا كان يدور تحت ثريا الكريستال الأعظم في البيت الأبيض. ليسمعوا بعضهمم البعض رغم الموسيقى الصاخبة، كان الرئيس ورئيس الوزراء الإنجليزي وكذلك زوجتاهما مضطرين إلى رفع أصواتهم مثل أي لحام وأي سمكري أو أي بائع بالمزاد العلني عندما يتكلمون ما بينهم في ملعب أصابه الهوس.
- العراق مستعمرة بريطانية قديمة، سيدي الرئيس، قال رئيس الوزراء الإنجليزي، لهذا سنتقاسم بتروله نص-نص.
- سيكون العراق مستعمرة أمريكية، أجاب الرئيس الأمريكي، سيكون بنروله لنا، لن نتقاسمه مع أحد.
- ولكن، سيدي الرئيس، إنجلترا حليفتكم الوحيدة في حرب "الدخول والخروج" هذه.
- حليفتنا الوحيدة، أنتم من أردتم ذلك.
- امرأتي من أرادت ذلك، سيدي الرئيس.
- نعم، أنا، تدخلت زوجة رئيس الوزراء.
- ولأي سبب من فضلك؟ سألت زوجة الرئيس مهتمة.
- لرهان قبلته من زوجة صد-صد.
- رهان! ومع زوجة صد-صد!
- كانت تريد أن يشتري زوجها بيجبن، لأنها الساعة الوحيدة التي تمشي جيدًا في العالم.
- صحيح! هنا، في البيت الأبيض، تشير الساعات دومًا إلى منتصف الليل، أكدت مشيرة إلى ميناء ساعة فوق المدفأة. حتى في قلب النهار، منتصف الليل. نحن لا نتبع الساعة، الساعة تتبعنا.
- هذا شيء مستحق الإعجاب!
- أليس كذلك؟ هكذا لا هَمّ ولا ارتباك. نحن نعيش بأمر عصا سحرية ، دون أن نُكَسِّر رأسنا لنعلم أية ساعة هي.
- وبعد منتصف الليل؟
- ليس هناك بعد منتصف الليل. نحن سعداء هكذا.
- كما تشائين، سيدتي الرئيسة.
- كما يشاء الاعتبار للمصلحة العامة.
- الاعتبار للمصلحة العامة أنا، قال الرئيس. بالتالي كما أشاء أنا!
- في مادة المصلحة العامة، خاصة عندما يتعلق الأمر بالاعتبار، أنا جاهلة، قالت زوجة رئيس الوزراء الإنجليزي. لنعد إلى زوجة صد-صد، هذا أسهل بكثير لي. إذن، لأحول دون أن تبلغ أَرَبَها، نصحتُ زوجي بالتحالف معكم.
- وكذلك لنعمل فيفتي-فيفتي في البترول، أضاف بليرو.
- في التجهيزات العسكرية طيب، لا في البترول، قال بولوش.
- إذن الربع.
- لِمَ العمل؟ ألا يكفيكم بترول بحر الشمال؟
- مائة ألف برميل في اليوم.
- هذا قليل بالمقارنة مع ما قررته لنفسها شركة بترول والدي، لكن آسف، لا أستطيع.
- لماذا؟ ناح رئيس الوزراء.
- لأن صد-صد استسلم لزوجته، واشترى تمثال الحرية، بثمن غال جدًا. سيساعدنا البترول العراقي على تسديده، واستعادة ملكيتنا للتمثال.
- غبية! قذف بليرو باتجاه زوجته. بيجبن أقل غلاء من تمثال الحرية، لكن هذا البيع كان سيسمح لنا بتعويض الفلاحين الذين أصيبت خِرافهم بالحمى القُلاعية في الصيف الماضي.
- جاد بلس أميريكا! زعق الرئيس الأمريكي فجأة موزعًا الشمبانيا.
- وإنجلترا، قال رئيس الوزراء البريطاني بحياء.
رقص المدعوون على إيقاع واحد، وكرروا كلهم نفس الحركات الميكانيكية. مالوا يمينًا، وفي الحال يسارًا، أو يسارًا، وفي الحال يمينًا. ابتساماتهم مجمدة. جاءت الناطقة الرسمية السوداء الرئيس، مس رز، في اللباس العسكري هي كذلك، لتهمس في أذنه. فجأة، صاح الرئيس:
- يقطع لي خُصياتي!
ثارت زوجته:
- وماذا سيبقى لي بعد هذا؟
- التي لزوجي... اقترحت مدام بليرو.
وهي ترى الغضب يجتاح أمارات سيدة البيت الأبيض، سارعت إلى تصحيح خطأها:
- أوه! ليس ذلك كما تظنين. أنا أعني التي لزوجي ليست مقطوعة، ومع ذلك...
- بلا إفشاء الأسرار، سوزان.
- كل إنجلترا تعرف، يا حبيبي. لا ضرر هناك بما أنني...
- سوزان، أنا أمنعك.
- وكيف فعلتِ بابنكِ الأخير؟ سألت مدام بولوش بفضول.
- الحق أني حسب نصيحة زوجة صد-صد...
- أقسم برأس أمي أنك إذا...
- لكن أمك، عملته قبلي، يا حبيبي.
- أمي كذلك، تصوروا، ألقى الرئيس الذي لم يتابع الحديث.
- أمي عملته قبلك، سوزان؟ متى؟ ومع من؟ ومن هو هذا الطفل النغل؟ نحن أربعة أخوة وأخوات. عائلة كبيرة، نعم. للإعانات العائلية، سيدي الرئيس.
- لم تكن لأبيك شركة بترول؟ سأل بولوش.
- لا، سيدي الرئيس. كان عاملاً.
- في مِصفاة بترول؟
- لا، سيدي الرئيس. كان عاملاً في... كان فقط عاملاً.
استغرب بولوش أن يكون لرئيس وزراء إنجليزي أب عامل، إنجلترا إذن ليست تلك الجزيرة الرأسمالية المليئة بالبنوك والكنائس والقصور ذات القرميد الأحمر التي وصفوها له في مدرسة الراهبات ثم في الكلية الكاثوليكية.
- ماذا أقول له، سيدي الرئيس؟ سألت مس رز وقد عيل صبرها.
- لمن؟
- صد-صد.
- لم يزل ينتظر على الهاتف؟ قولي له إنني أنا من سيتفضى له.
- أن تقطع خُصياته؟! ستشن زوجته الحرب العالمية الثالثة.
- وأنا حرب النجوم، تدخلت زوجة الرئيس.
- انتظري، أنا آتٍ.









الفصل الثاني

اعتذر الرئيس، وتبع مس رز. أخذت الأوركسترا تعزف مزيجًا من الراب وهز البطن، والمدعوون يحافظون دومًا على تلك الابتسامة الكبيرة المجمدة فوق شفاههم. كانوا يضربون في أيديهم من وقت إلى آخر، ويطلقون صرخات قصيرة.
على التلفون، بدأ بولوش بِسَبِّ صد-صد بالعربية الفصحى:
- آلو، صد-صد، أريد أن أضاجع أمك!
- شكرًا سيدي الرئيس، سيتشرف والدي، أجاب صد-صد، هادئ الأعصاب. لكن إياك أن تمس أبي، أبي لي أكثر قداسة من كل العراق.
- أبوك، أبوك... كرر وهو يتخيله دميمًا كالخطايا السبع المميتة بشاربين مفتولين ووجه درنيّ. شخصيًا، أنا لا أحب الرجال.
- أنا، بلى، سيدي الرئيس، خاصة المخصيين.
- لهذا السبب تريد أن تقطع لي...
- الخُصيات. لا، لأنك تريد أن تضاجع أمي.
- أنا لا أفهم، يبدو لي أنك كنت موافقًا منذ لحظة.
- لكن لا أم لي، سيدي الرئيس، قال صد-صد منفجرًا بالضحك.
- ماذا؟ لا أم لك!
- لم أعرف أمي أبدًا: ماتت عندما كنت صغيرًا جدًا. صغيرًا جدًا، جدًا، جدًا. لا أكثر مني ظرافة. نعم، أنا الدكتاتور الدموي، كنت لا أكثر مني ظرافة!
- ولماذا كل هذه الضراوة لقطعها لي، خُصياتي؟ يمكننا أن نتفاهم نحن الاثنين.
- لأنك تريد بضراوة أن تأخذ مني العراق.
- العراق ليس خُصياتك.
- تصور أن الأمر واحد لي. هذا الخلاف، قضينا أربعين عامًا في حله مع سابقيك. العراق مهم بقدر خُصياتي، المهمة بقدر إليتي زوجتك لبووي-بووي.
- ماذا توحي؟ بووي-بووي وزوجتي هما...
- نعم، أنت مقرن، سيدي الرئيس. وهذا طبيعي في أمريكاك. لكني أنا أجعل من العراق ركامًا من الجثث يصل أعتاب السماء إذا ما ارتأى أحدهم أن يمس شعرة واحدة لزوجتي. ماذا تظن؟ أنا لست الرجل القوي لهذا البلد الخرع مقابل لا شيء.
- لكني أمسك بك رغم كل شيء، وسأخلصك هذا البلد الخرع.
- تريد القول، تخلصني خُصياتي. بلا خُصى، الرئيس ليس رئيسًا، سيدي الرئيس.
- إذن تترك السلطة، ولا نعود إلى الكلام في الأمر.
- أنت تطالبني بهذا هكذا، بعد كل الخدمات التي قدمتها لبلدك؟ العراق لي، ولن أتركه.
- أية خدمات، يا للبغاء! قل لي قليلاً أية خدمات؟ الحرب مع إيران، نعم، "متفقون"، قالها بالعربية الفصحى، لامتلاك البترول الإيراني، وزعزعة المنطقة. لكن لم يمش الحال. الملالي هنا دومًا، البترول بين أيديهم دومًا.
- هذا لأن أباك خانني، وقبل أبيك ذاك الممثل المعتوه الذي واصل سياسةَ سابقِه، "أسنان ضخمة"، زارع الفستق الذي طرد صديقي الشاه لإقامة نظام إسلامي، مُحِلاً فزاعة محل أخرى، النظام الشيوعي. نحن نعرف ألاعيبكم، أنتم رأسماليو الخراء. يلزمكم بعبع تخفون من ورائه مرامي بالعي الشعوب، بما فيها شعوبكم، وثرواتها. هكذا يعمل نظام الخراء نظامكم!
- بفضل نظام الخراء، كما تقول، أنت في السلطة منذ عشرات السنين. تخدمه وتستخدمه. قصورك المرصعة بالذهب، ملياراتك، ليست مقابل لا شيء. انتهى كل شيء الآن. ضاعت عليك منذ الوقت الذي أضعت فيه الحرب ضد الملالي.
- أنت تصر؟ طيب. وحرب الخليج؟ اسأل أباك. سيقول لك إنه بفضلي هيمنت أمريكا على كل نفط المنطقة. وكعلاوة، تقسيم العرب إلى الأبد.
- الآن كفى، صد-صد، تغادر، وتترك لي كل الحقول النفطية، إلا إذا كنت تريدني أن أكلم زوجتك؟
- لا نشرك النساء في كل هذا. أنا كذلك أستطيع التكلم مع زوجتك، وحتى ببعض حقول البترول أستطيع ركبها.
- طيب، لنترك النساء حيث هن...
- في الحريم.
- نعم، في الحريم.
تردد الرئيس، ثم لنفسه:
- الجناح الجنوبي في البيت الأبيض حريم بشكل ما، هناك تستقبل زوجتي أعظم النساء نفوذًا في العالم، وهناك يتعرين لأجل الحمام التركي.
- وأنا، رئيس، تدخلت مس رز، ستتركني أيضًا في الحمام التركي؟
- لماذا؟ أنت امرأة، أنت؟ سأل الرئيس.
- لا، أنا الأب نويل! أجابت بصوتها الخفيض.
- دعيني أحل مسألة خُصاي مع صد-صد للحيلولة دون شن الحرب.
- أنت تنسى تفصيلاً، رئيس، مهما حصل، على الحرب أن تقع.
- تكلمي بصوت أقل قوة! قال بولوش مغطيًا السماعة.
ولصد-صد:
- لنعد إلى أشغالنا.
- ليست أشغالنا نحن الاثنين، رئيس، لكن أشغال كل الأمريكيين من جهة وكل العراقيين من جهة أخرى.
- لا، أولاً أشغالي وأشغالك، أشغال الآخرين لا حساب لها حتى اللحظة. عَقدك مع السي آي إيه انتهى منذ حرب الخليج، عليك الرحيل.
- لن أرحل. أعيد، قدمت خدمات كثيرة لأمريكا، وخاصة لأبيك.
- على العكس، حاولت اغتياله! لما لم تنجح، فعلت كل شيء كي تمنعه من كسب الانتخابات. أنا، لن أفعل أبدًا كوالدي، ولن أدع لك الفرصة أبدًا لتغتالني أو لتمنعني من كسب الانتخابات.
عاند صد-صد:
- لن أرحل. لأجل الشعب العراقي الذي يحبني كثيرًا.
- الشعب العراقي الذي يحبك كثيرًا، قفاي!
- ماذا تعني؟
- الحرب لا مفر منها.
- لقفاك؟
- لا، لقفاك. وسأضربه بصواريخ عابرة للقارات.
- طيب، طيب، طيب. لنتفاهم. أنا أعد بإعادة بناء الورلد تريد سنتر، حتى ولو كان لاد-لاد من دمره، وليس أنا. مقابل ذلك تبقيني في الحكم مدى الحياة، ومن بعدي ابني وابن ابني. أنت وأبوك ومن بعدك ابنك نفس الشيء. انتخابات "ديمقراطية"، نحن أيضًا، يمكننا القيام بها.
- جوابي لا. سأدمر بغداد، وسأعيد بناء مدينة ألف ليلة وليلة والبرجين التوأمين النيويوركيين على حسابك.
- إذا وصلت الأمور إلى حد تدمير بغداد، استعددت لإعادة بنائها، هي والورلد تريد سنتر على حسابي: أنا موافق، بشرط أن أحتفظ بالسلطة، أنا، وابني وابن ابني... مدى الحياة.
- مرة أخرى جوابي لا. وأقسم أن زوجتك ستندم.
- وزوجتك كذلك كأمك قبلها.
وطرق صد-صد الهاتف في وجهه.
مُهانًا من قِبَل هذا البربري، أفلت بولوش صرخة كبيرة أليمة، فأخذته مس رز بين ذراعيها، وسمحت له بإراحة وجهه بين نهديها.
- ابكِ، قالت، أطلق مكبوتاتك قليلاً.
أراد البكاء، لكنه لم يصل إلى ذلك. كان سعيدًا بضغط وجنته على النهدين الصغيرين لناطقته الرسمية، لما فجأة، دفع سكرتير الدولة، بووي-بووي، باب المكتب البيصوي، ودخل. اعتذر، وأراد الخروج.
- ابقَ، قالت مس رز، ليست ساعة رضاعته، إنه صد-صد الذي آلمه.
- هو أيضًا! صاح بووي-بووي. هذا القذر، هذا القواد، هذا الدكتاتور الخراء! خابرني منذ قليل، وهددني ب...
- قطع خُصياتك، قالت مس رز.
- خابركِ أنتِ أيضًا. إلا إذا...
- لا لخُصياتي ولا لخُصياتك أية أهمية. إنها خُصى الرئيس.
ثم للرئيس:
- لا تقلق، يا وليدي! جاد بلس ماي ليتل بريزيدنت!
وواصلت تدليعه حتى قضى الرئيس بكونها تتمادى قليلاً معه، هو رئيس الولايات المتحدة الأمريكية.
- رز ولحم وتوابل، ليس الوقت المناسب للتلفظ بحماقات.
أوضح أن الأمر لا يتعلق فقط بخُصاه، ولكن بخًصى أمريكا. تبادلت رز وبووي-بووي نظرة تعني أن لا خُصى لأمريكا وإنما فرج، ككل المخلوقات الأنثوية.
- يجب عليّ القول، سيدي الرئيس، أن أمريكا كشخصي ليست لها خُصيات لكن...
أحست مس رز أنها ارتكبت خطأ، لأنها ليست على الإطلاق مخلوقة أنثوية، فحاولت تصحيح الأمور:
- لنتكلم بالأحرى عن خُصيات الأمريكيين، مواطنينا الرجوليين، الرجال الحقيقيين.
ثم بدلت الموضوع، وشرحت لسكرتير الدولة فكرتها عن فبركة براهين حول أسلحة الدمار الشامل لصد-صد، لتبرير شن الحرب، ولحفظ خُصى الرئيس... مدى الحياة.
- مختبرات سيارة، هذا ما وجدت، قالت. مختبرات لا تُكتشف، بما أنها تتحرك بلا توقف.
- يا لها من فكرة عبقرية، مس رز! هتف بووي-بووي.
- نعم، يا لها من فكرة عبقرية! أعاد الرئيس. كل أمريكا تدين لك بالعرفان.
- يا للحظ أن مس رز هنا عندما تتعقد الأمور، قالت برضاء. ها أنا أنقذ لكما الخُصيات أنتما الاثنان.
- ويا له من إنقاذ! قال سكرتير الدولة، مختبرات أسلحة دمار شامل سيارة.
- احفظ هذا بووي-بووي.
- أنت لا تحبين الرجال وإلا...
- بلى، بلى. والسود من منزلتك، الأرستقراطيون. هذا موجود السود الأرستقراطيون أو "المأرستقراطيون". اللون، هذا لا يعني شيئًا. آه! أسود كبووي-بووي... تنهدت وهي ترضب شفتيها.
- كنت أظن أنكِ تحبين الشقر مثلي، قال الرئيس.
- أنا، لست ضد. لكن أنت، رئيس، ماذا تفكر حقًا؟
واقتربت منه، وهي تغنج، بشكل مهتاج، هامسة بصوتها الرجولي:
- هَنِي!
فخاف الرئيس:
- النجدة، بووي-بووي!
واختبأ خلف سكرتير الدولة.
- هل أخيفك إلى هذه الدرجة، يا حبيبي؟ قالت مس رز، والدموع في عينيها. تذكر يوم كنا معًا في الكلية الكاثوليكية، بفضلي اكتشفت رجولتك.
ثم لبووي-بووي:
- نعم، لم يكن ذلك من الكاثوليكية في شيء من طرفي، لكن الرئيس كان خجولاً جدًا. كان يهرب من كل البنات. أنا، كل الأولاد كانوا يهربون مني. أنت ترى ما أريد قوله؟ وها هي النتيجة، صنعت منه الرجل المناسب لأمريكا في لحظة عصيبة جدًا من تاريخها.
- كان معتوهًا إلى هذه الدرجة؟ سأل بووي-بووي، ثم بسرعة متوجهًا إلى الرئيس بالكلام: معذرة، رئيس.
- يرثى له، اعترفت مس رز.
- كيف هذا، يرثى له؟ احتج الرئيس. كنتِ تلتذين، أنت أيضًا.
- ليس بما فيه الكفاية! رئيس، ليس بما فيه الكفاية!
- كيف هذا، ليس بما فيه الكفاية؟ وزعقاتك إذن؟
- كانت لإهاجتك.
- كنتِ باردة جنسيًا إلى هذه الدرجة؟ سأل بووي-بووي مس رز.
- لا، هو كان رخوًا إلى درجة لا تُعقل.
- لا تصدقها، بووي-بووي، إنها تكذب.
- أقسم برأس الرئيس الأب أن هذا صحيح.
- يقلب من الذهول، كل هذا! قَذَفَ بووي-بووي.
- القفا بالمقلوب ومع ذلك...
- لا تصدقها، قلتُ.
- أقسمتْ برأس صديقي الكبير الرئيس الوالد.
- وأنا، أقسم برأس والدي أنها تكذب. إنها لا تتوقف عن الكذب. البرهان، هذه الكذبة العبقرية التي فبركتها عن مختبرات صد-صد السيارة. إنها قادرة على كل شيء، رز ولحم وتوابل!
- ليس عندما يتعلق الأمر برجولتك، رئيس، أعطته في الصميم. أقول الصدق. كنت دميمة ولم أزل، كنت نصف رجل واليوم رجل كامل، لكن لساني بقي رقيقًا وسكريًا.
- كفى، رز ولحم وتوابل! تنسين أنك في الوقت الحاضر في البيت الأبيض، وأنك ناطقي الرسمي!
- مما يؤكد ما جئت على قوله. أنا ناطقتك الرسمية، اللسان الرسمي لإدارتك... أخرجت لسانها، وحركته في كل الاتجاهات بشبقية.
- طيب، فهمنا. لنعد إلى أشغالنا الحالية، الحرب، تمرد الرئيس.
- ثم، إلى جانب لساني الرقيق والسكري، كانت لي موهبة سحرية لإثارة الرجال... واصلت مس رز متظاهرة بتجاهل كلام رئيسها.
أوقفها الرئيس على الفور:
- كفى رز ولحم وتوابل، تَبًا لكِ!












الفصل الثالث

التحق بهم ديك دوكر، نائب الرئيس، ورومستيك، وزير الدفاع، وكلاهما في لباسه المدني. كانا قد بدآ حديثًا ماراثوني الطول، في الممرات اللامتناهية للبناية ذات الهيبة والنفوذ.
- لكني يهودي، بالاستناد إلى جينات أمي، ولا تهمني كاثوليكيتك لا من قريب ولا من بعيد، قذف ديك دوكر.
- أنت نائب رئيس ويهودي!
- نعم، أنا نائب رئيس ويهودي. هذا يزعجك؟ نائب رئيس الولايات المتحدة الأمريكية يهودي! صَاحَ.
- نائب رئيس قفاي، نعم!
- نائب رئيس الولايات المتحدة الأمريكية، يا رب الكلاب! نعم، يهودي.
- نائب رئيس قفاي، أقول لك!
- نائب رئيس قفاي أنا، رومستيك، علق الرئيس.
- معذرة، سيدي الرئيس. لكننا بيننا، بلا كاميرا ولا آلة تصوير، ونحن نسمح لأنفسنا أن نقول ما نريد. نائب رئيس... هتف رومستيك من جديد دون أن ينهي جملته.
- قفا السيد الرئيس، أكمل ديك دوكر. فقط لإسعادك، بولوش. لكني كما لو لم أكن يهوديًا، بما أنني ملحد وأتظاهر بكوني مؤمنًا، كما هو منصوص عليه في دفاتر الرئاسة.
- تتظاهر بكونك مسيحيًا ولكن في الواقع لست مسيحيًا! احتج وزير الدفاع.
- ليس الأمر خطيرًا، يا زميلي العزيز، قال بووي-بووي. يبقى هذا بيننا. نحن فريق صلب كالحديد، فلا تنسوا.
- خارج الكاميرا، خارج آلة التصوير، أنتم تضجرونني، صاح الرئيس. بالنسبة لي، ديكي مسيحي حتى ولو كان يهوديًا.
وأخذ يزعق بالألمانية كالمعتوه:
- العرق الأرقى هو العرق الآري، الأنقى، الأعلى. سنسيطر على العالم! سنسحق السلالات الصغيرة بقدمنا سحقنا للحشرات! لن نتركنا لعبة في يد السماسرة اليهود، ولا الجَمَّالين العرب. هاتان السلالتان سنضعهما بعد القرود. سنذبحهما، سننهي عليهما، سنمحوهما... سننظف الأرض من حضورهما... هايل هتلر!
وكلهم في جوقة:
- هايل هتلر!
قاموا بالتحية النازية، ثم استعاد الرئيس هيئته العادية.
- ديكي، بالنسبة لي، يهوديًا أو مسيحيًا، هذا يبقى ديكي. هذا يبدل ماذا، قل لي؟ سأل بصوته الأكثر رقة رومستيك.
- هذا يبدل أشياء كثيرة، محور الشر لن يعود محور الشر، من وجهة النظر الإنجيلية.
- وماذا سيكون في رأيك، طلبت مس رز، محور الثرثرة، من وجهة النظر "البولوشية"؟
- محور الخراء، أجاب رومستيك.
- إذا يبقى هذا بيننا، خارج الكاميرا وخارج آلة التصوير، فكما تشاء رومي، سيكون محور الخراء، أفلت الرئيس.
- لا، لا، ولا، سيدي الرئيس، احتد وزير الدفاع. نحن قبل كل شيء مِلَّة صلبة كالحديد...
- فريق صلب كالحديد.
- مِلّةَ، سيدي الرئيس، مِلَّة أكثر صلابة وأكثر التحامًا من فريق.
- ربما أنت على حق، مع اجتماعاتنا الروحية الأسبوعية.
- مِلَّة صلبة كالحديد، متحدة، وجهًا لملل أخرى في العالم، كملل لاد-لاد وصد-صد وكيم-كيم، إلى آخره. هو قدرنا، وهي واجباتنا نحو حضارتنا، المسيحية، ضد حضارتهم، الإسلامية، الشيوعية، أو غيرهما، لكن على الخصوص في هذه الساعة الإسلامية، السوداء، السوداء كلها، كسواد لحاهم وجلابيبهم، سوداء، سوداء...
- توقف أو أنا الأسود، سأصبح مسلمًا، قال بووي-بووي حَرِدًا.
- لستَ أسود، أنت. مس رز ربما، لكن أنت لك جلد أبيض كجلدي، شعر أبيض كشعر كلبتي العجوز.
- هذا لأن أمه كانت تغسله وهو صغير، نعم، في الغسالة، ثلاث مرات في اليوم، أوضحت مس رز.
- أربع مرات، صحح بووي-بووي.
- إذن، أنت أسود، بووي-بووي، قال وزير الدفاع باحتقار، لم ألاحظ ذلك أبدُا. أنت أسود ومسيحي؟
- وسأكون مثلك الأبيض والمسيحي بطل الحرب الصليبية الجديدة، أجاب الآخر بنفس الاحتقار.
- وزوجة الرئيس، موافقة؟
- ما لها في كل هذا، زوجتي؟ سأل بولوش بنرفزة. صد-صد منذ قليل وأنت الآن، رومي!
- عندما كانت زوجتك عشيقتي، قال بووي-بووي متوجهًا بالكلام إلى وزير الدفاع، كنتَ ملازم أول خراء يأسن في الطابق التحت الأرضي العاشر للبنتاجون. نشبت حرب الخليج، فسلبها لبّها أن أكون بطلاً للحرب الصليبية الأولى. اسأل الرئيس الأب يقل لك.
- يقول لي ماذا؟
- إنني أنجزت مهمتي بنجاح بوصفي أسود ومسيحيًا. وزوجتك تعرف هذا جيدًا، وفي العمق.
- وأنت، لما كانت زوجتك تطاردني...
- زوجتي تطاردك، أنت الضابط الإمعة؟ تطارد ديكي أو مس رز شيء يُعقل، لكن أنت!
- كانت تطاردني، أنا، لهذا ترقيت على ظهرك، يا غبي!
- على ظهري، قواد الخراء...
وأراد ضربه، فتدخل الآخرون. صاح الرئيس عليهم، وقالت مس رز إنها ستنادي الكاميرات والصحفيين، فهدأوا كلهم. لثلاثين ثانية، وبدأوا من جديد:
- ولما كنتَ لا تشبع زوجتك...
- ولما زوجتك لم تكن تشبع كلبي...
- ولما زوجتك كانت تنام مع زوجتي...
ولما زوجتك... ولما زوجتك... ولما زوجتك...
قذفت مس رز، بِمَسٍ وحَنَق:
- وأنا إذن، لست امرأة؟
- لا، أجاب الآخرون في جوقة.
- يمكنني النوم مع الكل، أنا... وحتى إشباع كل الجيش الأمريكي.
- لا، أحابوا في جوقة.
في الأخير، اتفقوا كلهم على الحرب ضد العراق، لكن تفاهمهم حول هذه النقطة لم يدم طويلاً، لأن الغنيمة التي سيتقاسمها أفراد الفريق في السلطة وشركاتهم أو الشركات التي يدعمونها كانت منبع الخلاف. بهذه الكلمات لخص الرئيس مستقبل النفط العراقي:
- ثلاثة أرباع لي، أريد القول، لشركة بابا، وبما أن شركة بابا ستعود إليّ في المستقبل، ثلاثة الأرباع هذه ستكون لي. سيبقى ربع لكم الأربعة.
- ليس هذا ما ارتأيناه، سيد الرئيس، احتج ديك دوكر.
- ماذا ارتأينا؟ هل يمكنك قوله لي؟
- يمكنني.
- هيا! قل.
نظر نائب الرئيس حواليه، وتردد، كان لا يريد أن يسمعه الآخرون.
- هيا! قله أمام الكل.
- نعم، قله أمام الكل، ألزم رومستيك.
- قله ديكي، طلب بووي-بووي.
- نعم، مم أنت خائف، ديك-ديك؟ قالت مس رز بصوتها الذكوري.
- الحقيقة سيد الرئيس، تردد ديك دوكر ثانية، أفضل التكلم معك على حدة.
احتجوا كلهم بمن فيهم بولوش نفسه.
- طيب، سأقوله، قال نائب الرئيس عندما عاد الهدوء. اتفقنا، رئيس، أن تعود ثلاثة أرباع البترول العراقي إليك، والربع الباقي إليّ! قذف "إليّ" كالصاروخ بصوت مجلجل اهتزت له المصابيح الموضوعة على مكتب الرئيس.
من جديد، رُشقت الاحتجاجات رشق الشظايا من كل الجهات.
- إذا كان الأمر كذلك، الربع الأخير، سآخذه أنا أو أشعل النار في كل المكسيك، قذف رومستيك.
- لا تمس المكسيك، سارع الرئيس إلى القول. أنت تنسى شركات باباي.
- أنا سأشعل النار في فنزويلا، رد بووي-بووي.
- هناك أيضًا شركات باباي.
- وأين الرئيس الأب لا شركات له، سألت مس رز، في الصحراء الغربية؟
- خاصة لا تمسيها، رز ولحم وتوابل، هناك شركات فوسفات باباي.
- هو خراء أيضًا، الفوسفات؟
- خراء مختلف لكنه لبابا هو كذلك، إذن ممنوع مسه.
- إذن أشعل النار أين، أنا؟ سألت مس رز باكية.
أنزل ديك دوكر بنطاله:
- قفاي!
- قفاك، لن أحرقه، هذا أكيد، أمتلكه.
وركضت لتأخذه، فلجأ نائب الرئيس خلف الرئيس.
- في الواقع، هذا ما اتفقنا عليه، أنا وديكي، بلا علمكم، اعترف الرئيس، وهو يطبطب على وجنته. أنت تنسى أننا في البيت الأبيض وأنني الرئيس. عندما تصبح رئيسًا بدورك، ربما بعد فترتي الثانية، ستعمل مثلي.
- الفترة الثالثة؟
- أعني عندما يأتي دورك.
- إذا كان الأمر كذلك، أخذت على عاتقي إعادة بناء كل جسور دجلة والفرات، بشرط أن تدمرها قاذفاتنا كلها. هذا هو شرطي، قذف ديك دوكر.
- اتفقنا، قال بولوش. لكن بعد أن تجتازها دباباتنا وجي آيْنا.
- والموانئ.
- والموانئ. لكن بعد إنزال مارينزَنا. قل لي، ديكي، منذ متى أنت تهتم بالباطون؟ أنت لا شركة بناء لك.
- أصدقائي لهم، وهم مستعدون لاقتسام كل شيء نص-نص. ليس كواحد يأخذ ثلاثة أرباع ويترك ربعًا صغيرًا لأربعة!
- الحرب القادمة بعد الحرب القادمة، سأكون عادلاً أكثر معك، ديكي.
- وأنا، قال بووي-بووي، سآخذ على عاتقي إعادة بناء كل البنايات الإدارية وكل البنايات التي تحيط ببغداد، كل بغداد إذا شئت، وكل البصرة، وكل نجف، وكل... بشرط أن تدمرها قاذفاتنا كلها.
- اتفقنا، قال الرئيس. خلاص، أنت كذلك ستستثمر في الباطون؟
- في الواقع، منذ انهيار الورلد تريد سنتر، هذا النوع من الاستثمارات يغويني، ف... مع هدم العراق، قلت لنفسي لِمَ لا.
- شخصيًا، قال رومستيك، سآخذ على عاتقي بناء دولة للأكراد.
- ماذا؟! احتج الرئيس. بناء دولة كردية؟! هل أصبحت مجنونًا؟ تبني دولة لشعب بلا دولة منذ جاء إلى الوجود؟ هذا غير مُدِرّ كمشروع.
- بلى، رئيس. دولة غير موجودة يجب بناؤها حجرًا حجرًا، وهذا يكلف غاليًا، غاليًا جدًا.
- ومن سيدفع؟
- أنت، رئيس.
- أنا، أبدًا!
- أعني الكونجرس.
- تعني بفلوس الضرائب تريد أن تعمل دولة للأكراد.
- أريد أن أعمل ثروتي، ثروة أولادي وأولاد أولادي.
- لماذا؟ تنقصك النقود، أنت الملياردير؟
- نعم، رئيس. تنقصني النقود إلى هذه الدرجة، أنا، الملياردير. مع الحروب وكل صروف الدهر التي تعقب ذلك، أحد لا يعلم. وفوق هذا، هؤلاء الأكراد المساكين هم حلفاؤنا، تحالفوا معنا لأحقق حلمهم، دولة كردية، على الأرض الكردية، للشعب الكردي.
- أنت جاد، رومي؟ والأتراك، والإيرانيون، والسوريون، والعراقيون لهذا الخراء "جلبي"، قذرنا الذي سيحل محل قذرهم صد-صد، هل سيتركونك تفعل؟
- نعم، بما أنني وعدتهم كلهم بهدمها، هذه الدولة، بعد أن أبنيها. وزير على رأس البنتاجون هذا شغله. عمل قذر، أؤكد لك.
- أنا، لا أريد أية نقود تأتي من حرب، حتى ولو كانت حربك عادلة، رئيس، تدخلت مس رز.
- حلوه هادي، قال بووي-بووي ضاحكًا.
- وأمك؟ قالت بصوتها الرجولي. لم تكن تكلمك عن المعونات الإنسانية عندما كانت تنشف رأسك بعد حمامك في الغسالة؟ نعم، بريزيدنت، أريد التفضي للأدوية، للماء، للغذاء. الشعب العراقي جائع، يعيش في بؤس غير معقول تحت سباط صد-صد، الغني الوحيد لبلد هو مع ذلك غني. وسيزداد البؤس حدة مع الحرب عند آخر الشهر. وترددت: نعم، أعرف، السبب الأول لكل هذا البؤس هو صد-صد. وأريد التفضي له.
- أبدًا! أنا من سيتفضى لصد-صد.
- أريد التفضي للشعب العراقي، رئيس.
- أنت متأكدة، رز ولحم وتوابل؟ ألم تفقدي عقلك؟
- منذ زمن طويل، سيدي الرئيس، قذف بووي-بووي.
- لم أكن أعلم.
- لا، لم أفقد عقلي، يا خول، قذفت متوجهة بالكلام إلى رئيس الدبلوماسية.
- أسود وكاثوليكي وخول! علق رومستيك.
- وزوجتك، هل نسيتها؟ قذف بووي-بووي.
- زوجتي لن تنسى أبدًا، تدخل ديك دوكر بتيسنة.
- شكرًا ديكي، لمرة، همهم بووي-بووي.
- أنا المقصودة، يا ماخور الخراء، المرأة الوحيدة هنا، وليست زوجاتكم، صاحت مس رز.
- كنت أظن، يا حبيبتي، أنكِ الرجل الوحيد بيننا، قال الرئيس.
- وشعوري الأنثوي أمام بؤس شعب بأكمله، هذا لا يقول لك شيئًا، بولوش؟ صرخت "بولوش" كرجل ولا كل الرجال.
- اعذريني، رز حبيبتي، أحسن ناطق رسمي في العالم! أنت قلب كبير ك... قال الرئيس باحثًا عن شيء كبير مدور في المكتب البيصوي. لم يجد غير كرة صغيرة تحتوي على برج إيفل، تناوله مكملاً جملته:... هذا! طفا الثلج داخل الكُرَيَّة، فابتسم الرجال الأربعة الأقوى في العالم كالأطفال.
قرع الهاتف، فرفع الرئيس السماعة:
- الصليب البرتقالي؟ النمرة غلط.
وأراد الإغلاق، لكن:
- آه! طيب. هذا لك، مس رز.
مد لها السماعة.
- آلو؟ نعم، أنا، مس رز. 15%؟ تفاهمنا على 20%. ساوَمَ الكويتيون كالأبالسة؟ هذا لا يدهشني من طرف جراذين الصحراء. مع ذلك هم محشوون بالنقود، هؤلاء القذرون! لكن المقصود المعونات الإنسانية، يلعن دين! طيب، فهمت. لهذا انخفضت عمولتي. 15% بدلاً من 20. ليس الأمر خطرًا. لإنقاذ الشعب... الأطفال الذين يموتون بالآلاف. مليون طفل؟ تقول مليون ونصف طفل سبق أن ماتوا، والحرب لم تبدأ بعد. بسبب الحصار؟ بسببنا؟ على كل حال لي 15% دومًا. اتفقنا، اتفقنا، سأكلم الرئيس. نعم، ستكون الحرب عما قريب. متى بالضبط؟ لا أستطيع قوله لك. نعم، هو سر من أسرار الدولة حتى هذه الساعة.
وأغلقت.
وهي تلتفت نحو زملائها الذين ينظرون إليها، ويعجزون عن إخفاء ابتساماتهم، انفجرت:
- مااااذااا؟ وبعد ذلك؟ أنا أيضًا لي شركائي، الإنساااانيوووون، ليس مثلكم الوحوش!
انفجروا كلهم ضاحكين.
ثم تمحور الحديث من جديد حول الشركات النفطية في تكساس التي أسهمها ستسقط، وهكذا سيمكنهم بيعها بالسعر الأعلى قبل الإعلان عن الحرب. عملها الرئيس ذات مرة عندما كان موظفًا في إحدى هذه الشركات، بعد أن علم بذلك من وثائق سرية وقعت في يده. قروش المالية ليسوا أفضل منهم، بشرط ألا يمسوا شركات الرئيس الوالد.










الفصل الرابع

في جناح أزرق للبيت الأبيض، جلس لاد-لاد أمام مرآة ضخمة. كان يرتدي السموكن، بلحية حليقة، ووجه لامع. ضحك لنفسه، وتفحص أسنانه، لم يكن راضيًا من نخر يهاجم إحدى طواحينه. أخرج من جرار لحية اصطناعية، وتأملها بأبابة. ألصقها بذقنه، وأطلق تنهدًا قنوعًا. الشيخ العُمَرِي، هو أيضًا، كان في السموكن. خرج من صالة الحمام، وهو يلصق نفس الشعر المستعار على وجهه. أشار الواحد إلى الآخر بإصبعه، وانفجرا ضاحكين.
- أنت أيضًا؟ قالا في جوقة.
- أنت تشتاق إلى هذا إلى هذه الدرجة، يا حماي؟ سأل الشيخ العُمَرِي.
- أنا أشتاق إلى هذا، هذا يجعل كل لياليّ بيضاء، يا صهري، أجاب لاد-لاد.
- لا عجب في ذلك بما أننا في البيت الأبيض.
- بيت أبيض أو أحمر أو أسود، لحيتي السوداء تجعل كل لياليّ بيضاء.
- أنا، ليس تمامًا.
- كيف هذا، ليس تمامًا؟ أنت إذن لم تكن مسلمًا صالحًا.
- بلى، بلى. لكن بلحية أو بلا لحية، تبقى لياليّ حمراء، لفرط ما أفكر في زوجتي، خديجة.
- إذا كانت المقصودة ابنتي، خديجة، وليست مدام بولوش، لحيتك تغفر لك وأنا، أغفر لك كذلك يا صهري، قال لاد-لاد مبتسمًا. أنت تشتاق إليها إلى هذه الدرجة، خديجة؟
- نعم، يا حماي. أنا أشتاق إليها أكثر من كل أفغانستان، من كل جزيرة العرب، من كل عالم الإسلام. زد على ذلك، أصبحت شيخًا لأجلها، لتزوجني إياها.
- حقًا؟
- ألف مرة حقًا.
أملس الشيخ العُمَرِي لحيته، وابتسم بغرابة.
- لِمَ هذه الابتسامة الغريبة، يا صهري؟ سأل لاد-لاد مبتسمًا هو أيضًا. لا تخفِ عني شيئَا. أنا كذلك عندما وقعت، لأول مرة، في غرام إنجليزية كانت كاثوليكية جدًا، وأنا لم أكن مسلمًا جدًا، لم أعد أنام الليل. لكني كنت شابًا وبلا مخ، مثلك الآن.
- لست شابًا إلى هذه الدرجة، يا حماي! استغرب الآخر. لنا نفس العمر تقريبًا أنا وأنت.
- أنت لم تزل شابًا بالنسبة إليّ، بكم؟ ثلاثة أيام، عشرة، ثلاثين؟ لكنك لم تزل شابًا. البرهان، أنت تحلم بالأحمر في البيت الأبيض. أنا، أحلم بالأبيض أو لا أحلم. آخر حلم لي كان عندما فجرتَ تمثال بوذا. كنت أراه ينهار عليّ. كان حلمًا نذيرًا. ومنذ ذلك الحين لم أعد أحلم أو تقريبًا. بوذا كانت فكرتك.
- كنت أريد تدمير رمز أولئك الكفرة.
- ليصبح لي كابوسًا حقيقيًا. هذا الفعل بربري، يمكننا قوله بيننا نحن الاثنين...
فجأة، خرج صوت ذكوري من فم تمثال لفينوس:
- بيننا نحن الثلاثة، لا تنسيا أنني هنا، يا جَدْيَيّ.
- نسيت أنكِ هنا، يا أمنا المعزى، السي آي إيه، قال لاد-لاد بصوت ناعم.
ثم بصوت خفيض:
- سِدِّي بالوعك، فينوس!
- لا تنسيا أنكما في البيت الأبيض، أحسن مخبأ في العالم، أحسن حماية لكما، قال الصوت.
- تحموننا وتتنصتون علينا، نعرف هذا، لكن اتركنا نحكي على هوانا لمرة، هذا لا يسبب الأذى لأحد.
- بلى، لواحد.
- من؟
- زوس.
- زوس؟
- التمثال الذي يواجهني.
استدارا، وتأملا زوس، بعضلات، وبعجرفة، وبقضيب منتصب.
- اغفر لنا زوس إذا جرحناك في كبريائك، ونحن نتكلم عن جدك بوذا، قال لاد-لاد بلهجة هازئة. إنه لجنوني، البيت الأبيض! السي آي إيه، أنت تفعلينه عن عمد أم ماذا؟
- أم ماذا.
- إذن افعلي كما لو كنتِ في بيتك، إياكِ أن تحرجي نفسك.
- هذا ما نفعل، يا وغد!
- اتفقنا! اتفقنا!
- أنت مرغم على أي حال.
- على ماذا؟
- على "اتفقنا". منذ حرب الجهاد والمجاهدين التي كنت تديرها، كنت مضطرًا على الاتفاق.
- يا لليمن والبركة أنكم تعترفون بأنني كنت مضطرًا، وستفهم الجماهير الإسلامية إذا ما عرفت ذلك يومًا. كنت مضطرًا، وأنتم استعملتموني.
- عد إلى حديثك مع صهر الخراء صهرك في الحال، على التسجيل أن ينتهي. أنت مضطر.
- لست مضطرًا، أنا ضيف البيت الأبيض، وإن طاردتني آذانكم حتى داخل سريري.
- أنت مضطر، يا وغد! ونحن نطاردك حتى داخل المراحيض!
- إذا أنت مضطر، أنا أيضًا، يا حماي، قال الشيخ العُمَرِي. هل يريحك هذا قليلاً؟ إذن ارخِ خُصاك، واترك فينوس وشأنها.
- نِعم القول، وغد رقم 2، قذف الصوت.
- شكرًا، فينوس! إنه الوغد وشركاؤه!
- إنه الوغد وأمك!
- شكرًا، ماما!
- عفوًا، نغل!
انتزع الشيخ العُمَرِي لحيته، رماها على الأرض، وداسها ليسري غضبه، فانفجرت فينوس ضاحكة.
- إذن، عاد لاد-لاد إلى القول، بتفجيرك ذاك التمثال اللعين –رمى فينوس بنظرة ساخطة- أعلنتَ سقوطي، كنتُ أنا بوذا! كنتُ أنا ذاك الوثن الكوني الذي سقط في الخراب، لأنه كان مضطرًا، أنهى مقعرًا صوته.
- اغفر لي، بوذا، أعني حماي. الحق أن خديجة، زوجتي الحبيبة وابنتك الحبيبة، كانت تحب كثيرًا ذاك الوثن، كانت تقدسه، كانت تعشقه، وأنا لغيرتي أمرت بتدميره.
- كنت تغير من حجر!
- حجر كان يجعل خديجة تصرخ في الليل، وكان هذا يثير غيرتي.
- وكان هذا يثيرك، أنت، أيها الجميل القبيح!
تردد، ثم:
- أيضًا. وممارسة الحب كلما صرخت خديجة، هذا متعب في النهاية. ثم سيكون حكم الدولة حكمًا رديئًا.
- أعرف الآن لماذا خَسِرْت أفغانستان. أصحيح ما أقول؟
- ألف مرة صحيح. لأن خديجة واصلت الصراخ حتى بعد تدمير بوذا.
- لحزنها؟
- لا، لحبها لتمثال آخر. تمثال آخر لا أستطيع تدميره، وحتى لا أستطيع لمسه.
- فينوس؟
- لا تقل شرًا في السي آي إيه، تدخل الصوت.
- لا.
- زوس؟ مع أن...
قطب متأملاً جزأه الخارجي.
- لا.
- صد-صد؟
- ولا هو.
- لا تقل لي إنه تمثال الحرية!
- كيف حزرت؟
- إن لم يكن تمثال صد-صد، فلم يبق سوى تمثال الخراء هذا.
- كن مؤدبًا عندما تتكلم عن تماثيلنا، يا وغد! قال الصوت.
- أفهم الآن لماذا كنتَ تلح على أن تنقض طائراتنا الانتحارية على هذا التمثال اللعين وليس على البرجين التوأمين، قال لاد-لاد متجاهلاً الصوت.
- كان ذلك أقوى مني، كنتُ غيورًا.
- أنت تغير من الحجارة، أنت لست مسلمًا صالحًا.
- بلى، بلى. أؤكد لك. لكن عندما يتعلق الأمر بخديجة، تأخذ الحجارة شكل البشر، والبشر شكل الحجارة. انظر إليّ مع هذه اللحية الزائفة، قال الشيخ العُمَرِي، وهو يعيد وضعها، أنا أشبه بوذا.
- أنت تشبه الأم تيريزا.
- من هي هذه؟ تمثال آخر تتزلف خديجة إليه؟
- لا، إنها أمي!
- لك أُمَّان، يا حماي؟
- لي أم، أم واحدة، أيها الغبي!
- والسي آي إيه؟
- إنها أبوه، قال الصوت منفجرًا بالضحك من جديد.
- أنتَ، ابنتي خديجة هي التي جعلتك غيورًا من كل تماثيل العالم، أوضح لاد-لاد، وعلى العكس مني، أنا، تلك الإنجليزية التي جعلتني غيورًا من كل المسيحيين، وأولهم المسيح، بقدر ما كانت تتزلف إليه.
- لماذا لم تدمر تمثاله؟ سأل الشيخ العُمَرِي في الحال.
- كانت له، لم تزل له من التماثيل آلافها، في كل الكنائس، ف... أمام عجزي عن تحطيمها كلها، أصبحتُ مسلمًا أكثر مما ينبغي، وأقسمتُ على الانتقام من كل المسيحيين، من كل الغربيين.
- كما أرى، قال الصوت الخارج من فينوس، لم تكن مضطرًا حقًا.
- لا، يا أمي، أنا أعترف، لم أكن مضطرًا تمامًا. أردت الانتقام منكم، برضاكِ، يا أمي.
- ما الخاص فيها، تلك الإنجليزية، لتثير شعورك بهذا الشكل، يا حماي الغبي، طلب الشيخ العُمَرِي.
- سبق وقلت لك، كانت شديدة الإيمان.
- لا، ليس هذا ما أعنيه. هل كان لها قفا جميل، مثلاً؟
- آه، يا ربي...
- ثديان ضخمان؟
- آه، يا ربي...
- كانت تفضل راكبة أم مركوبة؟
- آه، يا ربي...
- كانت تتوارك وفي الوقت نفسه كل أماكنهم المقدسة تتزلزل؟
- آه، يا ربي، يا ربي، يا ربي...
- أفْهَمُ، يا حماي.
- لا تقل لي إن خديجة...
- بلى، يا حماي، أكد الشيخ العُمَرِي مومئًا رأسه عدة مرات.
- القذرة!
- هذا يمكنني الشهادة فيه على شرفي.
- وشرفي أنا؟
- فقدتَهُ عندما اتخذتْ إنجليزيتك من المسيح عشيقًا.
- لهذا صعدتُ إلى الجبل ضد السوفيات في أفغانستان.
- لكن، يا حماي، السوفيات كانوا شيوعيين، لا علاقة لهم بالمسيحيين!
- ومع ذلك قاتلتهم. أترى، يا صهري، عندما يكون المقصود انتصار الإسلام، نحن لا نعمل فرقًا بين الشيوعيين والمسيحيين، كلهم حُمر أو كلهم حُمر.
- أنا لا أفهم، كلهم حُمر أو كلهم حُمر؟
- نعم، كلهم حُمر أو كلهم حُمر. أنت تنسى دم المسيح على الصليب؟
- آه! كلهم حُمر أو كلهم حُمر.
ثم لنفسه:
- والله ما أنا فاهم حاجة.
- كطرابيشكم، أيها البلهاوان! قال الصوت.
- طيب، أوكي. شكرًا للمعلومة.
- بعد أن هزمتُ الحُمر، أردتُ أن أهزم حُمرًا أخر، فقالوا لي الحُمر انتهى، عليّ مقاتلة مسيحيين حقيقيين، ومسيحيو جزيرة العرب صاروا أهدافي.
- الأمريكان؟
- السي آي إيه، أو إن شئت، أمنا نحن الاثنين، وعدتني بالعرش.
- خوفًا من أن تتخلى...
- لا، خوفًا من ألا أتخلى...
- من ألا تتخلى عن ماذا؟
- من ألا أتخلى عن أفكاري عن الإسلام لأفكارهم، أفكار إنجليزية الزمن الماضي تلك.
- أن تصبح مسيحيًا؟ أنت، يا حماي!
- نعم.
- محال.
- ممكن.
- إذن الأمريكان مسلمون أكثر منك كما أرى!
- كانت هناك أفكار أخرى في رؤوسهم.
- أَفْهَمُ.
- ماذا؟
- الحقيقة، لا أَفْهَمُ.
- أرادوا أن أبقى مسلمًا، لتكون جزيرة العرب وكل العالم الإسلامي تحت نعلي، مثلهم مع كل الغرب والعالم المسيحي. لكن هذا لا يُعمل هكذا. ليس لعبة أولاد، هذا. هذا شيء أكثر تعقيدًا.
- إذن...
- إذن خلقت القاعدة. والباقي أنت تعرفه. تفجيرات في كل مكان من العالم، الورلد تريد سنتر، حرب أفغانستان، الحرب القادمة ضد العراق. الواقع أن الأمريكان...
- أنا دومًا هنا، يا وغد، قال الصوت.
- لا أبالي.
تابع لاد-لاد:
- كان الأمريكان يريدونني على رأس العالم الإسلامي، ثرواته وأيديه العاملة تحت إمرتي، وهكذا بكوني تحت إمرتهم، يكون تحت إمرتهم كل العالم.
- نعم...
- لكنهم خانوني، والبرهان على ذلك: أنا ضيفهم في البيت الأبيض.
- وأنا معك.
- إذا أنتَ هنا، فهذا لأنهم خافوا أن أخونهم بتكليفك مهمات مخالفة لما يرسمونه، لأجل مجد الإسلام. لأني لم أعد تحت أمر نعالهم، صاح في أذن فينوس.
- لا تصرخ قويًا جدًا، أيها الماخور! ستثقب طبلة الرئيس.
- لأني موصول مباشرة بأذنه؟
- نعم، يا رب الكلاب!
- أنا أعرفكَ أنتَ، ألا تكون ديك دوكر؟
- لا، لِيمُهُ. صد-صد ليس أحسن مني.
صاح في أذن فينوس من جديد:
- لم أعد تحت أمر نعلك، رئيس!
دوى صوت الرئيس:
- أنت تحت أمر نعلي طالما أستضيفك هنا.
ثم صائحًا:
- ولا تعد إلى الصراخ هكذا أو أعمل مسبحات مقدسة من عظامك!
- آه، يا ربي! ناح الشيخ العُمَرِي، يا لها من حياة كلاب، حياة اللوكس في البيت الأبيض، تزعجنا فيه كل وقت أصوات تعتبر نفسها أسياد العالم.
- نحن أسياد العالم، قال صوت أنثوي من فم زوس.
- هذا ما ينقص، همهم الشيخ العُمَرِي.
- هذا لأني امرأة... يا مبغض النساء! لكن لو كنت خديجة لهيجتك... نحن سيدات العالم.
- ليس بعد، أجاب لاد-لاد، لا أسياد ولا سيدات، طالما أن العالم الإسلامي يفلت منكم.
- مع حرب العراق التي، كعادتنا، سنربحها، سيخضع لنا العالم الإسلامي إلى الأبد.
- كما تشائين، مدام الرئيسة.
- كيف عرفتني، حبيبي لاد-لاد؟
- تذكرينني بإنجليزيتي.
- وأنا، تذكرينني بخديجة، تدخل الشيخ العُمَرِي.
- كما ترون، أنا أجمع بين العالمين. لست سيدة البيت الأبيض للا شيء.
- وأنتِ لهذا تتنصتين علينا؟
- أُذن للرئيس وأُذن لي.
- إذن إذا تكلمت عن قفاك، فهل سيسمعني؟
- أيها القذر، صاح صوت الرئيس. منذ قليل تكلم صد-صد عن خُصياتي، وأنت الآن عن قفا زوجتي؟
- لنكتفِ بهذا، سيدي الرئيس. في مادة الجوسسة، لا يمكن للأشياء أن تذهب أبعد. اتركنا على الأقل أحرارًا نقول ما نريد، لمرة، خارج الكاميرا خارج آلة التصوير.
- ليس فيما يخص قفا زوجتي.
- بلى بولوش، تدخلت السيدة الرئيسة، يعجبني هذا، أنا.
- دومًا ما كنت أعرف أنك قذرة!
- الحق يقال، ما عدا قفا مسز بريزيدينت، كل شيء اصطناعي هنا، سيدي الرئيس، كلحيتي، قال لاد-لاد، خسارة هذا لكم.
- كل هذا بعيد عن أن يكون حياة، سيد وسيدة العالم! قذف الشيخ العُمَرِي.
- وفي رأيك، أين الحياة الحقيقية؟ سألت السيدة الرئيسة.
- في كهوف البورا بورا.
قهقه السيد الرئيس والسيدة الرئيسة.
- نعم! في هذه الكهوف، كنا نعتبر أنفسنا الأسياد القادمين للعالم، هاه يا حماي؟
- كنا الأقوى، ولحانا كانت الأجمل، أضاف لاد-لاد.
- أوقعتم أنفسكم، أيها الأسياد القادمون للعالم! ها أنتما الآن مقعيان كجرذين كبيرين في الجناح الأزرق للبيت الأبيض، رد الرئيس.
ومن جديد قهقه.
- أنت لا تفهم شيئًا في السلطة الحق! صاح لاد-لاد، ولا في قوة المجاز! العظام، كأيام الإسلام العظام، يتشكلون ابتداء من مجاز: كهوف البورا بورا. نعم، كنا نعتبر أنفسنا الأسياد القادمين للعالم، عندما كنا نعيش في كهوف أجمل من كل أجنحة البيت الأبيض. هناك، كان يهيمن جو أسطوري، رطوبة الجدران ووميض الشموع المتراقص على الصخر كانا يعيداننا إلى زمن الأنبياء. لكن خاصة كانت لنا لحى حقيقية، مغبرة، دبقة، فائحة برائحة الحرب المقدسة.
نَشَقَ لحيته الاصطناعية:
- هذه اصطناعية، تفوح بعطر مسز بريزيدينت، عطر غير طلي على الإطلاق، اعذريني، صوفي-شارلوت.
- في الواقع، هو هدية من زوجة رئيس الوزراء البريطاني، إنجليزي رديء الصنع، قالت السيدة الرئيسة، وأنت على حق تمامًا، إنه كريه.
- ماذا؟ عطر إنجليزي؟ هتف لاد-لاد.
- هل يذكرك هذا بإنجليزيتك، يا حماي؟ سأل الشيخ العُمَرِي.
- نعم.
- إذن فلتنتقم، يا حماي.
- واحسرتاه! زمن الانتقام بعيد.
- تريد الحديث عن مجاز دومًا؟ قذف الرئيس من فم فينوس قبل أن ينفجر ضاحكًا.
- ليس بعد، سيدي الرئيس، أجاب لاد-لاد بحزن. هذا العطر حقيقي لدرجة أنني لا أصل فيها إلى طرد صورة إنجليزيتي من روحي. أنا أرى فيها كل الأماكن الإسلامية المقدسة. نعم، يا صديقي العزيز، لقد أخطأتُ في حقها، لقد أخطأتُ في حق كل ضحاياي، لقد أخطأتُ في حق كل شيء.
- هيا، هيا، كنتَ تنعظُ لّذة وأنت ترى الورلد تريد سنتر ينهار!
- ليس الآن.
- أنا، الآن أكثر من أي وقت آخر.
- تنعظُ لَذة على صورة المئات من مواطنيك وهم في صدد الموت؟!
- لأني الآن فقط أدرك أني هزمتك.
- اضحك إذن، رئيس. لماذا لا تضحك؟ لماذا لم أعد أسمع الصوت الساحر لزوس؟ أين ذهبت الرئيسة؟ لك الأُذنان في الوقت الحاضر، سيدي الرئيس. لم تعد تجيب. رئيس؟ رئيس؟ رئيس؟ ردد، وهو يدور حول التمثالين.
- تعال، يا حماي! لقد ذهبوا. لا أحد يسمع. يمكننا في الأخير التكلم عاديًا دون أن يُحَرَّفَ كلامنا أو يُؤول. التكلم عن الطقس في الغد، عن طبقنا المفضل، عن طعم قبلة لأبنائنا... تعال، يا صديقي، تعال...
انفجر لاد-لاد باكيًا.









الفصل الخامس

اتضح كل شيء في رأس لاد-لاد، جفف دموعه، وتأمل تمثال فينوس، ثم ابتسم، بشوشًا، على العكس من طبعه الصارم. كانت السي آي إيه قد ساعدتهما على شن هجوم الورلد تريد سنتر، وهي قد ساعدتهما كذلك على الهرب من أفغانستان، بشرط ألا يصمد مقاتلو الله، وأن تسقط المدن الأفغانية واحدة تلو أخرى بلا قتال. لقد ساعدتهما خصوصًا على الإقامة في البيت الأبيض مع أهداف أسوأ بكثير: إخضاع الشعب الأمريكي، وذلك بتحريك شبح الإرهاب، وتحويل الأزمة الاقتصادية إلى المرتبة الثانية، إخضاع أفغانستان، بلد استراتيجي لتمرير البترول، تحضير الحرب على العراق، بلد استراتيجي كذلك، وثاني احتياطي عالمي للنفط. لكن لاد-لاد وصهره كانا يعرفان أن هذه المساعدة ستنتهي عندما لا تعود السي آي إيه في حاجة إليهما، فكان عليهما أن يوقظا الأبالسة القدامى في كل مكان من العالم، وبدورهما أن يساعدا السي آي إيه على إخفاء ظمأ القادة الأمريكيين للنقود، وكل الشركات الرأسمالية الكبرى، خلف الحجة المضحكة للقتال ضد التعصب الديني.
في أسوأ الأحوال، يمكنهما مساعدتها على أسلمة المافيا، حل أقل تكلفة بكثير من كل ترسانة ضد-المخدرات، على أسلمة الرئيس الذي يتكلم تقريبًا نفس لغتهما، وإن كان الأمر كذلك إذا كانت الطبقة المغلقة في السلطة تريد أن تهتدي إلى الإسلام. يمكنهما أيضُا أن يساعداها على زيادة نفوذها العالمي، وخاصة على أسلمة السود لهدف انتخاب رئيس مسلم وأسود، في حالة ما ذهب بولوش إلى جهنم. فكرا في كوف-كوف، السكرتير العام لهيئة الأمم، لم يكن أمريكي الجنسية، لكن هذا سيخدم القضية من حيث هيبتها ونفوذها. فكرا كذلك في مس رز وبووي-بووي، إذا كان الواحد أو الآخر يغذيه الطموح ليصبح أول رئيس أسود للولايات المتحدة.
طرق أحدهم الباب، فخبأ الرجلان لحيتهما المستعارة بسرعة. كانا خائفين من أن يكون جاسوسًا من طغمة المرحوم القمندان مسعود.
- ادخل.
بووي-بووي، فتنفسا الصعداء، وأخرجا لحيتهما الاصطناعية.
- تمام، يا ملتحي قفاي؟ سألهما بووي-بووي.
- ما عدا البواسير التي أمسكنا بها لقدر ما نُمضي وقتنا قاعدين، تمام، نحن نشكرك!
نقل إليهما أوامر الرئيس:
- السيد الرئيس يطلب منك لاد-لاد أن تدلي بتصريح فيديو تدعم فيه صد-صد في جهاده ضد أمريكا. هكذا ستقدم الدليل للعالم أجمع على تواطؤ الرئيس العراقي مع القاعدة، وعلى إسناده للإرهاب.
- لكن صد-صد لا علاقة له بالقاعدة، تدخل الشيخ العُمَرِي. ريما كان متواطئًا مع كل مواخير العالم، لكن لا مع القاعدة.
- أنت، تخرس! بصق بووي-بووي. لا أحد يطلب منك رأيك.
- أنا الرئيس السابق لطالبان، وأوجب احترامي.
- الرئيس السابق لقفاي!
- هل تسمع، يا حماي؟ أنا الرئيس السابق لقفا بووي-بووي!
- واعتبر نفسك سعيدًا أن قفاي يمنحك هذا الشرف.
- هل تسمع، يا حماي؟ عليّ أن أعتبر نفسي سعيدًا أن قفا بووي-بووي يمنحني هذا الشرف.
- ستخرس في الأخير!
- هل تسمع هذا، يا حماي...
- قلت لك اخرس.
- اخرس، يا صهري، اخرس. طالما أنهم سيحتاجون إلينا، سيمكننا البقاء في البيت الأبيض. هل تفهم هذا على الأقل؟
- أفهم... لا، لا أفهم.
- هذا شيء عادي لرئيس قديم لقفاي، قذف بووي-بووي.
- طالما أنهم سيحتاجون إلينا، سنبقى على قيد الحياة، أيها الأحمق!
- إذن كن مطمئنًا، يا حماي، سأخرس إلى الأبد.
- أخذتَ من الوقت ما فيه الكفاية! بصق بووي-بووي من جديد، قبل أن يستدير نحو لاد-لاد: التصريح مبرمج خلال ساعة. هكذا سيكون الرئيس معززًا، وستعطي لحربه حجة خَدَّاعَة لكن متينة.
موافقًا على المضمون، محتجًا على الشكل، اعترض لاد-لاد على الكيفية التي ستُقَدَّم فيها الأشياء:
- بلا لحية، أو حتى بلحية اصطناعية، الكاسيت الفيديو ليس ممكنًا. لحيتي الحقيقية رمزي الحقيقي!
- إذن تصريح مكتوب، يا عاهرة الماخور! وسأرسل رئيس قفاي هذا إلى هوليود لأعمل منه ممثلاً متنكرًا.
- ممثل متنكر، لماذا؟ سأل الشيخ العُمَرِي.
- بعد تصريحه الكتابي، سيحتاج لاد-لاد إلى دعم، إلى سند نفسي من طرف كل المرائين في العالم أجمع. ستكون القدوة، رئيس قفاي!
- إذا كان الأمر كذلك، لا تصريح، قال لاد-لاد بدافع التضامن مع صهره. أنا لا أعرف الكتابة بالعربية.
- رئيس قفاي يعرف.
- نسيت، قال الشيخ العُمَرِي. ثم، أنا أفغاني.
- حذار يا رِجَّالَة، صاح بووي-بووي، أنتما تتآمران ضد أمريكا! وأنتما تعرفان ما ينتظر من يتآمر ضد أمريكا؟
- نحن لا نبالي، طالما أن أمريكا ستحتاج إلينا، أجاب الرجلان، وهما يصفقان.
كان بووي-بووي يعرف أي معنى لكل هذا.
- طيب، طيب، قال مادًا ذراعه، مصوبًا سبابته، لا هوليود ولا ماخور، أنتما الأحسن، وسيكون لكما الرئيس سندًا بنفسه.
- وأنتَ؟ سأل لاد-لاد بابتسامة ماكرة.
- وأنا ماذا؟ لكما سندي، بما أني أجعل منكما رئيسين لقفاي.
- لا، وأنتَ، ألا تحدثك نفسك بأن تكون رئيسًا؟
- أنا رئيس لعدة شركات وجمعيات في حال ما لم تكن تعلم.
- لا، لا، ليس هذا ما أكلمك عنه.
- وعن ماذا، يا ماخور الخراء؟
- ألا تحدثك نفسك بأن تكون رئيسًا للولايات المتحدة...
تمم الثاني:
- ...الأمريكية؟
- آه! لا، لا، لا... قال بووي-بووي محركًا رأسه على دفعات. أنتما تتلفظان بحماقات، يا جِدْعَان، أم ماذا؟
- آه! بلى، بلى، بلى... نحن لا نتلفظ بحماقات، بووي-بووي.
- أأنتما متأكدان مما...
ثم أوطأ صوته، وهو يحدد نظرة مرتابة إلى فينوس...
- ...تقولان، أيها المخبولان؟
- لا تقلق من أذني الرئيس، قال لاد-لاد مشيرًا إلى التمثالين، إذا أنت موافق، فلن يكون الأمر سرًا لأحد. هنا ليس أفغانستان، ليس جزيرة العرب، هنا بلد ديمقراطي...
- لا البيت الأبيض... في رأسك هَبَل أم ماذا؟
- في رأسي كما أقول لك، لأننا سنطرح السؤال على الكل، حتى على بولوش، وسيوافقون، وسنكون من وراء دمقرطة البيت الأبيض للمرة الأولى في تاريخه. قل فقط نعم، و...
تمم الشيخ:
- ...وسنريك الطريق.
- أي طريق مخابيل؟ أي فجور؟
- لا شيء من كل هذا.
- إذن ماذا، يا ماخور الماخور؟
- أسلم تسلم.
انفجر في ضحك متقطع:
- أسلم ت... أسلم ت...
- إنه الطريق الأوحد الذي سيقودك إلى المكتب البيصوي.
- أسلم ت... أسلم ت...
- فكر جيدًا بووي-بووي، واعطنا ردك بسرعة. على كل حال نحن هنا إلى ما شاء الله...
والآخر:
- نحن لا نتحرك.
- قل نعم، واترك الباقي علينا. بفضلنا، ستكون أول رئيس أسود، أريد القول اسود ليس تمامًا، أول رئيس أسود مبيض للولايات المتحدة...
والآخر:
- ...الأمريكية.
- رئيس أسود ومسلم. إذا رفضت اتصلنا بمس رز.
- امرأة رئيسة؟ أبدًا!
- إنه ممثل متنكر توقف في هوليود، يا معتوه، قال الشيخ العُمَرِي.
- آه! صح؟... استغرب بووي-بووي. لم ألاحظ ذلك أبدًا.
- إذن أنت موافق؟ سأل لاد-لاد.
- بما أنكم ستقيمون الديمقراطية في البيت الأبيض لأول مرة في تاريخها، سأستشير زملائي، الرئيس أولهم...
وتصادى صوت الرئيس من فم فينوس:
- يسلم فمك، بووي! أنت الأفضل!
- شكرًا، سيد الرئيس.
- وقل لهذين القميئين ألا يعملا سياسة في ظهري.
- سأقول لهما، سيد الرئيس. غير أن...
- ماذا؟
- فكرة أن أصبح أول رئيس أسود للولايات المتحدة...
والآخر:
- ...الأمريكية.
- ...بدأت تعجبني.
- أنجز المهمة التي كلفتك بها لدى هذين القميئين وسنتكلم في الأمر بووي.
- في نهاية المطاف، ليسا قميئين إلى هذا الحد، بريزيدنت، أجاب بابتسامة واسعة للاثنين الآخرين.
- أنجز مهمتك، أيها الماخور، أو أعزلك في الحال، بووي-بووي! هدد الرئيس.
شرح سكرتير الدولة للشيخ العُمَرِي ولاد-لاد أن أمريكا إذا أرادت احتلال العراق، فهذا للتخفيف من توقفها على السعودية في مادة النفط، وبالتالي للتخلي عن العجوز الأمير ولي العهد عبدولدول. نسي لاد-لاد كل الدسائس الأمريكية، نسي كل أهداف الأسلمة التي له أو الصحوة، نسي حتى رأسه، ووافق في الحال على كتابة التصريح. كان في نهاية الأمر مثل كل الرؤساء العرب المفلسين الذين هم مستعدون لبيع كل شيء لكلام أبدًا لا يستجاب من قادة العالم. وأمريكا الكافرة، وأمريكا الكافرة، والله أكبر، الله أكبر، والإسلام سينتصر، والإسلام سينتصر. صيغ النص بثلاثين ثانية، لكن أثبت الشيخ العُمَرِي لأول مرة أنه ليس عربيًا، وهمس في أذن لاد-لاد الذي قال:
- نعم، عندك الحق، يا صهري، من يضمن لنا رحيل هذا الكلب عبدولدول؟
أجاب بووي-بووي:
- هو بنفسه! انتظر، أعطيك إياه.
ومد له تلفونه النقال.
لم يدر لاد-لاد ما يقول، تلعثم، قدم احتراماته للأمير العجوز ولي العهد، اعتذر عن تدميره لصورة العائلة الملكية، ووعد على فعل كل شيء لطمأنة الخواطر في بلده. سموك، سموك، سموك، أمام دهشة الصهر أكبر دهشة.
انتزع بووي-بووي التصريح من يدي لاد-لاد بابتسامة هازئة، وأوضح له إذا أراد أن يكون الرئيس القادم لجزيرة العرب، عليه أن يتابع دروسًا خاصة في السي آي إيه، تمامًا كزملائه العرب، خاصة الرئيسين التونسي والمصري. أضاف أن الدورة ستكون طويلة، ونصحه بالبقاء في ميدان الأسلمة غامزًا بعينه.
خوفًا من أن يسمعهم الرئيس، عمل بووي-بووي "ششش"، وهو يضغط إصبعه على فمه. لم ينبس لاد-لاد بكلمة عن شهية السلطة لديه في أمريكا، الآن وقد أفلتت السعودية من بين أصابعه، وبدوره، غمز صهره بعينه، وبدأ كلاهما التبشير بصوت منخفض.
- بسم الله الرحمن الرحيم... همهم الأول.
- أشهد أن لا إله إلا الله... همهم الثاني.
- لكني لا أعارض ما تقولان، أيها القميئان! تدخل الصوت الذكوري لفينوس.
كانت السي آي إيه تسمع كل شيء، حتى أنفاسهم، وكرب الأرباب، ترى كل شيء.
شرح بووي-بووي أنهما لم يتسلما بعد الأمر بأسلمة شخصه، إلا أنه اعترف أن أباه وجده كانا معجبين كثيرًا بمحمد علي. مع ذلك، هو يفضل المسيحية، تابع غامزًا بعينه، دونها لن يصل أبدًا إلى الكرسي الذي يتربع عليه. طلب إليهما البدء بالرئيس الذي من الواجب أن يخلف نفسه، وغمز بعينه من جديد، حتى آلمه جفنه. صاح ضيفا البيت الأبيض في أذن فينوس أنهما ينتظران أمر السي آي إيه، أو الرئيس بنفسه، لكن لم يجب أحد.
قبل أن يغادر بووي-بووي الجناح الأزرق، أشار إلى الساعة. منتصف الليل. دومًا. وأبدًا. قال للآخريْن إنها ساعة الصلاة، إشارته السرية إلى أنه لن يكون ضد اعتناقه. لَبِسَ لاد-لاد والشيخ العُمَرِي جبتهما، ألصقا لحيتهما، مدا سجادتهما عند قدمي زوس، وبدءا صلاتهما. أغاظهما العضو المنتصب لزوس، فأغمضا عينيهما مرتليْن "الله أكبر"، وهما يفتحان عينيهما، ويغمضانهما، يفتحان عينًا، وفي النهاية يستديران ليقعا على فرج فينوس. ابتسما لعريها، لجمالها، وأنهيا صلاتهما صارخيْن "جاد بلس أميريكا"!
















الفصل السادس

وصل الرئيس المصري بركة إلى مطار واشنطن، برز من باب الطائرة كالشيطان، منكوش الشعر، منفوخ السالفين، الطويلين والمصبوغين. قَطَّبَ، ونظر يمينًا ثم يسارًا باحثًا عن رُماة عتيدين، غير واجد منهم واحدًا، فصفع نفسه، ونزل السلم، فرعون الهيئة. كان يرتدي لباسًا عسكريًا، ليبدي اتفاقه الكامل مع الرئيس للهجوم على العراق، حتى قبل لقائهما الرسمي، وكان موظفًا بسيطًا من البيت الأبيض في استقباله.
- والرئيس بولوش، أين هو؟ سأل المصري بعدائية. أنا رئيس، خليق برئيس في استقبالي!
- هَدّي، يا خول! شخر الموظف الصغير. بولوش مشغول، ليست لديه لحظة واحدة يضيعها.
صفع بركة نفسه للمرة الثانية، واندفع في تاكسي. رأته زوجته مَغيظًا، فضحكت حتى جرى دمعها. أخذت مكانًا إلى جانبها امرأة ملتفة من قمة رأسها إلى أخمص قدمها بالبُرقة، الحجاب الأزرق الأفغاني. كانت خديجة، ابنة لاد-لاد. صاحبت السيدة الأولى لمصر بصفتها خادمتها، لترى زوجها، وتلتقي أباها.
سخرت سيدة مصر الأولى من زوجها:
- الله الله يا الطيار اللي هُوّه إنتَ!
- طيار حربي، يا حبيبتي! طيار عسكري، أضاف مربتًا على الشارات والميداليات المعلقة على صدره.
- أبدًا لن يعتبروك شيئًا آخر غير طيار، أصرت زوجته باحتقار. من الأفضل أن تنتحر بقذف نفسك وطائرتك على ناطحة سحاب! استغِل الفرصة بما أننا في واشنطن.
- لا يوجد في واشنطن أو لا يوجد تقريبًا ناطحات سحاب، يا حبيبتي، تأتأ بركة.
- فلنعمل نصف دورة، ولنذهب إلى نيويورك، نيويورك ليست بعيدة من هنا. خسارة أن البرجين التوأمين...
- تصرين إلى هذه الدرجة على أن أنتحر، يا حبيبتي؟
- نعععععم، يا خووووول! أجابت، مرهقة.
- سعادتكِ، تدخل الموظف الصغير الجالس إلى جانب السائق، إذا كنت تريدين التخلص من الطيار زوجك، فمن اللازم بالأحرى أن تطلبي منه قذف نفسه من فوق نهر النيل عندما يفيض، لأن سماءنا، منذ أحداث 11 سبتمبر، محروسة جيدًا، لا تُخترق.
- لا تُخترق، تقول؟
- وَقَوْلي قاطع.
- إذن سنرى حين عودتنا إلى مصر.
- تصرين دومًا على أن أنتحر، يا حبيبتي؟
- لكني أنا لم أعد أريدك، لأنهم لا يحترمونك حتى ولو أقل احترام، وأنت لا تفعل شيئًا.
- ماذا تريدينني أن أفعل، أنا، يا حبيبتي؟ إنهم أمريكيون، آلهة، آلهتنا، وآلهة آلهتنا.
- صحيح ما يقوله لمرة، علق الموظف الصغير في غاية الرضى.
- ليس لي، ردت السيدة الأولى لمصر.
- إذن سعادتكِ، اقتراح: بدلي الرئيس.
- صعب: مثلما تراه لاصقًا كما لا يلصق أحد. ثم كيف لي أن أجد رئيسًا جديرًا بلقبه؟ كل الرؤساء العرب خَوَلات، كما تقول.
- اتركيني أفعل، سعادتكِ.
- تستطيع بالفعل مساعدتي؟ لك علاقات، أنت الموظف الصغير للبيت الأبيض.
- أكثر من كل الحكام العرب مجتمعين.
ودس في يدها غلافًا يحتوي على صور:
- انظري إليها عندما تكونين وحدك، وستحققين أمنيتك.
- ما هذه الصور، يا حبيبتي، هل يمكنني أن أراها؟ طلب بركة.
ومد يده ليأخذ الغلاف.
- هذا ليس شغلك، يا رمسيس، قذفت ضاربةً إياه على أصابعه.
- أنا رئيس، لي الحق في رؤيتها.
- عندما تكون بالفعل رئيسًا، سأريك إياها.
- لكنه لن يكون، سعادتكِ، تدخل الموظف الصغير، أما أنتِ، فسيسمع الكل بك، سعادتكِ، أضاف مربتًا بإصبعه على الغلاف.
أطلقت نفسًا سارًا، وزوجها يمد يديه ليخنق الموظف الصغير الذي ينظر محبورًا من أمامه، إلا أنه لا يجرؤ على ذلك. بدلاً من هذا، يمد خده لامرأته، فتصفعه بقوة شديدة، وخديجة التي داومت على صمتها طوال الطريق، انفجرت فجأة ضاحكة.
في البيت الأبيض، أدخلوا الرئيس بركة من باب الخدم. قطع المطبخ، فقال له رئيس الطهاة إنها ليست ساعة الغداء للعساكر. عندما أوضح الموظف الصغير أن المعني الرئيس المصري، رد رئيس الطهاة أن للرؤساء العرب لا توجد سوى وجبة واحدة، وجبة العشاء. إذا أرادوا أكل شيء قبل، فما عليهم سوى شراء واحد همبرجر. كان بركة على وشك أن يصفع نفسه، لكن امرأته أمسكته. ابتلع غضبه، وتقدم. اخترقت امرأته وخادمتها المزعومة الجناح الوردي للسيدة الرئيسة، بينما ذهب هو للانتظار أمام المكتب البيضوي، قرب كلبة الرئيس، كما دأب عليه دومًا. تركوه وحده مع البهيمة، فتخيل بركة أن تبادل الوُد مع الكلبة، سيسمح له بالتقرب من أصحابها بسهولة أكثر. تكلم مع الكلبة، سألها إذا كانت تتذكره، لأنه يخلط بينها وبين كلب الرئيس السابق. حاول مداعبتها، إلا أنها قفزت عليه، وعضته. خرج الرئيس الأمريكي على صراخ بركة ونباح الكلبة، وحملها بين ذراعيه بحنو معنفًا الرئيس المصري، سائلاً عما كان باستطاعته فعله لحيوان على مثل تلك الوداعة كي يتصرف بذلك الشكل. أشار الآخر إلى إصبعه المدماة، وأقسم بالله العظيم أنه كان يريد فقط مداعبتها.
- ألا تعلم أن كلبتي لا يمكنها شم رائحة العرب وخاصة رؤسائهم؟
- لكني لست عربيًا، أنا مصري!
- هذا أسوأ، عندما نعرف أنكم تعبدون آباء الهول.
اتخذ وضع أبي الهول، وقذف يدًا إلى الأمام كأسد، ثم نادى ممرضة ضمدت يد بركة. بعد ذلك، أمره الرئيس أن يدين التصرف العراقي في مادة الأسلحة الكيماوية، فهذا البلد لا يساعد مفتشي هيئة الأمم المتحدة في مهمتهم. وعدد حججه الثلاث في صالح الحرب: فبركة أسلحة الدمار الشامل، علاقات صد-صد بالقاعدة، وأخيرًا نسف كل جهود هيئة الأمم المتحدة، التي ينتظر حولها من بركة التأكيد والمصادقة.
- لكن ألم تلاحظوا شيئًا، سيدي رئيس الولايات المتحدة الأمريكية؟ سأل بركة بنبرة مفخمة. ارتديت لباسي العسكري قبل الجميع، أنا أعلن الحرب قبل الجميع على العراق، إلى جانبكم.
- نعم، هكذا، قال الرئيس باحتقار. كما أعلنتَ الحرب على السادات قبل الجميع.
- السادات كانت السي آي إيه، ليس أنا.
- ليس أنت؟ قفاي!
- فلنقل تلقيت أمرًا. وخاطرت بحياتي. أؤكد لكم، سيدي رئيس الولايات المتحدة الأمريكية. كان فعلاً كبيرًا شجاعًا من طرفي، بما أن كتفي كانت تلامس كتفه. خاطرت بحياتي، سيدي رئيس الولايات المتحدة الأمريكية.
- خاطرت بحياتك؟ قفاي!
- فلنقل إذن قليلاً. لكن ذلك كان لصالح مصر، أؤكد لك سيدي رئيس الولايات المتحدة الأمريكية. مليارات دولاراتكم الثلاثة جوهرية لبقاء بلدي الحبيب.
- بلدك الحبيب؟ قفاي!
- فلنقل مليارين لأولئك المصريين القذرين الذين لا يتوقفون عن شخ الأولاد، ومليار صغير جدًا لي، لقصوري، لعشيقاتي –التفت، الجبان، حوله- سيدة مصر الأولى ليست هنا، ليحرسني ربنا من إيدها، ديه تصفع جامد أوي! أحب أيضًا الأولاد، أنا ثنائي الجنس، يا سيدي الرئيس، نعم، شوية خول إذا أردتم سيدي رئيس الولايات المتحدة الأمريكية (قطّب لازقًا ابتسامة الممحون على شفتيه). نسيت سياراتي الفريدة في العالم، هذا يكلف غاليًا جدًا.
- انتهت المقابلة. اخرج! أمر الرئيس. واعمل ما قلته لك.
- لكن لم أنته، أنا، سيدي رئيس الولايات المتحدة الأمريكية... قال حَرِدًا.
- قلت انتهى، وإلا...
ونادى الكلبة، فأطلق الآخر صرخة. نادي أمه "يا ماما!"، وغادر المكتب البيضوي مسرعًا كأرنب.
جاء كوف-كوف، فاستقبله الرئيس بلكمة من صميم قلبه.
- عينتك مكان مصري، بطرس-بطرس في حال ما نسيت، لتضعني في موقع من يطلب يد العون من مصري آخر ضد مفتشي خراك وما لست أدري.
- معذرة، بريزيدنت، هذه المسألة تتجاوزني! كنت أتجسس على سَلَفِي بالحرف الواحد كما كان يُطلب مني...
- لهذا عيناك سكرتير عام للخراء. الأزمة العراقية جاءت بك في 91 إلى السلطة، وهذه الأزمة نفسها ستنزع منك السلطة غدًا.
- لا، سيد الرئيس، وإلا...
- وإلا ماذا؟
- اعتنقت الإسلام.
- أنت، في ثوب مسلم صالح؟ قفاي!
- سأعمل كل ما تريد، رئيس.
- ابتداء من اليوم، الأمم المتحدة هي أنا. أنا القوة الوحيدة التي تدير العالم، إسلامي أو غير إسلامي، أنا من ستكون له الكلمة الأخيرة، وسأتركك تعتنق البوذية إذا أردت.
- هذا لا يلزق، رئيس، أنا أسود.
- ماذا؟! لا يوجد بوذيون سود؟
- لا، سيد الرئيس. كل البوذيين هنود، لكن إذا كانت أمي إنديرا غاندي...
- ستكون رئيس الهند، وسآتي لأخرأ في نهر جانجك المقدس. انتهت المقابلة. اخرج! هدد، وهو يتقدم بالكلبة التي أخذت تنبح.
لنفسه:
- لم أكن أعلم أن كلبتي لا تحب السود أيضًا.
للكلبة:
- أنت لا تحبين السود، يا ابنتي الصغيرة؟ ستعضين بووي-بووي عندما يحين الوقت، طيب؟ هذا القذر الذي يتآمر في ظهري كي يصبح رئيسًا!
عند الباب، توجه كوف-كوف بالكلام إلى الرئيس:
- يمكنني أن أكون رئيسًا لمالي أو للصحراء الغربية، إذا ما دعمت ترشيحي. رئاسة هذين البلدين الماحلين، أفضل بكثير من أن تكون السكرتير العام لسلطة دولية بلا أي مدى دولي، وسأكون صحراوي، صح... را... وي... نبح مقلدًا الكلبة قبل أن يعيد غلق الباب بسرعة.

خلال ذلك، كان اجتماع لا شكلي يعقد بين السيدات الأُوُلَيَات الثلاث: الأمريكية، المصرية، والإنجليزية. كن يبحثن عن طريقة يدخلن فيها خديجة إلى جناح زوجها وأبيها دون أن يشعر الرئيس. بدافع التضامن النسواني، حفرن أمهات أدمغتهن:
- سأقول إنها الخادمة المياومة، اقترحت الأمريكية.
- خادمة مياومة محجبة في البيت الأبيض، هذا مشبوه فيه... اعترضت المصرية.
- صحيح، زادت الإنجليزية. لا يوجد هذا، سيعتبرها رجال الأمن إرهابية إسلامية.
- أو جاسوسة تبحث السي آي إيه عن إدخالها في الأجنحة السوداء للرؤساء العرب، عادت المصرية إلى القول. لن يمشي هذا، سيكتشفها رجال أمن هؤلاء الرؤساء.
رمت ثلاثتهن إلى احترام خيارها الحجابي وتقاليدها، ولم يجرؤن على طلب الخروج من بُرْقَتِهَا. حتى وهي محاطة بالنساء، لم تخلعها خوفًا من أن يفاجئها رجل ما.
- وإذا ما عملت على إخراج الرجلين من جناحهما للقاء سري في أحد الفنادق الكبيرة؟ اقترحت الأمريكية.
- لن يمشي هذا أيضًا، أجابت المصرية. ستعلم الإف بي آي بكل شيء، وحتى بلا لحية، سيكون من المجازفة بمكان في ألا يُعرفا.
- هي محقة تمامًا، قالت الإنجليزية. لن يمشي هذا. لنخابر زوجة صد-صد، ستعرف كيف تخرجنا من هذا المأزق.
تجاهلتها الأمريكية تمامًا:
- وإذا ما أرسلت الرئيس ليمضي عدة أيام عطلة في الشمس قرب الأهرامات؟
- ليس هذا حلاً، قالت المصرية. أولاً لأن الرئيس مشغول جدًا مع حربه، التي ستعلن عما قريب، أليس كذلك؟ لقد ارتدى زوجي لباسه العسكري قبل الجميع، فهو يشتاق إلى مهنة طيار المطارِدات الحربية بشكل فظيع! فوق ذلك، بعد تدمير الورلد تريد سنتر، من اللازم ألا نخاطر بتدمير أهراماتنا بطائرة انتحارية. آه! لو يمكن أن يقودها زوجي!
- الأهرامات ذاكرة الإنسانية، قذفت الأمريكية.
- حتى بكل دولارات البترول العراقي لن يمكننا إعادة بنائها، أضافت المصرية.
- ستكون عند زوجة صد-صد فكرة حتمًا، لنتصل بها، اقترحت الإنجليزية من جديد.
- هل يمكنها تخليصي من طياري القديم زوجي؟
- تقوم بالمعجزات، أؤكد لك. طلبتها مرة أن تنصحني بخصوص...
أوطأت صوتها، واقتربت من المرأتين الأخريين لتتفادى سماع خديجة لها:
- كان ذلك بخصوص الملكة الأم وزوجي، كان بينهما، أنتما تعرفان... دومًا ما كان لرئيس الوزراء زوجي مَيْل للسيدات العجائز جدًا، فاقترحت زوجة صد-صد رميها في نهر التيمز.
- الملكة الأم؟! سألت السيدتان الأخريان بصوت واحد.
- لا، ابنة الأخت.
- لأن كانت هناك ابنة الأخت كذلك؟!
- زوجي خجول جدًا، أنتما تعرفان.
- وكانت الملكة الأم التي تغطيه؟ سألت الأمريكية.
- نعم، إنها الكلمة، كانت تغطيه. ومدام صد-صد هي التي أخبرتني. كانت على علم بذلك من بغداد، تصورا، وأنا، كالبلهاء، كنت آخر من تعلم.
- وهل رميتها في نهر التيمز، ابنة الأخت الملكية؟ سألت المصرية.
- أنا أرمي أميرة في نهر التيمز؟ لستُ مجنونة.
- فماذا فعلتِ؟ سألت خديجة أمام الدهشة العامة.
- إنه زوجي من رميت.
- في نهر التيمز؟
- لا أدري إذا كان عليّ أن أقول يا للسعادة أو يا للتعاسة، لكن رجال المطافئ كانوا يمرون من هناك، وأنقذوه بفارق قليل. ومنذ ذلك الوقت، لم يعد يجرؤ على مخالطة باكنجهام، ولا أي ماخور آخر.
- برافو، مدام صد-صد! قذفت الأمريكية معجبة. أعرف الآن لماذا يريد زوجي غزو العراق.
- لم أكن أعلم أنها تساوي كل الذهب... الأسود، هذه المدام صد-صد، اعترفت سيدة مصر الأولى. لنخابرها، ربما وجدتْ لي حلاً للتخلص من المِنَيِّل على عينه طياري.
- نعم، فلنخابرها، قَبِلَت الأمريكية أخيرًا، سأطلب منها كيف العمل لرمي...
- أنت أيضًا؟ سألت الاثنتان الأخريان بصوت واحد.
- ...لرمي مس رز من فوق ناطحة سحاب.
- مس رز؟ لماذا؟ ليست مس هذه!
- تصورا أنها من تحت مظهرها الذكوري، أغوت زوجي لما كانا شابين، هو الذي كان خجولاً بالقدر الذي كان عليه رئيس الوزراء البريطاني.
- أفهم الآن لماذا يريدان شن الحرب ضد العراق، نصفا الرجلين هذان، قذفت المصرية.
- فلنكلمها حالاً، أعادت الإنجليزية.
و... ثلاثون ثانية فيما بعد، كانت مدام صد-صد على الخط مع ثلاث من النساء العظميات الأكثر في العالم.
- إذا كان الأمر لتتوسلن إليّ أن أطلب من زوجي الرحيل لتحاشي الحرب، فجوابي لا، بَدَأَتْ زوجة صد-صد.
- لا، والله! نحن لا يهمنا أن يُدمر العراق، نحن نطلبك لأشغال شخصية.
- وأنا، يا ماخور الخراء! بصقت خديجة من فوق رؤوسهن.
- خديجة، سنتفضى لك فيما بعد، أجابت الأمريكية، أمرك أقل أهمية من أمورنا.
- أفهم حاليًا همومكن الحقيقية، نساء عظميات الخراء!
- ششششش!
وكل واحدة شرحت مشكلتها لسيدة دجلة.
- اسمعنني جيدًا، قالت زوجة صد-صد بكثير من النفوذ. على مدام بركة أن تأخذ مكان المدام الرئيسة، التي ستأخذ مكان المدام رئيسة الوزراء، والمدام رئيسة الوزراء مكان مدام بركة. ومشاكلكن أنتن الثلاث سَتُحَل.
- كيف هذا مشاكلنا سَتُحَل؟ أوضحي لنا، مدام صد-صد، نحن نبتهل إليك!
- واحد، بكونها على رأس البيت الأبيض، ستتخلص مدام بركة من عقدة شعورها بالدونية. اثنان، بأخذها رأس مصر، ستتخلص المدام رئيسة الوزراء من عقدة الخِصاء. ثلاثة، بكونها على رأس إنجلترا، ستتخلص المدام الرئيسة من عقدتها بالنسبة لمس رز.
- كيف هذا؟ سألت الأمريكية حانقة.
- اسألي سيدة مصر الأولى، ستشرح لك.
وأغلقت.
استدارت كلتاهما نحو مدام بركة، فقالت:
- هذا لا أكثر منه سهولة، سأعمل نفس ما عملت مدام كلينتون عندما علمت أن زوجها يخدعها.
- ستخبرين أجهزة الإعلام بما كان بين بولوش ومس رز؟ استغربت السيدة الرئيسة. وماذا ستقولين؟ لما كانت في الكلية، كانت مس رز تكرس كل مواهبها في "الألسنة" لخدمة زوجي؟ ليست مقنعة كحُجة.
- ولماذا هي إذن اللسان الرسمي للبيت الأبيض لو لم تكن لها هذه المواهب؟ ولدي حجج مفحمة.
أخرجت من حقيبتها الغلاف الذي أعطاها إياه الموظف الصغير، وأبدت صورة أولى.
انحنين كلهن على الصورة، واكتشفن لسان مس رز، لسانًا طويلاً، طويلاً جدًا، لاعقًا كلبة الرئيس، والكلبة مستلقية على ركبتيه.
- هذا ليس إثباتًا كافيًا؟ سألت سيدة مصر الأولى.
- لا، قالت النساء الثلاث اللواتي بدأ المشهد يسليهن.
- وهذا، ما رأيكن؟
على الصورة الثانية، رأين مس رز مادة لسانها الطويل نحو بنطال الرئيس، دون الكلبة هذه المرة.
- هذا ليس دليلاً دامغًا، قذفت السيدة الرئيسة.
- وهذا؟ قالت مدام بركة، وهي تخرج صورة ثالثة. كما في السينما، من اللازم عدة لقطات.
امتدت أياد ثلاث في نفس الوقت نحو الصورة، لكن السيدة الأولى لمصر سحبتها في الحال.
- هذه سَتَرَيْنَهَا على شاشة التلفزيون، إنها سلاحي لغزو البيت البيض.
خاب ظن خديجة، فتركت النساء الأُوُليات يتجادلن في مصائرهن، إلى قاعة الحمام. ونصف ساعة فيما بعد، دفعت الباب، فوقعت النساء الثلاث العظميات الأكثر على وجه الأرض على فتاة ترتدي ثيابًا على الطريقة الغربية، والمساحيق على وجهها تسقسق، ساحرة. صعقتهن بجمالها، وجعلتهن يسقطن مصروعات.









الفصل السابع

كان لملك الأردن عبدولدول 2 وزوجته حق الحصول على ليموزينة سوداء صغيرة تقودهما من المطار إلى البيت الأبيض، فلم يتوقف الموظف الصغير إياه، الذي استقبل بركة وزوجته، عن تكرار "جلالتك، جلالتك"، وكان الزوجان الملكيان مفتتنين لسماعه. في الطريق، جعل الملك الصغير السيارة تقف، ليزدرد واحد همبرجر، لأنه كان يعرف أي بروتوكول ينتظره في مطبخ البيت الأبيض. وبدافع الحيطة، دس في جيبه واحدًا آخر.
في المكتب البيضوي، وَكَلَ الرئيس إلى الملك كلبته التي لم تبد أية عدوانية، كما هي عادتها مع الحكام العرب، هذا لأن أم الملك الصغير إنجليزية، وأخذ يتكلم عن أبيه الذي كان يدعو أبا الملك الصغير إلى مربى ماشيته، وذكرياته عن العاهل الراحل، وهو يلعب التنس معه، عندما كان في ريعان الشباب. كان الرئيس يترك جلالة المرحوم يربح دومًا، والعاهل الراحل يعرف ويبتسم، فيعمل له بولوش الأب شيكًا صغيرًا بمئات آلاف الدولارات، مُجْتَزَأً بالطبع، وهذا ما لم يعرف الرئيس إلا فيما بعد، من حساب الملك الأب، المزود من طرف السي آي إيه بانتظام.
- وحسابي أنا؟ رد الملك الصغير. ليس لي حساب، أنا!
- ليس لك حساب، أنت؟
- فلنقل لي واحد صغير، لكن غير مزود بانتظام، من طرف الإف بي آي، وهذا منذ الوقت الذي كنت فيه طالبًا في المدرسة العسكرية، تبعًا لنصائحك، مستر بريزيدنت. حساب صغير. بعض الملايين الصغيرة غير الكافية.
- لملك صغير، صغير صغير، هذا يكفي.
- لا، هذا لا يكفي!
وحرد واضعًا الكلبة على الأرض.
- أثبت أنك ملك كبير وسيكون لك حساب كبير.
- أن أثبت؟ ما هوه أنا ملك كبير!
أخرجَ همبرجره، وعض فيه بنهم.
- انظر كيف أحكم الأردن: يد من حديد في قفاز من مخمل، قال الملك الصغير بفخر. أسيطر على كل السكان، ما عدا بعض رجالات البلاط وبعض التجار الكبار الذين كلهم لصوص، نعم، أؤكد ذلك، كلهم نصابون، لكن ماذا يمكنني أن أفعل؟ إنه الميراث الذي تركه لي والدي، غفر الله له وأسكنه فسيح جناته... كل السكان ينامون ملء جفنيهم، ولا يقولون شيئًا، لا يجدون عملاً، ولا يقولون شيئًا. يعيشون في الخراء، عفوًا للعبارة، سيدي الرئيس، ولا يقولون شيئًا. هذا هو أن أكون ملكًا كبيرًا. وعندما في الناحية الثانية، أنت تعلم سيدي الرئيس، الناحية الثانية لنهر الأردن، في الضفة الغربية، في الأراضي المحتلة خليني أقولها –هل أسأت إليك، سيدي الرئيس؟- الأخوة والأخوات لثلاثة أرباع نفس السكان هم محاصرون، مجوعون، مذبوحون، لكن لا يقولون شيئًا.
- لهذا السبب فضلتك أمريكا على عمك.
- شكرًا يا عمي الأمريكي (الثري)!
- ولأن كل الأردن مستعمرة أمريكية، دونما حاجة بنا إلى اللجوء إلى أية حرب مثلما سيكون الحال مع العراق. تهانيّ.
- ذكرتني، لماذا تريد رؤيتي، سيادتك، بريزيدنت؟
- لأهنئك، هذا كل ما هنالك.
- ظننت لألعب التنس مع ابنك، لكن هذه المرة دون أن أتركني أربح مرة واحدة.
- على عكس أبيك، أنت انهزامي، يا صغيري.
- وحسابي البنكي، سيكون كيف؟
- أنت أكثر مكرًا من كل الملوك العرب.
- لكننا لسنا سوى ملكين، فلنقل اثنين ونصف: أنا، ملك المغرب، ذاك القذر الذي ينافسني في قلبك، والأمير العجوز ولي العهد السعودي.
- وكل رؤساء-ملوك عرب قفاي؟ لا حساب لهم؟
- مع كل احترامي لقفاك، لا، سيدي الرئيس.
- أنت تثبت أنك بالفعل ماكر كملك.
- قل لي، بريزيدنت، ماذا عليّ أن أفعل لخدمتك في حربك القادمة؟
- لا شيء. بالأحرى بلى. شيء صغير.
- كل ما تريد، بريزيدنت.
- دع شعبك يشتمني ما شاء له.
- يشتمك؟ سأذبح كل من يجرؤ على شتمك، بريزيدنت.
- بلى، بلى. أخذتُ طُعمًا ضد غضب الرعاع. وصَرِّحْ بأنك ضد الحرب.
- لكني معها!
- صَرِّحْ مع ذلك بأنك ضدها. ستكسب ثقة شعبك "الذي لا يقول شيئًا" بينما عساكري يقطعون الأراضي الأردنية لمهاجمة العراق.
- إذا كان الأمر كذلك...
رفع الرئيس السماعة:
- رز ولحم وتوابل! افتحي حسابًا باسم الملك الأردني الصغير.
- سبق وله واحد، رئيس.
- حسابًا ثانيًا.
- وبفوائد، تدخل الملك الصغير.
جلس على الأرض، وبدأ يتدحرج على السجادة مع الكلبة، كما لو كان ملكًا إنجليزيًا صغيرًا، تحت العين الراضية لرئيس الولايات المتحدة.

خلال ذلك، كانت ملكة الأردن، التي التحقت بالثلاث الأخريات، تنظر بعين الغيرة إلى ابنة لاد-لاد ذات البهاء، مع أن الملكة كانت ترتدي إحدى أجمل فساتين كريستيان ديور، مفضلها بين أكبر الخياطين. كانت تشعر أن ديور يعمل كما لا يعمل أحد الفساتين التي تحلم بها، أن خياط النساء العبقري لا يبتكر إلا لها. لهذا كانت فرصتها كلما تجيء إلى باريس للفِرار التسويقي عنده، وهي لا تجيء إلى باريس إلا لهذا، إلا أنها تستعمل الحفلات الخيرية ذريعة. لهذا كذلك أنشأت مؤسسة نهر الأردن التي تَرْأَسُهَا لحفلات في فيرساي أو لدى كارتييه، واحدٌ ثانٍ من مفضليها. حفلات ساهرة، وأيضًا حفلات ساهرة، لا تخدم سوى المجيء بها إلى عاصمة الموضة والأناقة، فسموها السفيرة الجميلة للمملكة الهاشمية وللأناقة الباريسية، وحجزوا لها أحسن دهون التدليك، أَلَكْسَس (من لوكس) عطور التجميل. هذه هي ملكة صغيرة، وإن كانت بقامة طويلة، من أسرة متواضعة –أبوها طبيب عادي-، فصارت إحدى الملكات الأغنى في العالم، وشعبها أحد الشعوب الأفقر في العالم! لكنها الملكة! ملكة بلد صغير صحراوي! على عكس الملك الصغير، الصغير الصغير، كانت مرصودة لإيلاد نسل هاشمي من العمالقة، ودحض البرهان على عقدة القامة القصيرة التي تورث من أب لابن في الأسرة الملكية. إذن لكل تلك النساء العظيمات ذوات النفوذ من العُقَد ما يراد حلها بسبب أزواجهن، وها هي تشعر، هي ملكة الأردن، بكونها مهددة بجمال خديجة. الأخريات كذلك، كن خائفات من إغرائها لأزواجهن، فأخذن يتآمرن عليها:
- من اللازم الإبلاغ عنها، قالت الرئيسة.
- لن يصدق أحد أن هذه الفتاة الساحرة هي ابنة متزمت وزوجة شيخ، قالت المصرية بلهجة مقنعة.
- إذن سنبعث بها إلى الشيطان، اقترحت الإنجليزية.
- نبعث بها إلى الشيطان! كيف؟ سألت ملكة الأردن.
- برميها في نهر الإيست ريفر.
- نهر الإيست ريفر ليس نهر التيمز، أجابت السيدة الرئيسة، حقًا لن يمر من هناك رجال مطافئ بالصدفة مثل أولئك الذين انتشلوا زوجك، لكن بعد أحداث 11 سبتمبر، النهر تحت الحراسة على الدوام، جوًا وبرًا وبحرًا...
- أنتم خائفون من حادث انتحاري ضد السمك؟ قذفت المصرية مقهقهة.
- بالضبط كما تقولين، لأن في الإيست ريفر أنواعًا منها نادرة، كما هي في الوول ستريت، من اللازم حمايتها بنفس الدرجة التي نحمي فيها مواطنينا.
- في النيل، ليس هناك سوى التماسيح، من نوع نادر، هذا صحيح، معادل، وحتى مساوٍ لتماسيح الوول ستريت، لكن هناك منها الكثير إلى حد لم نعد نبالي بها.
- هذا لأنكم بلا قلب.
- لأننا بلا قلب لتماسيح؟
- نعم، لتماسيح! متحضرة، أنا.
- وأنا نفرتيتي البربرية! مع ذلك، هي، كانت تشفق على التماسيح، فتعطيها أعداءها لتأكلهم في الأيام السعيدة.
- ولماذا لا نبعث بالجميلة خديجة إلى التماسيح المصرية؟ سألت الإنجليزية. نحن نعمل دومًا بنصيحة مدام صد-صد، لكن كتحلاية.
- لا! أنا أفضل خنقها على رؤيتها تُقضم بأسنان شرسة جدًا، أفلتت الملكة الأردنية.
- لجلالتها على الأقل قلب كقلبي، عادت الرئيسة إلى القول.
- لكني لم أقترح أبدًا رميها لتماسيحي، تَبًا لكما! احتدت السيدة الأولى لمصر. ومع ذلك، أفضل لها هذا الموت الفظيع لكن السريع على خنقها ورؤية عينيها الجاحظتين من الرعب خلال ضغطي بيدي على فمها.
- إذن سنسممها، ونقفل عليها في مكان ما، اقترحت الرئيسة.
- هنا، في البيت الأبيض؟ سألت ملكة الأردن، ساخرة. سيمكن لزوجي إيجادها وعيناه مغمضتان. إنه يعرف مقركم كجيبه، بفضل الزيارات التي كان يقوم بها هنا مع أبيه، أبوه الذي كان يأتي بدعوة أو بغير دعوة كل الرؤساء منذ أبراهام لنكولن. كان يعرفهم جميعًا، كلهم ذهبوا، وهو، كان لم يزل هنا: هذا هو أن تكون ملكًا، هذا هو أن تبقى إلى الأبد.
- ورئيس من عندنا زي بعضه، قذفت المصرية. هو ها هنا منذ خروجه من بطن أمه، حتى نرميه كجرذ ميت في قبره! من جهة أخرى، لهذا السبب، أعتقد أنني سأعدل عن غزو الرئاسة في بلد العم سام، وأقبل بالعقدة الدونية لطياري. وأنا صغيرة، عرفت ما كانت حياة الخراء في أزقة القاهرة.
- أحسنتِ الاختيار، قالت الأمريكية. والآن أعيدي إليّ صورة زوجي مع لسان حاله، فأتخلص من مس رز مرة واحدة وإلى الأبد.
- وأنا، كيف سأحل مشكلتي مع بليرو؟ سألت الإنجليزية.
- بترك خديجة تستولي عليه، اقترحت الملكة الأردنية، وهكذا سَيُصَان عرضي.
- وعرضي أنا؟
- هذا، سترين مع زوجة صد-صد، قالت النساء الثلاث ذات النفوذ.
- وفقط بهذه الطريقة سنتخلص من الجميلة السعودية دون أن نوسخ أيدينا، أضافت ملكة الأردن. لكن... تبقى العقدة التي لي، والتي لن تُحَل أبدًا. ملكي صغير، صغير جدًا.
قالت النساء الثلاث القويات الأخريات في جوقة:
- صغير لكنه فعال بقدر واحد كبير، كبير جدًا!
وانفجرن ضاحكات.
غادرتهن خديجة بلا استئذان، والتحقت بزوجها وأبيها في جناحهما. في البداية، اعتبرها الرجلان جاسوسة مرسلة من طرف السي آي إيه لجس رأيهما ومعرفة خططهما حول أسلمة أمريكا. مع ذلك، لم يخفِ الشيخ العُمَرِي إعجابه أمام جمالها، وأخذ يغازلها، إلا أنها صفعته معاملة إياه معاملة الخائن.
- كيف تجرؤ على خيانة زوجتك، أيها المرائي، أيها المسلم الطالح؟
- سامحيني، إنه البُعد، سارع إلى تبرير نفسه. أنا ماحل بقدر سلسلة جبالنا هندوكوش! أحلف برأس هذا البوذا الذي نسفته لأجل زوجتي الحبيبة: غازلتُكِ فقط لأنك تشبهين خديجة.
- لكني خديجة، أيها الأحمق!
- أنت أيضًا اسمك خديجة؟
- أنا خديجة، خديجة زوجتك، أيها التقي الباطل!
- إنها هي، يا صهري، خديجة، تدخل لاد-لاد، هل صرت مجنونًا أم ماذا؟
- نعم، يا حماي، مجنون حبًا لخديجة. انظر معي إلى هذا الجمال الفائق الإعجاب الذي أكتشفه للمرة الأولى بكل أبهته والذي يديخ رأس كل العالم.
- إنها لاد-لاد، يا صهري، أتنسى هذا؟ إنها لاد-لاد، طائرة انتحارية، عشرة اعتداءات بالقنابل، مائة صاروخ للمجاهدين، ألف مقاتل للقاعدة، إنها لاد-لاد، وأنت لك الحظ أن تكون هذه المرأة الساحرة زوجتك.
- أكيد لا، يا حماي.
- أكيد لا ماذا، يا صهري؟
- لا حظ لي أن تكون هذه المرأة الساحرة زوجتي.
- لماذا؟ غيرتك من التماثيل عادت إليك أم ماذا؟
- هذه هي المرة الأولى التي أرى فيها زوس عاريًا، قالت خديجة بابتسامة كبيرة، وهي تُحْدِقُ النظر في أسفل بطن إله الآلهة.
- توقفي خديجة، يا ابنتي، سيدمر زوجك زوس كما دمر بوذا لأجلك، وفعل كهذا في البيت الأبيض، ليس شيئًا عاقلاً. الآن تعرف السي آي إيه من أنتِ... هل تسمعيني، يا سي آي إيه؟ صرخ في أُذُن فينوس.
والصوت الذكوري من فم فينوس:
- كما لم يسمعك أحد!
- شكرًا سي آي إيه.
- عفوًا وغد!
- اتفقنا، لنترك زوس على حاله، أضافت خديجة. لكني أنا، أنا لا أحب الشيخ العُمَرِي هذا، الذي أجبرتني على الزواج به لاستراتيجية سياسية، لم أحبه في حياتي إطلاقًا.
استولى الشيخ العُمَرِي على سكين، وهدد بقطع عروقه.
- أنت لست جادًا، يا صهري، قال لاد-لاد للشيخ العُمَرِي، تريد الانتحار لأجل امرأة؟
- إنها لاد-لاد، يا حماي، امرأة ليست كغيرها! كل الرجال يسقطون على قدميها، أنا أولهم (ويسقط)، لكنها لا تحبني. سمعتَ جيدًا ما قالت: لا تحبني. أنا، أحبها أكثر من أفغانستان، وهي، هي لا تحبني. سمعتَها جيدًا، يا حماي، لا تحبني! أنا، أحبها أكثر من جزيرة العرب، أحبها أكثر من كل شيء، أكثر من أمريكا، أستراليا، ألاسكا، صحراء النقب، سيناء، نيفادا، أكثر من كل صحاري العالم، أكثر من كل سواحل الجليد، وهي، هي لا تحبني. إذن دعني أنتحر.
- قم، يا معتوه، أو أبعث إليك كلبة الرئيس، قال الصوت الرجولي من فم فينوس.
- لا! لا الكلبة! صاح الشيخ العُمَرِي مرتعدًا، تعض بشدة هذه البهيمة، أفظع من أسدة!
نهض، أعاد السكين، وابتسم لخديجة وأبيها ببلاهة.
أخيرًا وجد لاد-لاد الفرصة لانتقاد زِيّ ابنته وماكياجها المعارضين للتقاليد، فأوضحت أنها كانت الوسيلة الوحيدة لخداع الرجال المكلفين بأمن الرئيس. في تلك اللحظة، دخل الرئيس الجناح الأزرق. وفي الحال، وقع متدلهًا في حب خديجة.
- سمعت كل شيء بفضل أُذُني زوس، قال، لهذا أنا هنا، مستعد للسقوط على قدميك، خديجة، يا حبيبتي.
- حبيبتك؟ تذمر الشيخ العُمَرِي. حبيبتي!!!
- لكن، يا صهري، الرئيس ليس تمثالاً: لا يمكنك أن تَغِيرَ منه! قذف لاد-لاد.
- له أُذُن زوس، عَكَسَ هذا الأخير الحجة على صاحبها، لقد اعترف منذ قليل.
- أُذُن زوس لن تكون أبدًا زوس، الجبار، القهار، الدولار! رد بدوره لاد-لاد. سامحني، مستر بريزيدنت.
- مسامح، لادي. رغم كل الخصال التي تنقصني، جعلت أمي مني رئيس الولايات المتحدة الأمريكية، قال متفاصحًا، وهو يحس متأخرًا بتقليده الرئيس المصري.
- نعم، أيده لاد-لاد، لكن من زوس، أنتَ ليسَ لكَ غيرُ أُذُنِهِ، يا صهري.
- حماي! استشاط الشيخ العُمَرِي، أنا صهرك، وخديجة زوجتي.
جرها من يد، والرئيس ولاد-لاد من يد.
- اتركني أولاً أعمل على اعتناق الرئيس، أيها الغبي، همهم لاد-لاد. بعد ذلك، أعيد إليك زوجتك.
- إذا كان الأمر لكهوف بورا بورا، أنا موافق، قال الشيخ العُمَرِي مفلتًا يد خديجة.
وقعت خديجة بين ذراعي الرئيس، فحاول تقبيلها بلا جدوى. هربت منه راكضة، ضاحكة، تحت الابتسامات الراضية لأبيها وزوجها. دارت في الجناح الأزرق دورتين، والرئيس يركض من ورائها، ثم خرج الاثنان.
















الفصل الثامن

بالتأكيد هذا الحب البريء قد وضع حدًا لخطة النساء الأربع العظيمات، وللرد على هذا العار، أوقعت السيدة الرئيسة ملك الأردن الصغير في شباكها، فطلبت الملكة بدافع الغيظ عون الإنجليزية، لكنها هي أيضًا وقعت في غرام الملك الصغير، كالمصرية. اعتزلت ملكة الأردن، وبكت: كانت منافستها خديجة، الآن السيدتان الأُوُليان لأمريكا ومصر والسيدة الثانية لإنجلترا. وبالتالي، الوداع للمهمة "التاريخية" لسفيرة الأناقة الباريسية!
انضم إليها بركة.
- ساعة العشاء لا تجيء، قال. أنا جائع، وأنا لا أحب الهمبرجر.
أخذ يبكي.
- كأنك مصري من بولاق، أفقر حي في القاهرة، وليس رئيس كل المصريين، قالت الملكة ساخطة.
- لكني جائع، تباكى الرئيس المصري، لهذا أنا لا أحب المجيء إلى البيت الأبيض: نحن لا نأكل جيدًا هنا، خاصة مع هذا الطعام الخاص بالقادة العرب. جلالتك، أنت لا تموتين من الجوع؟
- أموت من الألم، أتعذب، أجابت الملكة، وهي تعمل كل ما في وسعها ألا تبكي.
- لأن زوجك يخونك، يا حبيبتي؟
- و-مع-زوجتك، صاحت الملكة بأعلى صوتها.
- ليس هذا خطيرًا، يا حبيبتي، أنا كذلك يمكنني أن أخونها معك، يا حبيبتي، هكذا سنكون متعادلين، يا حبيبتي.
- أولاً لست حبيبتك، ثانيًا أنا ملكة، سفيرة للأناقة الباريسية، وأنت رئيس بائس من بولاق، شحاذ لا يتوقف عن النواح كمعظم مواطنيّ الذين هم جوعى. ليس هناك سوى الأكل في الحياة!
- وماذا هناك غيره، يا حبيبتي؟
- ل-س-ت-ح-ب-ي-ب-ت-ك!
- طيب، يا حبيبتي، أنت لست حبيبتي، لكنك لم تجيبي على سؤالي، يا حبيبتي!
- معتوه!
- هذا يمكنك قوله، يا حبيبتي.
بليرو، رئيس الوزراء البريطاني، انضم إليهما.
- زوجتي، قال، لم تعد تريدني، كالملكة الأم قبلها، أنا المحبوب المكروه في شخصي!
- أنت أيضًا تموت من الألم، تتعذب، كالمسكينة ملكتي حبيبتي؟ قال بركة.
- ماذا عليّ أن أفعل؟ سأل بليرو.
- ماذا علينا أن نفعل؟ سألت ملكة الأردن.
- مهما يكن، ليست غلطة زوجك، يا حبيبتي، عاد بركة إلى القول. إذا كان جميلاً كقمر، ليست غلطته. أنا أيضًا يمكنني أن أقع في غرامه. إضافة إلى ذلك، يا حبيبتي، أنا مغرم به، لكن زوجتي تمنعني. تريده لها وحدها، أريد القول، لها وللأخريات.
- الأخريات؟
- المرأتان الهامتان الأُخْرَيان، يا حبيبتي.
- هذا أعرفه، ظننت للحظة أنك تتكلم عن الشخاخة كذلك.
- الشخاخة، يا حبيبتي؟
- خديجة، يا رب بولاق!
تدخل بليرو:
- خديجة مع الرئيس، يا حبيبتي!
تكلم كبركة. والملكة تسمعه يقول "يا حبيبتي"، حملقت استغرابَا.
- إنها في صدد اعتناقه للإسلام، يا حبيبتي.
- اعتناقه للإسلام؟
- هذا ما يريده أبوها، لغزو أمريكا دونما حاجة إلى طائرات انتحارية، يا حبيبتي.
- وزوجها، لا يقول شيئًا؟
- هو موافق، يا حبيبتي.
- ما قصة المجانين هذه؟
- هذا كما تقولين، يا حبيبتي. قصة مهابيل!
شرح بركة:
- الإرهابيان –والجبان يلتفت حوله- تخليا عن فكرة أسلمة بووي-بووي لغزو البيت الأبيض عند الانتخابات القادمة. أسلمة الرئيس الحالي، أكثر سرعة، يا حبيبتي.
- وهذه الشخاخة خديجة هي المكلفة بهذه المهمة. في أي جناح من البيت الأبيض: شرق، غرب، شمال أو جنوب؟
- شرق، أجاب الرجلان بصوت واحد، ثم: يا حبيبتي. جناح الإسلام. الكعبة شرق البيت الأبيض. لأجل الصلاة.
وقلد الرجلان الذين يصلون، وانحنيا إلى الأمام عدة مرات:
- الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر...
- حدثني قلبي بذلك. إنه الجناح المضاد لجناح الصليب، حيث "النساء الثلاث العظيمات"، كما تقولان، أخذن زوجي.
- لكنه كان مسيحيًا، ويتظاهر بكونه مسلمًا، كديك دوكر اليهودي الذي يتظاهر بكونه مسيحيًا.
- إذن، اطلبيني ما تشائين، يا حبيبتي، قال رئيس الوزراء البريطاني، يمكنني أن أُمَسْحِحَكِ، أنا كذلك، يا حبيبتي.
وأخذ يحضنها بعينيه، بهيئة غزلية.
- كفى، بليرو! نبرت. بدلاً من أن تذهب لتنتزع زوجتك من ذراعي زوجي، تريد أن تأخذني إلى أي جناح، شرق أم غرب؟
والرجلان:
- شمال.
ثم:
- يا حبيبتي.
- شمال، لماذا؟
- بكل بساطة لأنه شاغر، يا حبيبتي.
- لا، سأذهب إلى الجناح الجنوبي.
- تريدين أن تصبحي يهودية، يا حبيبتي؟ سأل بليرو.
- لماذا؟ أم ديك دوكر من تسكنه؟
- لا، إنه... الجناح الجنوبي محجوز لحريم مسز بريزيدنت، لكن عندما يكون هنا... ثم للرئيس المصري: قل لها، أنت، يا حبيبي.
سقسق قلب بركة من كثرة السعادة على سماعه من يناديه هكذا، أدار عينيه، ابتسم بسعة، حتى أنه أرسل إليه بوسات حيية.
- قل لها، يا خول، نهره بليرو.
- إنه الجناح المحجوز لشوشو.
- شوشو؟ من هو؟ طلبت ملكة الأردن.
- شوشو، شوشو، ردد بركة مع بعض النرفزة، ثم: يا حبيبتي.
- آه! شوشو، قالت الملكة.
ابتسم الآخر، بوجه يعبر عن الرضى، لما بعد بضع ثوان، أضافت المرأة بصوت خفيض:
- شوشو من؟
- أول رجل ضاجعني، زد على ذلك ضاجعنا كلنا، أنا وكل الحكام العرب بمن فيهم زوجك، وأشبعنا كلنا!
- آه! شوشو! قذفت الملكة التي فهمت أخيرًا. وهو هنا؟
- يا دوبه جاي، يا حبيبتي.
- أنت سعيد إذن؟
- سعيد جدًا، يا حبيبتي. بلا طعام، بلا مضاجعة، البيت الأبيض أشبه بكنيسة. لكن معه كل شيء يتبدل، سترين، يا حبيبتي. الجناح الجنوبي يصبح قلب أمريكا. آه! كل شيء يتبدل معه، أليس كذلك، يا بليرو؟
- معه، كل شيء يصبح آية من السحر، يا صاحبة الجلالة، هذا صحيح. البيت الأبيض لا يعود البيت الأبيض، خاصة الجناح الجنوبي.
- وماذا سيتبدل؟
- كل شيء، كل شيء يَتَهَوَّد، حتى الماء، حتى الهواء...
- حتى الخبز البولاقي اللي في غاية الضخامة، شوربة العدس، الفول المدمس، الملوخية بالأرانب...
حالِمًا يضيف:
- يا حبيبتي.
- سترين، عاد رئيس الوزراء الإنجليزي إلى القول، سيجد طريقة لاسترداد زوجك.
- ومتى سيكون هنا السيد رئيس الوزراء الإسرائيلي؟
- لن يتأخر، يا حبيبتي.
بصفتها فلسطينية الأصل، تستطيع ملكة الأردن التفاوض مع رئيس الوزراء الإسرائيلي حول اتفاق يَغِير منه الرئيس الفلسطيني عر-عر وزوجها في آن واحد. أرادت تحقيق هذه المهمة "التاريخية" لتعود إلى أخذ الأخرى بيدها، والتي ترتكز على نسل "عمالقة" بين أفراد الأسرة الملكية. إنها الطريقة الوحيدة التي ستربط بها زوجها إلى الأبد. تركت الرجلين التعسين، الأول يصرخ من الجوع، والثاني من عذاب الروح، وذلك للالتقاء بالمس رز في مكتبها.
- أنا مستعدة لعونك، يا حبيبتي، قالت لها مس رز بصوتها الرجولي. شوشو يفضل الحكام العرب عليّ، لكن لم يزل لدي بعض النفوذ الذي أمارسه عليه. اسأليني كيف، يا حبيبتي، قالت، وهي تزلق بأصابعها في الشعر الحريري للملكة.
- كيف، مس رز؟ قالت الملكة، وهي تبتعد حتى الطرف الآخر للكنبة.
- أنا لا أستطيع استخدام جمال زوجك، لأن شوشو يفضل الأولاد ذوي بنيان الإِسْمَنْت المسلح، وهذه ليست حالتي بطبيعة الأحوال. وبما أننا نتكلم في هذا، زوجك رفض كل عروضي في مادة الشرق الأدنى، أعني الشرق الأدنى جدًا.
- هذا أقوى منه، مس رز. الحق يقال، أعرف جيدًا ذوق زوجي.
- وذوقي أنا، يا حبيبتي؟ سألت الأخرى، وهي تزلق على الكنبة لتلتصق بالملكة. هل تعرفينه؟
- الآن أعتقد أنني أعرفه، قالت الملكة ناهضة.
دخل بووي-بووي، فأراح مقدمه الملكة. استغلت وجود سكرتير الدولة لتكرر مطلبها، وسكرتير الدولة الذي أصابه الحول لشد ما حاول مع السيدة الرئيسة، منذ كان قائدًا لبولوش الأب، دون أن ينجح، ها هو يجد نفسه ملقى لصالح الملك الصغير. لقد حان وقت الانتقام!




















الفصل التاسع

كان من حق الأمير العجوز ولي العهد السعودي ركوب البر في ليموزينة كبيرة، سيارة عن حق وحقيقة. ومع ذلك، كان في استقباله في مطار كنيدي، حسب طلبه، وليس في مطار واشنطن، الموظف الصغير نفسه، ليقوده إلى آثار الورلد تريد سنتر. كان حريصًا على تلاوة الفاتحة على أرواح الضحايا، فنزل من السيارة في مكان المأساة، وهو يرتدي ثوبه التقليدي، ودموعه تتدحرج على وجنتيه. شكره الموظف الصغير لشعوره النبيل، وولي العهد يحافظ على صمته. لكن، في الطريق إلى العاصمة، فتح أخيرًا فمه، واعترف بالغضب سببًا لبكائه، الغضب من أولئك الذين فروا تاركين الموت للآخرين دون أن يخطروهم، وأقسم جهد أيمانه على أن يشي بشوشو وكل اللوبي اليهودي.
- تعني أن تشي بِلاد-لاد وكل الشبكة الإسلامية، صحح الموظف الصغير.
- أنت تعتقد بهذه الكذبة، يا ابني؟ اليهود هم الذين قاموا بهذا، لإخضاع أمريكا والأمريكان وإخضاعنا بعد ذلك. يعرف بولوش تمامًا أن شوشو أقوى منه، وهو لهذا مستعد للتخلي عن كل شيء له، حتى كلسونه إذا ما طلبه الآخر منه. كما أقول لك، يا ابني، لقد عمل اليهود كل شيء ليخضعوا أمريكا ويخضعونا.
- كما لو أنكم لم تكونوا خاضعين قبل هذا، سموك.
- نعم، لكن هناك خضوع وخضوع.
- يعني؟
- يعني إنزال بنطالك قليلاً أو تمامًا ، يا ابني.
- لكن ليس لديك أي إثبات، سموك.
- بلى، لدي إثبات.
- ما هو؟
- الإثبات ليس هناك أي يهودي بين الضحايا.
- سموك يضمر أنهم أُخْطِروا.
- اسأل السي آي إيه. وهذا الكلب لاد-لاد ما هو إلا ألعوبة، واجهة، لا أكثر. إنه يدافع عن مصالح رؤسائه مقابل أجر، نعم، اليهود دائمًا والسي آي إيه، لقلبي. لكن أنا من الصعب قلبي، إليتاي عريضتان بهذا القدر.
- هل يمكنني أن أعطيك نصيحة، سموك؟
- يمكنك، يا ابني.
- نصيحة...
- قلت يمكنك، يا ابني.
- توقف عن تسميتي "ابني".
- كما تريد، يا ابني.
- أنت بعمر أبي، بعمر جدي، ربما بعمر والد جدي، لكني لست ابنك.
- لماذا؟ أنت تكره إلى هذه الدرجة أن يكون لك أب عربي، يا ابني.
- هذا آخر ما يهمني، لكن لا تسمني "ابني".
- أَلا تكون يهوديًا، يا ابني؟
الموظف الصغير مغتاظًا:
- فلنعد إلى اتهامك، سموك.
- إثباتي، يا ابني.
- لا تكشف لأحد عما قلته لي.
- هل أجازف بحياتي؟ لا بأس! لن يكون لكم بترولي.
- ولماذا في رأيك نحن نريد غزو العراق؟ لنستدرك مثل هذا الاحتمال.
- عراق أم غيره، بترولي يبقى الأفضل ولثلاثمائة عام. لقد نجح اليهود في انتزاع البرجين التوأمين منكم لكن أبدًا بترولي، مؤخراتنا ربما، لكن أبدًا حقول نفطنا.
- كما أرى، أنت ثابت على رأيك، سموك.
- نعم، أنا ثابت على رأيي، يا... ابني.
- وأنا أقول إنك تخاطر بإليتيك وبحقولك النفطية، بترولك، الأفضل، ولثلاثمائة عام.
- الحقيقة أن إليتيّ جِد غاليتين.
- ومراحيضك، سموك؟
- مراحيضي؟
- مراحيضك من الذهب الخالص، سموك.
- هذه حقيقتي التي لي وهذا أمر شخصي.
- حقيقة إليتيك العريضتين، سموك. هذه الحقيقة، نحن نعرفها عن ظهر قلب، وحاذر المرة القادمة عندما تذهب إليها، سموك.
- اتفقنا، اتفقنا، لقد فهمت. لاد-لاد هو من نسف برجيكما التوأمين، لا شوشو، ولا اللوبي اليهودي، من وراء ذلك، والدعم المطلق لإسرائيل لا يوجد إلا لأن مصالحهم تتلاقى ومصالحكم لمضاجعتنا بشكل أفضل، لكني لن أترك أبدًا هذا الكلب الجبان يأخذ مني السلطة طالما بقيت إليتاي على تمامهما.
عند وصوله إلى البيت الأبيض، مضى نصف الملك بالمطبخ، المضي الحتمي، ليستقبله الرئيس، وكلبته بين ذراعيه، فقفزت هذه بين ذراعي ولي العهد، وأخذت تلعق له لحيته.
- لم تفعل كلبتي هذا لأي رئيس عربي، سموك! ربما لأن رائحة البترول تشتم عنك، فكلبتي تعبد النفط.
- رائحتي شانيل، بريزيدنت، الأغلى، وشخصيًا أنا أكره رائحة النفط.
- إذن ما هو سرك؟
- شايف بريزيدنت، هذه الكلبة هي حفيدة حفيدة حفيدة كلبة كانت لي منذ أربعين أو خمسين عامًا. أنا كقريب لها، كجد لها. آكلك منين يا بطة... كم أنت شاطرة! كم أنت عاقلة! عرفتِ بابا الكبير؟ أنتِ أكثر ذكاء من ذلك الملحد لاد-لاد. أين هو؟ أحضروه لي حالاً، لأصفي حساباتي معه.
- لاد-لاد في أمان مع صهره وابنته خديجة، قذف الرئيس الذي لم يستطع منع ابتسامة كبيرة على ذكر المرأة الشابة.
- خديجة هنا؟ حالبة النعاج!
- حالبة النعاج؟
صفق الرئيس، لتدخل الساحرة خديجة المكتب البيضوي، وإذا بصعقة الحب تضرب الأمير عبدولدول في قلبه. ترك الكلبة تسقط من بين ذراعيه، ليمدهما نحو المخلوقة الجميلة، وهو يمد لسانه. قال الرئيس إنه وقع في غرامها من النظرة الأولى هو كذلك، وإن من الواجب أن يبقى ذلك بينهما. الرئيس السابق نكدت الصحافة له عيشه لِطَرَفٍ صغيرٍ من هذا الجمال، فمواطنوه أبعد ما يكون عن التحضر تمامًا كأبناء الصحراء، عندما يكون المقصود الحريم مما يملكون.
والآخر:
- جاد بلس كاديجا!
وخر على قدميها.
- لكن إذا شئت، أتركها لك مقابل تنازلك عن العرش.
- وما الذي يثبت لي أنها ابنة لاد-لاد؟
- أنا خديجة، أيها الخَرِف! قالت مقعرة صوتها.
الأمير بعد لحظة من التفكير:
- ما أهمية ذلك بعد كل شيء؟
ثم للرئيس:
- أنا موافق. متى الزواج؟
- لكني متزوجة، أيها الخَرِف! قالت خديجة.
- ومع ذلك سنتزوج. متى؟
- متى تشاء.
- حالاً.
- إذا شئت.
- وإذا شئتُ أنا، تدخلت خديجة. هنا ليست جزيرة العرب، أيها الخَرِف! هنا أمريكا.
- وهنا قفاي، قال الرئيس. ثم زاعقًا في وجه المرأة الفاتنة: دعينى أشتغل، خراء!
- برافو بولوش! ها هو ذا رجل! أنت تثبت أنك تأسلمت تمامًا، اغتبطت خديجة.
- مسلم، هو، يا حبيبتي؟ سأل الأمير العجوز. وأنا، أنا ماذا؟
- هندي! صاحت المخلوقة الجميلة بصوتها الخفيض.
- أنا لا أحب الهنود، يروحون الرز بالقرفة. أنا أكره القرفة، ولهذا أكره الهنود. نعم، أنا عنصري! صاح بدوره. لكن بين ذراعيك خديجة، سأكون هنديًا، وسأعبد القرفة. أنا مستعد لأكل الرز كل يوم، يا حبيبتي.
- لا تخطئ بِمِس رز، سموك، قذف الرئيس.
- إذا كانت مطبوخة بالقرفة، في أحضان خديجة، سأبلع كل شيء، حتى بووي-بووي بلحمه وعظمه.
- مطبوخ بالخردل هذا المارق!
- بالخردل أبلعه كذلك، في أحضان خديجة.
ثم بدل رأيه:
- لا، بالشطة.
- لم يُؤَسْلَمْ بعد، سموك.
- لم يؤسلم بعد، يا حبيبي؟
- لا، خول.
- ارسله لتدريب في بلاطي، التدريب مجاني، وبلا أي طموح رئاسي. نحن مملكة حمير وخراف، له الخيار.
ثم لخديجة:
- متى سيكون زواجنا، يا حبيبتي؟
- أنت تريد خديجة زوجة بالفعل؟ سأله الرئيس.
- وفي الحال، أجاب رافعًا جلبابه. ستكون زوجتي رقم 777، لكن مفضلتي.
- إذن تتنازل، بما أن مرض أخيك يمنعه من فعل ذلك بنفسه. تترك السلطة للاد-لاد، حميك القادم، الذي عليه تعود مَسْحَحَة كل جزيرة العرب. هو قادر على ذلك، هذا الإسلامي حسب الطلب، ووجودنا عندكم حُلّت مسألته. لن نكون جيشًا ملحدًا، وسيصدّر البترول لنا بلا أي كره عنصري أو ديني. إلا إذا نجح ابن الكلب في أسلمة أمريكا، فيكون المشكل نفسه، ويكون من اللازم أن أشن حربًا صد شعبي لأجعله يقبلني.
- هذه هي صدمة الحضارات، يا ابني. البادئ أظلم! وأنتم الذين أردتم. الآن أريد الزواج من الجميلة خديجة، وحالاً.
وضم الفتاة بين ذراعيه التعبتين.
أحس الرئيس أن نصف الملك هذا قد سجل انتصارًا عليه، حتى الكلبة امتنعت عن طرده. تركه يركض من وراء خديجة، وعاد يبكي بين ذراعي مس رز.






















الفصل العاشر

ساعة فيما بعد، ذهب الرئيس إلى المطار بنفسه لاستقبال شوشو الإسرائيلي، وما أن رآه، قال له:
- ضاجعهم، شوشو.
وهو يُضَمِّن الفلسطينيين.
مرا أمام كل مطاعم الوجبات السريعة دون أن يتوقفا، وما أن اخترق شوشو البيت الأبيض من بابه العريض، حتى قال له ديك دوكر:
- ضاجعهم، شوشو.
بووي-بووي:
- ضاجعهم، شوشو.
مس رز:
- ضاجعهم، شوشو.
بركة المصري:
- ضاجعهم، شوشو.
بليرو:
- ضاجعهم، شوشو.
لكن شوشو في البيت الأبيض من أجل هدف آخر غير مضاجعة الفلسطينيين. الحق أنه يحاول منذ زمن طويل تملكهم بكل الوسائل، ولا يصل إلى ما يريد. مع ذلك، عر-عر، ألعوبة السلطة بلا سلطة، أعطاه، هو أيضًا، الإذن بلا إذن، عند لقائهما السري الأخير:
- ضاجعهم، شوشو.
- من المستحيل مضاجعتهم صُنَّاع الخراء هؤلاء! صرخ شوشو، وهو ينتش شعره.
فقال له:
- ضاجعني، شوشو.
لكنه كان مريضًا جدًا ومقرفًا لم يستطع شوشو حتى لمسه.
- إذن، شوشو الرجولي! عاتبه عر-عر. لم تعد رجوليًا!
- وأمك، أيها المغفل؟ أجاب رئيس الوزراء الإسرائيلي المتعجرف.
- ضاجعها إن شئت، بشرط أن تضاجع النانانا...شطييي...ن!
كان عر-عر يعاني من مرض باركنسون، لكن إذا تأتا، فلأنه كان خائفًا.
وعطس.
- أنت، أيها الرِّعديد، لا خُصى لك! تريدني أن أضاجعهم من أجلك.
- لتحاشي الحرب الأهلية، شو... ش... ش... ش...
- طيب، طيب، شوشو، فهمت، هذا أنا!
- أشجع الشجعان! لتجعل مني ضحية. أنت تتذكر عندما تظاهرنا بسقوط طائرتي عند قذا... ذا... ذا... ذا...
- عند قذافي، طيب، وبعدين؟
- هؤلاء الفلسطينيون القذرون، لهم قلب حساس كلهم. لما أكون في موقف الضحية، يحبونني كلهم، نعم، أنا، الشخصية المكروهة!
- كما تريد. سأقصف المقاطعة، قيادتك، بمدافع دباباتي.
- اقصفها لما أكون غائبًا، شوشو.
- هذا لا يصير، أيها المغفل! يجب أن تكون جوه. هكذا أفعل منك ضحية.
- لكن ليس جثة مع ذلك!
- طبعًا لا، أيها المغفل! أنا لم أزل في حاجة إليك.
- طَهْ.
بدا مبسوطًا لاختصار "طيب"، اختصار سيوفر عليه جهدًا جهيدًا.
- سأقيم في الجناح الجنوبي، شايف؟ الجناح المهوّد الأكثر بُعدًا عن مدافع دباباتك. وانتبه على نفسك، شو... ش... ش... ش...
- طيب، طيب، شوشو، فهمت، هذا أنا!
- أشجع الشجعان! وخلصنا بسرعة مع أولئك النانانا... شطييي...
- الناشطين.
- لأستطيع فيما بعد أن أقدم لك فلس... فلس... فلس... طي... طي... طي...
- يهوذا والسامرة.
- إذا شئت شو... ش... ش... ش...
- طيب، طيب، فهمت، هذا أنا!
- أشجع الشجعان! على طبق من فضة.
- على طبق من خراء، أيها المغفل!
- إذا شئت، شوشو.
قالها بسحبة واحدة، ودون أن ترتجف شفتاه.
- برافو، أيها المغفل!
- أنا في خدمتك، شو... ش... ش... ش...
- و... بدينا من جديد!
بعد ذلك، أقسم شوشو على ألا يسمع بعر-عر بقدر ما جعله قَرِفًا. لا هو، ولا بولوش، لن يلتقياه، وإلا شن حربه "ضد الناشطين" في كل أمريكا. طبعًا، كان في حاجة إليه لتهويد الأراضي المحتلة، لكن هذا الرِّعديد يلوح دومًا بشبح الحرب الأهلية. فكر في تبديله بذراعه اليمنى، عب-عب، شجاع لا خوف لديه من شيء ولا من أحد، لإنجاز هذا الهدف. لم يكن الظرف ملائمًا بعد. أولاً يجب إنهاء الشغل القذر مع الناشطين وكل الآخرين، يعني لشوشو، "كل حركة الخراء الوطنية". إذا لم يمش هذا، كان على عب-عب أن يتدبر أمره. هو، شوشو، سيثبت الفساد العام على صدر السلطة بلا سلطة، الذي هو في يديه حساباتها البنكية، والذي يريد إعادة النظر فيها، وهذه المهمة مستحيلة في الظروف الفوضوية الحالية، لكن سيكون ذلك للإتيان بعب-عب إلى الحكم، محاطًا بنفس الفاسدين طبعًا. وإلا كيف يمكنه القيام بحرب ضد الناشطين حتى انتصار شوشو؟ لا أحد من الفلسطينيين سيقبل بلعب مثل هذا الدور ما عدا أشباه الرجال هؤلاء، القذرين.
هذه المرة، شوشو في البيت الأبيض لأجل شيء آخر: المشاركة في الحرب ضد العراق.
- مستحيل! قال الرئيس. تريد نسف خطتي؟ ستثور البلدان العربية عليّ. لن يمكنني احتلال العراق بهدوء كما تحتل، أنت، غزة والضفة.
- يهوذا والسامرة، رئيس.
- كما تشاء، شوشو، يهوذا والسامرة. أنت مبسوط؟
ثم لنفسه:
- في أي بلد يوجد هذان الثقبان؟
- غزة والضفة، رئيس.
- قلت لنفسي هذا يقول لي شيئًا. كل هذه الضوضاء العالمية لثقبين صغيرين! لثقبين صغيرين لا شأن لهما! لكن لنعد إلى مطلبك، الذي أفهمه تمام الفهم. في وضع الأشياء الحالي، أنت لن تكون طرفًا في المعارك التي ستدور في العراق. من جهة أخرى، لن تكون هناك معارك.
- خلاص، حللت كل شيء مع صد-صد؟
- ليس تمامًا، شوشو، ليس تمامًا.
- خليني أتفضى له. سأقوم بحرب فعلية إلى جانبك، ولا بأس لو ثارت البلدان العربية عليك. أنا هنا، خوي الصغير، سأهتم بالأمر.
- لا، لا ولا، شوشو، أنت تريد أن تورطني أم ماذا؟
أقسم شوشو أنه لا يريد أن يورط أحدًا، أنه لا يطمع في النفط العراقي: نفط سيناء يكفي بكثرة الثقب الذي هو بلده، أكبر بقليل من الثقبين الآخرين، يريد فقط إشباع رغبته في إسقاط قنابله على بغداد. حلم قديم يتمنى تحقيقه، منذ ذلك الوقت الذي دمر فيه رئيس الوزراء سابق السابق السابق السابق السابق المفاعل النووي تموز. كيف الآخر فعله وهو لا. كان يعتقد أن إسقاط قنابله على بيروت سيضع حدًا لهذا الحلم. لا. حلم قديم تحول إلى كابوس. يأتي كل ليلة. الرحمة!
هذه المرة دون باقي المرات، رفض الرئيس رفضًا باتًا، رغم دموع شوشو.
دخلت مس رز المكتب البيضوي في اللحظة المناسبة، وأخذت رئيس الوزراء الإسرائيلي بتحنان، بكثير من التحنان، بين ذراعيها.
- شوشو! قالت، وهو تهدهده. هذا لأنك لا تستطيع مضاجعة الفلسطينيين أنت تبكي؟
- لا، لأني لا أجد أحدًا يضاجعني، قال بصوته المهدد.
- وأنا، هل نسيتني؟
تأملها شوشو عدة ثوان، إلا أنه أمام رجولتها التي تخيف حتى الذئاب، انفجر باكيًا من جديد. حكى الرئيس لمس رز سبب كل هذه الدموع، فنصحته لسان حاله بأن يطلب من رئيس الوزراء البريطاني تحقيق هذا الحلم لشوشو بإسقاط قنابله على أم قصر أو البصرة، فهما المكانان اللذان سيكونان تحت إمرة الإنجليز.
- أنتِ دومًا ما لك من أفكار أكثرها عبقرية، رز ولحم وتوابل! قذف الرئيس قبل أن يخابر ضيفه البريطاني.
إلا أن بليرو رفض، فبكى شوشو أيضًا وأيضًا، على صدر مس رز. غار الرئيس، وماضي الشاب المكبوت في الكلية ينبثق. صاح بلسان حاله:
- رز ولحم وتوابل، ليست دار حِضانة هنا، هذا البيت الأبيض.
- وهذا شوشو، بريزيدنت!
- وأنا ملكة الأردن، تدخلت السيدة الأردنية الأولى دافعة باب المكتب البيضوي.
وفي الحال، جفف شوشو دموعه، وراح يكرس وقته للملكة. قالت له إنها بانتظاره، بصفتها فلسطينية الأصل، لحل مسألة شعبها. وافق شوشو، واقترح عليها أن تكون ملكة على الأردن والشعب الفلسطيني.
- لكني ملكة الأردن.
فوق ذلك، اقترح عليها شوشو الكويت حيث وُلدت، فوافقت.
- بشرط أن تكون امرأتي رئيسة وزرائك، يا صاحبة الجلالة، أضاف شوشو.
- زوجتك رئيسة وزرائي؟
- افهميني، جلالتك، لزوجتي مواهب لا تحد في مادة نزع السلاح الزوجي، فيكون باستطاعتها مساعدتك على حل كل مشاكلك القادمة.
- لكن لن يكون لي أي مشكل، شوشو، بما أنني ابتداء من الآن أتخلص من زوجي، وأحكم مكانه.
- بالضبط، جلالتك، خُطَّابك سيعدون بالعشرات، بالمئات، إن لم يكن بالآلاف، وزوجك؟ هل فكرت فيما سيفعله زوجك؟ أنت تطلبين مني اجتياح الكويت لأن له ثلاث عشيقات، وهو، ماذا سيطلب مني؟ كل العالم العربي؟ أنا لا أملك بعد الوسائل. امرأتي بلى. إضافة إلى ذلك، جلالتك، زوجك صغير جدًا.
- أنا لا أرى العلاقة.
- سأوضح لك، جلالتك...
زعق بالرئيس الذي ينصت بانتباه مقربًا رأسه:
- قف في القرنة هناك، بولوش، ولا تلتفت. بليرو ورز ولحم وتوابل، في الدوش.
قفزت مس رز من الفرح:
- أنت ملاك، شوشو!
تعلقت بذراع رئيس الوزراء الإنجليزي، ودفعته نحو صالة الحمام، وشوشو يقول في ظهرها:
- وضاجعيه جيدًا من أجلي، رز ولحم وتوابل! سيعلمه هذا ألا يدعني ألقي ببعض القنابل الصغيرة على البصرة، "البريتيش" الأناني!
- كما لو حصل، شوشو! ألف شكر!
- أنتَ، خاصة لا تلتفت، قذف، وهو يحرك إصبعًا مهددة باتجاه الرئيس.
- إذن؟ طلبت الملكة الأردنية نافذة الصبر.
- زوجك صغير جدًا، لكنه جميل، هذا من اللازم قوله، جلالتك. وهو يراك مشتهاة من قِبَل كل حكام العالم، سيلجأ إلى مدلكات إسرائيليات ليكون على قدر المهمة التاريخية التي تركها له المغفور له أبوه. هكذا لن يكون في حاجة إليك، وزوجتي تعرف جيدًا كل تلك الأمازونات اللحيمات، كل تلك الصانعات للعجائب... –وطرطق لسانه. بفضلهن أنا كبير، سمين، وجميل، لكن ليس جميلاً بالقدر الذي هو عليه زوجك، جلالتك. مع زوجتي، يمكننا أن نتحالف لنحرم الملك الصغير من هذا الحظ الأخير.
وصل الملك الصغير راكضًا، والنساء الثلاث الأُوُليات من ورائه. كان قميصه ممزقًا، ووجهه ملوثًا بأقلام الحمرة. احتج على الاتفاق المعقود بين زوجته ورئيس الوزراء الإسرائيلي، فهذا الاتفاق له يعني التخلي عن المهمة الأخرى "التاريخية"، قَطْع الأمل في وريث جميل وطويل كرئيس الولايات المتحدة الأمريكية.
- بالضبط لهذا، يا صغيري، تأتي التسوية مع ملكة الأردن والكويت، ولا شيء غيرهما، فلسطين "نييت"، وإلى الأبد، قال شوشو للملك الصغير، وهو يربت على خده. لنحرمك من وريث سمين وكبير مثلي. واحترس من طرق مدلكاتنا اللحيمات وصانعات العجب العجاب... –وطرطق لسانه. امرأتي، بصفتها رئيسة وزراء صاحبة الجلالة الملكة، ستمنعهن عنك.
ثم للرئيس:
- استرح!
أراد عبدولدول 2 أن يناور، فطلب أن يتكلم أولاً مع عر-عر.
- لم يعد لعر-عر حساب، رد شوشو.
غدت ملكة الأردن مفاوضته الوحيدة، فقط لأجلها استعد لتحرير الكويت من الكويتيين، والمشكل الفلسطيني سيجد تسويته نهائيًا.
- ليس مشكلي، صاح الملك الصغير صافعًا نفسه.
كان مصعوقًا بمنطق عسكري لا يأتي من رئيس الولايات المتحدة، ويضع حدًا لنسل العمالقة الملكيين، لأن في الوقت الحالي، زوجته، مع قَوام رئيس الدولة، لم تعد تريده. أُغمي عليه، وبانت السيدات الأكثر قوة في العالم عاجزات. حاولن إيقاظه بلا جدوى، مما أرضى الملكة، وأسعد بركة. بالنسبة له، التسوية "تاريخية" أم غير "تاريخية"، المهم العشاء. والذين كانوا حول شوشو: "ضاجعهم، شوشو! ضاجعهم، شوشو!" كان الكويتيون هم المعنيين هذه المرة. وشوشو، الذي لم يحقق حلمه المجنون بقنبلة بغداد، بدا الآن نصف راض. لم يقل الرئيس شيئًا، مما أدهش الجميع. كان مع تدمير مدينة اللآلئ، لإعادة بنائها، وإثراء، أيضًا وأيضًا، شركات الرئيس الأب وأصدقائه. خرجت مس رز وبليرو من صالة الحمام، بشكل من شارك في معركة حامية الوطيس، لكن الرئيس كان خائفًا من ترك قرنته، فناداه شوشو:
- تعال، الْحَقْ بنا، خوي الصغير.
- أنت متأكد، شوشو؟
- متأكد ومتحقق.
- ألا تريد حسابًا بنكيًا ثانيًا، أنت كذلك؟
شوشو لنفسه:
- يتكلم عن ماذا، هذا المغفل؟
- لا، بريزيدنت، قالت مس رز، وهي تحاول تصفيف شعرها وترتيب هندامها. شوشو لا حاجة به إلى حساب، كل الميزانية الأمريكية تحت تصرفه.
- حقًا، أنا لا أدري لماذا أنسى ذلك دومًا.
- هل تريد أن أتكلم من أجلك مع الكونغرس، خوي الصغير؟ سأل شوشو الرئيس.
- إذا شئت. قل لهم أن يقروا ما يلزم من مال لحربي في العراق.
- كم؟
- لنقل مائة مليار.
- فقط؟
- فقط شوشو.
- هذا كما لو كانت المائة مليار في جيبك.
- شكرًا شوشو.
- عفوًا. لهذا السبب هناك لوبي متنفذ في خدمتي. ما عدا حكام العرب المغفلين أولئك، أنا أساعد الجميع. حتى رئيس الولايات المتحدة الأمريكية عندما يحتاج إليّ، يعرف أين يجدني.

بعد يومين أو ثلاثة، قَدِمَ إلى البيت الأبيض كل شيوخ الخليج في ألبستهم التقليدية، وقد مسخوا أقزامًا، ومعهم نساؤهم، قزمات كذلك، وأطفالهم، صغار جدًا. يريدون أن يتأكدوا لدن الرئيس من الإشاعة التي سمعوها. نعم أم لا شوشو يريد غزو الكويت لحساب ملكة الأردن؟
- نعم، أكد الرئيس.
- كيف هذا، نعم، يا سيادة رئيس الولايات المتحدة الأمريكية؟
وبدأوا ينوحون، زوجاتهم يصفعن أنفسهن، أطفالهم يشخون في كلاسينهم: "نحن الذين فعلنا كل شيء لأجلك، نحن الذين تنازلنا عن كل شيء لك، تخلينا عن كل شيء: بترولنا، بلداننا، نساؤنا"... والنساء يصرخن من الحياء.
- ستبحثون منذ الآن عن بلد يستقبلكم الوقت الذي نحل فيه هذا المشكل الصغير مثلما كان في عام 91، أمر الرئيس.
- لكن أي مشكل؟ تباكوا. ليس هناك مشكل. أساطيلك لا تؤسطل بكل حرية؟
- بلى.
- بنكيوك لا يبنككون جيوبهم بنقودنا.
- بلى.
- مؤخراتنا ليست جاهزة لسوطها كلما ساطتك المتعة، يا سيادة الرئيس؟
- بلى.
- إذن أين المشكل؟
- هذا ما قرره شوشو.
ضرب كل واحد منهم وجهه بحذائه، وانخرس. لهذا الموقف "الشجاع" من طرفهم، شد بولوش على أيدي الأقزام، وهنأهم. قبل أن يغادرن غرف الخدم حيث نزلن، حيا من بعيد، برأسه، القزمات المتغطيات بأحجبتهن، وهو يحاذر ألا يسيء إلى عاداتهن ولا إلى تقاليدهن. فجأة، رفعت إحداهن حجابها، وكشفت عن وجهٍ بلحيةٍ قصيرة، مُرْتَجَة بابتسامة مرتجفة. احترامًا منه للتقاليد، رفض الرئيس أن يسلم عليها. وهو وحده في مكتبه، قال لنفسه إن هذا الوجه الملتحي للمرأة يذكره بواحد. في الواقع، كان عر-عر، الرئيس الفلسطيني. تخفى بين النساء ليقابل الرئيس الأمريكي، الذي، مُطَبِّقًا بالحرف الواحد تعاليم شوشو، امتنع حتى ذلك الوقت عن استقباله. حمل عر-عر على كتفيه كل خيبة العالم، وأراد الشد على يد شوشو، الذي رفض هو كذلك، حتى أنه زجره مذكرًا إياه بالتقاليد الموجبة للنساء. ألح عر-عر، وشوشو يفكر أنه لربما انتحاري، فسارع إلى الاختباء بين الذراعين الحاميتين لِمِس رز. تدخل رجال الأمن، وهم يتدرعون بكل أنواع الأسلحة، ليستنتجوا في الأخير مِنْ كل هذا، أنها امرأة، ملتحية بغرابة.



















الفصل الحادي عشر

كانت رائحة الفاصوليا البيضاء تتسرب إلى كل مكان في قصر الإليزيه، في الأبهاء المهيبة، المكاتب الفخمة، الأجنحة الموشاة. كان اليوم الجمعة، اليوم الذي يقدم فيه الطبق المفضل للرئيس في كل الطوابق، والرئيس شيشي يحب أن يتناول طعامه في مكتبه، ككل موظفي القصر، لأنهم بذهابهم إلى المطعم يضيعون الكثير من الوقت، والوقت، وقته خاصة، بثقل الذهب. وهو يبلع فاصولياه البيضاء، كان يدرس مع رئيس وزرائه، رافارين، موقف فرنسا، قائدة ما يدعى "جبهة رفض" الحرب في العراق، بينما امتنع الآخر عن الأكل طالما لم تنته جلسة العمل. لكن هل من الصواب الحديث عن رفض؟ هو بالأحرى لا إقرار. وهل من الإمكان الحديث عن جبهة؟ جبهة ضد الحرب؟ لكن مقدَّمة ليست ضد من يقومون بالحرب، هي بالأحرى مؤخَّرة. غير أن أحد مظاهر الحرب أن تجد أمامها رجالاً لا جدوى من عدائهم، والفاصوليا البيضاء أحسن من كل العراق وكل العراقيين، الفاصوليا البيضاء والبط الناهي تحت أسنان الرئيس يساويان كل الجبهات.
- ما هو رأيك، رافارين؟
- في الحرب، سيد الرئيس؟
- في الفاصوليا البيضاء، رافارين تَبًا لك، ويا ماخور الخراء!
- شكلها لذيذة.
- إذن، جلسة عمل أو جلسة بصل، كُلْ.
- مع أنها جلسة عمل أو جلسة بصل...
- مع أنها ماذا، رافارين تَبًا لك ويا ماخور الخراء وكل الباقي؟ ليس هناك ما هو أزكى من أن تغمس قطعة كبيرة من الخبز في المرق، هكذا، وتبلعها كلها، وأنت تملأ فمك كما يجب عليه الملء.
- نعم، لكني أنا لست فاصوليا بيضاء كثيرًا، أنا بالأحرى شُكْرُوت (كَرَنْب مملح ومخلل مع لحم الخنزير)، سيد الرئيس.
- لا تجيء من الألزاس، أنت! أبوك ليس "شتيمي"!
- ليس أبي، سيد الرئيس، أمي.
- آه! لو كنت أعلم.
- لو كنت تعلم ماذا؟
- لو كنت أعلم أنك بالأحرى شُكْرُوت، لما عينتك أبدًا رئيسًا للوزراء.
- ما أطيبه، ما أكثر ما أطيبه، طبق الشُّكْرُوت! ماذا لديك ضد الخنزير، سيد الرئيس؟
- أنا، لا شيء. البرهان: أنت هنا.
- لكنك لم تكن تعلم، سيد الرئيس.
- لم أكن أعلم ماذا، رافارين تَبًا لك ويا ماخور الخراء، أن أمك ألزاسية، وأنك شُكْرُوت بينما أنا فاصوليا؟
- هذا هو.
- سبق السيف العذل، رافارين. غير أنك تتدبر أمرك، كما أرى. لا سخط شعبي، لا إضراب، لا خرينات أخرى. أعرف، أعرف، رافارين: حتى هذه اللحظة. لكنك ثقيل وديماغوجي بشكل، وما يهمني من آجال لم يزل بعيدًا، وسيطول مجيء العاصفة. إذن ابق شُكْرُوت ما تشاء من الوقت، أنا أفضّل الفاصوليا البيضاء. من جهة أخرى، عندما أراك على التلفزيون، تذكرني بالخنازير التي كانت أمي تكرهها.
- والجانبون، سيد الرئيس؟
- كانت تكرهه كذلك.
- أنا الخنزير، الفرنسيون يحبونني، وأحيانًا أكثر منك. اقرأ استبارات الرأي العام، وسترى.
- أنا لا أفهم. كانت أمي شعبية في منطقة الكوريز، ومع ذلك، أبدًا لم تحب الخنزير. والشعب يحبك، أحيانًا، أقول أحيانًا، أكثر مني. أعتقد أنه يرى فيك كذلك هذا الحيوان المنفر، ورغم ذلك هو معجب بك. أعتقد أنني حسنًا فعلت عندما عينتك في هذا المنصب، وكنت سأبقيك في منصبك ولو أنك "شتيمي".
غَرَفَ أيضًا وأيضًا، ورئيس وزرائه يحمل بين ذراعيه الملف الكبير للحرب بانتظار أن ينتهي الرئيس من الأكل مثرثرًا، ومن الثرثرة آكلاً: وقته بثقل الذهب.
- لا تريد الأكل، لا تريد الحديث عن ملفك، إذن رافارين تَبًا لك ويا ماخور الخراء، أنت تضيع لي وقتًا ثمينًا. واصل.
- الشُّكْرُوت الذي تطبخه أمي هو الأطيب من كل الشُّكْرُوتات، رئيس. سأدعوك عندها ذات يوم لتذوقه، وستبدل رأيك.
- إذا كان شُكْرُوت بالبط، أو عند الاقتضاء بالوز، أذوقه بكل سرور.
- لكن...
- ليس هناك لكن، رافارين تَبًا لك ويا ماخور الخراء! واصل. قل لماذا على فرنسا معارضة الأمريكان. فسر، يلعن دين، الوقت بثقل الذهب.
أوضح رافارين لماذا تمتنع فرنسا لمرة عن اتباع حليفها الأمريكي بعماء. أولاً لأن بعد حرب الخليج عام 1991، التهمت الشركات الأمريكية معظم العقود، ولم يبق منها لفرنسا شيء أو يكاد. وضعوا يدهم على بترول المنطقة، وأيضًا ودومًا لا شيء أو يكاد لفرنسا. سيكون بالتالي الشيء نفسه هذه المرة كذلك. ثم لأن الفرنسيين في غالبيتهم معادون لهذه الحرب. كل أتباع السلام، من اليسار أو من اليمين، يتجمعون خلف الرئيس، كما حصل خلال الانتخابات الرئاسية التي أثبت فيها شيشي أنه سياسي محنك، نعم، عن حق، لم يقل رافارين ذلك بدافع الديماغوجية، عندما عمل كل ما في وسعه ليجد نفسه أمام المتطرف لوبين.
- لكن لم أكن أنا، رافارين تَبًا لك ويا ماخور الخراء، قاطعه، وهو يغرف لنفسه مرة أخرى. هذه الفكرة العبقرية فكرة بيبي، زوجتي!
- إذن فهي بيبي! هتف رئيس الوزراء الفرنسي. كنت أقول لنفسي...
- كنت تقول لنفسك ماذا، رافارين تَبًا لك ويا ماخور الخراء؟
- إن هذه الفكرة العبقرية فكرتك، سيد الرئيس.
- أنت تعتبرني مغفلاً أم ماذا، رافارين تَبًا لك ويا ماخور الخراء؟ أنا لست جزءًا من الرعاع. أقول لك إن هذه الفكرة فكرة بيبي، زوجتي.
- إذن كوكتيلها كان مقدرًا على التمام. قبعتي، مدام الرئيسة. لقد تجاوزتِ الرئيس السابق، الذي لا أريد أن أسميه خوفًا من أن تسبب الفاصوليا البيضاء لكَ وجعًا في البطن. "المهم هو الوردة"، هذا شعاره، أليس كذلك؟ عَمِلَ رئيس الوزراء ليهيجه.
- رافارين تَبًا لك ويا ماخور الخراء! أنا لا أفهم. لا شيء غير سماعي الحديث عن الورد، وبفاصوليا أو بلا فاصوليا، أشعر بمغص في معدتي!
- لقد عمل كل شيء ليقوّي هذا الحزب المتطرف اليميني كي يقسمنا، سيد الرئيس.
نهض الرئيس، وبدأ ينطنط، ضاغطًا يديه الاثنتين على بطنه.
- من هنا، قال رافارين، مشيرًا إلى المراحيض، ومواصلاً في ظهره. لكن بفضلك، أريد القول بفضل زوجتك، خصومك الأوائل نادوا بالتصويت لك.
والرئيس يصرخ ضاغطًا دومًا بطنه:
- آيييي...
ظهر بعد عشر دقائق، طلق المحيا، نديًا كوردة.
- أين كنا، رافارين تَبًا لك ويا ماخور الخراء؟ سأل.
- كنا نقارن زوجتك بالرئيس السا...
- قف، قف، قف! حدثني عن الحرب التي يعدون لها، لأنها ستقع على أي حال، سواء كنا ضدها أو معها. ولا تنس أنني مع الموقف الذي سأتخذه بعد مشاورة زوجتي، التي هي ضد بالطبع، أُعِدُّ فترتي الثالثة.
- فترتك الثالثة؟
- أعني فترة رئيس وزرائي، أردت الكلام عنك، رافارين. إنها الفاصوليا التي تجعل معدتي مضطربة.
- رأسك، سيد الرئيس.
واستشاط رافارين على طريقة رئيسه دفعة واحدة:
- لكن سأكون هنا، تَبًا لك ويا ماخور الخراء وكل الباقي! إياك أن تقلق، يا صديقي. عندما أكون رئيسًا، سأمنعهم من إخراج قضية تذاكر الطائرات والنفقات الباهظة نقدًا لإطعامك. لقد بدأت بكتابة بعض الملاحظات لأشرح أن شهيتك فوق العادة، إلى درجة التهام أربعة آلاف فرنك فاصوليا بيضاء يوميًا، وأطعمة أخرى بنوعية لا تقارن، بهذا الثمن، هذا شيء عادي.
عاد للرئيس مغصه.
- حسنًا رافارين تَبًا لك ويا ماخور الخراء! يجب أن تعلم أن تذاكر الطائرات المدفوعة نقدًا، كانت فكرتي، اعْتَرَفَ. كانت بيبي ضد، وللمرة الأولى لم أسمع لها. لا، للمرة الثانية. المناصب الوهمية، كانت أنا أيضًا. لم أكن أريد لابنتي أن تعمل ككل الناس، فهي ابنتي الوحيدة. لم أكن أريدها أن تتعب، والإعانات العائلية ليست كافية لحياة اللوكس التي كنا نحياها. فقلت لجوجوب، عبقريّ الثاني بعد زوجتي، أن يأخذ القضية بيده، وهذا ما فعل، أخذها بيده. زد على ذلك، إنها القضية الوحيدة التي عالجها كما يجب، حتى…
وعاد إلى الرقص بقدم على قدم، ضاغطًا بطنه، باحثًا عن طريقه إلى المراحيض.
- أعرف، سيد الرئيس، إنهم ورثة "المهم هو الوردة" الذين...
وعاد شيشي إلى الصراخ، قبل أن يعيد غلق باب المراحيض من ورائه.
خرج مرة أخرى طلق المحيا، ممشوط الشعر كما يجب، لامِعَهُ تحت ضوء الثريات.
- إذن، رافارين تَبًا لك ويا ماخور الخراء، كنا نقول... نعم، نعم، هذه الحرب الخرقاء التي تخريني كثيرًا.
- إذن، ثالثًا، عاد الآخر إلى القول، باتخاذك موقفًا ضد مهاجمة بلد عربي وإسلامي، ستتحاشى انتشار الإسلامية الراديكالية في فرنسا بين الطائفة المغاربية، لأن شبح تفجيرات فترتك الأولى لم يزل يحلق. ووووو... ووووو... عَمِلَ مقلدًا طائرة.
- هذه الووووو... ووووو... أليسها ووووو 11 سبتمبر، رافارين تَبًا لك ويا ماخور الخراء؟
- هي كهي... الإشارة المنبئة للعصر، سيد الرئيس. وقلت ذلك لعبقريّك الثاني، جوجوبك، لكنه لم يسمع لي. كان عليه أن يعيد ما قلت له على الأمريكيين، ويتحاشى كارثة كهذه.
- لهذا أنت مفضلي، رافارين.
- شكرًا، سيد الرئيس.
- ورابعًا؟ رافارين تَبًا لك ويا ماخور الخراء، وقتي بثقل الذهب.
- رابعًا، ستُبدي للعالم أجمع أن أوروبا مستقلة رغم هذا الخائن بليرو، وأن فرنسا هي قائدتها. لهذا من اللازم إنزال إلى مرتبة دنيا، الموقف الألماني ضد الحرب هو كذلك.
- هذا لأنهم شُكْرُوت مثلك، رافارين تًبًا لك ويا ماخور الخراء، أم هذا لأنهم خراء، اغفر لي زلة اللسان، أم هذا لأن لديهم خراء؟
- هم شُكْرُوت وبيرة، أنا شُكْرُوت ونبيذ أحمر، لكن ليس من بوردو.
- أعرف، أعرف، لأن جوجوب رئيس بلدية بوردو، ولأنه لم يسمع لك... هذر وثرثرة، هذر وثرثرة، هذر وثرثرة... و ووووو... ووووو...
- ولأنه يَحْوَلُ بعينه نحو الرئاسة هو كذلك.
- لديه الحق بما أنه توحيدي لا تقسيمي، شيراكي لا دوجولي، تفريغي لا تعبيئي! أكرر، لديه الحق.
- وأنا، هل تنساني؟
- أنا لا أنساك، رافارين، أنا لا أنساك. أريد أن تكونا أنتما الاثنان على رأس الدولة.
- نحن الاثنان رئيسان؟
- نعم. أنا أساوي رجلين. على الأقل هو فاصوليا بيضاء. هكذا يخلفني الشُّكْرُوت والفاصوليا بشكل عادل.
- لكن هذا لا يصير، سيد الرئيس. إما أنا، وإما هو. هل تنسى قضية تذاكر الطائرات؟ ال 14 مليون التي أنفقتها أنت وبيبي لما كنتَ رئيسًا للبلدية؟ نعم، لنفقاتكم البولوش، أعني البوش (الفم). معه الغوص في الرمل، بينما معي الحماية مدى الحياة.
- ستكون أنت، رافارين تَبًا لك ويا ماخور الخراء. لا تقلق. ما دام جوجوب ليس هنا...
- لكن...
- ليس هناك لكن، فلتعد إلى هذه الحرب الخرقاء التي تخريني كثيرًا.
بينما كان الرئيس ورئيس وزرائه منهمكيْن في الحديث، دخل وزير الداخلية السوبرماني، ستارسكي، المكتب. كان يرتدي لباسًا عسكريًا، وعلى رأسه يضع وشاحًا إسلاميًا. كان يتعمد فعله، لأنه يعرف مسبقًا أن أمره سينفضح على أي حال.
- آه! هذا أنت، ستارس، قال رافارين.
- ستارس كي (من)؟ طلب بمكر الوزير السوبرماني.
- نعم، هذا أنت ستارسكي، قال الرئيس. أنا لا أفهم. لماذا ترتدي هذا الوشاح، هل فقدت عقلك؟
- لا، سيد الرئيس. هذا فقط لأريك، بوشاح أو بلا وشاح، أمري منفضح كشرطي سوبرماني. إذن قضية الوشاح الإسلامي حُلت، وأنا أثبت أنه لا يشوه الشخصية التي تضعه، ولا يسبب أي ضرر للعلمانية. هذا كي أقول لك، سيد الرئيس، إنك تستطيع المشاركة في الحرب إلى جانب حلفائنا التقليديين الأمريكان. مع السماح بارتداء الحجاب، لن تعاديك الطائفة الإسلامية أي عداء.
كان رافارين مفتتنًا، وكان يتابع كلام وزيره السوبرماني بكبير الإعجاب.
- هذا لا يكفي، ستارسكي، رد شيشي. الحل هو إنشاء مجلس يجمع كل أئمة فرنسا، ويمنع الشبان المسلمين، العاطلين عن العمل أبًا عن جد، من الانحراف عن طريق الإسلام القويم الذي ننادي به. إسلام على الطريقة الفرنسية، إسلام أزرق أبيض أحمر دون أن يكون أحمر بالفعل. هؤلاء الأئمة المدفوع أجرهم من الضرائب، عليهم وحدهم تحييد الإسلاميين أو الذين لديهم حساسية أكثر من غيرهم ليكونوا. وهذا المجلس، ليس منشأ بعد، يا شرطي!
- شرطي سوبرماني، صحح ستارسكي.
- نعم، شرطي سوبرماني، قال رافارين مخيبًا بعض الشيء، وهو ينحاز إلى حجة الرئيس. إذن، ستارسكي، أخفقتَ هذه المرة.
سحب ستارسكي وشاحه بمرارة، وفي الحال أضاف:
- هذا المجلس، سيد الرئيس، سيتم إنشاؤه خلال ال 24 ساعة القادمة.
من جديد ابتسم رافارين ابتسامة الإعجاب.
- هذا سوبر ! هتف الرئيس.
- شرطي سوبر، صحح ستارسكي.
- أعني إنشاء هذا المجلس في 24 ساعة، هذا سوبر، هذا إكسترا!
- شرطي إكسترا.
- لا، أنا لا أتكلم عنك، لكن عن المجلس، هذا عظيم!
- شرطي عظيم.
كان رافارين في قمة سعادته.
- هل ستخرس، ستارسكي أم أنادي الشرطة؟ قال الرئيس مغتاظًا، ماحيًا الابتسامة المعجبة لرئيس وزرائه.
- الشرطة أنا، سيد الرئيس.
- كفى. على أي حال ليس هناك من عبقري بيننا إلا بيبي، و... جوجوب، قذف في وجهيْ محدثيْه. مع ذلك رفض الحقيبة التي في حوزتك، المضحك.
- مضحك سوبر.
نتش الرئيس شعره، وتوجه بالكلام إلى رئيس وزرائه:
- مره بالتوقف عن ترداد "سوبر" أو أطردك، وللفترة الثالثة سيكون جوجوب، أريد القول... يختلط عليّ الأمر.
أراد الرئيس تفادي أن يعرف ستارسكي خططه بخصوص خَلَفِهِ، لأنه هو أيضًا يطمع في هذا المنصب. لكن الآخر:
- جوجوب سوبر.
- أنا لا أفهم، أنا لا أفهم، صرخ الرئيس.
- أنا أفهم، قال رافارين. إنها الفاصوليا البيضاء التي يضطرب منها...
- معدتي.
- رأسك.
- رأس سوبر.
- رافارين تَبًا لك ويا ماخور الخراء وكل الباقي، افعل شيئًا أو أضربك بقدمي في قفاك ضربة لن تَبِلَّ منها أبدًا.
- قفا سوبر.
- لنعد إلى أئمتك، ستارسكي، ولا تُعِدْ خاصة "سوبر"، كن سوبر لطيف، قال رافارين لوزير داخليته.
- لا "سوبر"، رافارين تَبًا لك ويا ماخور الخراء وكل الباقي! واصل الرئيس الصراخ.
ثم هدأ قليلاً:
- ستارسكي، تعال هنا، قال مومئًا إصبعه. اقترب، اقترب، اقترب. خدك، خدك، خدك.
اقترب الآخر، مد خده، وصفعه شيشي.
- صفعة سوبر.
ضرب الرئيس جبهته على الجدار مرددًا: "أنا لا أفهم... أنا لا أفهم..." بينما عاد ستارسكي إلى خطابه، كما لو لم يجر شيء:
- إذن، سيد الرئيس، المجلس الذي تريد إنشاءه سيتم في 24 ساعة. بكل بساطة: سأعين الأئمة الذين أعرفهم.
- سوبر، أفلت الرئيس قبل أن يستدرك، لكن ربما شُنت الحرب في أقل من 24 ساعة.
- لا تقلق، سيد الرئيس، واعتبر أن هذا المجلس الأخرق قد تم إنشاؤه.
أخرج رئيس الوزراء ابتسامته المعجبة من جيبه قبل أن يتدخل:
- مع ستارسكي، كل شيء ممكن، كل شيء معجز! إن لم يستطع تأجيل الحرب، عمل كل شيء ليكون قبلها.
- الحرب كالانتخابات الرئاسية القادمة، رافارين تَبًا لك ويا ماخور الخراء.
سَر ستارسكي سماع ذلك من فم الرئيس، فامحت ابتسامة الإعجاب عن فم رئيس الوزراء، وقام بهجوم عنيف على وزيره السوبر:
- وشاح إسلامي أم لا، مجلس إسلامي أم لا، من اللازم ألا نتيح الفرصة لبنات محجبات ليفرضن سياسة إسلاموية أو متأسلمة على فرنسا، ستارسكي. إنها فرنسا، ستارسكي، إنها فرنسا! ليست العراق، ولا موريتانيا!
- من يتكلم عن موريتانيا، رافارين تَبًا لك ويا ماخور الخراء؟! اغتاظ الرئيس.
أحس ستارسكي أن الأمور تدور في صالحه، فألصق على فمه ابتسامة منتقمة ومَعيبة: منظور الانتخابات الرئاسية يتضمن تنافسًا بين الرجلين، السوبر شرطي والسوبر ديماغوجي. ثبت رافارين على رأيه، وأعطى مثلاً تلك البنات اللاتي يرفضن عند الامتحان معلمين رجالاً يشرفون على ذلك، ويعتبرن كافرًا المعلم غير المسلم، المدرس للقرآن.
- ومع ذلك، بعض الاحترام لقيم الجمهورية، ستارسكي، قال حَرِدًا.
الآن، تبدى شيشي للدفاع عن رئيس وزرائه:
- أنا لا أفهم. رافارين تَبًا لك ويا ماخور الخراء، أنت الأفضل.
فهي الطريقة التي اختارها الرئيس ليخضع رجاله ويتلاعب بهم.
- لكن...
- لكن ما لكن، سيد الرئيس، احتج الوزير السوبرماني متفاديًا رافارين بنظرته، تلميذات الخراء تلك، ليس أنا.
- ستارسكي، ضرب رئيس الوزراء كلماته بعنف، أعرف جيدًا ما تطبخ على نار خفيفة، أعرف جيدًا أن حملتك الانتخابية كل يوم، وأعرف جيدًا أنك تريد رأسي.
- أريد رأسك، أنا؟ احتج ستارسكي مرة ثانية. أنت تنسى أن رأسك، أنا من فبركه. هذا الأنف المعقوف الذي يجعلك تشبه ملاكمًا مبتدئًا، أليسه نتيجة ضربة مطرق من واحد من شرطيي في 68؟
- لا، إنه كوهن-بنديت.
- كوهن-بنديت!
- أي نعم.
- كنتُ أعتقدُ...
- كنتُ دومًا يمين وأنا يسار، لكن يسار اليسار، يعني يمين.
نظر شيشي إلى رئيس وزرائه بغرابة: رئيس وزراء يساري على رأس حكومة يمينية!
- أنا لا أفهم، قذف، رافارين تَبًا لك ويا ماخور الخراء، أنت تخرج عن الموضوع.
تلعثم رافارين، همهم عدة مرات "الشباب الجيسكاردي"، وصمت. ابتسم الشرطي السوبرماني، ابتسامة طفلية هذه المرة، تذكر بالولد ستارسكي الذي كان في المدرسة الابتدائية للمدينة البورجوازية نيي-سور-سين، عندما كان يختطف حبة ملبس من صديقته الشقراء. حبة الملبس اليوم هي قصر الإليزيه. أعطى رأيه في غزو الأصوات، لأنه هو، بصفته سوبر وزير للأمن، له حق اللجوء إلى كل الوسائل، بما فيها العنف "الشرعي"، هو مع الحرب.
- يا للمفارقة، أنت مع الحرب، بينما بيبي ضدها!
- والحال هذه، أعتقد أن من اللازم بدء الحرب ضد العراق قبل الأمريكان، وعلى الأراضي الفرنسية، سيد الرئيس.
- أنا لا أفهم. الحرب هنا، في فرنسا؟
- سيلتف الفرنسيون في غالبيتهم من حولي، أوضح ستارسكي.
قَمَعَ رافارين ابتسامة معجبة.
- أريد القول من حول الرئيس، لكن بما أن الرئيس لن يعمل فترة ثالثة، زلة اللسان هذه في محلها. ماذا كنت أقول؟ سيلتف الفرنسيون حول المرشح القادم للرئاسة، قال ضاربًا صدره متفاديًا النظرة الساخطة لرافارين، ضد فرنسيين آخرين، مغاربة ومجرمين.
شجب الرئيس هذه الفكرة التي ستؤدي إلى إراقة الدم الفرنسي، فأثار إعجاب رئيس وزرائه، مما جعل ستارسكي يعزم على الدفاع عن فكرته حتى النهاية:
- فيما يخص صورة فرنسا كقائدة لأوروبا، أوضح، أقترح أن ندعم الأمريكان، الإنجليز، والآخرين الذين هم مع الحرب، طليان، إسبان، بلدان أوروبا الشرقية، التكتيك يفرض ذلك. هكذا لن تَثبت عظمة فرنسا في أوروبا فقط بل وفي العالم أجمع، مستبقة بولوش وإدارته.
صفق رافارين لوزيره السوبرماني، والدموع في عينيه، إلا أن الرئيس وضع حدُا لكثرة الكلام، معارضًا للمرة الألف سوبرمانه، وملوحًا بشبح الانتخابات الرئيسية، دون أن يتوقف عن ترداد: "أنا لا أفهم، أنا لا أفهم...".
- أنا أفهم، وعلى أكمل وجه، سيد الرئيس. لقد فهمت أخيرًا، طيب، سأذهب، قذف ستارسكي.
- إلى أين، ستارس؟ سأل رئيس الوزراء. انتظر المشروب الفاتح للشهية. أنت لم تتغد بعد على الأقل؟ لا تقل لي إنك أنت أيضًا فاصوليا بيضاء! استنى شوي، الوقت الذي أنتهي فيه مع الرئيس وآتي. سامعني، ستارس؟ المشهّي.
- ستارس... كي (من)...، نادى الرئيس دون أن يريد سؤال الآخر.
- أنا، السوبر شرطي.
- نعم، أعرف، أعرف، لكن لم أكن أريد أن...
- روحك مضطربة هذه الأيام، سيد الرئيس. هذا بسبب الحر...
كان يعني الحرب، غير أن رافارين:
- الفاصوليا البيضاء.
- نعم، أعرف، أعرف، عَمِلَ شيشي، وهو يجسّ معدته بدل رأسه، لكن لم أكن أريد أن...
- لكن، إلى أين أنت ذاهب، ستارس؟ سأل رافارين من جديد.
والآخر يواصل:
- ...كي.
- ستارسكي. إلى أين أنت ذاهب؟ والمشهّي.
- سأذهب لأرى السيدة الرئيسة.
- لأي سبب؟ سأل الرئيس بتخوف.
- إنها الشخص الوحيد الذي يمكنه أن يجعلك تبدل رأيك، سيد الرئيس.



















الفصل الثاني عشر

في الريف، بين الأشجار الخضراء والزهور الحمراء، كان المستشار الألماني شرومير (مير يعني بحر) يتحدث مع وزير خارجيته شروتير (تير يعني أرض)، حول الموقف الأحمر-الأخضر لألمانيا.
- حتمًا، الحروب نعمة ربانية لي، إن قامت بها الطبيعة، وإن قام بها الإنسان، حتى ولو قلت دومًا إنني ضدها، قال المستشار.
- صحيح، قال شروتير. أفكر في الفيضانات التي اجتاحت ألمانيا الشتاء الماضي، والموقف من الضحايا: تعويضهم، الذهاب عندهم لمشاطرتهم ألمهم، الوعود المستحيلة، بناء السدود، القناطر، وما لست أدري لاحتواء غضبهم من الطبيعة... مع ذلك، كان الغضب نافعًا لك، ارتفعت شعبيتك، وربحت الانتخابات. بفضلي كذلك، أخضر الخضر، لا ننس هذا، الطلاوة التي يحلم بها مواطنونا لما تنزع الطبيعة منهم كل أمل بالهدوء والابتهاج. رغم ذلك، كان الكل يعتبرك خاسرًا. ومع حرب الأمريكان التي على وشك الوقوع، والتي أعلنتَ موقفك المعارض لها بلا غموض، شعبيتك الهابطة أدنى ما يكون صعدت أعلى ما يكون.
- فلتحي الحروب، شروتير!
- أنا... أقول...
تردد وزير الخارجية، ثم:
- فلتحي كل الحروب، شرومير!
- ومع ذلك ليس كلها، ليس كلها.
- أتكلم عن الحروب القادمة، والتي يُعلن عنها في الوقت الذي تتدهور فيه شعبيتك.
- إذن ستكون حرب هناك كل شهر، كل أسبوع، كل يوم، لن يكون هناك لا شرومير ولا شروتير (تير:أرض).
- لن تكون هناك أرض بكل بساطة، علق القائد البيئي. وماذا سيفعل الخضر بعد ذلك؟
- لن يكون هناك خضر بما أن أرضًا هناك لن تكون.
- صحيح، هذه النقطة فاتتني.
- هذا شيء خطير لواحد من المريخ!
انفجر شروتير ضاحكًا:
- سكان المريخ الصغار الخضر هم نحن؟
- أنت، أنتم الخضر، ليس أنا، الاشتراكي... كي، الديمقراطي... طي!
- اجتماعي-ديمقراطي، شرومير، هل تسمح؟
- ولِمَ هذه "الهل تسمح"؟ أسمح، طبعًا أسمح. دعني أقل لك مَن أنا لمرة. ريفنا الألماني الغالي يلهمني، يؤثر فيّ.
- في أي وقت، سلام أم حرب؟
- دعني أقل لك ما أشعر به لمرة: في وقت السلم، وطز في شعبيتي.
- أنت تقول هذا بجد؟
تردد:
- لا، أنا لا أقول هذا بجد.
- أوف!
- أنا لا أريد منافستك في ميدانك.
- هل تعرف شرومير، عندما كنت صغيرًا، كنت معجبًا بالعنف الذي كان ينتشر حولي، إلى أن ذبح نازي كلبي الصغير لأنه كان أسود. لهذا أصبحتُ أخضر، اللون المعارض للأسود.
- ماذا تحكي شروتير، الأخضر هو اللون المعارض للأسود؟ بالأحرى الأبيض.
- لي الأخضر.
- كما تريد. تصور أنني عشت نفس الحادث مثلك. كان لكلبي الصغير المصير ذاته الذي كان لكلبك، لكن لأنه كان أبيض منقطًا بأسود. ولهذا أصبحت اجتماعيًا-ديمقراطيًا.
- أين الأسود وأين الأبيض في حزبك؟ سأل رئيس الخضر بدهاء.
- لا تمييز بينهما، ويا للحظ! إلا أن أبيضي إذا كان أخضر، خسرت المستشارية.
- وأنا، أنا ماذا في رأيك؟
- لما يكون الأسود لك أخضر، يكون الأخضر لي أصفر.
- ولماذا أصفر على وجه الخصوص؟
- لأن صينيين ألمان لا يوجد.
- وألمان ليلك، هل يوجد؟
- نعم، عندما يصبح أبيض حزبي أحمر.
- إذن، في رأيك، نحن لسنا على علاقة جيدة بالألوان.
- دعني أقل لك ما أفكر فيه لمرة. نحن لسنا على علاقة جيدة بأنفسنا، وأسوأ عندما تكون الطبيعة هي المعنية، سواء كانت في الحرب أم في السلم. ومع ذلك...
- ماذا؟
- المهم أن تستمر الحرب قليلاً، لتمر إصلاحاتي.
- لن تمر، إصلاحاتك، وهذا، أسود أم أبيض، أحمر أم أخضر، أنت تعرف جيدًا. إصلاحاتك تذبح العمال وطالبي العمل أكثر مما تفعله حرب، والمتقاعدين، والعمال على كافة أشكالهم.
- لا يمكنني أن أفعل غير ما أفعل، أنا مضطر لفعله، وأنت تعلم جيدًا الأسباب.
- أنا، أقول... –تردد شروتير قليلاً- نعم، أعرف، أفرغتَ صناديق الدولة لتعوض ضحايا الفيضانات، والآن تريد إفراغ جيوب الذين عوضتهم لتملأ صناديق الدولة. أنا لا أقول إنك على خطأ، لكن يجب معرفة العيش مع الواقع، بالتحالف مع سِلم الطبيعة وسِلم الإنسان. معرفة العيش، معرفة السير، وأنت، أنت لا تعرف العيش، لا تعرف السير.
- أنت تخريني شروتير بحججك الجاهزة! ضع نفسك في موضعي، وسترى ما يجلب لك سلم الطبيعة وسلم الإنسان من خراء!
استمر الحديث على هذا المنوال، مثقلاً بعض الشيء بالدُّعابة الألمانية. للمستشار، حرب ضد العراق أم غيره، إذا ما جعل النقابيون، شركاؤه الحق، عسيرة عيشته، قدم استقالته. قال له الآخر إنهم يسمونه السيد المستشار "كفى!" قدر ما يلوح بهذا التهديد دونما تنفيذ. والعكس تمامًا مما هو عليه سلوكه في مادة الزواج: عندما يختار زوجة جديدة، يتزوجها في الحال.
- لكني أمير كهل، قال المستشار الألماني، ليس كهلاً جدًا، وإنما أمير ألماني. أمير جمهوري. دعني أقل لك ما أحلم لمرة. أحلم بمملكة على رأسها رئيس، أو بجمهورية يحكمها ملك. هذا كزوجتي الأخيرة، لها بشرة بيضاء وشعر كستنائي. إنها أجمل غزو لي.
- أنا، أقول... أنا ضد النظامين، أريد القول كل الأنظمة ما عدا نظام الطبيعة.
- أتعرف ماذا، شروتير؟
- ماذا، شرومير؟
- فلتذهب إلى الجحيم!
- لا، كن مطمئنًا، أنا لن أتخلى عنك.
- فلتذهب إلى الجحيم، صاح الآخر، لأنك تذكرني بأمي. أنا لا أريد أمومتك، أنت لست ماما، شروتير. أنا لا أريدك. بدأت لا أحتمل حججك الجاهزة، بدأت أرى الأسود أخضر، وقد طفح الكيل!
- وأنا أيضًا، معك، قد طفح الكيل! يا الله، سأترك الحكومة، بتستاهل!
ونهض.
- أنت تخريني عندما تركب رأسك.
- ها أنت تريد أن تكسب ولائي.
- هيا، أنا أمزح! قال المستشار الألماني مستعيدًا هدوءه.
- لا، أنت لا تمزح.
- أنا أمزح، أؤكد لك.
- أنت تكذب.
- أنا أمزح، خراء! قصة كلبك الصغير أثرت فيّ كثيرًا.
جلس شروتير:
- أنا أيضًا أثرت فيّ قصة كلبك الصغير.
- هذا مثل كلينا، نحن أحمر وأحمر، والأسود ما يجمعنا.
- إذا شئت، لكن في الأصل نحن أسود.
في تلك اللحظة، خرجت الزوجة الأخيرة لشرومير من البيت الخشبي الصغير، وهي تحضر ثلاث كؤوس جِعة.
- إنها هي سِلمي وفرحي، همهم شرومير.
تعثرت، واندلقت الكؤوس الثلاث على رأس المستشار. بعد الهياج والقهقهات، تمنى شروتير ألا تقوم الحرب. وعلى العكس، تمنى شرومير أن تكون الحرب أطول ما يمكن.


















الفصل الثالث عشر

في الكرملين، كان بوت-بوت، بوجه الطفل، والنظرة العطوفة، والابتسامة الخجولة –للدكتاتوريين الأكثر دموية سحنة طفلية- يترأس مجلس حرب. ارتدى هو وكل مستشاريه الألبسة العسكرية، وهم يقولون إنهم ضد الحرب في العراق، ويتحدثون عن أحسن الطرق لمواصلة الحرب في شيشينيا.
- أبيدوا، أبيدوا، أبيدوا، ردد بوت-بوت بدم بارد طبيعي. إنها الكلمة الرئيسة، رفاق. امحوا شيشينيا من الخريطة.
- فقط من الخريطة؟ سأل وزير الدفاع بسحنة حائرة.
- أعنى من سطح الأرض.
- أي أرض، رفيق؟ سأل وزير الدفاع من جديد. الأرض الروسية أم الأرض أجمع؟
- الشيء نفسه، رفيق، أفلت قائد الجيوش.
- إذن أنا لست موافقًا، رفيق، عاد وزير الدفاع إلى القول. أنا لن أضحي بشبر واحد من أرض روسيا.
- شيشينيا ليست جزءًا جزءًا جزءًا من روسيا، رفيق، أوضح بوت-بوت بابتسامة ملائكية، إذن يجب محوها من الخريطة.
- إذا كان محوها فقط من الخريطة، أنا موافق، رفيق، قَبِلَ وزير الدفاع بالأمر.
- من الخريطة، رفيق، يعني من الأرض، أوضح قائد الجيوش.
- إذن أنا هنا لست موافقًا، عاد وزير الدفاع إلى القول. الأرض روسيا، رفاق! أتذكّر الآن ما كان يقوله الرفيق ستالين: كل الأرض حمراء، كل الأرض الاتحاد السوفياتي.
- لكن لم يعد هناك اتحاد سوفياتي، رفيق! قذف قائد جيش المشاة.
- أنت تمزح، رفيق؟ استغرب وزير الدفاع. منذ متى؟
- ليس لما كان بوت-بوت موظفًا في البلدية. كان ذلك بعد دخوله في الكي جي بي.
- هذه الفترة لا حساب لها عندي، لي الاتحاد السوفياتي دومًا، رفيق. ولن أتقاعس عن واجباتي، ولا عن حقوقي. من جهة أخرى، نصف الحقول النفطية في سيبيريا تخصني.
- النصف الآخر لي، رفيق، تدخل بوت-بوت بصوته الناعم. وعليك أن تفعل كل شيء لمحو شيشينيا من الخَ... أريد القول من شيشينيا.
- إذا كان الأمر محو شيشينيا من شيشينيا، رفيق بوت-بوت، تستطيع الاعتماد عليّ، قال أخيرًا وزير الدفاع. لكن محو شيشينيا من الأرض، ف "نييت". لأن كما كان يقول الرفيق لينين...
- ستالين، قذف رئيس الوزراء الروسي الذي يتثاءب منذ بداية الجلسة ولا يرغب في الكلام.
والآخر:
- كل الأرض حمراء، كل الأرض الاتحاد السوفياتي. يمكنك الاعتماد عليّ، رفيق بوت-بوت. والعراق؟
- ماذا العراق؟
- أنت لا تريد محوه من خريطة روسيا؟
- لا، المقصود للعراق الخريطة الأمريكية.
- إذا أردت، رفيق، أن أمحوه من أرضهم، وأحسن منهم، ما عليك سوى أن تقول لي، فأفعله بكل سرور، رفيق، لا شيء إلا لأزعجهم، هؤلاء الرأسماليون الأمريكيون الخراء.
- اترك لهم هذا العمل، رفيق، قال قائد الجيوش، العراق جزء منن أرضهم، سيسحقونه أفضل من أي واحد.
- كما تشاء، رفيق.
- ولهذا السبب لن تقصف أساطيلنا إلا شيشينيا، قال أميرال البحرية.
- لأن شيشينيا جزء من أرضنا، قال وزير الدفاع. فجأة، عاد إلى القول: لكن الرفيق لينين...
استيقظ رئيس الوزراء قليلاً:
- ستالين.
- أنت تخرينا مع لينينك وستالينك! وأنا، من أكون؟ رفيق الخراء، لا حساب لي عندك؟ قذف بوت-بوت، والابتسامة على شفتيه، هادئًا أكثر ما يكون الهدوء.
- بلى، بلى، رفيق بوت-بوت، لكن يلتسين مَنْ أُفَضِّل. هو، أورثك الرئاسة لتحميه. وأنا، هو مَنْ أُفَضِّل، رفيق، لأنه عندما نهب البلد، أخذ كل شيء ما عدا حقولي النفطية في سيبيريا.
- أنا من سيأخذها منك رفيق، لأن هذا الخراء يلتسين مفضلك. هكذا ستكون كل الحقول النفطية في سيبيريا لي، قال الرئيس، بأكبر ما يكون عليه من الهدوء.
- لكن رفيق بوت-بوت، هذا لا يجري بين مقاتلي الحرية ومعبودي الأممية.
وسمعوا صوتًا ناعسًا:
- معبودي قفاي، رفيق!
- نعم، رفيق رئيس الوزراء، معبودو قفاك، يا حبذا، بشرط أن يكون أحمر.
- إن لم يكن أحمر، رفيق، تَدَخَّلَ رئيسُ المخابرات، ليس هناك أكثر فعالية من القرع بالعصا.
- وزوجتك، كيفه قفاها، رفيق؟
- أبيض كله، رفيق رئيس الوزراء، لا أجمل. إنها روسية حقيقية، زوجتي.
- من المحال محوها من الخريطة، رفيق، قال وزير الدفاع.
- من؟ زوجتي؟
- قفاها، رفيق!
ثم، بينما عاد رئيس الوزراء إلى النوم، راح كل واحد من القادة يحكي عن صنائعه كرئيس لعصابة مافياوية.
- أنا، رفاق، قائد الجيوش وكل أوغاد المعدات الحربية.
- أنا، رفاق، وزير الدفاع وكل أوغاد الدعارة.
- أنا، رفاق، قائد جيش المشاة وكل أوغاد التهريب.
- أنا، رفاق، أميرال الأساطيل وكل أوغاد المخدرات.
- أنا، رفاق، رئيس المخابرات وكل أوغاد الصناعة.
استيقظ رئيس الوزراء، وكما يبدو لن يعود إلى النوم هذه المرة:
- وأنا، رفاق، رئيس الوزراء وكل أوغاد تجار النعاس.
- أنا، رفاق، قال بوت-بوت، رئيس الدولة وكل أوغاد الأوغاد.
- إذن بفضلنا، رفيق، قال وزير الدفاع، أنت تنتفع من دولة قوية، والأشغال تمشي جيدًا.
ورفيق هذا، ورفيق ذاك... كانوا كلهم أعضاء قدامى في الحزب الشيوعي، واضطلعوا بمسئوليات مهمة في الكي جي بي. بدلوا الموضوع، وراحوا يحكون عن الدولارات والنقود.
- كم تختلس من صناديق الدولة، رفيق؟ سأل وزير الدفاع رئيس الوزراء.
- بشكل شرعي أم بشكل غير شرعي، رفيق؟ سأل رئيس الوزراء بدوره.
- هل من فرق هناك، رفيق؟
- نعم ولا، رفيق.
- إن لم يكن سرًا من أسرار الدولة، قله لنا، رفيق. هكذا سننتفع به.
- بشكل شرعي، أختلس مليوني روبل كل شهر. أقول هذا لوزرائي، لكن في الواقع لي. وبشكل غير شرعي، مليونين آخرين كل شهر. أقول هذا لي، لكن لوزرائي.
- أنا، رفاق، بصفتي رئيسًا للمخابرات، وبالتالي لا يمكنني الخروج من الشرعية، أختلس كل ميزانية جهازي حسب الأصول. لهذا السبب، يستلم كل عملائي رواتبهم من السي آي إيه.
- أنا، رفاق، بصفتي قائدًا لجيش المشاة، أختلس بكل الشرعية الممكنة كل المساعدة المنصوص عنها لتفكيك الأسلحة النووية وتصليح المفاعلات. على أي حال إذا ما تفجرت الأرض، زالت روسيا ونحن معها، ولن يبقى أحد ليجري معي هذا النوع من الحسابات.
- أنا، رفاق، بصفتي قائدًا لكل الجيوش، أسرق عقولاً إلكترونية بكل شرعية، لأبيعها لمافيا السلاح، التي أديرها أيضًا. هذه المافيا نفسها تعيد بيع هذه العقول الإلكترونية نفسها للجيوش، وأقبض الثمن مرتين.
- أنا، رفاق، تدخل للمرة الأولى شخص صغير جدًا، سمين جدًا، أختلس كل المساعدة المخصصة لبناء المحطة الفضائية الجديدة لأنني ضد: أرض روسيا كبيرة بما فيه الكفاية لنا جميعًا. فليفطس رجال فضائيينا والآخرون، الأمريكيون أولهم! عوضًا عن ذلك، أنا مع تقوية أسطولنا الجوي للحيلولة دون أي هجوم من البلدان الصغيرة كالصومال أو جزيرة موريس مثلاً. وبما أن هذه البلدان لن تكون لهم الوسائل للاعتداء علينا، كل ميزانية أسطولي لي.
- وقفا زوجتك، رفيق؟ سأل رئيس الوزراء بصوتِ من استيقظ تمامًا.
- أتركه كله لك، رفيق، واعتن به، لأن عمره سبعون سنة.
- أفحمتني، رفيق!
- فيما يخصني، أمتلك بكل طيبة خاطر قفا زوجتك، رفيق، الثالثة التي لها عمر ابنتي الأخيرة. بالمقابل، أترك لك المتاحف، المكتبات، الجرائد، قنوات التلفزيون، دكاكين ومطاعم اللوكس، خيول السباق، القصور، البيوت الريفية...
- قف، قف، قف! صاح بوت-بوت. وأنا، أنت تنساني، رفيق؟
- لا، أنا لا أنساك، رفيق. لقد قلتَهَا منذ قليل: البلد في أيدي الأوغاد والأوغاد على حذائك. لقد سبق لك امتلاك كل شيء، رفيق، من أقفية زوجاتنا حتى الشياطين الشيشانيين.
- الشياطين الشيشانيون، رفيق؟ لفظ بوت-بوت بخوف طفل متروكًا في الظلام.
- كل الأرض حمراء، رفيق، حسب رفيقنا ومرشدنا ستالين، كل الأرض روسية. لهذا حتى شياطين هذا البلد المسلمون، الذين لا علاقة لهم بروسيا في شيء لا من قريب ولا من بعيد، هؤلاء الشياطين بطرابيش حمراء وجلابيب سوداء، الذين فروا أمام جنودنا الشقر، الجميلين والأقوياء، ليذهبوا للاختفاء عند الأمريكان، كل هؤلاء لك كذلك.
ورفيق هذا، ورفيق ذاك... شربوا الفودكا كالماء، فالفودكا معبودتهم، تسري في أوردتهم. رجعوا بعد ذلك إلى الأزمة العراقية، وقالوا مع صد-صد أو مع الأمريكان، نصف الحقول النفطية تبقى لهم لمائة سنة على الأقل. لكم هم أغبياء، هؤلاء الأمريكيون! سيعملون حربًا لامتلاك أقل من النصف، لأن من اللازم ألا ننسى اليابانيين. هنأوا أنفسهم للحصول على نصف احتياطي هذا البترول دونما حاجة لهم إلى إراقة قطرة دم واحدة. وعندما عادوا إلى حربهم في شيشينيا، ارتدوا سحناتهم الجادة، واختاروا ترك الأمريكان يقومون بحربهم في العراق طالما أنهم لا ينشعلون بإبادة الشعب الشيشاني. وعلى عكس حالة هؤلاء الأمريكان الأغبياء، لا أحد يرفع صوته ضد مذبحتهم: بحر من الدم يغرق هذا البلد الإسلامي فيه، وكل العالم، العالم الإسلامي في المقدمة، ينظر، ولا يعمل أي كابوس في الليل. هرب الشياطين بطرابيشهم الحمراء وجلابيبهم السوداء أمام تقدم الجنود الشقر، ووجدوا ملجأً عند الأمريكان، الوقت الذي ينهون فيه شغلهم في العراق. يا حبذا لو يكون طويلاً، لأن الجيش الروسي يخشى رجوعهم. صفق العساكر الروس للسلام، سبّحوا لستالين، أخطأوا أيضًا، وأنشدوا النشيد الأممي.






















الفصل الرابع عشر

قرعت الساعة منتصف الليل في مُصَلَّى البيت الأبيض. كان الرئيس يصلي بصحبة بليرو، ديك دوكر، بووي-بووي، رومستيك، مس رز، وهم يضعون لحية اصطناعية مماثلة للحية لاد-لاد. جرفت الرئيس الحمية، فركع أمام الصليب، وصلى على طريقة المسلمين. مستغربين، تبادل الآخرون نظرات حائرة قبل أن يقلدوه، وهم يتلون عند قدمي المسيح مزيجًا هجينًا من الآيات الإنجيلية والقرآنية. راحت مس رز حتى صراخ "الله أكبر"، لكن سرعان ما وبخها الرئيس:
- رز ولحم وتوابل، نحن لسنا في المسجد، تَبًا لكِ!
تداركت دافعة واحدة "هلليلويا" حادة.
في الجناح الأزرق، استقبل لاد-لاد وصهره، وهما يلصقان لحية اصطناعية، ولي العهد الأمير العجوز السعودي، الملك الصغير، الرئيس بركة في جبة بيضاء ومِسبحة باليد، الرئيس عر-عر، وكل شيوخ الخليج الممسوخين أقزامًا. قام لاد-لاد بدور الإمام، فركعوا كلهم: الله أكبر، الله أكبر...
وعن شوشو، لم يجد كنيسًا في البيت الأبيض، فقرر أن يحدث بذلك اللوبي اليهودي في الكونجرس. قطع المُصَلَّى، وعجل في الهرب من "هلليلويا" مس رز. كان يفضل الله أكبر، لأنه فكر: "نحن الآخرون، على الأقل، أبناء عم". عندما وجد نفسه بين المصلين، ردد: "شالوم عليخا، شالوم عليخا...".
بعد الصلاة، تمددوا جميعًا على السجادة، وبدأوا يتمازحون ما بينهم كما يفعل الرجال المؤمنون.
- سأدعوكم كلكم، ذات يوم، إلى مكة، أعلن الأمير العجوز عبدولدول.
- وأنا إلى القدس، أضاف عر-عر بلا تردد.
- ونحن إلى القدس، صحح شوشو.
- سامحني، يا أخي، عاد عر-عر إلى القول. ونحن إلى القدس.
- أنا سأدعوكم إلى القاهرة للصلاة في مسجد سيدي الحسين، قال بركة.
- أنا سأدعوكم إلى عمان للصلاة في الجامع الكبير، قال الملك الصغير. إنه ليس كبيرًا بقدر نوتر دام دو باري، لكنه يكفينا كلنا.
- نوتر دام دو باري! كما لو كنا مسيحيين! قذف الشيخ العُمَرِي متوجهًا بالكلام إلى لاد-لاد.
- اعذره، يا صهري، إنه ملك صغير جدًا، لا يفرق بين مسجد وكنيسة.
- ولا بين مسجد وكنيس، واصل شوشو.
- نعم، شوشو، أجاب لاد-لاد. هذا لأن ليس له ما لنا من تجربة، نحن الذين عشنا ما عشنا. اعذره أنت كذلك. زد على ذلك، ليس هناك فرقٌ بين أماكن العبادة الثلاثة بقدر ما الأديان الثلاثة تتشابه.
- بلى، يا حبيبي، تدخل بركة، هناك فرق.
- ما هو؟ سأل لاد-لاد.
لم يكن بركة يعرف ما هو، وليخرج من المأزق الذي حشر فيه نفسه، أشار بإصبعه إلى زملائه الأقزام:
- اسأل الأمراء الصغار يقولوا لك.
ثَبَّتَ لاد-لاد النظر في الشيوخ الصغار، وانتظر، فلم يفوهوا بكلمة واحدة. عاد يُثَبِّت النظر فيهم، فلم يتحركوا. ثَبَّتَ فيهم النظر أيضًا وأيضًا، فأخذوا يتبادلون النظرات المتضايقة. أخيرًا تنحنح أحدهم، كان أكبرهم، ولم يكن معروفًا لشد مسخه. قدم نفسه أميرًا للكويت، المشهور بحكمته.
- الفرق في رموزها: صليب، هلال، ونجمة، بدأ أمير الكويت.
- أنا لا أفهم، قال لاد-لاد.
- سأشرح لك، يا حبيبي، قذف الأمير الصغير تحت العينين المبحلقتين لبركة. الهلال والنجمة رمزان سماويان، والصليب رمز أرضي، رمز آبار النفط. هل فهمت، يا حبيبي؟
- لالالالالا!
- ولا أنا!
وكلهم انفجروا ضاحكين.
ابتعدت الحرب، السلطة، الثروة... ابتسم عر-عر وشوشو لبعضهما، طبطب الأمير العجوز ولي العهد على ظهر لاد-لاد والعكس بالعكس، تقاسم الملك الصغير همبرجره مع بركة، الذي قدم له مقابل ذلك تفاحة سرقها من المطبخ، حكى الشيخ العُمَرِي نكتة للشيوخ الأقزام، الذين ضحكوا كالأطفال.
لم يتأخر الرئيس وكل فريقه عن الالتحاق بهم، فلم تُقبل مس رز لأنها المرأة الوحيدة بينهم. أبدت لحيتها، لكنهم قالوا هذه اللحية اصطناعية. طبعًا، أخفى لاد-لاد وصهره بصعوبة تزوير لحيتهما، وأرادت مس رز أن تبرهن على رجولتها بكل الوسائل، على أنها رجل ممسوخ في امرأة، كهؤلاء الأمراء الصغار الذين تحولوا إلى أقزام. كررت أن عليهم من المظاهر الحذر، وتحت دهشة الجميع، رفعت تنورتها، وأنزلت بنطالها. في تلك اللحظة، صاح الجميع رضى، وحتى إعجابًا. شَعْر حقيقي لرجل! في النهاية، قبلوها. كانوا يتفاهمون كلهم كما يجب عليه التفاهم، حتى اللحظة التي أخذت فيها ساعة البيت الأبيض فجأة بالمشي. تجاوزت منتصف الليل، جارة إياهم كلهم إلى عالم الحقيقة. حقيقة قاسية، على صورة حقيقة ساندريللا، لما يتخلى المرء عن كل الأعذار الكاذبة. سقطت اللحى الزائفة، واختفت الابتسامات، وانطفأ وهم التفاهم الكامل.
- إنه اليوم الذي انتظرناه طوال حياتنا، صاح الرئيس بالألمانية كمن فيه مس، اليوم الذي حلمنا به، اليوم الذي دللناه. اليوم الذي ستخفق فيه رايتنا الحبيبة على كل مكان في العالم، حتى ولو كان ذلك بثمن بحار من الدم، محيطات من الدمع، حتى ولو كان ذلك بعقر ثلثي الأمم، لأن من أحشاء جنودنا ستولد طليعة الأجيال التي ستصنع من العالم بيتًا كبيرًا. سندفأ فيه في الشتاء، تاركين جزماتنا أمام الباب، وكل الإنسانية ستسقط على أقدامنا لتشكرنا على تحريرها... هايل هتلر!
وكلهم في جوقة:
- هايل هتلر!
طار ديك دوكر في الحال حيث سيختبئ، تحت حجة حفظ عبقرية السلطة وضمان استمرارية سلطات الدولة الأمريكية. ارتدى كل الآخرين، الرئيس على رأسهم، ملابسهم العسكرية، وتجمعوا في البهو الكبير. أعلن رئيس البيت الأبيض بداية الحرب أمام كاميرات العالم أجمع، والتحقت به النساء الأُوُلَيات الخمس في لباسهن العسكري، تبعًا لرتبتهن. أجاب الرئيس الصحفيين على أسئلتهم بمفردات مناصرة للروح العسكرية، وكذب رئيس الوزراء البريطاني كما يتنفس. احتفظ بهذه العادة من مهنة المحامي القديمة التي كانت له: كان يكذب، وكان يكسب كل قضاياه. لواحد عمالي، كان عارًا لكل العمال. كذب عند كل أزمة داخلية: البقرة المجنونة، الحمى القُلاعية، البطالة، الفقر... وها هو يكذب أيضًا ليكسب الملف العراقي. كان عذره الأسلحة الكيماوية والدمار الشامل التي يملكها صد-صد، فقدمه كمجرم، كدكتاتور. لم يقل إن الغربيين هم الذين فبركوه قطعة قطعة، ليتدخلوا ذات يوم، ويحرروا بتروله. تحرير الشعب العراقي، صحح الرئيس، باستعماله من جديد مفردات مناصرة للروح العسكرية. بناء على نصائح مس رز، كان عليه إظهار أنه جندي شجاع، مستعد للذهاب إلى أرض القتال. عبقرية هذه المس رز! على عكس أبيه الذي ربح المعركة وخسر الانتخابات، سيربح الرئيس الاثنتين، بفضلها.
سيهزم خصومه الديمقراطيين القذرين، الذين بدافع الجبن يصمتون بخصوص الحرب، ويكتفون بانتقاد التقشف في سياسته الاقتصادية. والبلد، رغم الركود، سيدعم حتى الانتخابات القادمة رئيسه المغوار، الذاهب إلى الحرب كأسد يركض من وراء فريسته. من يقل عراقًا يقل ذهبًا أسود، ومن يقل ذهبًا أسود يقل رخاء! حمل الرئيس خوذته تحت ذراعه، فبدا له شكل بطل. كان مبسوطًا من نفسه، وكلهم خلفه منفعلين حتى ذرف دمعهم. دوى التصفيق إيذانًا بانتهاء مؤتمره الصحفي، في نفس اللحظة التي ضربت فيها الصواريخ العابرة للقارات العراق، فانهارت عشرة آلاف عام من عمر الحضارة.

الفصل الخامس عشر

انطلقت مظاهرات الاحتجاج ضد الحرب في العالم أجمع، فالأقاقيا تريد النوم في العراق، وأصوات القذائف تزعجها. لكن أسماك دجلة لم تبالِ بها، وانتظرت كعادتها شِباك الصيادين. أدانت ألمانيا وروسيا الاعتداء، وفي الوقت ذاته تمنتا أن تكون الحرب أطول ما يمكن، مما سيسمح للرجلين القويين لهذين البلدين بأن يحلا مشاكلهما الداخلية. لم يُلق الصيادون شِباكهم، فتمنت فرنسا، لأجل الأسماك، أن تكون الحرب قصيرة. لم يدن قصر الإليزيه حليفه دائمًا وعلى الدوام، لم يوجب وقف القتال في الحال، فالتاريخ هو تاريخ الأسماك بالأحرى، ولا بأس لو ماتت من الظمأ. أوشكت المظاهرات اليومية أن تتحول إلى احتجاج شعبي ضد ندرة العمل، العرضية، غلاء المعيشة، برج إيفل، قدمه الخانقة لأسماك نهر السين، احتجاج لن يقدر عليه رافارين ولا سوبر شرطيه. لهذا على الأمريكان أن يعجلوا في شغلهم، ولا بأس إذا ما ضُحي بكل الشعب العراقي. هكذا ستنام الأقاقيا كما كانت تنام على عهدها في الهدوء، وسيعود للزمن كل ما اعتادت عليه الأقاقيا من عادي في حدائق الدكتاتورية. صفع الحكام العرب أنفسهم، فالشعوب العربية المقموعة، المسحوقة، المخطومة، حتى هي أبدت غضبها. كانت لكل شعب حديقة للدكتاتورية، لهذا كانت للورود أشواكٌ كالسكاكين، عند قطفها تُدمى الأصابع، وما أمتع أن تُدمى الأصابع! هؤلاء الحكام الدمى المتحركة الذين أدانوا كلهم التدخل الأمريكي ما عدا الملك المغربي، أصابهم الهلع، لما لم تعد الأصابع الدامية متعة للورود. هُددوا بعروشهم، بينا كان الملك المغربي الصغير/الكبير الشجاع الوحيد بينهم. كان بطلاً للورود! لن يتردد عن عقر كل شعبه عند الضرورة، في حديقته الكبيرة/الصغيرة التي هي المغرب، وسترضى نفسه بالمُلك على نفسه، فالجوهري للورود أن يبقى ملكًا! شوشو، فيما يخصه، تقوى بالبحر وتشجع، حديقته البحر هو: احتلال العراق جاء ليبرر احتلال الأراضي التي سبق له احتلالها، وقمع الحيتان، كل الحيتان، تحت حجة طرد الناشطين، الناشطين، الناشطين... الاسطوانة ليست مجروحة، إنها أسطوانة الحديقة الإسرائيلية. المهمة التي لا يستطيع عر-عر القيام بها، لأجل أقاقياه التي لا تنام في الليل، فيترك للأسماك العناية بإكمالها. والأسماك لشوشو خانت البحر، لهذا، في الوقت الحاضر، لم يعد يريد إخلاصه. أراد تبديله بعب-عب، أقل فسادًا لكن أكثر انصياعًا، مستعد للهجوم إذا طلب منه شوشو ذلك، ولا بأس أن يشن حربًا أهلية، فالتاريخ قارب محطم على ساحل الإخلاص، والأسماك تكرهنا، لهذا خانت البحر الأسماك. فلسطين ليست أحسن من العراق. بعر-عر أو بلا عر-عر، الفاسدون من كل نوع سيبقون في أماكنهم، لأن فلسطين ملكهم، هم وشوشو.
كان المحبون لوطنهم من كل الاتجاهات والنزعات يقفون في جهة، مع الأسماك التي تكرهنا، والأسماك التي تحبنا، وفي الجهة المقابلة يبقى الجيش القوة الوحيدة. في كل أنحاء العالم، عسكر الحقد في القلوب ضد العساكر. في المستقبل لتاريخ بلا مستقبل، هؤلاء الأمريكيون الذين حلوا محل هيئة الأمم سيتدخلون في كل مكان: لقمع مظاهرة في باريس، من ساحة الجمهورية إلى ساحة الأمة، أو إضراب عن الطعام في قرية هندية، دونما مراعاة لقدسية البقر، ولا لأية قدسية.
وفي حديقة البيت الأبيض، تنام الأقاقيا ملء جفنيها، وفريق رئيس الولايات المتحدة يعمل كل ما في وسعه للتلاعب بالرأي العام، احتقر "حلفاءه الصغار"، شيشي ومواطنيه، ودعم مقاطعة منتجاتهم. دفع وسائل الإعلام إلى الندم على مجيء الجي آي لتحرير فرنسا في الماضي كما هم يحررون العراق في الحاضر. قال الفريق لأسماكه، وفي الواقع لبتروله لا لشيء آخر. لتبديل دكتاتور بآخر يُسَبِّحُ لحذاء ساندريللا. لنهب ثروات هذا البلد، الاستراتيجي، التاريخي، الاستراتيجية، التاريخ، عندما تتفتح الاستراتيجية في الصباح، ويذبل التاريخ في المساء، كالورود في كل حدائق الدكتاتورية. لكن الشعب العراقي قاوم لأنه لا يحب الورود، لا يحب الأقاقيا، لا يحب الأسماك، لا يحب الحيتان، لا يحب أي شيء. حارب العراقيون المحتل، لم يدافعوا عن صد-صد، أرادوا أن يكونوا أحرارًا بالفعل، ليكرهوا بالفعل. والحرية غالية الثمن، بالدمع والدم، والأمهات يبكين.
سيذهب العراق كما ذهبت من قبله فلسطين، كما ستذهب من بعده سوريا، كقافلة من القصائد عن الورود في حدائق الدكتاتورية، كجنازة من الأقاقيا، كشوارع من الأسماك. سيدمَّر العراق كما دُمر من قبله شرف العالم العربي. كرامته، فهل كان للعالم العربي شرف؟ كرامة؟ سألت عاهرة، وبكت. وهذا الشعب الذي يكره الحرب، يحارب بعزم. تركز الاهتمام على أم قصر، ميناء صغير لم يسمع به أحد، غدا في قلب الحدث، بسبب مقاومة مقاتليه، القوارب، الأمواج، زمج الماء. هذه الحرب لم تكن لعبة، نزهة، علمًا أبيض. كانت مسألة شرف لعاهرة بلا شرف، للمقاتلين الذين يرفضون الاحتلال رفضهم لأثداء أمهاتهم، ويفضلون إطعام أسماك دجلة لتربو في النعمة قبل صيدها. والأمهات يبكين في الناصرية، في البصرة، في النجف. الأمهات يعرفن أن كل هؤلاء المقاتلين سيُرخى عِنانهم، بعد أن اشترى الأمريكان استسلام صهيلهم. طلب رافارين من مواطنيه ألا يخطئوا في العدو، فالعدو ليس شارع الشانزلزيه، ليس متحف اللوفر، ليس شارع بيغال، بينما كان بولوش وبليرو يستخدمون كل أنواع الأسلحة الجهنمية التي استطاع الإنسان اختراعها ضد النساء والأطفال والشيوخ! ضد الأقاقيا! كان يأمل في الحصول على قطعة صغيرة، جِد صغيرة، من "التورتة"، المرشح القادم لرئاسة الجمهورية، بين آخرين، لن تصوت لهم أسماك السين. كان العساكر الأمريكيون والبريطانيون والحكومة الفرنسية مستائين من أن يروا الحرب لا تدور بالسهولة التي تصوروها، فالحرب لهم ستربتيز السلم. وعن شرومير، تمنى أن تدوم، مسألة إصلاحات وشعبية، فيبقى الألمان طائعين لإشارات المرور. نفس الشيء مع بوت-بوت، الذي أراد أن يُبعد أطول وقت ممكن الشياطين الشيشان من التجول في الساحة الحمراء بحرية. لم يعد شيشي يستطيع أن يبلع الفاصوليا البيضاء، ولم يعد بولوش وبليرو يقومان بفعل الهوى مع مس رز. إذا لم يدخل الأمريكان بغداد حالاً، تأكد أن غنائم هذه الحرب القذرة كلها باطلة. وداعًا يا عقود لشركات الرئيس الأب، وداعًا يا تمور للشركات الإنجليزية. لهذا، غدا من الملح التفاوض مع صد-صد.
- آلو، صد-صد! قال الرئيس بولوش على التلفون. تتركني أدخل بغداد، فأترك حياتك سالمة!
- كنت أعتقد أنك تمزح، بولوش، أجاب الآخر. تعمل الحرب ضدي، لكني لم أكن أبدًا ضدك.
- إذن ماذا تقول في اقتراحي؟
- ماذا أقول؟ كان يمكنني أن أنسف الجسور، وأوقف التقدم الأمريكي، لكني لم أفعل. كان يمكنني أن أفلت مياه دجلة والفرات، وأطوي في جوفها كل جنودك، لكني لم أفعل. كان يمكنني أن أُسَلِّح مليون مقاتل، لكني لم أفعل.
- إذن، أنت موافق؟
- ومع ذلك، أن أقدم لك بغداد هكذا دون قتال، هذا يوجع قلبي.
- ليس إلى وقت طويل، صد-صد، ليس إلى وقت طويل.
وصد-صد الذي وعد بالنصر شعبه، ووزع بعض الكلاشينكوفات على المدنيين، وأعلن عن تلقين درس للملحدين لن ينسوه، قدّم بغداد للأمريكان على طبق من ذهب، وتبخر. لم يكتشف العساكر الأمريكان أي أثر لسلاح كيماوي أو تدمير شامل، بل على العكس، هم الذين دمروا البلد. بعد شهر، تم كسب الحرب، فغرقت الأقاقيا في النوم، والأمهات العراقيات لم يتوقفن عن ذرف الدمع.













الفصل السادس عشر

أشارت الساعة الخارجية للبيت الأبيض، التي كانت دومًا واقفة، إلى منتصف الليل، وفي الداخل كان يدور حفل استقبال كبير يشبه حفل الاستقبال الذي أقيم قبل الحرب على العراق، المدعوون كلهم عساكر، أو على كل حال يرتدون اللباس العسكري، كلهم ما عدا الرئيس ونظيره الكوري الجنوبي وزوجتيهما. فقعت فلينات الشمبانيا، جاد بلس أميريكا، دقت الأقداح الأقداح، نخب انتصار أمريكا، تحطمت الأقداح، تجمدت الابتسامات، تعالت الموسيقى، وكان الرقص الميكانيكي.
أخذوا كلهم يرقصون، متحاشين حطام الزجاج، كيفما اتفق، والقيام بحركات ميكانيكية. كانت لهم هيئات الروبوت العازم على رقص التانجو حسب السْلُو، بينما جنديان كهلان أو ثلاثة نصف نيام يلتقطون بمجرفاتهم ومكانسهم شظايا الزجاج، وهم يندسون بين الراقصين، ويتثاءبون ملقين مِلَحَهُم:
- هذا أبوك الذي يحرك إليتيه بكثير من النعومة، جيمي؟
- لا، هذا أخوك، روبي.
- أخي، جيمي؟
- من تريد أن يكون، روبي؟ جون ترافولتا؟
- إن لم يكن جون ترافولتا، فهو حسبك أخي، جيمي؟
- ليس جون ترافولتا، وليس أخاك، إنه جون إليتيّ، فلا تزعل، روبي.
- هل أنت متأكد أنه جون إليتيك، جيمي؟
- أنا متأكد، روبي.
- لكن كأخي، لم تعد لك إليتان، جيمي.
اقترب ثالث، وهو يرقص مع مكنسته، على نحو محزن.
- هو، لم تعد له إليتان، ومع ذلك...
- لم يجد سوى مكنسة المراحيض كمراقصة.
قلده بابتسامة مجمدة وحركات ميكانيكية، بينما ناح الثالث:
- لم أعد أحتمل! هذا مرهِق لسنواتي العشرين!
- هذا لأن ليست لك إليتا جون ترافولتا، سامّي!
- نعم، انتهت الحرب لنا، روبي.
- انتهينا بلا حرب، سامّي. آه! انتهينا، أليس كذلك، جيمي؟
- يُبرع الآخرون في الرقص كما سيبرعون في الحرب، التي على الأبواب، روبي.
- لماذا، هم يتدربون في البيت الأبيض، جيمي؟
- لن تكون أكثر من رقصة هذه الحرب المعلنة في شبه جزيرة العرب. أن تعرف كيف تحرك إليتيك، قال جيمي مقلدًا، فتكسبها، هذه الحرب المعلنة في شبه جزيرة العرب.
- في شبه جزيرة كوريا، جيمي، صحح سامّي.
- في ماذا؟
- في كوريا الشمالية، جيمي.
- نعم، في... قلتَ أين، سامّي؟
- قال لك في كوريا الشمالية، تدخل روبي. هناك حيث يرقصون مع الزِّبْلين بلا حاجة إلى إليتين كإليتي جون ترافولتا، جيمي. في كوريا الشمالية.
- في شبه جزيرة العرب.
لم يتوقف رئيس كوريا الجنوبية عن الهمس في أذن زوجته بالكورية، وهو يشير إلى الثريات الكريستال تارة وإلى لوحات رؤساء الولايات المتحدة تارة، وهذه تومئ رأسها، وتقول "هاه... هاه..."، موافقة. احتار الزوجان الرئاسيان، إلى أن تجرأ بولوش، وسأل:
- هل أعجبتكما الثريات؟
- أعجبتنا، قال الزوجان الكوريان، وهما ينحنيان احترامًا.
- واللوحات؟ سألت مسز بريزيدنت.
- أعجبتنا، أجاب الزوجان الكوريان، وهما ينحنيان احترامًا.
ثم عاد الرئيس الكوري الجنوبي يهمس في أذن زوجته بالكورية، وهذه تقول "هاه... هاه..."، فتجرأ بولوش من جديد:
- ولماذا؟
- هذا لكيم-كيم، أجاب الرئيس الكوري الجنوبي، وهو يومئ رأسه مؤكدًا.
- بالأحرى لزوجة كيم-كيم، قالت زوجة الرئيس الكوري الجنوبي، وهي تومئ رأسها مؤكدةً.
- أنا لا أفهم، تحيرت زوجة الرئيس الأمريكي.
- الحقيقة أنها أوصتني على هدية من الولايات المتحدة الأمريكية.
- هدية، وأنتم في حرب قريبة معهم؟ استغرب الرئيس.
- بيني وبين مسز كيم-كيم لن تكون حرب هناك حتى ولو كانت حرب هناك، أوضحت الرئيسة الكورية الجنوبية.
- آه! فهمت، قال الرئيس بغباوة.
- ماذا فهمتَ؟ طلبت الرئيسة بحدة.
- الحقيقة لا شيء!
- إذن، اخرس، ودعني أفهم منها!
- السيدة كيم-كيم والسيد كيم-كيم، كشف رئيس كوريا الجنوبية، أوصيانا بلوحة وبثريا نجلبهما لهما معنا قبل أن يرسلا بقنبلة نووية إلى البيت الأبيض، ونحن حائران بين لوحة جورج واشنطن وأبراهام لنكولن.
- ماذا؟ صاح الرئيس، هذا الدكتاتور، هذا الصد-صد...
- هذا الكيم-كيم.
- هذا الكيم-كيم، أرجو المعذرة، لسوف يرى!
- لكني اقترحت على زوجي...
- اقترحي، اقترحي، تهكمت الرئيسة، يبدو أننا لنحمي البيت الأبيض من قنابل كيم-كيم النووية سنبيع ثرياتنا في التشاينا تاون، وبثمنها سنشتري أقنعة واقية، ودومًا من كيم-كيم!
- هذا بالضبط ما اقترحته، مسز بريزيدنت، لماذا التشاينا تاون، سنشتريها نحن، فسحنات رؤسائكم لا تعجب أحدًا، تُذَكر بالمجازر التي ارتكبت ضد الهنود الحمر، ونحن في أصلنا هنود حمر كوريون.
- هنود حمر كوريون!
- أو صينيون.
- هنود حمر صينيون!
- أو صفر.
- أُفَضِّلُ هذا.
- على كل حال أيًا كان أصلنا، أنا أفضل الثريات على اللوحات.
- ولكن... ولكن... ردد الرئيس مهمهمًا، هذه الثريات... هذه الثريات...
- ماذا، مستر بريزيدنت؟ احتار الرئيس الكوري الجنوبي.
- هذه الثريات من عندكم.
- من عندنا!
- كالسيارات، كالثلاجات، كالتلفونات، كالسخانات، كالألبسة العسكرية، كالشحاطات، كأوراق التواليت، كمحاقن المخدرات، كدجاج المزارع، ك... ك... ك... كلها من عندكم، نشتريها بنصف الثمن الذي نبيعها فيه، ونحن لهذا نريد شن الحرب على كوريا الجنوبية.
- كوريا الجنوبية بلدنا!
- أقصد كوريا الشمالية، في مادة البيع والشراء الأمر سيان.
- هاه!!! أطلق الزوجان الكوريان نفسًا مرتاحًا.
رقص المدعوون على إيقاع واحد، وكرروا كلهم نفس الحركات الميكانيكية. مالوا يمينًا، وفي الحال يسارًا، أو يسارًا، وفي الحال يمينًا. ابتساماتهم مجمدة. جاءت الناطقة الرسمية السوداء الرئيس، مس رز، في اللباس العسكري هي كذلك، لتهمس في أذنه. فجأة، صاح الرئيس:
- كيم-كيم هنا!
- لا ترفع صوتك عاليًا لئلا يسمعك، رئيس!
- كيم-كيم هنا، قال هذه المرة بصوت واطئ.
- والسيدة كيم-كيم، سألت الرئيسة الجنوبية الكورية، هل هي هنا كذلك؟ لو عرفتْ أن ثريات الكريستال هذه من عندنا، وبنصف ثمنها، لأوقفتْ حربها النووية.
- يجب ألا تعرف، قالت مس رز، على الحرب أن تقع بثريات أو بدون ثريات. ثم للرئيس: ماذا نفعل؟ مستر بريزيدنت.
- ماذا نفعل ماذا؟
- قلت لك كيم-كيم هنا، في الجناح الأخضر.
- أنا أعرف الآن، إنها لعبة على لعبة على لعبة لصد-صد. أين أفكارك العبقرية، رز ولحم وتوابل؟
- بكل بساطة، رئيس...
- ماذا؟
- سنتجاهل وجوده، وسنشن الحرب عليه كما اتفقنا، وليحمد ربه أنه طالما بقي في البيت الأبيض لن يلحقة أقل أذى.
- أنت جوهرة نادرة، رز ولحم وتوابل، ولم يمتنع عن تقبيلها من فمها أمام العيون المحملقة للسيدتين الأُوُلَيَيْن وللرجل القوي.
في جناح أخضر من أجنحة البيت الأبيض، كان صد-صد يلعب الورق مع كيم-كيم ولاد-لاد والشيخ العُمَرِي، والتحق بهم كل الدكتاتوريين الأحياء والأموات: هتلر، ستالين، ماو، بورقيبة، بومدين، بونجو، بوكاسا، عرفات، قذافي، بينوشيه، بيتان، كاسترو، حسن ثاني، أسد، حمد بن عيسى، صالح، بن علي، موبوتو، هو جنتاو، موسوليني... إلى آخره. ثم صد-صد ثان، ثم صد-صد ثالث، ثم صد-صد رابع، ثم صد-صد خامس، كل واحد منهم ليم الدكتاتور العراقي. رويدًا، رويدًا، امتلأ البيت الأبيض بأطفال في اللباس العسكري، وهم يحملون أحدث الأسلحة المتطورة. اجتاح الأطفال الجنود حدائق البيت الأبيض، والشوارع المجاورة، كل واشنطن، كل أمريكا، كل العالم، وصعدت بنت صغيرة لتعيد الساعة إلى السير، فدقت معلنة عن منتصف الليل، وتقدمت نحو منتصف الليل ودقيقة، الدقيقة الأخيرة للفرصة الأخيرة لإنقاذ العالم.


الكتابة الأولى بالفرنسية باريس 2003
الكتابة الثانية بالعربية باريس الاثنين 13 يوليو 2005



























أعمال أفنان القاسم

المجموعات القصصية

1) الأعشاش المهدومة 1969
2) الذئاب والزيتون 1974
3) الاغتراب 1976
4) حلمحقيقي 1981
5) كتب وأسفار 1988
6) الخيول حزينة دومًا 1995
7) كوابيس 2013

الأعمال الروائية

8) الكناري 1967
9) القمر الهاتك 1969
10) اسكندر الجفناوي 1970
11) العجوز 1971
12) النقيض 1972
13) الباشا 1973
14) الشوارع 1974
15) المسار 1975
16) العصافير لا تموت من الجليد 1978
17) مدام حرب 1979
18) تراجيديات 1987
19) موسى وجولييت 1990
20) أربعون يومًا بانتظار الرئيس 1991
21) لؤلؤة الاسكندرية 1993
22) شارع الغاردنز 1994
23) باريس 1994
24) مدام ميرابيل 1995
25) الحياة والمغامرات الغريبة لجون روبنسون 1995
26) أبو بكر الآشي 1996
27) ماري تذهب إلى حي بيلفيل 1999
28) بيروت تل أبيب 2000
29) بستان الشلالات 2001
30) فندق شارون 2003
31) عساكر 2003
32) وصول غودو 2010
33) الشيخ والحاسوب 2011
34) ماكبث 2011
35) ساد ستوكهولم 2012
36) شيطان طرابلس 2012
37) زرافة دمشق 2012
38) البحث عن أبولين دوفيل 2012
39) قصر رغدان 2012
40) الصلاة السادسة 2012
41) مدينة الشيطان 2012
42) هنا العالم 2012
43) هاملت 2014

الأعمال المسرحية النثرية

44) مأساة الثريا 1976
45) سقوط جوبتر 1977
46) ابنة روما 1978

الأعمال الشعرية

47) أنفاس (مجموعة قصائد أولى – ثلاثة أجزاء) 1966
48) العاصيات (مسرحية شعرية) 1967
49) المواطئ المحرمة (مسرحية شعرية) 1968
50) فلسطين الشر (مسرحية شعرية) 2001
51) الأخرق (مسرحية شعرية) 2002
52) غرافيتي (مجموعة قصائد فرنسية) 2009
53) غرب (ملحمة فرنسية) 2010
54) البرابرة (مجموعة قصائد أخيرة) 2008 – 2010

الدراسات

55) البنية الروائية لمصير الشعب الفلسطيني عند غسان كنفاني 1975
56) البطل السلبي في القصة العربية المعاصرة عبد الرحمن مجيد الربيعي نموذجًا (جزءان) 1983
57) موسم الهجرة إلى الشمال للطيب صالح 1984
58) البنية الشعرية والبنية الملحمية عند محمود درويش 1984
59) بنيوية خاضعة لنصوص أدبية 1985 – 1995
60) دفاعًا عن الشعب الفلسطيني 2004
61) خطتي للسلام 2004
62) شعراء الانحطاط الجميل 2007 – 2008
63) نحو مؤتمر بال فلسطيني وحوارات مع أفنان القاسم 2009
64) حوارات بالقوة أو بالفعل 2007 – 2010
65) الله وليس القرآن 2008 - 2012
66) نافذة على الحدث 2008 - 2012
























هل يستطيع المرء أن يقعد مكتوف اليدين، فلا يعبر عما أثارته في نفسه الحرب التي وقعت في العراق؟ إنه السؤال الذي دفع أفنان القاسم إلى كتابة عساكر.

لإملاء أصوله الفلسطينية عليه التحرك، والتزامه السياسي الماضي، ومعرفته للعالم العربي، لم يكن باستطاعته البقاء غيرَ مكترثٍ بما يجري، أو الاكتفاء بموقف المتفرج من خارج اللعبة. إذن أن يدلي بدلوه الخاص بخصوص هذا الصراع، بِرِهاناته، وبنتائجه، للكاتب الذي هو، كان عملاً لا إراديًا وعفويًا.

لأن الموضوع يثيره، لم يختر الأشكال الكلاسيكية للبحث أو للنقد، عساكر كوميديا صَارّة، حيث السخرية والكاريكاتير لا يوفران أحدًا. كل أبطال الأزمة العراقية هم هنا، وهم يلعبون أدوارهم كما يلعبونها في الواقع.

من البيت الأبيض إلى قصر الإليزيه مرورًا بالكرملين، يذرع أفنان القاسم، بقلمه اللاذع، كواليس الدول، قبل شن الحرب بقليل، ويتخيل هذه الأيام "العد العكسية"، وذلك بعسكرة شخصياته عَبر رسوم فاجرة، والإلقاء بها في حالات ماجنة، حيث كل هذا العالم الجميل يهتاج هياجًا مثيرًا للقلق. من مسرح الحياة هذا الذي يتصرف الأقوياء فيه بمصائر الآخرين، والذي سيؤول به المطاف إلى إثقال نفسه تحت عبء نفسه في التاريخ المعاصر، يقوم المؤلف بمحاكاة ساخرة عجيبة، يقلد فيها أساليب آثار سابقة في الأدب العالمي، تشكل أحد محركات هذا النص الأساسية.

بوصفه ملتزمًا، يترجم المؤلف آراءه الخاصة، خاصةً حول الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني، وذلك بفضح أدوار كل واحد، تحت مظاهر ومواقف منحرفة ومسخطة، لأجل التنديد بممارساتهم السياسية.

ويأخد الكاريكاتير بعدًا آخر مع الشخصيات النسائية، سيدات أُوُلَيَات وملكات قويات يُدِرْن الأعمالَ خِفيةً، لغايات "سياسية" أقل مما هي لأزواجهن.

يمسك أفنان القاسم هنا بزمام أحداث خطيرة وحارقة، حيث تقترن الغيرة بالجشع وبالاشتهاء، لرسم لوحة غالبًا ما تكون مضحكة.

عساكر المكتوبة تحت سطوة الإلحاح وفي زمن قياسي –مما ليس من عادات المؤلف- وبإلزام علاقتها المباشرة بالأحداث، تتجلى كاستثناء في أعمال أفنان القاسم. كما وتَبِين هذه الوقائع المركزة والهزلية لحرب معلنة كعلامة تعجب وعِبارة بين قوسين معًا في نشر أعماله باللغة الفرنسية.






* أفنان القاسم من مواليد يافا 1944 عائلته من برقة قضاء نابلس له أكثر من ستين عملاً بين رواية ومجموعة قصصية ومسرحية ومجموعة شعرية ودراسة أدبية أو سياسية تم نشر معظمها في عواصم العالم العربي وتُرجم منها اثنان وثلاثون كتابًا إلى الفرنسية والإنجليزية والإسبانية والروسية والعبرية، دكتور دولة ودكتور حلقة ثالثة من جامعة السوربون ودكتور فخري من جامعة برلين، أستاذ متقاعد عمل سابقًا في جامعة السوربون ومعهد العلوم السياسية في باريس والمدرسة المركزية الفرنسية وجامعة مراكش وجامعة الزيتونة في عمان والجامعة الأردنية، تُدرّس بعض أعماله في إفريقيا السوداء وفي الكيبيك وفي إسبانيا وفي فرنسا...





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,099,188,922
- فندق شارون النص الكامل
- هذه هي حقائق أحداث باريس
- الاستفتاء على الدستور
- مدام ميرابيل النص الكامل
- قائمة السفراء الثانية + تعليمات إلى كافة السفراء
- قائمة السفراء الأولى + رسائل من حكومة غزة ومعان
- تشكيل الحكومة الانتقالية
- تأسيس حزب الديمقراطيين
- أريد اقتسام الأردن مع إسرائيل
- يا أمريكا أريد أن أكون خليفة!
- أبو بكر الآشي النص الكامل
- إني أحذّر!
- مقارنات عاجلة بين رائف بدوي وعبد الله مطلق القحطاني
- مليار دولار صدقة لله يا محسنين!
- العصافير لا تموت من الجليد النص الكامل
- العصافير لا تموت من الجليد القسم الثالث الفصل السابع والأخير
- العصافير لا تموت من الجليد القسم الثالث الفصل السادس
- العصافير لا تموت من الجليد القسم الثالث الفصل الخامس
- العصافير لا تموت من الجليد القسم الثالث الفصل الرابع
- العصافير لا تموت من الجليد القسم الثالث الفصل الثالث


المزيد.....




- روسيا وجهة طلاب العالم لدراسة المسرح ورقص الباليه
- روسيا وجهة طلاب العالم لدراسة المسرح ورقص الباليه
- أشهر مصنع للخزف في روسيا
- صناع القرار الثقافي في ثلاث قارات يجتمعون بالسمارة لعرض نقا ...
- مونية بوستة: المقاربة المغربية للهجرة ضمنت كرامة المهاجرين
- بنعتيق يستقبل المقررة الخاصة للأمين العام للامم المتحدة
- باية محي الدين: من هي الفنانة الجزائرية التي تأثر بها بيكاسو ...
- وفاة مغنية الجاز العالمية نانسي ويلسون
- الرابطة النوبية بالمملكة المتحدة تقيم ليلة شعرية على شرف الش ...
- اولبرايت: ترامب تسبب في تراجع دور أمريكا عالميا


المزيد.....

- خرائط الشتات / رواية / محمد عبد حسن
- الطوفان وقصص أخرى / محمد عبد حسن
- التحليل الروائي للقرآن الكريم - سورة الأنعام - سورة الأعراف ... / عبد الباقي يوسف
- مجلة رؤيا / مجموعة من المثقفين
- رجل من الشمال / مراد سليمان علو
- تمارين العزلة / محمد عبيدو
- المرأة بين المقدمة والظل، عقب أخيل الرجل والرجولة / رياض كامل
- الرجل الخراب / عبدالعزيز بركة ساكن
- مجلة الخياط - العدد الثاني - اياد الخياط / اياد الخياط
- خرائب الوعي / سعود سالم


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أفنان القاسم - عساكر النص الكامل