أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أفنان القاسم - فندق شارون النص الكامل















المزيد.....



فندق شارون النص الكامل


أفنان القاسم
الحوار المتمدن-العدد: 4990 - 2015 / 11 / 19 - 15:03
المحور: الادب والفن
    


الأعمال الكاملة
الروايات (23)



د. أفنان القاسم


فندق شارون
HOTEL SHARON

رواية




صدرت بالفرنسية دار لارماطان باريس 2003
























































إلى الاتحاد بين العرب واليهود










































الفصل الأول

أيقظ طنين الجلاجل المعلقة على باب مدخل الفندق السيد شارون، وهو يغفو في مكتب الاستقبال. انتفض، وحملق.
- صباح الخير! هلا استلمت حجزي، باسم يوسي؟
كان الرجل الذي لفظ هذه الكلمات يرتدي بدلة، ويحمل حقيبة، وله من الهيئة ما للسائح على أكمل وجه، الباحث عن غرفة في فندق. ومع ذلك، تفرس السيد شارون فيه، فاغر الفم، بعد أن سحبه من أفظع كوابيسه، وفي الكابوس يرى نفسه عفريتًا من عفاريت الجن المغطاة بالغبار وبالدمامل، مُرْعِبَهُ الامتحان القادم ليهوه. تفحص الرجل الواقف أمامه بدقة، وكأنه رسول إلهي لن يتأخر عن الإدلاء بالحكم المهول، حكمًا ما فوق حكم.
لأنه فقد كل شيء السيد شارون، أو، بالأحرى، لم يبق له سوى فندقه، لكنه فندق فارغ، هجره الزبائن. بدأ كل شيء قبل أربع سنوات، في يوم الرماد، ومن يومها عاد يجر ذيول الخيبة والانخذال. حتى ذلك الوقت، كان فندق شارون، فندق صغير بنجمة، أقرب إلى البنسيون العائلي من فندق كما يعني الفندق، كان يعيش على إيقاع الفصول السياحية. بعض الزبائن في الشتاء، وأكثرهم في الصيف. وفي هذه الفترة، كان أكثر ما يجنيه من فوائد. من مزايا الفندق أنه كان يقع على بعد مائة متر من الشاطئ، وكان يجذب من يريد التنعم بعطلة الصيف بحرًا وشمسًا. في ذلك الوقت، كان السيد شارون وزوجته يعيشان كما يليق بهم العيش، الطبخ وتنظيف الغرف من مهام السيدة شارون، والباقي على السيد شارون.
ثم، حطت مصيبة المصائب الرحال. جارهما عموس، عدوهما اللدود الذي كان دومًا، باع أرضه لكبار المستثمرين الذين بنوا عليها فندق شيراتون، مركّب سياحي ضخم بخمس نجوم وعشرات الطوابق، مع مطعم يؤكل فيه أحسن الأكل، وبركة يعام فيها أحسن العوم، وقاعات يحاضر فيها أحسن المحاضرات، وكل ما يتبع. في البداية، ظن الشارونان أن زبائنهما الذين اعتادوا عليهما واعتادا عليهم لن ينكثوا عهدهم معهم، وأن زبائن الشيراتون لن يكونوا بالأحرى غير رجال الأعمال وسائحي اللوكس، ولكن لا شيء من هذا، وكأن ناطحة سحاب شيراتون طمرت كل ما يحيطها تحتَ جذعٍ كثيفِ الظل، وكأن فندق شارون غدا فندقًا شبحيًا لا العين تراه ولا الأذن تسمع به.
كانت السنة الأولى أفظعها، والسيد والسيدة شارون يشاهدان اندحارهما عاجزين. كانا يترصدان طنين الجلاجل المعلقة على باب المدخل، ينتفضان على رنين الهاتف، يتأخران في السهر ليلاً، يأملان في التقاط المسافرين التائهين، لكن لا شيء من هذا، فقد هرب الزبائن من الفندق بشكل نهائي.
لم يكن السيد والسيدة شارون من نوع الذين ينوخون كالجواد، وأجدادهما صاروا مَضْرِبَ مثل لهم، فهم نجوا من المعتقلات، وجاؤوا ليقيموا هنا على أرض الميعاد. أعدا إستراتيجية للمقاومة، وذلك عندما دعيا الحاخام ليتلو من التوراة ما تيسر خلال كل السنة التالية. عندما جاء الصيف، وقف السيد والسيدة شارون أمام باب الفندق، وهما يبتسمان، وانتظرا دون أن يأتي أحد، حتى ولا زبون واحد.
لا بأس! عند ذاك، قررا تخفيض أسعارهما، إلى النصف، يعني تنزيلات! تنزيلات كل السنة، إضافة إلى ترتيلات الحاخام، كانا مع كل هذا قويين كالمدرعات المصفحة. حتى قبل حلول موجات الحرارة الأولى، كانا على أُهْبَةِ الحرب، على استعداد لمواجهة الفصل الجديد. كان قلبهما يختنق خشية، إلا أنهما أخذا مكانهما، هو وراء منصة الاستقبال، وهي أمام الباب. رأيا الكثير من السياح، وهم يعبرون أمام الفندق، ومن الباصات، وهي تصب حمولتها الثمينة على بعد عشرة أمتار أمام فندق شيراتون. أمريكيون، بولونيون، روس، فرنسيون، كان العالم كله يمضي أمام فندقهما، لكنه يقف عشرة أمتار غير بعيد.
في تلك السنة، بدأت أعصاب نجا –السيدة شارون- تطرطق. وهي لهذا، بينما كان الباص الخامس يتوقف أمام الشيراتون، انطلقت نحو المطبخ، وما لبثت أن عادت مسلحة بدلو ماء. كان السيد شارون ينظر إليها منذهلاً، لكنه لم يفهم في الحال ما كان وراء رأسها. لما أطل الباص السادس من قرنة الشارع، سارعت نجا إلى الرصيف، وانتظرت أن يمر الباص تحت أنفها لترشقه بالماء، وهي تطلق ضحكات الانتصار الهستيرية، تحت العيون المذعورة للركاب. كانوا قد عظموا لهم حسن الضيافة الإسرائيلية، وها هم يمتحون منها ما طاب لهم!
لحق السيد شارون بزوجته على الرصيف، وهو أبعد ما يكون عن معاتبتها أقل عتاب! على العكس، تفجر بالضحك المجلجل، فهو وحده من يفهم اليأس الأصم الذي يسحقها. في الغد، هو أيضًا راقب الباصات، وبيده دلو ماء. ومع مرور الأيام، جربا من تقنيات الرشق جديدها، مرة على الزجاج الأمامي، ومرة على الزجاج الجانبي، وكانا يصهلان من الضحك على رؤية السياح، وهم يتراجعون داخل الباصات، خلف الزجاج المحكم الإغلاق. كانا يرافقان رشق الماء بزركشة من السباب والحركات المخلة بالحياء، ولسخطهم بضرب الرصيف برجليهما كالسعادين المحبة للخصام. وسرعان ما أخذ سائقو الباصات يموضعون المجنونين اللذين يرشقانهم بالماء، ويجيبونهما بتشغيل مَسَّاحاتهم، فتبدو الباصات من بعيد أشبه بحيتان ضخمة تنفخ الماء من مناخيرها، وهي تجيء لتجنح دومًا أمام الشيراتون.
مع قدوم المساء، كان السيد والسيدة شارون يجلسان في قاعة المطعم الخالية، ويعلقان دونما نهاية على ردود الفعل التي أثارتها مناوراتهما البخسة. لم يكن ليخدعهما ذلك، كانا يفضلان الضحك، وإلا ما كانا ليجدا من الدموع ما فيه الكفاية ليذرفاها على حظهما العاثر. وشيئًا فشيئًا أرهقهما ما كانا يفعلان، وليكونا على راحتهما أكثر، وضعا في الخزانة الفساتين والبدلات، ليجدا نفسهما عند نهاية الصيف أقرب إلى بدايته: لم تكن نجا ترتدي شيئًا آخر أكثر من مايو بقطعتين صغيرتين، ولم يكن المتسكعون يريدون شيئًا آخر أقل من التمتع بالنظر إليها. أما السيد شارون، فكان يحتفل بقداس البيكيني بجذع عار، وهو يجهل أنه كان موضوع رهانات دائمة: أعطاه رواد المقهى المجاور لا أكثر من عدة أسابيع قبل أن يكشف عن محاسنه هو أيضًا في مايو السباحة. كان الصيف كثير الضجيج والعجيج، وفندق شارون كثير السكوت والسكون.
إلا أن الشارونين لم يكونا لتنقصهما الأفكار! في السنة التالية، قررا القيام بحملة إعلامية يشهران بها مُنْشَأَتَهُما. وجها دعواتهما إلى كل من هب ودب، إلى ممثلي غرف السياحة، إلى ضباط، إلى نواب، إلى رؤساء بلديات، وإلى صحفيين... في الواقع، جاء الصحفيون وحدهم للتحقق مما يقوم به الشارونان من تومئة وتشوير على الرصيف. وجد أحدهم فيما يفعلون غريبًا وطريفًا و، بين دلوي ماء، طرح على نجا بعض أسئلة تمكنه من كتابة طرفة مختصرة لباب التسالي. تناقلت الصحف النادرة و، ما لبث كل واحد أن أراد إعادة المعلومة بتزويقها من بنات أفكاره. في ذلك الصيف، لم يمض يوم دون أن يكون على الأقل صحفي واحد موجود على مأدبة الشارونين، وبقدرة غرائب الصحافة وعجائبها، غدت تعاسات فندق شارون موضوع الساعة. حتى الصحفيون الأجانب العابرون كانوا يأتون لحضور جلسات سقي الباصات، غير مبالين بما يصيبهم من الماء المرشوق. ثم كان الراديو، وحتى التلفزيون، وما لبث العالم أجمع أن علم بخيبة الأمل التي لحقت فندق شارون. نيويورك تايمز فضلت التعامل مع الموضوع بفكاهة، فقد اكتشف صحفيُّها أن تسعين بالمائة من أسهم فندق شيراتون يملكها المستثمرون الأمريكيون. كان الشيراتون يرفل بالنعمة، والحال هذه لن ينشر الغصن الذي يقعد عليه مواطنوه! وطالما بقي الأمر بين إسرائيليين، لم تر المجلة من الضروري تعميق التحليل الاقتصادي أو الاجتماعي لفندق شارون.
أمير سعودي لم يقتعد الأرض متربعًا، جاءته فكرة أن يشتري من الشارونين فندقهما، من أجل بناء مُجَمّع فندقي جديد عشر مرات أكبر حجمًا وعشر مرات أكثر فخامة من الشيراتون، فصاح الشارونان صياحًا جمد أجنحة الطير: ماذا؟ نبيع لعرب؟ ولافتة الاستقبال تقول بكل وضوح إن الفندق ممنوع على العرب وعلى الكلاب؟ ولِمَ لا بيع روحهما؟ لم يجدا بدًا بالتفضل بالرد على الفاكس، ودفنا المشروع في الرمل. أطلق المستثمرون الأمريكيون نفسًا عميقًا، فالتنافس أزاح نفسه بنفسه، من السعوديين رأوا أحمرهم، ولكن لأول مرة سعودي لا يرسل الكلام على عواهنه.
علم ياسر عرفات بالعرض الذي تم رفضه، وكان يجهل من الأسباب أيها. كانت فرصته التي قفز عليها، فهو يحلم بتقديمِ عطلٍ على شاطئ البحر لأهالي غزة والضفة. قدم ملفًا كاملاً لأصدقائه الأوروبيين، على طريقة العطلة المدفوعة الأجر عام 1936، وتخيل مواكب الباصات الفلسطينية، وهي تقبل وتدبر بين الأراضي المحتلة وتل أبيب. وبما أن فندق شارون كان صغيرًا، من اللازم البدء بالإقبال والإدبار قبل أن يبدأ فصل الصيف، بشكل يمكن فيه تأمين أسبوع إقامة لأكبر عدد ممكن.
عندما سمع الشارونان باقتراح عرفات، ظنا في البداية أن الأمر لا أكثر من مزحة سمجة، لكن للأختام كانت هيئة رسمية، وللميزانيات روابط محكمة. دون أن يتشاورا، وقف السيد والسيدة شارون وقفة رجل واحد، ليختلسا النظر من الباب، فهل الباصات الفلسطينية صارت هنا، وهنا لا شيء من هنا؟ رمت نجا الملف في المزبلة و، منذ صباح الغد الباكر، ذهبت للحصول على صمغ الصبر.
عندما عادت إلى الفندق، وجدت زوجها جالسًا أمام المروحة. كان عاري الجذع، كما لو كان ينتظر العودة إلى جلسات رشق الماء اليومية، لكنه لم يرفع حتى عينيه عند وصولها. كان ملف عرفات، كما يبدو، قد لوحه تلويحًا، وكان يبدو عليه كمن سقط فريسة ما يجتره من أفكار ليس أكثر منها هولاً. عشية أمس، وهما يتمددان في سريرهما بحثًا عن النوم بيأس الغافي عن كل شيء إلاه، تصديا لأول مرة للحل النهائي: بيع الفندق بسعر جيد، لكن أبدًا لعربي.
مرت من أمامه بهيئة غامضة، ومع ذلك لم يلحظ من الغموض أَيَّهُ. كان يغرق في تأمل بعض الأشياء التي يزوق بها مكتب الاستقبال من طرف إلى طرف، ميداليات الجندي المقدام الذي كانه، "المزوزة" المعلقة على الباب المؤدي إلى المطبخ، بعض صوره عندما كان عسكريًا، عندما كان شابًا، أو مع زوجته عند زواجهما أمام الكنيس، مع زوجته كذلك وهما يُبَكْنِكَان في الجبل، وكأنه يقوم بجرد من يئب إلى أوابده ودوائره: أهذا ما تلخصه حياته؟
عند ذاك، شم رائحة غريبة، رائحة حامزة جعلته يقرص أنفه. لم تتأخر زوجته عن الظهور ثانية في مايو القطعتين، وبيدها مِبخرة. دارت في القاعة، وهي تحرك المِبخرة في كل الاتجاهات.
- ما هي هذه الرائحة الكريهة؟ سأل زوجته.
- هذه الرائحة الكريهة هي صمغ الصبر، أجابت نجا بابتسامة واسعة.
- صمغ الصبر! لكن هذا يفوح فوحًا فظيعًا! نحن نشم رائحة العرب في كل مكان!
- على العكس، يا حبيبي، هذا لطرد كل الأرواح العربية التي لم تزل في الفندق. هذه الأرواح الشريرة هي التي تجلب لنا النحس، فلم يحصل لنا منذ قرن ألا نحصل على زبون واحد في عز الصيف!
- منذ قرن؟ لكننا لا نملك هذا الفندق إلا منذ عشر سنين فقط!
- إذا قلت منذ قرن يعني منذ قرن، نحن في بيتنا الآن في إسرائيل، ونحن أحرار في فعل أو قول ما نريد، حتى الكذب.
- آآآه! تتكلمين عن آبائنا وأجدادنا الذين ولدوا في بولونيا! أنا متفق معك.
- أوطئ صوتك، صموئيل، يلعن د... ستسمعك.
- مَن هذه؟
- الأرواح العربية التي تجلب لنا النحس، قلت لك.
- لكن فندق الخراء هذا تم بناؤه منذ عشرين، ثلاثين، أو أربعين عامًا بعد قيام دولة إسرائيل! لا دخل للعرب في الأمر!
- بلى.
- بلى؟ أنا لا أفهم.
- أرواح النحس العربية هذه لا تريد الرحيل، تتسلل إلى كل مكان لتزرع التعاسة عندنا. وإلا لماذا عرفات اقترح علينا ما اقترح من خبل وسعار؟ لديها الحق عندما لا تريد الرحيل.
- كيف هذا لديها الحق؟
- لو كنت روحًا مطرودة من بيتها، لعملت الشيء نفسه، لبقيت في مكاني، ولصرت شريرة. لكن ما علينا. نحن اليهود نبقى الأقوى حتى في مادة الأرواح. لدينا وسائل فعالة لمحاربتها، ورائحة صمغ الصبر هذه واحدة منها. ماذا تعرف، أنت، في مادة الأرواح؟
طرحت سؤالها، وعادت إلى تحريك المِبخرة في كل الاتجاهات.
- لا شيء على الإطلاق.
- إذن اتركني أقوم باللازم، صموئيل. وسترى، لن يتأخر كل زبائن الفندق المجاور عن المجيء عندنا. سيكون النزال بين الشارون والشيراتون، والشارون من سيغلب.
- بفضل رائحتك الكريهة؟
- هذا لطرد الأرواح العربية، قلت لك، وليكون الطقس جميلاً في إسرائيلنا الغالية خلال كل السنة.
- ماذا؟! ليكون الطقس جميلاً في إسرائيلنا الغالية خلال كل السنة؟ أنا لا أفهم.
- شغّل مخك، يا صموئيلي النَّنْنُوني، وبسرعة! قبل أن ينتهي الصيف، وقبل أن ينزل ولا أي زبون في "فندق الخراء" الذي لنا، كما تقول حق القول.
- تريدين القول ليكون الطقس جميلاً في إسرائيلك الغا... أريد القول في بلدنا الغالي طوال السنة بفضل رائحتك المقيتة؟ هل تستغبينني أم ماذا؟
- أنا لا أستغبيك، أنا لا أستغبيك، لا، أنا لا أستغبيك.
- وكيف ستعملين حسابك حتى يكون الطقس جميلاً في بلدنا الغالي خلال كل السنة؟
- لن أقول لك.
- هيا، نجا!
- هذا سر بيني وبين الأرواح اليهودية.
بناء على ذلك، قضت نجا الأسبوع التالي في تبخير الفندق، وبشكل منهجي، غرفة غرفة، فرشة فرشة، خزانة خزانة، مع عناية خاصة في إغلاق الأبواب والنوافذ جيدًا من ورائها كي يكون مفعول البخور أكثر تأثيرًا. نسيت باصات السياح، والدعوات إلى الغداء. والصحفيون الذين لم يخربشوا بعد مقالاتهم عن الشارونين الرشاشين انتهى كل شيء على حسابهم: ليس فقط لم تعد هناك مشاهد لرشق الماء، ولكن أيضًا لم يعد الفندق يقدم وجباته. ومن ناحية أخرى، من يغامر من الصحفيين في الذهاب حتى منصة الاستقبال كان يتراجع قبل أن يطلب أقل توضيح مختنقًا من رائحة صمغ الصبر.
ترك صموئيل زوجته تفعل ما تفعل، ليس بدافع ما من ترحة إلا وبعدها فرحة. من ناحية، كان مشغولاً جدًا بمسألة بيع الفندق، ولا يعير أفعالها سوى قليل الاهتمام. كان يدير المسألة في رأسه ويدير بحثًا بين معارفه عن مشتر جدير بشراء إرثه بأحسن سعر. وكان وجهه يضيء من وقت إلى آخر، ويلفظ بصوت عال اسمًا، وهو يضرب جبينه. غير أنه كان يتذكر بسرعة أن هذا فتح دكانًا، أو أن ذاك هاجر إلى الولايات المتحدة بعد هجرته من الولايات المتحدة، فتتراخى كتفاه، ويعود إلى الغوص في تأملاته المرهقة.
من ناحية أخرى، منذ زمن طويل لم ير نجا بمزاج مرح كما كانت عليه و، مما لا ريب فيه كان يسعده ذلك. حقًا لم ترتد دومًا لباس الفندقية المحتشمة، وتصر على التنقل بالبكيني في الفندق، لكنها عادت إلى نشاطها "العادي". ثم، كانت تضيف من الحيوية الشيء الكثير إلى طقوس التطهير ما لا يطيعه قلبه للحد من حماسها.
على الرغم من صمغ الصبر، كان ذلك الأسبوع الأسبوع الفارغ الأكثر يأسًا في كل الصيف، حتى ذلك اليوم المشهود الذي أيقظ فيه صموئيل من ظنه ملاك الرب يهوه.

* * *

- اسمي يوسي، ألح السائح ممتعضًا بعض الشيء.
كالصور البطيئة الحركة، أقفل صموئيل فمه الذي أبقاه مفتوحًا على سعته، من الاندهاش والذهول. بلع ريقه، وفحص طويلاً الرجل الواقف أمامه. مد يده، لا ليسلم، وإنما ليتأكد من أن ما يجري ليس هلوسة، وهو يلعن بصوت منخفض زوجته التي أثرت فيه هذياناتها.
على ذكرها، بدت نجا من باب المطبخ، بيديها المليئتين بالطحين. لم تبد عليها الدهشة، وهي ترى الزبون في قسم الاستقبال، فزلق يوسي ببراعم ذوقه على جسد نجا العاري، والتهم بعينيه قطعتي البيكيني.
- ادخل، فلتدخل، عجلت نجا إلى مخاطبة يوسي بابتسامة واسعة، وهي تمسح يديها بقطعة مايوهها اللاقطعة.
وضع يوسي حقيبته على الأرض، ورمى ما حوله بنظرة دائرية. وقعت عيناه على اللافته إياها "الفندق ممنوع للعرب وللكلاب"، فحملها، وهو يبتسم، وهتف:
- هذا جيد، جيد كل هذا، أحييكم لوطنيتكم!
- أهلاً وسهلاً، يا سيدي، أجاب السيد شارون أخيرًا، وهو يتجه نحو الحقيبة الكبيرة مستعيدًا ردود فعله الحفية الحاسمة للفندقي الذي كانه.
- هنا الشيراتون، أليس كذلك؟ ألقى يوسي في ظهره.
كان لسؤال صغير كهذا أثر القنبلة، بل أكثر، فلكل يوم ما يكفيه من العناء، واليوم هو غير اليوم. جمد السيد والسيدة شارون، وقد أصمهما السؤال. كيف! الزبون الوحيد الذي ينتظرانه منذ أسابيع يجيئهما عن طريق الخطأ؟ في سالف الأوقات، كانا يعتبران ذلك استفزازًا، لكن اليوم، لم يكن لديهما قلب ليضحكا.
- شارون، تذمر صموئيل تاركًا الحقيبة الثقيلة تسقط من يده. هنا فندق شارون!
- كل اعتذاراتي، لقد أخطأت العنوان، عمل يوسي متظاهرًا بأخذ الحقيبة الكبيرة ليغادر المكان.
- لكن، يا سيدي، بين شارون وشيراتون، تدخلت مدام شارون، وهي تسحب الحقيبة الضخمة، وتجحر زوجها مؤنبة، لا فرق هناك: هذا يبدأ بشا وينتهي برون، شا...رون.
رماها صموئيل بنظرة معجبة، لكم تقاتل، رجا التي له! أسدة بالفعل! لا تعترف أبدًا بالإخفاق، مع احتمال أن تلجأ إلى حجج معوجة كهذه! وهو يفكر فيها، كان من الكدر خطوتين، لأنه لم يكن أول من فكر في هذا التشابه الصوتي الغريب. وكان بإمكانه كذريعة جرجرة الشيراتون في المحاكم الذي جعلهما يفقدان زبائنهما، غير أن عجلته تنفست عندما سمع يوسي يقهقه:
- بلى! بلللللى! حتى أن هناك فرقًا كبيرًا! هذا يبدأ بشي وينتهي بتون، شي...را...تون. ثم، كل هذا، أضاف مشيرًا إلى الأشياء المهترئة أو القديمة في مكتب الاستقبال، كل هذا لم يعد على الموضة. وفوق هذا، أشم رائحة غريبة هنا.
أخذ ينشق، وهو يقرص منخريه بهيئة قرفة، قبل أن يحدق، مستفظعًا:
- ولكن لهذا رائحة العرب! لديكم من الزبائن عرب؟
كانت النبرة تحمل اتهامًا صريحًا، ويوسي ينظر إلى الواحد والآخر كأنه ينتظر منهما اعترافًا، فاقترب السيد والسيدة شارون من بعضهما بعفوية ليعملا جبهة واحدة.
- لا، ولا واحد! احتجا معًا.
- إضافة إلى ذلك لا عرب ولا... قال السيد شارون، وزوجته تضربه بكوعها في خاصرته.
- وهذه الرائحة... تابع يوسي مشمشمًا.
- إنه صمغ الصبر، شرح السيد شارون.
- صمغ الصبر؟ أنا أعرف رائحة صمغ الصبر، كانت أمي تضع منه في الشاي، وكان لذيذًا.
- زوجتي تحرقه...
- لطرد الأرواح العربية، يا سيدي العزيز، أكملت السيدة شارون، وهي تتباهى بابتسامتها، مستعيدة صوتها المعسول للفظ "يا سيدي العزيز".
- أما إذا كنتِ، يا سيدتي الطيبة، تعملين حسابك على طرد الأرواح العربية بحرق صمغ الصبر، فأنت تنهجين نهجًا خاطئًا. هل تعرفين على الأقل من أين تأتي هذه المادة الصمغية؟
- من الجليل.
- من الجليل! أرى أنهم ضحكوا عليك، قال يوسي، وهو يلتهم بعينيه السيدة الجميلة ذات مايو البيكيني.
- قلت لكِ إن هذه الرائحة الكريهة ليست كما يلزم، تدخل السيد شارون.
- ضحكوا عليّ! كيف هذا ضحكوا عليّ؟
- مادة صمغية من إنتاج العرب في جزيرة العرب لم تُصنع لطرد الأرواح العربية، صُنعت لطرد الأرواح اليهودية! وكما أرى، مفعولها ناجع، إذا ما فهمت جيدًا.
وهو قد فهم جيدًا بالفعل، بعد أن لاحظ المفاتيح التي لا ينقص منها واحد على اللوحة المعلقة خلف المنصة. استدار نحو قاعة الأكل الفارغة، وأرخى سمعه، فلم تصله أدنى حركة من الفندق كله. تأكد حدسه، كان الفندق هادئًا بشكل غريب.
- صمغ الصبر مادة من جزيرة العرب!!! صاحت السيدة شارون.
- قلتُ لكِ هذه الرائحة الكريهة رائحة العرب، فلم تسمعيني، قال السيد شارون متوجهًا بالكلام إلى زوجته. وها هي النتيجة! لقد طردتِ كل الأرواح اليهودية، وها هي الأرواح العربية التي لم تضع القدم عندنا منذ قرون تأتي جماعات...
- أو واحدة واحدة، قاطعه يوسي مشيرًا بإصبعه إلى نفسه.
- أو واحدة واحدة... أعاد السيد شارون آليًا.
فجأة، فهم ما يعنيه، فعتم وجهه، وألقى بصوت جاف:
- أنت على الأقل لست عربيًا؟
- عربي أنا، لا...
- إذن يهودي.
كان السيد شارون يتشعوذ عند مخاطبته إياه متنقلاً بين لهجة الاحترام ولهجة الاحتقار: أنت العربي، حضرتك اليهودي، هكذا كان يمارس عبريته. لم يكن ذلك يغيظ يوسي أقله غيظ، فهو يفهم تمام الفهم حذر السيد شارون، عكس هذا سيدفعه إلى التفكير أن محدثه ساذجًا تمامًا.
- وها هو البرهان، ألقى بمرح.
فتح يوسي حقيبته الضخمة، وأخرج منها قلنسوة وضعها على قمة جمجمته، كما لو كانت تاجًا. هز السيد والسيدة شارون رأسهما علامة الموافقة، فلم يكن يلزمهما كبرهان أكثر من هذا ليقتنعا تمامًا. أضف إلى ذلك، أن يبدأ يوسي بإخراج حوائجه كان لهما فألاً حسنًا، وكأنه صار يقيم تحت سقفهما.
- تعال، يا سيدي العزيز، همهمت السيدة شارون بصوت معسول قبل أن يبدل الآخر رأيه، روح يهودية من الممكن أن تخطئ الطريق.
- روح يهودية من الممكن أن تحب صمغ جزيرة العرب، ألقى يوسي راميًا إلى الحكمة.
- صمغ الصبر؟ صمغ الخراء هذا؟ أبدًا! نبر السيد شارون بلهجة مغتمة.
- سيجيء كل هذا، فلا تقلق، يكفي أن تهوّي المؤسسة كما يجب، قال يوسي بلهجةٍ يرمي من ورائها إلى تطمينه.
- وفي الحال!
- تعال، يا سيدي العزيز، انتبه إلى قلنسوتك، فلا تقع عن رأسك، ستكون لك أحسن غُرَف، كما تقول، المؤسسة.
- بنصف السعر، كما أرجو!
جمدت قبضة السيد شارون على قبضة النافذة عند سماعه ما طلبه يوسي، وبسرعة أدارت السيدة شارون بطاقة الأسعار، لكن ليوسي مِنَ الوقتِ كانَ ما يكفيه لمعرفة أسعار الغرف.
- وإلا ذهبتُ جانبًا.
- لا، لا، لا، ستبقى، يا سيدي العزيز، وستكون لك أحس غرفة بأحسن سعر، ألحت السيدة شارون.
- إذا كان الأمر كذلك اتفقنا.
- تعال، يا صموئيل، احمل حقيبة السيد إلى الغرفة 48، إنها أحسن غرف الفندق. أضافت ليوسي: مع منظر على الشاطئ وعلى كل ساحل بلدنا الغالي.
في تلك الليلة، لم ينم الشارونان أفضل من الليلة السابقة، ولكن لأسباب أخرى. لم يصدقا ما هم فيه من سعادة، وهما يراقبان أقل حس، خائفين من سماع باب غرفة يوسي، وهو يطرقه، أو جرس الاستقبال، وهو يقرعه، مما يعني أن زبونهما بدل رأيه، وفضل الذهاب للنوم في الشيراتون. أخيرًا، ناما نومًا مضطربًا، وصموئيل يحلم برتل من الناس المنتظرين على عتبة الاستقبال، إلا أنه أضاع مفاتيح كل الغرف المقفولة من الداخل.



الفصل الثاني

كان صباح الغد بشمس الليل مشرقًا، فنزل يوسي لتناول طعام فطوره مبكرًا. ولقاعة الطعام الفارغة، أخذ من المتعة، ولم يعط، في اختيار الطاولة التي تلائمه. بدءًا ذي بدء جلس قرب باب مدخل الفندق، لينهض بعد دقيقتين، وهو يتظاهر بالانزعاج من مجرى الهواء. ثم تردد أمام طاولة وسط القاعة، قبل أن يآثر الجلوس أخيرًا قرب جدار مزجج يستطيع منه النظر إلى المارة. كان صموئيل، في مكتب الاستقبال، يتابع تحركاته بقلق، لكنه يرغم نفسه على عمل تكشيرة باسمة كلما جاءت عيناه في عينيه، حتى أنه شجعه:
- انعم بما لا أحد ينعم، لك الخيار، فكل الأيام ليست هكذا!
بدا يوسي راضيًا باختياره، لا أحد يشاطره العيشَ حُلْوَهُ وَمُرَّه، وهناك من حيث هو يرتفق، كان يمكنه أن ينعم على هينته بالنظر إلى الفتيات الجميلات الذاهبات إلى الشاطئ، وهن في أكثر من خفيف اللباس، ولم يمنع نفسه من الصفير تعبيرًا عن إعجابه عندما تتوافق إحداهن مع معايير الجمال الأنثوي لديه. لاحظ صموئيل أن يوسي قد بدل بدلته بشورت وقميص ملون، ما يكفي من الإشارات التي لا تخدع: كان يرمي إلى قضاء عطلته هنا وإلى الاستمتاع بالوقت ما طاب له ذلك. سيسأله صموئيل عن هذا الموضوع فيما بعد، يكفيه في الوقت الحاضر ما عبر يوسي عن الاحتفاظ بغرفته لأسبوع، فمن يدري؟ هل سيمدّد إقامته إذا ما شعر بالارتياح؟ وهو على أي حال لن يكون في الشيراتون أفضل بينما ينعم في الشارون بكل انتباهه وانتباه نجا. في تلك اللحظة، أطلق يوسي صفيرَ المنخطفةِ روحِه، فذهب السيد شارون بعينيه نحو موضوع إعجابه. في الماضي، حتى هو كان يركع إعجابًا أمام كَفَل مخلوقة البيكيني الساحرة التي تتمايل بكرم قارعةً الطريق بصندلها، والتي تضحك عاليًا لنكت الشخص المرافقها. للشكليات، لا شيء غير الشكليات، غمز صموئيل يوسي غمزة متواطئة، في الوقت الذي حيا فيه بصمت الروح المعنوية الصحية لزبونه. إذا ما كان على مستوى تعليقاته الفاحشة، فلن يتأخر عن دعوة إحدى غزواته إلى طعام الغداء في الفندق، وهذا يعني ما لا يدحض من برهان على أن الزبائن كفوا عن الحرد.
دومًا ما قال له جده موشيه، مؤسس فندق شارون: "قاعة طعام فارغة تُهَرِّبُ الزبائن، حتى أولئك الذين يبحثون عن الهدوء". تذكر صموئيل الطرفة التي غدت للعائلة طرفة الطرف: في الأسبوع الأول من افتتاح الفندق، دعا موشيه كل أفراد عائلته وكل أصدقائه المقربين إلى المجيء للأكل، ومن التعليمات استلموا كلهم أن يتظاهروا بعدم معرفة جيران الطاولات التي تنتصب من حولهم، بشكل يوحي إلى أن قاعة المطعم مليئة بالزبائن. ليبدو الأمر طبيعيًا، وليتركوا مكانًا للزبائن "الحقيقيين"، كانوا يصلون في مجموعات صغيرة كل نصف ساعة. سهر موشيه وزوجته على خدمتهم "رسميًا" أكثر ما يقدران عليه، وهما لا يكلان عن قول "يا سيدي" و "يا سيدتي" طوال السهرة. بعد يومين، بدأت المناورة تمشي، وأخذ الزبائن "الحقيقيون" يحلون للقاعة المفعمة الجاذبة إياهم. كان ذلك من الزمن أطيبه، تنهد صموئيل، وهو ينظر إلى السمراء التي صفر لها يوسي.
في تلك اللحظة ظهرت نجا من باب المطبخ، وهي على استعداد لتأخذ طلب يوسي، ففاجئت نظرة الرجلين المثقلة بالشبق، وتظاهرت بمظهر المصدومة.
- انظرا إلى ابنة الشوارع تلك! ألا يمكنها ارتداء شيء أكثر؟ حمدًا لله أننا في تل أبيب لا في القدس، في القدس سيبصقون عليها!
فرقعت بحدة مطاط بيكينيها، وجاءت لتنزرع أمام يوسي.
- هل اخترت؟ سألت بدلع.
- هل تقدمون الفطور الإسرائيلي كما هو في الشيراتون؟
طبعًا لم يمنع يوسي نفسه عن لفظ الاسم اللاسع كالقدر، كما لو كان يذكّر بتركه الفندق تهديدًا لم يختف تمامًا. أخذت أذنا صموئيل تطنان، فنهض متذمرًا: لن يكون أحد لنجا أكثر منه عونًا لإحضار كل الأطباق التي يتكون منها فخ السياح هذا، الفطور الإسرائيلي الشهير. فكرة على فكرة لغرفة السياحة! وإذا ما كانت نجا من رأي زوجها، فهي لم تبد من الامتعاض شيئًا. على العكس، أيدت اختيار يوسي:
- كم أنت محق، رجل مثلك بحاجة إلى قوة!
بعد غمزة وغنجة، سارعت باللحاق بزوجها في المطبخ، وما لبثا أن ظهرا، وأذرعهما مثقلة بالصواني. فواكه، سلطات، كل أنواع الخبز والفطائر، لحم بارد، أجبان، بيض مخفوق، بيض مسلوق: أرادت نجا أن تظهر ما هي قادرة عليه، ومكافأة على جهدها رافق يوسي بسحنة المغتبط اقترابها.
- آه! الحق أقول إني لست نادمًا على المجيء هنا! بعد ليلة لذيذة، لا أفضل من فطور لذيذ للتصدي لنهار واعد.
نظر صموئيل إلى يوسي من قرنة عينه، ويوسي يبتلع عددًا لا يحصى من الفطائر والفواكه، بنصف السعر. على هذا المنوال، من الأفضل أن يدفع للزبائن مجيئهم إلى فندق شارون! ونجا التي لا تكف عن ترديد أن قطعهم الصحراء قد انتهى... كان أبعد ما يكون عن واحد متفائل بهذا القدر!
وكذلك، عندما انشق الباب عن رجل شكله عربي بما لا يقبل الجدل، أوشك قلبه على التوقف عن الخفق. مبعوث لعرفات؟ مشتر آخر؟ أو أسوأ، سائح عربي؟ على كل حال، مع نظارتيه الصغيرتين المدورتين ونظرته الثاقبة، كان للقادم الجديد رأس مثقف، وهذا يعني متاعب حتمًا.
أشاح يوسي بوجهه عن الشارع مؤقتًا، ليتابع القادم الجديد بعينيه. تقدم الرجل من صموئيل بخطوة مصممة، وتحولت ابتسامته المفتعلة إلى تكشيرة غير مصدَّقة عندما وقعت عيناه على اللافتة "ممنوع للعرب وللكلاب". خيم أمام منصة الاستقبال، متيبسًا كوتد، وسلوكه يخون سخطه، فقمع يوسي ابتسامة على فكرة أن أحداثًا مثيرة ستدور في بهو الفندق.
- هذا لماذا؟ تذمر صموئيل، دون أن يعيي نفسه بالقيام من مقعده.
- اعلم، يا سيدي، أنني أشجب تمام الشجب هذا النوع من الكلام العنصري، نطق الآخر بصوت جاف. قلبي ينقبض، ويدي ترتعش، نعم يا سيدي، على أكمل وجه، لأن مستقبل الإنسانية على ما يبدو لي قاتم بشكل رهيب.
يالله، شو تاني! لم يغلط صموئيل: الرجل ليسه فقط مثقف، ولكن مثقف مكلف في اعتقاده بمهمة تقويم الأخطاء. رمى نجا بنظرة مهددة، فاقتربت، وكلها ابتسام، كي تحول دون تدخله، ولا يجعل من هذا العربي شغله.
- عندما أرى هذا النوع من الكلام المكتوب على لافتتك، لا يمكنني أن أمنع نفسي من التفكير في كل الشعوب المقهورة التي كافحت للاحتفاظ بكرامتها، تابع الآخر بنبرته الطنانة. هل نسيت ألمانيا النازية ونجماتها الصفراء؟ هل نسيت السود الأمريكان الممنوعة عليهم باصات البيض؟
- لا تسخر، بصق صموئيل.
- تظنني أسخر؟ شكلي شكل واحد يسخر؟ إنساني، أنا، يا سيدي، وعندما أرى أنك تضع العرب والكلاب في نفس الطنجرة، لا يمكنني أن أمنع نفسي من التفكير في أن الإنسانية تتراجع إلى مصاف الحيوانات حقًا! العنصرية أرض الحيوانية!
- ولكني لست عنصريًا، احتج صموئيل. أنا لا أحب العرب، ليس الأمر سيان!
هزت نجا رأسها هزًا قويًا تعبيرًا عن موافقتها، وازدرد يوسي فطيرة جديدة.
- وإذن، لعلمك، اعرف أنني يهودي، أرخى الرجل، وهو يراقب ردود فعل محدثيه. أنا يهودي، واسمي سالومون.
ارتدى صموئيل رداءً ساخرًا، وإيش كمان؟ حقًا هذا العربي لا تنقصه الشجاعة، وهو يبدي استعداده لإنكار أصوله، وذلك لدعم اعتقاداته السياسو-إنسانية، لكن إذا ما تصور أنه سيجعله يبلع هذا على مثل تلك السهولة، فهو مخطئ!
- أنت يهودي؟ وأنا ملكة الإنجليز! عليك أن تثبت أنك يهودي!
- أن أثبت أنني يهودي؟ لو لم أكرس كل حياتي لهذه المعركة الأساسية الرامية إلى إقامة المحبة بين الشعوب، لاستدرت عائدًا من حيث أتيت أول ما قرأت لافتتك القبيحة. لكن بما أنني أصر على الإدلاء بدلوي الصغير في هذه القضية العظيمة، سأثبته لك، وبالشكل الأكثر فظاظة مهما كان، الوحيد الذي تستأهله.
وضع يده على دكانه، وتظاهر بإنزال بنطاله، فاقشعرت نجا، وأخفت وجهها خلف يديها، قبل أن تباعد أصابعها قليلاً قليلاً كيلا تُضيع شيئًا من المشهد. توقف يوسي عن الأكل، فقد نجح الآخر في قطع شهيته، بينما راح صموئيل يقهقه:
- أوقف سيركك، يا سيدي الحلو الكلام الذي ينسى أن المسلمين أيضًا كاليهود يختنون أنفسهم! أرني بطاقة هويتك!
- سيدي، أنا لا أسمح لك بالتحدث معي هكذا! قال الآخر بنبرة جليدية. خذ، بما أن قلبك جامد كالحجر، ها هي بطاقة هويتي!
لوّح سالومون بطاقته تحت أنف صموئيل الذي تناولها بهدوء، وأخذ يدقق فيها ليحكم في صحتها.
- سالومون بيكورارو؟ سأل في الأخير.
- نعم، هذا هو اسمي.
- مولود في الجزائر؟ عَمَلَ بعد صمت آخر طويل.
تبدل صوته بشكل واضح، فقد سبق له ورأى من المهاجرين اليهود جزائريين في الكنيس، لهم شكل الرجل الواقف أمامه، وقد كان يتساءل عن قدرات شعبه اللامتناهية على التكيف.
- على أكمل وجه، مولود في الجزائر.
- دين يهودي! وتريدني ألا أشك في هذا؟ قويٌّ من فبرك لك هذه الأوراق المزورة! عمل لا أجمل، لكنك تفهم جيدًا أنني لا أستطيع الوثوق بهذا.
- هذا ما فوق الحد، حاضرًا! لن أحتمل دقيقة أكثر سبي بهذا الشكل! سأذهب لأرى في فندق شيراتون، حتى ولو دفعت ثلاثة أضعاف أغلى. على الأقل سأنام مرتاح البال لأني لم أكفل سلوكًا معيبًا، سلوكك! أضف إلى ذلك، هناك رائحة خبيئة في فندقك!
قال ما توقعتْ أن يقول، فأطلقت نجا صرخة صغيرة، واندفعت نحوه:
- انتظر، يا سيدي العزيز! هذا لأنك لا تعرف زوجي تمامًا، أنت تظنه هكذا! والحق أنه بين كل الرجال هو الأفضل! ثم، ماذا تتخيل؟ أن فندق شيراتون لن يفحص هويتك؟ موظف الاستقبال نفسه ربما كان من الموساد! اسمح لي لحظة، أضافت، وهي تسحب زوجها إلى المطبخ.
- ماذا جرى لكَ؟ وكأنك تعمل عن عمد على إفلاس الفندق! لم أركَ موسوسًا كما رأيتك اليوم!
- نحن لن نقبل عربًا هنا تحت حجة أن الفندق لا يمشي حاله هذه الأيام!
- ليس هذا ما قلت! لكن هو، عملت حركة باتجاه الباب، ربما هو يهودي، بعد كل شيء! كل هذا، لأنك لا تريد تصديق مفعول صمغ الصبر. أقول لك، وأعيد عليك، الأرواح العربية تترك الفندق، والنزلاء لن يتأخروا عن المجيء. هل تعتقد أن هذا محض صدفة مجيء زبونين جديدين في يومين متلاحقين؟ أمس يوسي واليوم هذا؟
إذا كان صموئيل قادرًا على العناد، فهو بالمقابل، لأجل عيني نجا، لم يكن قادرًا على الصمود.
- طيب، صحيح أن هذا نرفزني بشكل خاص مع كلامه المنفوخ وشكله أنا-أعرف-كل شيء، أنا متفق معك على أن يقيم هنا، لكن أبدًا لن نعطيه غرفة جيدة، وأكثر أن نخفض الأسعار! هكذا سيدفع لكل ما يأكل الآخر! وإذا كان هناك مشكل فيما بعد، فلا تأتي لتشتكي عندي.
- إذن يجدر بنا الذهاب في الحال، قبل أن يأخذ هذان الاثنان بالثرثرة، ويوشك يوسي أن يقول له السعر الذي أعطيناه إياه أمس، فيكون سُعرنا! اتركني أتصرف، وإلا ذهب الجديد إلى الشيراتون دون رجعة.
أخذت نجا إدارة العمليات بيدها، وكوسيلة احتياطية، سحبت زوجها إلى مكتب الاستقبال، وصموئيل يبدي سحنة مقطبة، لا إنتاجية، بينما هي بدت نبيهة وفعالة.
- وهكذا حللنا المشكل! ألقت مرحة باتجاه سالومون، غرفتك جاهزة، وسيعينك زوجي على حمل حقائبك، أليس كذلك، يا صموئيل؟
كل ما أعطاه صموئيل من جواب كان نخيرًا. تناول مفتاحًا عن اللوحة، وألقاه في اليد التي يمدها سالومون، وهو يتفادى لمسها. ثم دعاه إلى اللحاق به، بحركة من رأسه. اختفى الرجلان في الدرج، وقطعا الممر بصمت: صموئيل يجرجر الحقيبة أكثر مما يحمل، غير مبال بالضربات على الجدار مع كل خطوة. توقف مقابل الغرفة التي يحتلها يوسي، انتزع المفتاح من يد سالومون، وفتح الباب بحركة مباغتة. وأكثر من أن يضع الحقيبة، رماها على الأرض.
خطا سالومون في الغرفة خطوة، واستدار ساخطًا:
- لكنها صغيرة! وأنا لا أرى الحمام!
- على المِسطحة، هناك، أوضح لسالومون مشيرًا إلى باب، وهو مدفوع الثمن، يمكنك الحصول على فيشات في مكتب الاستقبال.
خرج سالومون في الممر ليرى "الشيء"، وهتف حانقًا:
- كما هو في المخيمات الصيفية! بالنظر إلى سعر الغرفة، ظننتها بدوش!
- إذا لم تكن مبسوطًا، فيمكنك الذهاب إلى الحمام! سأعطيك العنوان، في يافا، في العجمي. ربما ذكرك هذا بقصبة الجزائر، قهقه صموئيل بمراءاة.
اغتنمَ فرصة غياب نجا ليعود إلى الأعمال الحربية، فما من شك أنها كانت ستدقه بكوعها في خاصرته لاستفزاز كهذا. كان سالومون من الحكمة ألا يجيبه، واكتفى برميه بنظرة كحلاء جعلت الفندقي يخفض عينيه، وكنهاية لبداية، ذهب، وهو يغمغم. دخل سالومون الغرفة، وأقفل الباب من ورائه. جلس بكل ثقله على السرير، والسرير يصر تحته. نهض عابسًا، واتجه نحو النافذة الصغيرة. تأمل البانوراما الحزينة التي تنفتح أمامه: ساحة مغطاة بالقمامة، وجدار رمادي.
- أهلاً وسهلاً بكم في تل أبيب، أهلاً وسهلاً بكم في إسرائيل، همهم بمرارة، البلد الصغير الكبير بقدر العالم...
خلال ذلك، عاد صموئيل إلى مكتبه، وهو يصفر. "أين الشهامة لما تخلو الشهامة من الشهامة! حتى أنا لن أقبل أبدًا بغرفة كهذه! يجب إعادة طراشة كل الغرف، ولكن علينا انتظار عودة الزبائن أولاً وقبل كل شيء." عندما وصل إلى مكتب الاستقبال، لم يكن يوسي في المطعم، ويا للخسارة. كان يريد أن يعرف رأيه في القادم الجديد، وإذا كان يرى فيه هذا اليهودي الذي لا يراه فيه. مر برأسه من باب المطبخ، ليتحرى قرب نجا عن ذهاب يوسي.
- هل تعرفين إلى أين ذهب يوسي؟
- إلى الشاطئ، كما قال لي. لا تقلق، سيعود. ذهبتُ لأرى في غرفته: لم تزل أغراضه هناك.
- أنت تفهمينني دومًا دون أن أفوه بكلمة.
- والآخر؟ هل ألقى رحاله؟
- نعم، وضعته في الغرفة الضيقة. مقزِّزة بالفعل هذه الغرفة، حتى أنكِ نسيتِ أن تنقيها برائحتك العفنة!
- توقف مع هذه "الرائحة العفنة"! أنت ترى جيدًا أن هذا يمشي!
ما أن فاهت نجا بهذه الكلمات، حتى طنت جلاجل الباب. رمت السيدة شارون زوجها بابتسامة منتصرة، وصرفته بحركة من يدها ليستعيد مكانه في مكتب الاستقبال بأقصى سرعة، بينما هي تطبخ على نار خفيفة أطباقها ببشاشة ونشاط.
انبهر صموئيل على مرأى زوجين يبدو عليهما أنهما يخرجان مباشرة من مجلة للفِتنة: شابان، ساحران، مبتسمان، وكما هو بائن عاشقان جدًا. كانت المرأة الشابة طويلة جدًا، شقراء جدًا، متكلفة جدًا، وكانت ترتدي فستانًا يلتصق بجسدها التصاقًا لا يصدق. كانت تبتسم بأناقة على دعابات الرجل الذي كان يرتدي بدلة –عند الخياط مخيطة على القياس كما هو بائن- رغم ارتفاع الحرارة. رجل أعمال؟ زوجان شابان في شهر العسل؟ سياح بسطاء؟ طوال حياة الفندقي التي له، كانت المرة الأولى التي يتشرف فيها صموئيل بأناس على مثل تلك الأبهة، يجتازون باب بنسيونه المتواضع. لانبهاره، كان على وشك أن يشير إليهما بالخطأ الذي يرتكبانه، وأن الشيراتون هو الفندق المجاور.
انتظر بصبر أن ينتبه العاشقان إليه، فقطع الرجل في الأخير حديثه الذي تتخلله شظايا الضحك، ليجاهر:
- صباح الخير! أنا بحاجة إلى غرفة ليوم أو يومين. كنت أنوي النزول في الشيراتون، لكن لم يبق لديهم من الغرف سوى بسرير واحد. الخطأ خطأ الحجز! ميريام، زوجتي، ستقيم هناك، وما أن تفرغ غرفة لشخصين، سألحق بها، ربما غدًا أو بعد غد.
وجد صموئيل في التوضيح منطقًا، إلا أنه لم يمنع نفسه عن الإلحاح:
- لكن لدينا غرفًا جميلة جدًا، مدام! ألا تفضلين البقاء هنا مع زوجك؟
بدا على ميريام الاستغراب، وهي ترى أنه يتوجه بالكلام إليها، وأنه يسألها سؤالاً أخرق. كيف أمكنه أن يفكر لحظة واحدة أنها ستنزل في فندق حقير كهذا؟ قرصت شفتيها، وترددت قبل أن تجيب، وكأن هذا يكشط شفتيها بالتوجه إلى الفندقي:
- لا، بصراحة، فندقك لا يتماشى إطلاقًا مع منزلتي. لزوجي، هو، ناحية وغدة، ويجد في هذا النوع من المنشئات بعض الغرابة، فهو يحب كل ما يعمل "شعبي"، وأنا أفضل كل ما يعمل "هاي هاي".
أكدت كلماتها الأخيرة بضحكة صغيرة جليدية، وصموئيل يفكر: المرأة الشابة جميلة لكنها كريهة، ضراطة بالفعل! لم تخطئ نجا: ما أن ظهرت على باب المطبخ، جمدت، وقلّبت المخلوقة الجميلة من قمة الرأس إلى أخمص القدم. وفي ذهنها أجرت مقارنة بين كل ما للأخرى وما ليس لها، جرى ذلك بسرعة، بما أنها لم تزل في البيكيني. فستان حرير، من المحتمل "كِنزو"، خُفّ جلد خروف، نظارت شمسية كريستيان ديور، ملقاة بإهمال على شلال من الخصلات الذهبية، حقيبة رائعة جلد تمساح، "فويتون"؟ ثم ذاك العطر المُدَوِّخ الذي يحجب حتى رائحة صمغ الصبر: "جيرلان". وخاصة النظرة المغرمة لمن تخيلته زوجها، دون أن تعمل حسابًا للنظرة المزججة لزوجها، تحت تأثير السحر. حتى هذا البَئِس سالومون الذي عاد إلى النزول من غرفته، أبدى دهشته عندما رآها. كانت المرأة الشابة تشع جمالاً وشبابًا، إذا ما لم تُبْدِ من الضيق أقله من تعرية رجا البصرية لها، وهي المعتادة على أن تكون موضع الإعجاب والغيرة، فهي لم تحرم نفسها، بالمقابل، من إبداء احتقارها للفندقية. يعني بعد أن مطت شفتيها مطًا خفيفًا مستهجنةً رِداء نجا الطفيف، لم تعد تتفضل بالنظر إليها. امرأة لا شأن لها!
سجلت نجا صدمة نظرة اللازِر بلا تذمر، ونظرت فيما ستتركه هذه المرأة السحرية من أثر، وهي تتربع على عرشها في قلب قاعة طعام فندق شارون. تخيلت العابرين، وهم يتوقفون أمام الجدار الزجاجي، مذهولين إعجابًا. وفي حالة أشبه بالنوم، سيخترقون صالة المطعم، وسيجلسون أقرب ما يكون من المخلوقة، سيطلبون وعيونهم مغمضة الطعام الأكثر وفرة، ليطيلوا من متعة القرب منها، سينعمون بضحكات حلقها الشبقية، وسيثملون من شذى عطرها. سيحاولون ربط الحديث مع اللطيف البشوش بنيامين، ليلتمسوا بشكل أفضل رأي الإلهة: "وأنتِ؟ ما رأيك؟" من يدري؟ ربما عَبّرا عن رغبتهما في تمديد وجودهم بحجز غرفة؟
رأت نجا رأيًا أن رأيها قد تم، رسمت على شفتيها أجمل ابتساماتها، واقتربت من الزوجين، وهي ترحب بهما. أخبرها صموئيل بطلب "الموسيو":
- بنيامين، ادعني بنيامين، لو تفضلت.
- بنيامين، إذن، يريد غرفة. هل الغرف جاهزة؟
- لم تبق لي سوى الغرف 44، لكنك تستطيع إعطاء 46 للموسيو، معذرة: لبنيامين.
بإيمائية ذات أثر مثير للعجب (للتعجب)، تبنى صموئيل ونجا لهجة "جافة" بإفراط، ليبهّروا ويملّحوا حيلةَ الفندقي المرهَق بالعمل لكثرة النزلاء. ارتدى سالومون رداء القَرفان، وهو يلتقط مع عبوره نتفًا من الحديث الدائر. كان عاجزًا عن تصديق أن الرجل الذي سبه بشكل وقح منذ نصف ساعة من قبل، قد تحول إلى كلب الراعي هذا المرح والناعم. دفعته المقارنة العفوية إلى الضحك رغمًا عنه، وهو يتذكر "ممنوع للعرب وللكلاب"، فنحن دومًا ما ينتهي بنا الأمر إلى التشابه بمن نكره. تقدم من منصة الاستقبال، ليعيد مفتاحه، ولا أحد به يبالي.
- من فضلك؟ قال طلق المحيا.
- هذا لماذا؟ عوى صموئيل.
- هذا للمفتاح. سأمضي نهاري في الخارج، أنا أختنق في هذه الغرفة الصغيرة، هل يمكنك تبديل الشراشف، لدي إحساس بأنها ليست نظيفة؟
مناورةُ خرقِ السفينة لإغراقها من طرف سالومون أتت أُكُلها، فميريام التي لم تفقد شيئًا من ردها السريع، ارتعشت من الهلع، مما أرضى سالومون، حتى أنه لم ينتظر جواب الفندقي، ولى على عَقِبَيْه، وما أن خرج من الفندق حتى هتف صموئيل مستنكرًا:
- لكن ما الذي يتخيله هذا؟ يريد دفع أقل ما يمكن ويريد أجمل الغرف! ليس مثلكما! إذا شئتِ، مدام، تركت لك غرفة بلا مقابل معروفًا مني، لأني أجد من الخسارة أن تنفصلي عن زوجك!
- لا تقلق، يا سيدي، أجاب بنيامين، وهو يشعر أن زوجته يبست للعرض، زوجتي لها ميولها المفرطة الصغيرة، ثم، لسنا بعيدًا كثيرًا أحدنا عن الآخر. سنكون أكثر سعادة عندما نتلاقى، أليس كذلك، يا حبيبتي؟
أكدت ميريام، وزوجها يزيل عنها عبء الجواب، ومن الأفضل المغادرة بأسرع ما يمكن، والفندقيان غدوا لجوجين، مع اقتراحاتهما المزعجة.
- اتفقنا، أنهى بنيامين، وهو يجذبها. حبيبتي، لن أتأخر كثيرًا، فما عليك إلا الذهاب إلى الشيراتون لتبدلي ملابسك، وسنلتقي على الشاطئ خلال نصف ساعة، طيب؟
- طيب، وشوشت ميريام، وهي تقبله من طرف شفتيها. إلى اللقاء العاجل.
اتجهت نحو باب الفندق تحت العين المتأسفة للشارونين، وقبل أن تخرج، قامت بآخر حركة صغيرة من يدها لزوجها. انغلق الباب من ورائها، ومن جديد، سقط البهو في الدجى.
- زوجتك آية من آيات الجمال، هنأه صموئيل. خسارة ألا تبقى هنا! المهم! تعال، سأريك غرفتك.
رافقه بنيامين حتى الدرج، وَنَقَّ بالضحك:
- لحسن الحظ أن زوجتي لم تصحبني حتى الغرفة، فهي لا غنى لها عن المصعد. أعبدها، آه! لكم أعبدها، إنها في غاية الرقة!
اغتبط صموئيل لغبطة الرجل الشاب دون أن يبدي اغتباطه، لم يلاحظ رائحة صمغ الصبر، ولا الجدران المصفرة، وهو المشغوف بهواه. كان حقًا ما رأى: عندما دخل بنيامين حجرته المحاذية لحجرة يوسي، اتجه في الحال نحو النافذة، غير مبال بالديكور، وانحنى ليرى إذا كان لم يزل يرى زوجته في الشارع. لم يستقم إلا بعد عدة دقائق لا مجدية ليتأمل المنظر من حوله، وليصيح بمرح:
- أعبد تل أبيب! أعبد إسرائيل! أعبد العالم أجمعين!
كانت كلماته كلمات رجل عاشق عن حق.

















الفصل الثالث

قليلاً قليلاً عادت حياة الفندق إلى مجراها الطبيعي، انتهت حفلات الرش، حفلات العشاء، مسألة بيع الفندق، وكانت نجا من الثقة أكبرها: سيمتلئ الفندق بالنزلاء عما قريب. بعد ذهاب بنيامين إلى الشاطئ، قررت التسوق. هذه المرة، لن تذهب فقط لتعرف آخر الإشاعات، وإنما لملء سلتها، فعليها إطعام نزلائها! أوصاها صموئيل بألا تشتري كل السوق، بعد كل حساب، لم يكن لديهما سوى زبونين محتملين، بما أن بنيامين قال سيتناول طعامه في الشيراتون ظهرًا.
- أنتَ ما أعجبك! تشاؤمك يتأكلني! ألقت نجا في وجه زوجها قبل أن تضرب الباب.
أخذت كل وقتها في التسوق، وهي تحمل سلتها علانية أمامها ليعرف الجميع أن الأشغال عادت عال العال، وكان الناس يلتفتون عند عبورها، ويضحكون، فمنذ كتبت الصحف عن فندق شارون، فندق السعادين واللامسعودين، اسودت سمعتها. ولم يتردد البعض عن إسماعها بأنها غدت مهبولة مليكة المهابيل. حتى أن صديقاتها أصابهن الذعر، وهن يرونها على مثل حالات الهيجان تلك، وكن يقصدن بالطبع دلاء الماء. لم تبال نجا أقل مبالاة، وصمدت أمام حججهن ببيانِ أنهنّ لو كنّ مهددات بالإفلاس، لفعلن الشيء نفسه. الآن، أهم ما في الآن، الكف عن الاستسلام بسهولة، وستنشغل بكرامتها المجروحة فيما بعد. طبعًا سيأخذ كل هذا وقتًا، وهي أدركت أن كل هذا سيأخذ وقتًا عندما رمتها بائعة الخضروات متهكمة:
- ماذا، يا نجا، انتهى زمن تنظيف الأرصفة؟
تجاهلت نجا بشموخ كلامها الجارح، وطلبت بندورة وسلطة وفلفلاً وباذنجانًا وبصلاً، ولم تنس البقدونس، باختصار كل ما كان ضروريًا لإعداد أطباقها الصغيرة. احتاطت لعمل "غولاش" (لحم بقري يطبخ على الطريقة المجرية)، إذا ما تناول بنيامين طعامه في فندق شارون بصحبة زوجته، وذلك حسب الطريقة التي أخذتها عن جدتها. لكن ليوسي وسالومون، ستكتفي بأبسط الأشياء: بابا غنوج، حمص، فلافل، تبولة.
تلخبطت هيئة صموئيل، وهو يراها تصل بسلة مليئة. ثم أضاف، وهو يشير إلى الدرج:
- الاثنان هنا، يوسي وسالومون، وهما سيأكلان هنا ظهرًا. كنت أعرف أنه سيبدل رأيه، العربي! تحذلقَ فقط أمام بنيامين لأنه يعتقد أنه الأكثر دهاء!
- توقف عن نعته هكذا، ستعيد الأرواح العربية! تظن أنهما تكلما مع بعضهما، يوسي وسالومون؟ من غير اللازم أن يأتي سالومون ليطالبنا بغرفة أخرى!
رفع صموئيل كتفيه، فلم يكن يعرف شيئًا. عندما قدمت نجا الطعام، اطمأنت حول هذه النقطة: كان يوسي وسالومون يجلسان على طاولتين متعارضتين كليًا. إذا ما بحث الواحد عن تحاشي الآخر، ما كان أفضل من ذلك.
في البداية، أراحها ذلك، إلا أن سلوك الرجلين بدأ يقلقها. كانا يسعيان بالفعل ليتحاشى أحدهما الآخر، وكان عداؤهما المتبادل ملموسًا. كانا يقضيان وقتهما في مراقبة أحدهما الآخر، إذا ما رمى الواحد نجا أو زوجها بنكتة، يقهقه الآخر حالاً باحتقار، وعندما قام سالومون للذهاب إلى المرحاض، تابعه يوسي بعينيه، وانتظر عودته ليواصل أكله، كما لو كان غيابه يقلقه. مع ذلك، كان للاثنين نفس العمر، وكانا قادرين على التواد كما يفعل كل وحيد في العطلة، حكاية أن يذهبا إلى علبة ليلية معًا.
أغاظ نجا ذلك، فلم تكن فكرتها عن العلاقات الإنسانية. لو كان الرجلان عربيين، لا بأس، لكان ذلك طبيعيًا. أولئك الناس لا يعرفون شيئًا آخر غير الحقد، الحقارة، والحذر. لو كان أحدهما عربيًا والآخر يهوديًا، لا بأس كذلك: ما أكثر طبيعيًا أن يكون واحد في عداء مع آخر ينتمي إلى شعب عدو؟ لكنها، على عكس زوجها، لا تظن أن سالومون عربي. إذن، لماذا هذان الرجلان اليهوديان يكرهان بعضهما إلى هذه الدرجة؟ ألا يعلمان أن التضامن ليس كلمة لا جدوى منها بين اليهود، وإنما واجب مقدس؟
قفزت خارج أفكارها على دفعة من زوجها بكوعه، لتعود إلى أطباقها. انتهى يوسي من تناول طعام الغداء، واستعد للصعود إلى غرفته. فجأة، رفض سالومون تحلية رجا. انتظر عدة ثوان قبل أن ينهض بدوره، ويلحق بيوسي.
لما وجدت نجا نفسها وحيدة مع زوجها، همست في أذنه:
- ألا تجد أنهما غريبا الأطوار هذان الاثنان؟ كأنهما لا يستطيعان رؤية بعضهما و، في نفس الوقت، لا يتوقفان عن مطاردة بعضهما!
- لم تريدي تصديقي عندما قلت لك إن سالومون عربي، وحتمًا يفكر يوسي نفس الشيء مثلي، إذن ماذا تريدين أن يفعلا؟ أن يطبطب أحدهما على ظهر الآخر كأنهما أعز صديقين في العالم؟ ثم، على أي حال، لا شأن لك في الأمر، زبونان هما، لا فردان من أفراد العائلة. دومًا ما كان جدي موشيه يقول...
- أنت تنرفزني مع جدك موشيه، قاطعته نجا. إذا كنت تريد رأيي، سالومون موساد. مع السحنة التي له، لا حاجة به إلى التخفي ليمكنه التسلل بين العرب.
- إذن يوسي العربي؟
- ليس هذا ما قلت، قلت فقط إن سالومون يمكن أن يكون عميلاً سريًا، ويوسي، ما يدريني أنا! فارّ من الجندية؟ أنا لا أحب هذا، على كل حال، رؤية أن اليهود لا يتفاهمون فيما بينهم. ما رأيك لو قمنا بإعداد حفلة طقش وفقش، حفلة خاصة كده؟ لتلطيف الجو!
- وإيش كمان؟ نسيتِ خلاص أننا عانينا شهورًا من غير زبائن، ومرة واحدة، تريدين تنظيم سهرات لمصالحة النزيلين التعسين اللذين لنا؟ ربما كان ذلك لحكاية نسوان، فيوسي كما يبدو لي أرنب ساخن! ألم تري كيف يغازل كل من ترتدي تنورة؟ حتى أنتِ، في لحظة، ظننت أنه يُدَبِّل لك عينيه. ربما ضاجع امرأة متزوجة، والآخر رجل تحرٍ يرمي إلى الإيقاع به لحساب الزوج المخدوع!
- هل ستجيء هنا، المرأة الزانية؟ عملت نجا وكلها استثارة. زبونة زيادة! تظن لدينا الحق في قبولها؟ أضافت بعد لحظة من التفكير. يلزم ألا يعمل هذا فضيحة، رغم كل شيء، وإلا لن نخلص؟
- لماذا؟ تظنين كيف تجري الأمور في الشيراتون؟ مع كل المحاضرات التي ينظمونها، هناك من الرؤساء المدراء من ينتهز الفرصة ليهفّ زميلته بكل كتمان!
- عندك الحق، لكن مع ذلك... هذا ممنوع في الدين، الزنا! عليك أن تفعل شيئًا، لا؟
- وماذا تريدينني أن أفعل؟ أن أتبعهما كليهما لأعرف ما يطبخان؟ تصوري المشهد: "مرحبا! أود أن أعرف إذا كنت موساد، أو مخبرًا، وإذا كان الآخر إرهابيًا فلسطينيًا، أو فارًا من الجندية، أو إذا كانت له علاقة بامرأة متزوجة، لأن زوجتي لا تحب إطلاقًا ألا يتفاهم الناس فيما بينهم؟" لا، لا ولا، غير ممكن، وليس هذا شغلي. طالما هما يدفعان غرفتهما، الباقي على قفاي! هل تسمعين؟ على قفاي!
- اسكت! لا تصح هكذا! ها هما يحضران، قالت نجا، وهي توطئ صوتها.
بالفعل، وصلتهما أصوات خطوات في الممر، ولم يتأخر يوسي عن الظهور، بشكيره على كتفه. تقدم من مكتب الاستقبال ليضع مفتاحه.
- كل شيء كما تريد؟ سألت نجا بلهجة زائفة المرح.
- كل شيء تمام! الماء لذيذ وبنات تل أبيب ألذ: ماذا تريدين أكثر؟
تبادل الشارونان نظرة متفاهمة، ففرضية الزوج المخدوع تأكدت، أو أن يوسي ممثل ممتاز. على كل حال، لم يكن يعجل ذهابه إلى الشاطئ، ففهمت نجا فجأة أنه ينتظر على التأكيد سالومون، وأحست أخلاقيًا أنها مضطرة إلى حثه على الخروج بأقصى سرعة لتفادي مشهد جديد كريه سيثقل ضميرها.
- انظر هناك على الشاطئ، صاحت بنبرة يستعملها المرء مع طفل صغير ليشير إلى طائرة تقطع السماء.
ليأسها الأكبر، في تمام تلك اللحظة، ظهر سالومون في إطار الباب، وهو من أجاب:
- ماذا هناك؟ أنا لا أرى شيئًا يثير الاهتمام!
- بلى! متزلجو الماء! شيء لا أعظم! كم هم أقوياء!
لم تفعل الحيلة المحوجة لنجا غير زيادة التوتر أكثر مع وصول سالومون إلى مكتب الاستقبال، فالرجلان يحاذران من النظر أحدهما إلى الآخر ما وسعهما ذلك، مع ترقب الحركة القادمة التي سيقوم بها هذا أو ذاك. مضى صموئيل بعينيه من الواحد إلى الآخر، الآن وقد وضعت زوجته الوسواس في صدره، بدأ يجد بالفعل أن تصرفهما غريب، ولم يكن يحب الأشياء الغريبة، صموئيل. من اللازم أن يكون كل شيء واضحًا، ولام نفسه على أنه كان مضطرًا لقبول العربي في منشأته، لأنه لم يزل يعتبره كعربي. "الضرورات تبيح المحظورات"، دومًا ما كان يقول جده موشيه. والضرورات، الشيراتون من فرضها. صموئيل، هو، كان مضطرًا إلى قبول واحدٍ يشك في كونه عربيًا في منشأته، لئلا يفقد الفندق. كيلا يترك نفسه نهبًا للشك، فضل رمي الخطأ على ظهر هذا الفندق الملعون. "كل هذا ما كان ليقع لولا وجود الشيراتون! لكنه ليس شغله، أعاد لنفسه القول. أنا فندقي، لا شرطي. وعملي يتركز على إعاشة الفندق، رغم التنافس."
كان يوسي من قام بمبادرة قطع حبل الصمت الذي تلا تحويل أنظار العدو عن مركز القتال، نسخة رجا:
- سأذهب! سأتناول طعامي هنا هذا المساء! طاب وقتكم!
تظاهر سالومون بالاهتمام بالبطاقات البريدية المعروضة أمام مكتب الاستقبال خلال عدة دقائق، جمجم بعدها تحية غامضة، وغادر الفندق بعجلة.
- ماذا سنفعل بهذين الاثنين؟ شكت نجا.
- كالعادة: هم النزلاء ونحن سنقوم على خدمتهم. أنت ستحضّرين طعام المساء، وأنا الباقي عليّ.
مضى بعد الظهر في جو من المزاج النكد، والمساء في جو من الخوف الشديد. أخذ سالومون ويوسي نفس طاولة الغداء، وأبحرت نجا من الواحد إلى الآخر، وهي ترغم نفسها على الابتسام لكليهما. تمت الوجبة في أكبر صمت، رغم محاولات صموئيل اليائسة في إضرام المحادثات. في تلك الليلة، حلم صموئيل من جديد أنه كان عفريتًا من عفاريت الجن. فقأ له القادر الجبار عينيه آخذًا عليه عدم استخدامه بدراية أعضاء خَصَّهُ بها، وفي المرة القادمة سيكون لسانه الذي سيقطعه له، هدده قبل أن يختفي.
استيقظ صموئيل مذعورًا:
- لا يمكن أن يكون هذا أسوأ من الفندق لما كان فارغًا.
تفاجأ أطيب مفاجأة على سماع بنيامين يقول من فمه إن ميريام ستأتي لتناول طعام الفطور في الشارون. كان بنيامين قد سبقها إلى المطعم، وهو ينتظر قدومها ليقوم بالطلبات.
- يستقبل الشيراتون مؤتمِرِين من كل نوع هذه الأيام، أوضح، فاشتكت ميريام من طول الانتظار لكل ما يخص طلبات الزبائن الآخرين، واقتنعت بالمجيء هنا لتناول الفطور. ها هي!
ذهب لاستقبالها، وضمها كما لو لم يرها من الأعوام آلافها.
- صباح الخير، يا روحي! هل نمتِ نوم الملاك؟
- فظيع، يا بنيامين! ضجوا ضجيج الجحيم حتى الثالثة صباحًا! أنا على ثقة من شكلي المرعب!
طبعًا، كان من اللازم أن تشكو، حتى الشيراتون لم يكن مريحًا لها. طمأنها بنيامين، وهو يملس بنعومة شعرها:
- لا تقولي هذا، أنت جميلة كالفجر! تعالي، أنا جالس على تلك الطاولة، هناك!
تقدمت ميريام بخطوات صغيرة من الطاولة التي أشار إليها، وجمالها كالجيش يحتل كل شيء. تأكدت من نظافة الكرسي، قبل أن تترك نفسها تتساقط بلطافة، وأشار بنيامين إلى صموئيل الذي سارع بالحضور قبل أن تحضر نجا. كان قد نسي كابوس ليلة أمس، وراح يملأ عينية بما تقدمه ميريام من مشهد سالب للعقل. أخذت المرأة الشابة من الوقت ما لا ينتهي لتقرر، ولتطلب أخيرًا فنجان قهوة وبعض قطع البسكوت بلا زبدة، بينما اختار بنيامين الفطور الإسرائيلي. أهملا الفندقي إهمالاً كاملاً، وانطلق الزوجان الشابان في حديث بصوت منخفض، وبنيامين يشد يدي زوجته، ويداعب وجنتها. كانت المسكينة بحاجة إلى أن تُبِلَّ من ليلتها في الشيراتون، فأمسك صموئيل نفسه عن إظهار فرحه. كان يعلم أن شهرة الشيراتون مغالاة فيها، وها هو البرهان لديه.
عندما قابل نجا عند باب المطبخ، نفث بهيئة مهتمة:
- سأهتم بالعاشقين الشابين، وأنت بالآخرَيْن لما ينزلان. أنت تعرفين كيف تتصرفين معهما أكثر مني.
لم تترك نجا نفسها تسقط فريسة حيلة ماكرة من الإتقان أبعدها، فقد لاحظت أمارات الاغتباط على وجه زوجها الثقيل الدم، وهي تعرف دلالتها: وصول ميريام. بذلت جهدًا لتكون في أحسن مظهر، وذهبت لتحيي المرأة الشابة التي بعض ما تنازلت للرد عليها. بنيامين، هو، استقبلها بحرارة، حتى أنه توجه إليها بثناء لبكينيها أراد أن تشعر بصدقه. قطب صموئيل، فما الذي يجري في هذا الفندق؟ منذ متى يسمح النزلاء لأنفسهم بالنظر بعين الحسد إلى زوجته؟ وعزم على أن يأمر هذه الأخيرة بارتداء ما يتماشى مع الخدمة، يأمر لا، كيلا تخاطر بتلويث بكينيها.
احمر وجه رجا للمديح، وتلعثمت شاكرة. عجل صموئيل في التقدم نحو الطاولة، بذراعين مليئتين بالصواني و، همس في أذنها أن تذهب لتنتظر الاثنين الآخرين. ولأنها لم تزل مرتبكة للطف بنيامين، نفذت نجا مطلبه، ولم تفطن إلى أن هناك شيئًا مختلاً إلا بعد زمن طويل.
نزل الرجلان -بعض الدقائق بين الواحد والآخر، كما يجدر ذلك. كان لهما رد الفعل نفسه، وهما أمام قاعة الطعام، فهل أرادا تقليد بعضهما أفضل ما يكون عليه؟ وصل يوسي أولاً، طِلْقَ المحيّا، وجمد، وهو يحاذي الطاولات، فاغرًا فمه: كان سحر ميريام يفعل فعله. لم يحصل أن رآها أمس، وها هو يكتشف بنشوة وافتتان المشهد اللذيذ. ولمرة من غير مرة، حاذر من التصفير، كانت ميريام تستأهل أكثر بكثير مما يُبْدي عادة من إعجاب. كانت جزءًا من مرتبة النساء الساميات اللواتي لا يتساهلن إلا مع العبادة. حيا الزوجين بأدب، وجلس على الطاولة المجاورة.
ثم جاء سالومون، فتفاجأ أن ميريام لم تزل بعد في هذا الفندق البائس، وجمد بدوره، عندما وصل على مقربة من الطاولات. انقشع غيمه الداكن قليلاً قليلاً تاركًا المكان لدلائل الغبطة التي غدت قانونًا في حضور المرأة الشابة. جلس إلى جانب الزوجين الشابين، وبطبيعة الحال على الطرف المعاكس ليوسي، بطريقة تجعل الرجلين وجهًا لوجه من فوق طاولة العاشقين. مع ذلك، ضاقت المسافة الفاصلة بينهما كثيرًا.
توقف قلب نجا عن الخفق عندما لاحظت مجرى الأحداث، فهذان الاثنان كانا قادرين على كل شيء، وخاصة على تطفيش الزوجين الشابين بسلوكهما المشين. لكنهما أذهلاها، وكل منهما راح يرقع ابتسامة على شفتيه. من المكان الذي كانت واقفة فيه، لو لم تكن على علم بعدائهما المتبادل، لظنت أنهما يبتسمان لبعضهما. ولكن لا شيء من هذا، كانا يبتسمان في الفراغ أو، بتحديد أكثر، كانا يبتسمان إلى فيض الضوء المنبثق عن الزوجين الشابين، وكأنها بحضور الرب لموسى، بقدرته تزول الحواجز الذهنية الأكثر صلابة.
وبينما هما في قلب مسارّاتهما، من الطبيعي ألا يشعر بنيامين وميريام بحضور سالومون ويوسي إلا بعد عدة دقائق. صبّح بنيامين على جاريه بمودته المعهودة، وما لبث أن أدار الحديث معهما، بريئًا مما بينهما من عداء. حقًا كان الكلام لا قيمة له، ككل كلام يتبادله كل المسافرين: من أية مدينة يأتيان؟ ما الذي جاء بهما إلى تل أبيب؟ هل هي المرة الأولى التي يأتيان فيها إلى نيويورك إسرائيل؟ كيفهم سعداء في الصيف أم في الشتاء؟ رمى بنيامين من وراء هذا السؤال الأخير إلى المداعبة، وميريام تتابع ما يقولون دون أن تتدخل، بعيدة، ولكن آه! كم كانت قريبة. كان الرجلان يزلقان بنظراتهما عليها من قرنة عينهما، وهما يأملان أن يسمعا من ثغرها اللحيم تعليقًا ما، إلا أنها تظاهرت باللامبالاة. وما كان من الكلام لا قيمة له، كان لِما يدور حول الكلام قيمة ولا كل القيم: في بعض الأوقات، كان يوسي يجيب محل سالومون على أسئلة بنيامين، والعكس بالعكس، وفي بعض الأوقات كانا يجيبان معًا، كرجل واحد. في البداية، لم تصدق نجا أذنيها، وانتهى بها الأمر إلى إطلاق نفسًا مرتاحًا. هكذا تحققت أمنيتها بإقامة التفاهم بين كل نزلائها، على الرغم منها هذا صحيح، لكنها كانت مفتتنة.
إلا أنها ما لبثت أن نزعت العُدّة عن جوادها، فما أن نهضا، وتركا العاشقين لغرغرتهما، من غير أن يتمنيا رؤيتهما قريبًا، ارتدى يوسي وسالومون من جديد صدارة العداء الحديدية. فلنقل إن قطر دائرة أرض التفاهم، التي أثرت في قلبها طاولة بنيامين وميريام، كانت تمتد حوالي خمسة أمتار. ما وراء ذلك، كانت غثاثة الحياة تستعيد حقوقها. استطاعت نجا متابعة تحلل قناع الغبطة، قناعهما، شيئًا فشيئًا كلما ابتعدا، ورأتهما مذعورة، وهما يغادران الفندق واحدًا بعد الآخر، أكثر حقدًا من أي وقت مضى.
لم تكن لتحتمل مشاهدة استفزازات الرجلين للرجلين خارج الفندق، هكذا كانا يمضيان نهاراتهما في مطاردة بعضهما، في مراقبة بعضهما، في محاكاة بعضهما. على كيلومترات شاطئ تل أبيب، تدبرا أمرهما في أن يكون الواحد على بعد عدة أمتار من الآخر. لما يتبرنز الواحد، يتبرنز الآخر، لما يسبح الواحد، يسبح الآخر. كان سالومون سباحًا ممتازًا، بينما كان يوسي يسبح على بطنه غير بعيد عن الشاطئ خوفًا من الغرق. اللي يصير يصير: عندما ابتعد سالومون في أعماق البحر، شعر يوسي بالإهانة، ولم يمنع نفسه من اللحاق به. كان الحَنَقُ ما يدفعه، فأمكنه العوم وقتًا أكبر مما فعله أبدًا من قبل، لكنه لم يعد إلى قواعده سالمًا، وهو على بعد عدة مئات من الأمتار من الشاطئ. كان منهكًا. سبح على ظهره عدة دقائق ليستعيد قواه، وهو يلعن نفسه، وخاصة وهو يلعن الآخر الذي دفعه إلى القيام بمأثرة عديمة التبصر. من حظه أن زوجين كانا على دراجة مائية، اقتربا منه، وسألاه إذا ما كان كل شيء على ما يرام، فاضطر إلى الاعتراف مخزيًا بوجع في ربلة ساقه، يعيقه عن الرجوع إلى الشاطئ. بكل لطافة، اقترح عليه الزوجان التعلق بالدراجة، وهكذا تم إنقاذه من الغرق، تحت النظرة الساخرة لسالومون.
لم يمنع ذلك يوسي من عودته إلى المراقبة، أول ما ذهب عنه انفعاله، وهكذا عادا في المساء إلى الفندق كعادتهما الواحد في دبر الآخر. نط صموئيل، وهو يرى سالومون يصل الأول، فقد انتهت الهدنة بالنسبة له، ومن واجبه التيقظ ليتفادى تدهور الوضع، كما طلبت نجا منه ذلك. لهذا لم يفطن إلى الرجل الذي جاء إلى الفندق عدة دقائق بعد عودة يوسي بدوره إلى غرفته. ظنه في البداية شحاذًا، فما يرتديه من لباس كان الأكثر إهمالاً. وفوق ذلك، كان يحمل ذراعه في وشاح، بضماد وسخ ومحلول.
ثم، كانت له سحنة عربي.
دار في بهو الاستقبال مطلقًا هتافات المفتتن:
- أوه! كم هذا جميل!
سأله صموئيل بفظاظةِ من كانت أعصابه تكاد تطرطق:
- هيه، أنت!
- أنا؟ عمل الآخر، وهو يستدير ليتأكد إذا لم يكن أحد آخر من ورائه.
- نعم، أنت! ماذا تفعل هنا؟ ألا ترى أنه فندق؟ بره! ستزعج زبائني!
- آه! هتف الآخر مفتتنًا. كم أنا مبسوط! أُسْعِدَ يومك! اسمي مهبول، وأنت؟
اقترب من صموئيل، وأبدى رغبته في أخذه بين ذراعيه. تراجع صموئيل مقلبًا إياه قبل أن يهز رأسه، غير مصدق. عربي! وعربي أبله!
- كيف هذا، أنت مبسوط؟
- قالوا لي إن هناك فندقًا في الحي، يستقبل العرب بذراعين مفتوحتين، فجئت! أنت بوزك يقول لي إنك المعلم: أعلموني أنك آدمي!
- أولاً لا تقل لي بوزك، ثم ألا تعرف القراءة؟ زعق صموئيل وهو يريه اللافتة.
أخذ مهبول اللافتة بالمقلوب، وبإصبعه راح يقرأ الرسالة. كما يبدو، كان لا يعرف القراءة.
- لا يمكنك أن تعرف منذ كم من الوقت وأنا أدور في تل أبيب بحثًا عن غرفة، تابع. كل مرة الكلام المكرور إياه: فُلّ، ولا غرفة! لكن، أنا لا أفهم، مع كل الفنادق التي في هذه المدينة، من اللازم أن تبقى مئات الغرف الفاضية. في الشيراتون، جنبك، لم يتركني السائس أدخل. قال لي مع السحنة التي لي، إذا لم أذهب في الحال، طلب الشرطة، وسأجد غرفة في السجن. أظن أنه اعتبرني إرهابيًا. هل تجد أن لي سحنة إرهابي؟
لم يدر صموئيل بماذا يجيب: كانت له سحنة عربي، ألا يكفي هذا؟ عربي إرهابي الشيء نفسه! لكن لماذا يُتعب نفسه بالتفكير في السؤال؟ ما عليه سوى رميه في الخارج، هذا العربي! إلا أنه لا يجرؤ على ذلك، مع نزول سالومون ويوسي، وجلوسهما في قاعة المطعم. تظاهرا باستشارة بطاقة الطعام إلى ما لا نهاية، وهما يخبئان وجههما خلفها، وهما لا يضيعان شيئًا من الحديث، صموئيل واثق تمام الثقة، هما لا يضيعان من الحديث شيئًا.
- اسمع، زعق أخيرًا، لدي سواء أن تكون سائحًا أم لا، على أي حال، لن تبقى في فندقي. بره!
فَزَّ سالومون، لم يكن يحتمل معاملة الناس هكذا، غير أنه بقي مطرق الرأس: بالنظر إلى ميول صموئيل بخصوصه، لن يكسب شيئًا من تدخله، إلا إذا كان يخاطر في طرده من الفندق، هو أيضًا، كقذارة من القذارات. رمى نظرة حالكة باتجاه يوسي: هل يجرؤ على فعل شيء؟ كان يوسي يسحق غطاء الطاولة بعصبية، ولم يكن مرتاحًا، هو كذلك. كان يعقد بين حاجبيه، بهيئة من تسحقه الهموم. الأكثر ارتياحًا في الحكاية بقي مهبول، وبيده الحرة، كان يتلاعب بجيبه الداخلية لجيبه التي أخرج منها بطاقة هوية مدعوكة قدمها لصموئيل بحركة مظفرة.
- انظر! عندي أوراقي! أنا لا أريك أوراقي لو كنت إرهابيًا.
لم يتفضل صموئيل بالنظر إلى بطاقة الهوية، ولا حتى بالرمش، نهض ببطء، كثور مستعد للنطح، وأشار إلى الباب بحركة من يده:
- بره! لا أريد أن أراك هنا!
وأسفًا على ما ستقوله نجا! كان له من الحظ معها ما لداوود مع جالوت، لما لم تحضر من المشهد ما يدور، وإلا تدبرت أمرها لقبوله.
رماه مهبول بنظرة طويلة تعبة، واتجه نحو الباب، بكتفين منخفضتين. في اللحظة التي كان فيها على وشك الخروج، نهض يوسي من كرسيه، واقترب منه. كمشه من كوعه، كمن يريد مساندة صموئيل، دافعًا الصعلوك المسكين نحو الخارج. على الرصيف، ابتسم له ابتسامة مُطَمْئِنَة، وأوضح له:
- لا تقلق! أعرف كيف تفعل ليقبلك. هل معك قلنسوة؟
- قلنسوة؟ لكن الطقس شديد الحرارة لقلنسوة!
- خَلِّني من حماقاتك! سأشرح لك: إذا وضعت قلنسوة، صدق المعلم أنك يهودي! القلنسوة له أكثر أهمية من بطاقة الهوية!
- يا لك من ذكيّ! هتف مهبول معجبًا. أنا أعرف ما سأفعل: سأشتري واحدة، وسأجعله يعتقد أنني كنت قد نسيتها في حقائبي المودعة في مستودع المحطة!
- برافو! أنت فهمت كل شيء! شجعه يوسي. هيا، اركض بسرعة!
- شكرًا! أنت أخ، وسأرد لك ذلك!
رآه يوسي مرتابًا، وهو يبتعد، حتى اختفى مهبول في الشارع. عندئذ، قرر العودة إلى الفندق، وهو يضيع مع أفكاره، ويكاد يصطدم على الباب بشخص مجهول فتحه قبله.
- مِنْ بَعْدِكَ، أبتهلُ إليكَ! عمل يوسي بحفاوة متسائلاً أي استقبال سيُحجز للقادم الجديد.
اتجه الرجل نحو مكتب الاستقبال، وانتظر أن يقطع صموئيل ونجا حديثهما الحامي. بعد مغادرة مهبول، ظهرت نجا في البهو، فأشار إليها سالومون، وكأنه يريد منها شيئًا. وفي الواقع، كان يريد إعلامها بالحادث الذي وقع، لوثوقه من أن صموئيل لن يخبرها بشيء. وكحجة وجد الشكوى مرة جديدة من الشراشف الوسخة، ثم أفلت كما لو كان بريئًا براءة يهوذا من دم المسيح:
- قولي لي، هل ترفضون الزبائن الآن؟
- كيف هذا، نرفض الزبائن؟ احتجت نجا.
- منذ قليل طرد زوجك زبونًا يريد البقاء شهرًا بأكمله.
- كيف؟ زأرت.
ولت على عَقِبَيْها، واتجهت مباشرة نحو زوجها، هائجة، بينما تقلص صموئيل في مقعده.
- ما هذه الحكاية؟
- لكنه عربي، ناح صموئيل.
- أنت ترى العرب في كل مكان! من غير الممكن أن يأتي العرب هنا، لأني وضعت صمغ الصبر في كل جهنم! كيف من اللازم أن أقوله لك؟ تعمل كل شيء لتذهب بنا إلى الإفلاس! إذا استمر هذا، فأنا من ستبقى للاستقبال! لا، ولكن مش معقول، يجب أن أراقبك كطفل!
- ولكن اتركيني أشرح لك!
- اسمحوا لي، قحقح القادم الجديد في تلك اللحظة على التحديد.
أدار الشارونان رأسهما في نفس الوقت، وكرد فعل طبيعي لديها، رسمت نجا على شفتيها أجمل ابتساماتها، بينما قطب صموئيل قليلاً أكثر. كانت تريد حمل مكتب الاستقبال على ظهرها، فلتحمله!
- هذا لماذا؟ سألت بصوت مرح.
- أسعد يومك، مدام! اسمي جاد، وأود أن أعلم إذا ما كانت لديكم غرف شاغرة، ولو أنني لم يكن لدي وقت للحجز.
كان يتكلم العبرية ككتاب! ارتعشت ندى عند سماعها صيغة الجمع "لديكم" –ثلاث، أربع حجرات؟ مجموعة؟ الفندق فُلّ؟- واتسعت ابتسامتها أكثر وأكثر. كان الرجل يقف بقامة منتصبة أمامها، بسلوك اللطيف الدمث، عيناه فقط كانتا تشتعلان بشديد اللهب، بينما تتوهان على الجسد العاري لنجا. أطراها أن تقرأ مثل تلك الشهوة في نظرته، فتخلعت في المشي، بشكل مبالغ فيه، ومن وراء المنصة، قرصها صموئيل من إليتيها، لاغتياظه، لتستقيم، وهي تنط.
- ليس لي، أَوْضَحَ دون أن يفلتها من نظرته. أنا طالب في الطب، وأسكن في المدينة الجامعية، لكن أسرتي تأتي لقضاء عدة أيام في تل أبيب، وأتمنى أن تقيم إقامة مرفهة. هل لديكم غرفتان شاغرتان؟
حقًا كان ما يطلبه أقل مما توقعت، غير أن ذلك يؤكد عودة النشاط.
- بالطبع، يا سيدي العزيز، سارعت نجا إلى الإجابة. زوجان وطفل؟
- لا، زوجان وثلاثة أطفال، صحح الرجل بابتسامة لا تُقَاوَم.
ثلاثة أطفال في غرفة واحدة؟ هل مطابق هذا ومعايير الأمن؟ من اللازم أن يكونوا صغارًا ليناموا كلهم معًا!
- بالطبع، يا سيدي العزيز، أجابت مع ذلك، ورغم شخير صموئيل. ربما يلزمك أَسِرَّة صغيرة للأطفال؟
- أوه لا! هتف الرجل ضاحكًا. لهم من العمر 18 و15 و12 عامًا! منذ زمن طويل لم يناموا في أسرة صغيرة! لكنهم اعتادوا على المخيمات الصيفية، وهم لا يزعجهم على الإطلاق النوم في غرفة واحدة.
- إذا كان هذا ما تقوله، تنهدت نجا مغيظة قليلاً، وهي ترى فندقها مقارَنًا بمخيم صيفي. ومتى هذا؟
- إذن، هذا ممكن؟ هتف الرجل بفرح. أنت رائعة! اليوم: الحقيقة أنني تركتهم على رصيف مقهى قريب، وهم ينتظرون مني هاتفًا ليأتوا. سأكلمهم في الحال!
بينما انطلق في حديث من تلفونه المحمول، رمت نجا زوجها بنظرة من قرنة عينها، خشيةً من رد فعله، لكن هذا ترك نفسه نهبًا لِطُرُق جاد الكيّسة. ثم، ربما عمل وصول الأسرة الصغيرة على انقشاع الغيم في سماء الفندق، بسبب الاثنين الآخرين.
ما هي سوى عدة دقائق حتى توقفت سيارة أخي جاد أمام باب الفندق.
- إنهم هم! هتف جاد، وهو يسارع إلى استقبالهم.
حملق صموئيل: كانت السيارة مليئة إلى حد الانفجار، وكأن ركابها قد كدسوا كل بيتهم في البرلينية الصغيرة: سجاجيد على ظهرها وشمسيات وحقائب تميل بخطورة من الجانبين، وأيضًا حقائب في الداخل، وأدوات طبخ، وكَرَاتين. قفز "الأطفال" على الرصيف، وهم يحمحمون حمحمة الجواد، ويقفزون على عنق عمهم.
اخترقت العائلة الصغيرة الفندق اختراق الإعصار المحبور، وجاء الأب يشد على يدي الشارونين مقدمًا نفسه:
- أُسعد يومكم، أنا أبراهام، وهذه امرأتي سارة وأولادها –اهدأوا قليلاً، من فضلكم- بالترتيب: إسماعيل، إسحق، والصغيرة آخر العنقود رملة.
تبنتهم رجا من أول نظرة، هي التي لم تكن تستطيع الحصول على طفل كانت مفتتنة بهم تحت سقفها. قبلتهم بحنان، خاصة الصغيرة رملة، التي داعبت خصلاتها الداكنة برقة.
- الغرف بنصف السعر، أليس كذلك؟ طلب أبراهام بعد ذلك، وكأن الأمر مفروغٌ منه.
قفز صموئيل، فمن أين لهم هذه المعلومة؟ ألقى نظرة باتجاه يوسي الذي ابتسم له ابتسام البريء، وهو، على أي حال، لن يجادل في هذا. أضف إلى ذلك، أن يوسي مَلّح وبَهّر الحديث على طريقته، فوجد نفسه مضطرًا إلى القول:
- بالطبع!
- الفطور من ضمنه؟ أضافت سارة.
- والعشاء كذلك! أكمل يوسي وسالومون معًا، قبل أن يرمي أحدهما الآخر بنظرة حالكة.
كانت المؤامرة على أكمل وجه! حتى الأعداء الألداء اتفقوا عليه! إنها غلطته! سيطلب من نجا أن تقلل من الميزانية الغذائية.
- كله ماشي! كشر. تعالوا، سأريكم غرفكم.
في المعمعة المرحة التي أعقبت لحاق المجموعة الصغيرة بأسلحتها وحقائبها من ورائه، لم يلاحظ الكرتونة المغطاة، لا ولم يسمع النباح المختنق للكلب الذي كانت تحتوي عليه. ما كان يهمه العجيج المتصادي في الفندق، عجيج كان لأذنيه أرق موسيقى لم يسمعها منذ زمن طويل. أفعم قلبه بالسعادة: "آه! لو كان جدي موشيه هنا ليشاهد انتقام فندق شارون من فندق شيراتون!"، فكر، وابتسامة قانعة تطفو على شفتيه.
وهي، كانت الدموع تترقرق من عينيها، فطبطب صموئيل بحنان على كتفها:
- هيا، عجلي قليلاً، لدينا الكثير مما نفعل! كل هذا العالم نطعمه...
قرع الجرس في مكتب الاستقبال، فنط كلاهما: إيش كمان؟ زبائن جدد؟
طبع صموئيل قبلة مفرقعة على خد امرأته، وعجل بالذهاب إلى مكتب الاستقبال: كان كل النزلاء يجتمعون في البهو: أبراهام وعائلته، جاد، يوسي وسالومون. تعارفوا كما يبدو، ومع القادمين الجدد تقاسم يوسي وسالومون تجاربهما السياحية، وكل واحد منهما يعارض الآخر.
تدافع بنيامين للوصول حتى صموئيل، وفي أعقابه ميريام، فلاحظ صموئيل، وكله استغراب، الحقيبة التي يحملها.
- وإذن؟ ماذا يجري؟ سأل دون أن يجرؤ على الإبداء من التفاؤل كثيره.
- الواقع أن خيبتنا كبيرة من الشيراتون، فالغرفة التي لنا لم تشغر بعد، ولم تعد ميريام تحتمل ضجيج جيرانها حتى ساعة متأخرة من الليل، فأقنعتها بالمجيء للنوم هنا، ختم بابتسامة واسعة. أليس كذلك، يا حبيبتي؟
- نعم، هذا صحيح، تركتُنِي أقتنع، غصبًا عني، اعترفتْ من طرف شفتيها.
- كل الشرف لنا، مدام! أهلاً وسهلاً في فندق شارون! ستعملين الفرق بيننا وبين الشيراتون. سترين: ستعاملين هنا كمليكة. وللاحتفال بهذا، ندعوكما، أنا وزوجتي، إلى شرب كأس الصداقة. نجا! صاح باتجاه المطبخ، اسقي الجميع، إنها دورتي!
نجا المشعّة، ظهرت وملء ذراعيها "الخنازيريات" الكاشير:
- اجلسوا! افعلوا كما لو كنتم في بيتكم، نحن أسرة واحدة هنا!
تقارعوا كؤوسهم، وتمازحوا، في جو من البراءة والطفولة. وقليلاً بعد ذلك في المساء، سمع يوسي من مكانه قرب النافذة، أحدهم من الشارع مناديًا:
- بِسّ، يا أخي!
كان مهبول الذي يعود، "حانوكا" بيده، وقلنسوة موضوعة بالمقلوب على مقدمة جمجمته، على طريقة رقاصي "السيرتاكي".
- منيح هيك؟ همس مشيرًا إلى رأسه.
عَمَلَ له يوسي إشارة لدفعها قليلاً إلى الوراء، وغمزه غمزة مشجعة. عند ذاك، دخل مهبول الفندق مبالِغًا في حركاته الآلية.
- مساء الخير، أريد غرفة، قال مشددًا على رنة صوته كي تبدو أكثر جسامة.
سارعت نجا بالحضور قبل زوجها، وهي تقلّب القادم الجديد من قمة رأسه حتى أخمص قدميه، وهتفت:
- يالله، العيد هادا المساء! لو كان عليّ السماع لزوجي، لقلت لك اذهب وَرَ عند غيرنا! لكن اللعنة هربت من فندقنا، سيكون استقبالك، نعم، هنا سيكون استقبالك، أنا من تقول لك!
وهكذا تم حل المشكل.

























الفصل الرابع

في صباح الغد، كان مهبول أول من صحا من النوم. ارتدى ملابسه، وهو يبذل جهدًا في عمل من الضوضاء أقلها، ونزل الدرج بلا ضجة، حذاؤه بيد، وعقله بيد. عندما لاحظ أن لا أحد في مكتب الاستقبال، عجل بوضعه، وبترك الفندق خلسة، بلا قلنسوة. فَقَدَ هيئة الساذج واللامبالي، هيئة أمس، وعلى العكس، عَبَّرَ وجهه عن أقصى عزم. عندما وجد نفسه في الشارع، ألقى نظرة مرتابة يمينًا ويسارًا، كما لو كان يفحص أن لا أحد يترصده.
كان قارب بمحرك ينتظره، وصوته يسبب اضطرابًا ثوريًا في الأجواء. سلم عليه ربانه الضخم بيد رفعها، بعد ذلك، إلى قلبه، وشق به البحر، والصمت بحر. وهو في أحضان البحرين، تساءل مهبول أين سيكون الموعد هذه المرة. في المرة الأخيرة، جعلوه يصعد في سفينة شاحنة ترسو على بعد عدة مئات الأمتار من الساحل. حتى الساعة، كان القارب يمخر العُباب في خط مستقيم نحو أفق يخلو من كل عقبة، وكان كل ما لا يقره عقل لونه أزرق ككل شيء من حوله. كان البحر جميلاً، وكان الرذاذ يلفح وجهه بِلَذة. استرخى قليلاً: أكثر ما يجدي الآن هذه اللحظات القليلة من الراحة، فما ينتظره لم يكن سائغًا.
بعد وقت طويل، بزغت في الأفق جزيرة صغيرة، فاستدار نحو الرجل، ليحرك الرجل رأسه الصامت مؤكدًا ما كان يعرفه: مكان الموعد هناك. والقارب يقترب من الجزيرة أولاً بأول، كان قلبه ينقبض من الخوف، عسى الله ألا يجعله يخبط خبط عشواء في مكان لا يعرف أرضه من سماه، والجزيرة أقرب إلى صخرة كبيرة خالية من كل ما هو أخضر، أقيم عليها كوخ بدائي، بني بسرعة كما يبدو، كديكور في مسرح. ورغم ذلك، لم يكن مهبول واثقًا من زواله مع المَدِّ عند آخر النهار، فلا يتركون أثرًا لمرورهم.
تصارع السائق مع الأمواج طويلاً ليرسو بأمان، وأخيرًا استطاع الرجلان القفز من القارب. أشار السائق الصامت دومًا وأبدًا برأسه إلى مهبول، آمرًا إياه بالتقدم من البيت الحقير، فخطا بهيئة كئيبة، واجتاز العتبة: احتاجت عيناه إلى بعض الوقت للتعود على العتمة. أخيرًا، ميز خيال رجل ملتح يجلس على الأرض مغمض العينين، وهو كما يبدو يدعو ويدعو. كان الشيخ نفسه في المرة الأخيرة، مما جعله يطمئن: هذا يعني أن لا شيء تسرب من موعدهما السري الأخير، وأنه نجح في كسب ثقة المناضلين. كان داخل الكوخ يتناقض تناقضًا غريبًا مع شكله المنفر الخارجي، فالشموع تضيء على طول الجدران المغطاة بالطنافس، وتنشر شعاعًا مريحًا، وكانت آيات قرآنية مشبوكة بدبابيس على الطنافس، وأمام الشيخ مِبخرة يفلت منها خيط دخان. عرف مهبول في البخور رائحة صمغ الصبر التي ستجعل الأرواح اليهودية تهرب بعيدًا عن هذا المكان الضائع. ردع ابتسامته، وهو يفكر في فندق شارون، وفيما أحس من مفاجأة عندما شم ما يطفو في الهواء من نفس الشذى. طرد هذا الاستحضار غير اللائق، وأصاخ إلى أدعية الشيخ. لمح وجود الربان خلفه كظل مهدد، فأمره هذا بحركة فظة بالجلوس أمام الشيخ.
لم يدر مهبول ما يفعل من سلوك، فأخذ يرتل الآيات القرآنية مع الشيخ. عندما كان الشيخ يهز رأسه يهز مهبول رأسه، وعندما كان يرفع يديه إلى السماء يرفع يديه. بعد وقت طويل، فتح الشيخ عينيه:
- لقد دقت الساعة، نطق الشيخ بتفخيم.
لم يعارضه من الرجلين لا الواحد ولا الآخر، وانتظرا الباقي بصمت.
- لقد دقت الساعة في الأخير، أعاد. حان الوقت لطرد اليهود خارج هذا البلد، خارج بلدنا.
هز الرجلان رأسهما علامة الموافقة.
- وحدهم أفضل الرجال من لهم شرف تحقيق هذه المهمة المقدسة.
هزات رأس جديدة.
- الفعل الحاسم الوحيد الذي بقي لنا هو القيام بالعمليات الانتحارية.
هذه المرة، لم يهز مهبول رأسه، الربان بلى.
- الذين يقومون بالعمليات الانتحارية يموتون أبطالاً، بلدنا بحاجة إلى أبطال، بلدنا بحاجة إلى شهداء.
لم يعد مهبول يتحرك، وقلبه يضرب ضربًا شديدًا في صدره، وما كان يخشاه من حكم سقط عليه كالصاعقة:
- أنت من اخترنا لتكون الشهيد القادم، أعلن الشيخ ناظرًا إليه في عينيه.
- كيف هذا، الشهيد القادم؟ صاح مهبول، وهو ينتصب بنصفه.
ضربه الربان بكوعه بين راسليه، فعاد مهبول إلى الجلوس.
- علمنا بأنك نجحت في المهمة الأولى التي كلفناك بها، تابع الشيخ كما لو لم يسمع شيئًا، نعرف أنك تقيم في فندق شارون، ونعرف كذلك أن هذا الفندق معروف بإدارة يهود يعادون شعبنا بشكل خاص. لهذا، قررنا أن نجعل منه رمزًا لنضالنا، وستكون الشهيد الذي فجر فندق شارون، وكل نزلائه. تفجيره، محوه من الخارطة.
- لكن ليس هذا ما اتفقنا عليه! صاح مهبول، وهو في أقصى حالات الرعب. كنت متفقًا معكم على تفجير مراكز المراقبة مع جنودها، حتى أنني كنت متفقًا معكم على تفجير فندق يقيم فيه جنود الاحتلال، وليس فندقًا يؤوي أبرياء مدنيين وأطفال علاوة على ذلك!
لفظ مهبول هذه الكلمات دفعة واحدة، مندهشًا من جرأته، وخاصة مندهشًا من كونه لم يُقَاطَع.
حافظ الشيخ على وجه ينم عن عدم التأثر، ليس لأنه اعتبر ما يقوله الانتحاري "المتطوع" شيئًا هامًا، ولكن بالأحرى لأنه وضع لنفسه قاعدة أن يصم أذنيه عن مثل هذه الاحتجاجات، النموذجية، لشبان تملأ الحماسة صدورهم، ويدّعون تنفيذ أعظم الأعمال، دون أن يوسخوا أيديهم. حتى الحرب المقدسة ليست نظيفة! ولتجربته، كان يعلم أن من الأفضل تركهم تفريغ خريناتهم، وسينتهي بهم الأمر كلهم إلى الخضوع. وفوق ذلك، ما البديل الذي كان لهم؟ أشار إلى الربان ألا يضرب مهبول مرة أخرى بكوعه، وعاد إلى القول بغلظة:
- قاعدة رقم واحد، كل اليهود عساكر، كلهم، دون استثناء.
انتظر عدة ثوان ليرى أثر كلامه على مهبول، فتكوم على نفسه، وهو يخبئ وجهه بين يديه.
- قاعدة رقم اثنان، يجب ألا ننسى أبدًا أنهم هم أيضًا يذبحون الأطفال والنساء والشيوخ الأبرياء.
أخذ مهبول ينوح بهدوء، وهو يحرك رأسه.
- قاعدة رقم ثلاثة، تأخر الوقت للتراجع. منذ موعدنا الأول، لم يعد لديك الخيار.
لم يزل مهبول ينوح، فقدّر الشيخ أنه أضاع من الوقت ما فيه الكفاية.
- أيها الجبان! أَرْعَدَ الشيخ، ما أنت إلا عميل صهيوني! كم من الشبان الذين هم على استعداد للتضحية من أجل قضيتنا دون أن يحتجوا! تصرف كرجل! إذا ما نسيت، ذكرتك بأني على علم بأقل حركة من حركاتك وأفعالك. لك ثلاثة أيام لتفعل ما طلبناه منك أن تفعل، وأنا لهذا جئتُ لتراني حتى هنا. جازفتُ مجازفة كبيرة بلقائك، الآن عليك التنفيذ، وإلا حياتك لن تكون غالية عليّ. هذا هو الخيار الأوحد الذي تبقى لك: الموت ككلب أو الموت كشهيد. روح هلأ!
أخذ الربان يقهقه بشكل مرعب، فجهد مهبول بالنظر إليه: أفهمه العملاق، وهو يمرر إصبعه على رقبته، أنه لن يتردد لحظة واحدة عن ذبحه. عاد الشيخ يغرق في أدعيته، بمعنى انتهت الجلسة. دعا الربان مهبول بحركة من رأسه إلى اللحاق به، فنهض بعناء، وأذعن. بدت له المسافة إلى الساحل أقل كثيرًا، أقصر كثيرًا. تمنى لو يفكر في كل ما يجري له برأس هادئ، مع الأسف! لم تسنح له الفرصة. وصل القارب على مقربة من الشاطئ، دون أن يلقي بنظرة واحدة على الربان. قفز مهبول على الرمل، وابتعد، غير مبال بالمصطافين الذين اجتاحوا الرمل والماء. كان عليه أن يلبس ثوب الأبله ليعود إلى فندق شارون، في بطنه الخوف، وفي صدره الضيق.
بقدر ما كان تائهًا مع أفكاره، كاد لا يلاحظ يوسي الذي يخرج من الفندق، فناداه هذا بمرح:
- هيه! مهبول! إذن هل نمت جيدًا في فندق شارون؟ لك سحنة رهيبة، ماذا يجري لك؟ هل نسيت مرة أخرى قلنسوتك؟ مش منيح هادا، وبخه، وهو يحرك إصبعه تحت أنفه.
- اتركه وشأنه، رماه سالومون الذي خرج من الفندق لتوه، ألا تشعر بالعار عند السخرية من فتى شجاع مثله؟ لم يمسّك بسوء، كما أعلم!
انتفض مهبول على سماعه لهذه الجملة الأخيرة، "لا، ليس بعد، لم أمسّه بسوء، لكن هذا لن يتأخر"، قال لنفسه بمرارة. كجواب فَضّل الابتسام ببلاهة للرجلين اللذين رشق الواحد الآخر بنظرة متحدية، ودفع باب الفندق.
- صباح الخير، صاحت نجا فرحًا، وهي تراه يصل، أنت ممن ينهضون باكرًا، حتى أنني لم أرك تخرج من الفندق هذا الصباح! هل نمت جيدًا، على الأقل؟
ها هم جميعًا قد صمموا على أن يَبدوا لي في أحسن صورة، وأن يُبدوا تعاطفهم معي! "لا، ليس كلهم، صحح نفسه جاحرًا العين الرديئة لصموئيل. هذا، على الأقل، يحذر مني، وهو ليس مخطئًا!"
- الحق أنني أحب أخذ حمام بحر في الصباح الباكر، أوضح.
- عندك حق، أيدته، مما سمح لي بتنظيف غرفتك أول الغرف. بالمناسبة، وجدتُ شيئًا غريبًا في غرفتك.
- شيئًا غريبًا؟ ذُعِرَ مهبول، وهو يجري في رأسه جردًا للأشياء المعرضة للشبهة التي ربما تركها عن سهو.
- وجدت شمعدانك الحانوكا مشتعلاً، فأطفأته. ماذا تفعل مع هذا الشمعدان مشتعلاً في هذه الفترة من السنة؟
- أرى أن هذا جميل، الضوء، علق بلهجة أكثر ما تكون سذاجة. أحيانًا أقضي ساعات وساعات متأملاً لهب الشموع، وفي بعض الأحيان أشعر بأنها بدأت تتكلم معي.
رفع صموئيل عينيه إلى السقف، فمن المحتم أن لا شيء يمكن سحبه من هذا المخلوق!
- بجد؟ عملت نجا، وهي ترسم ابتسامة متسامحة. لكن هل تعرف على الأقل لماذا نشعل هذا الشمعدان؟ تابعت بنبرة مُدَرِّسَة تواجه بشكل خاص تلميذًا بليد العقل.
- ليكون حلوًا، سَخِرَ من نفسه.
- كيف؟ ألا تعرف أنه رمز مقاومة الشعب اليهودي ضد المعتدي الروماني؟
- طبعًا طبعًا! هتف مهبول ضاربًا جبهته بظاهر يده. حكتها لي أمي، هذه الحكاية. كانت أمي يهودية، أضاف بفخر، وكذلك أبي.
- شيء لا جدل فيه أن تكون أمك يهودية، وإلا كيف ستكون يهوديًا، أنت؟
- والداي، كلاهما، تعذبا على يد اليهود، تنهد مهبول محزنًا.
ألقت رجا نظرة حائرة باتجاه زوجها، لقد سمع الشيء نفسه مثلها، لكنه اكتفى برفع كتفيه. لماذا تُتعب نفسها في الحديث عن أشياء جادة مع هذا الأبله؟ ما عليه سوى أن يذهب إلى الكنيس ليتعلم كل هذا.
- ولكن ما الذي تقوله؟ ألحت رجا رغم ذلك. كيف يمكن لأبويك أن يعذبهما اليهود؟ تعرف جيدًا أننا، نحن اليهود، متعاضدين ما بيننا!
- كانوا يهودًا تُرْكًا، هاه... كما تقولين، أتراك هم الذين عذبوهما، حَدَّدَ مهبول بعد تأمل طويل.
- أتراك؟
- هاه... لا، أنا أغلط ثانية، كانوا إنجليز! قَدَّم الحجة على الحجة مظفرًا. حقًا ليس لي رأس للدراسة، أنا! غريب أمري، دومًا ما أخلط كل شيء. من جهة أخرى، وأنا أفكر في كل هذا، أظن أن العرب هم الذين عذبوهما. نعم، هو كذلك، إنهم العرب، حتى ولو كان ذلك في 1948!
- في السنة التي قامت فيها إسرائيل؟ سألت نجا محتارة.
- يا لَهْوِي! أنا والتواريخ أفظع من الباقي! لا ليس في 1948، في 1967، عند أول انتفاضة. بالحاصل، مهما كان، ماتا، وماتا موتًا حسنًا. الآن، بالنسبة لي، هذا لا يبدل شيئًا كبيرًا.
- كم كان عليك أن تتعذب، تأثرت رجا، والدموع في عينيها.
- نعم، هذا صحيح، كان والداي شهيدين، ختم مهبول.
شهيد! رنت الكلمة في أذنه بغرابة. عاد كل هول موعده الصباحي إلى روحه. وقل إن هذه المرأة تأثرت لمصيره، بينما هو، عليه أن يفكر في أحسن شكل لإماتتها، هي كشهيدة. وهو كذلك، بنفس المناسبة.
- سترى، سأعتني بك جيدًا، خلال إقامتك هنا، قالت لتعيد إليه ابتسامته. هل تريد تناول طعام الفطور؟
- نعم! سارع مهبول إلى القول، إذا كان حلال، هاه... أريد القول كاشير، بكل سرور!
أوف! نجا من موقف حرج بشطارة لم يعهدها فيه من قبل، لهذه المرة! ووعد نفسه بألا يسعى إلى فتح محادثات مع هذه المرأة الفضولية أكثر من اللازم لذوقه. في يوم ما، سينتهي بها الأمر إلى الإيقاع به بأسئلتها، ولكن أيامه معدودة، وليس من الغالب أن تسنح لها الفرصة لإزعاجه.
جرته نجا من يده نحو صالة السُّفرة.
- تعال، سأقدمك لأصدقائنا، لأن كل من ينزل هنا هم أصدقاؤنا! قالت له. مساء أمس، كنتَ مقلوبًا على وجهك بعض الشيء. ها هي أسرة أبراهام، أسرة رائعة: أبراهام، سارة، إسماعيل، إسحق، ورملة. كل شي تمام، يا حبيبتي؟ أضافت بلين مداعبة البنت من ذقنها.
احمرت رملة سرورًا، وهي تجد نفسها على صدر الواجهة، ودمدمت بعض كلمات غير مسموعة. انحنت نجا عليها، وقبلتها من خدها، قبل أن تستدير نحو مهبول.
- لروعتها أحبها كما لو كانت ابنتي! ثم أقدم لك بنيامين، على الطاولة هناك، تابعت نجا.
أرسل بنيامين حركة صغيرة من يده إلى مهبول، وهمست نجا في أذن مهبول أن زوجة بنيامين جميلة إلى درجة خارقة للعادة، لكن متصنعة قليلاً، وهي فضلت تناول فطورها في غرفتها بدلاً من الاختلاط بالزبائن الآخرين.
- لماذا لا تجلس معنا؟ اقترح أبراهام مشيرًا إلى كرسي فارغ إلى جانبه. عندما ينزل جاد، سيجر كرسيًا من الطاولة المجاورة.
- كيف؟ بقي جاد للنوم هنا؟ طلبت نجا، وقد أزعجها ألا تكون على علم بمثل هذا التبديل في البرنامج.
- تعرفين كيف هم، الشبان؟ مساء أمس، كان تعبًا جدًا ليعود إلى المدينة الجامعية، فطلب منا إذا كان يمكنه النوم معنا.
- لكنه نام أين؟ سألت نجا مقلَقة. غرفة الأولاد مليئة بهم!
- تصوري أنه نام في سريرنا! قهقه أبراهام. بلى، بلى، كما كنا صغارًا، وفضل النوم معي لنحكي قصصنا حتى ساعة بعيدة من الليل! منيح اللي إحنا في عطلة، وإلا طردته لينام في بيته الجامعي! اذكر الديب وهيئ القضيب، ها هو! إيش، هل نمت جيدًا؟
اقترب جاد من طاولتهم، وهو يتثاءب، ويحك رأسه. أجاب بنخير يعني بوضوح على أكمل وجه: "لا تزعجوني قبل أن أشرب قهوتي وأتناول فطوري". غير أن أبناء أخيه لم يهمهم وضعه، ولم يمتنعوا عن التدافع، ودفع عمهم، وعمهم يرجوهم أن يخلّوه.
خلال كل هذا الوقت، بقى مهبول منكمشًا على نفسه. كانت الروح المرحة السائدة على طاولته غير مريحة له، بل مقلقة له قلقًا عميقًا. تخيل أجسادهم التي مزقتها القنبلة، والصرخات المهولة التي أطلقها من لم يمت منهم، والفزع الذي تبع الانفجار، كل ما لن يكون باستطاعته مشاهدته، ونَعْمًا لله! حرك رأسه بجهد جهيد ليزيح الصورة الرهيبة، وقحقح:
- هيه، يا صغار! هل تريدون أن أحكي لكم نكتة؟
- احكِ أيوه! أجاب الكبار.
- إنها حكاية انتحاري صعد في باص، وجلس إلى جانب امرأة عجوز. لاحظت العجوز أنه "منفوخ" بشكل غير طبيعي، وهو بالنسبة لها بالتالي انتحاري دون أدنى شك، فطلبت منه بصوت صغير ناعم لا أكثر نعومة: "معذرة لإزعاجك، يا سيدي الانتحاري! لا تفجر نفسك قبل الموقف القادم، لأنني أنزل هناك!"
انفجر الجميع ضاحكين، وبالتدقيق ليس كلهم. لم يشارك الصغار مرح الكبار الصاخب. وجد إسماعيل، الرصين، المتزن، النكتة بائخة، بينما إسحق ورملة لم يكونا يهضمان هذا الأبله بثيابه المهملة، والذي يخيفهم بعض الشيء بعيني المجنون اللتين له. تأمل الشبان الثلاثة بذعرٍ البالغينَ، وهم يبكون من الضحك، ويعيدون، كل واحد بدوره، نتفًا من النكتة، ضاربين أكواعهم في خصور بعضهم.
شيئًا فشيئًا، هدأ الضحك. نهض أبراهام، وقال إن الوقت قد حان للتمتع بنهار لا أكثر منه جمالاً.
- هيا بنا، يا أولاد! قال لأبنائه، أحضروا أغراض البحر.
قفز الشبان الثلاثة، وهم من السعادة أكثر ما يكون، للإفلات من صحبة أولئك البالغين المضحكين الذين يُبْدون داخل حلوقهم عندما يضحكون. كانوا يخشون من جاد، ونكته المشكوك فيها، كما هي عادته، لكنه كان لم يستيقظ بعد بالفعل.
- خذوا حذركم رغم كل شيء، رمى مهبول محاولاً كسب ودهم. من الممكن أن يمضي من هنا انتحاري ليس لطيفًا بالمرة!
رفعت رملة كتفيها منزعجة، ورماه الفَتَيان بنظرة حالكة.
- أريد القول... أضاف مهبول مغلوبًا على أمره، ليتبرنز إلى جانبكم.
- وأين تريده أن يخبئ متفجراته، إذا تبرنز؟ سأل السيد شارون الذي ظن أنها نكتة أيضًا. في مايوهه؟
انفجار بالضحك جديد وعام، وللنجاح الذي أحرزه، نسي صموئيل ما يضمره من ازدراء لمهبول، الذي راح يطبطب على كتفه، بحركة أبوية تقريبًا. تابع بنبرة مفعمة بالأهمية:
- حتى الشيطان بنفسه لا يمكنه التسلل إلى شواطئ تل أبيب ما بقي "تساهل" يسهر على أمننا! وعلى العكس، إذا رأيتم واحدًا، واحدًا انتحاريًا، لا تنسوا أن تطلبوا منه الذهاب لتفجير الفندق المجاور. لا شيء يسعدني في الوجود أكثر!
على سماعه، اعتبرت نجا نفسها مهانة، فماذا سيقول، هذا، ليبرز نفسه؟
- ليس من الطريف في شيء أن نفرح لتعاسة الآخرين! قالت بهيئة ملدوغة.
- لماذا؟ تظنين أنهم ليسوا سعداء، في الشيراتون، لأنهم سرقونا نزلاءنا؟ وأنتِ، لن تكوني مبسوطة لكثير من النقود في جيبك كي تبني فندقًا جديدًا عشر مرات أجمل من فندق الأمريكان؟ تفضلين ربما العودة إلى رشق دلاء الماء؟
فضلت نجا تغيير الموضوع، فأبدت قلقها لصحن رملة الممتلئ.
- لكنكِ لم تأكلي شيئًا! أنتِ لست مريضة على الأقل؟
- لا، لا، عملت البنت الكبيرة من طرف شفتيها.
- مش زاكي، فطوري؟ كله كاشير مع ذلك؟ لن تكوني عربية، رغم كل شيء؟
- بلى، بلى! أجابت رملة.
- كيف هذا بلى، بلى؟ أنت عربية؟
- لا، هي تقصد أنها تجده زاكيًا، فطورك، لكنك لم تتركي لها الوقت لتجيب، تدخلت أمها. إضافة إلى ذلك، انظري، لم تترك شيئًا في صحنها!
محتارة، نظرت نجا إلى الصحون الفارغة على الطاولة. كيف تمكنت رملة بقدرة قادر من بلع كل ما كان في صحنها بوقت أقل من قليل؟ مراعاة لحياء الطفلة، فضلت عدم الإلحاح.
استغلت رملة دخول أمها على الخط لتنسحب صاعدة بسرعة إلى غرفتها، وبيدها تحمل حقيبة صغيرة حشت فيها فطورها. أغلقت الباب من ورائها بعناية، وقرفصت جنب كلبتها الصغيرة.
- خذي، لُد، هذا لك. أنت لطيفة، همست لها مداعبة إياها بحنو. تريدين أن أحكي لك مرة أخرى حكاية اسمك؟
نبحت الكلبة الصغيرة، ولحست يدها.
- سميتك لُد، لأن لُد مدينة مُتَائمة لرملة، كاسمي. أنت إذن كما لو كنت أختي... أنا حزينة جدًا لتركي إياك في الغرفة، تعرفين ذلك، لأن أصحاب هذا الفندق لا يحبون الكلاب. ولا عليك، قريبًا يمكنك أن تجيئي لتلعبي معي على الشاطئ. يمكنك أن تتبرنزي معي، ويمكننا أن نلعب بالطابة تاني. بانتظار ذلك، يجب أن تقعدي عاقلة، وإلا وجدوك، واضطررنا إلى الرحيل. هل تفهمين؟
نبحت الكلبة الصغيرة مرة أخرى محركة ذيلها، فوضعت رملة إصبعًا على فمها، لتفهم أن عليها السكوت. بعد مداعبة أخيرة، غادرت الغرفة، منقبضة القلب.
لما عادت إلى البهو، كانت أسرتها لا تنتظر أحدًا غيرها لتستأذن مضيفَيْها بالانصراف، إلى جانب ركام من سجاجيد الشاطئ، ومضارب الكرة، والكرات، والسلال.
- وينِكْ؟ صاح بها إسحق، دائمًا الأخيرة؟
إسماعيل، المدافع الأزلي عن أخته، أعطاه ضربة صغيرة على رأسه، فتقاتل الأَخَوان، وتراميا بالكلام الجارح، بينما أخذ الفريق الصغير طريقه إلى البحر.
بعد ذهابهم، سقط الفندق في صمت غريب، ونجا التي حننت قلبها الأسرة الصغيرة، تابعتها طويلاً بعينيها. كانت الأسرة التي طالما حلمت بأن تكون لها، لكن واأسفاه! أراد الله غير ما أرادت. هزت نفسها كمن تخرج من حلم، وتفرغت لعملها. لم تنته الخدمة بعد: كانت ميريام في غرفتها دومًا. لا شك أن ما في قاعة الطعام من اضطراب قد نَفّرها من الظهور، وجعلها تفضل مغادرة الجميع.
بالفعل، بعد عدة دقائق، تصادى وقع كعبيها في الممر، فأدار بنيامين وصموئيل ونجا رؤوسهم نحو "من أين تأتي الخطوات"، دونما حاجة لهم إلى الصياح: من القادم؟ لتظهر أخيرًا، بالبيكيني، هي كذلك. تقدمت ببطء نحو الطاولة التي ينتظرها بنيامين عندها، وهي تدور بكشحيها، وترمي للخلف شعرها الطويل. كاد صموئيل يصفق، كما في عروض الموضة، لكن النظرة التي رمته بها نجا ثنته عن ذلك. عاب على نفسه سلوكه، فقد أساء الظن بدلالة العتاب الصامت لزوجته.
في الواقع، تأملت نجا المرأة الشابة كما لو كانت تتأمل إلهة، ولم تحتمل أن ترى العبادة الصماء التي هي عبادتها لها تبددها تصفيقات فظة. كالمنوّمة، تقدمت نحوها، وهي تمد يدها، فانتفضت ميريام: ماذا تريد منها، هذه؟ كانت حركة نجا حركة كل عابد لمعبوده، فهل كانت جرباء تسعى وراء الشفاء فقط بالاقتراب منها؟ عمياء؟ بكماء؟ هل كانت مُقعدة ستقف على قدميها وستركض صارخة إعجازًا؟
كان يلزمها من الزمن طويلُهُ قبل أن تفكر في شيء أكثر ابتذالاً للتوجه إلى ميريام.
- أححح... قالت متنحنحة، رائع بيكينيك! من أين اشتريته؟
سِجِلٌ يلائم ميريام تمامًا! أجابت بضحكة صغيرة كافية رغم صغرها:
- من القدس. من القدس الشرقية، أكدت بعجلة.
- كيف! هل نجد أشياء جميلة هكذا عند العرب! ومايوهات بقطعتين فوق هذا! كنتُ أظن أن النساء لا حق لهن في السباحة إلا بملابسهن المقيتة السوداء المشابهة للأكياس! قهقهت. لم أكن أفكر أنهم قادرون على صنع شيء آخر غير الجلابة والطربوش!
- توقفي عن قول أي شيء كان! رماها زوجها منزعجًا من كونها أساءت إلى أحاسيس ميريام. أذكر أنني شاهدت تحقيقًا في التلفزيون يعرض لبيوت فلسطينيين في القدس الشرقية، ورأينا أنهم لم يكونوا متوحشين تمامًا، أولئك، حتى أن في حدائقهم كانت هناك برك للسباحة... ربما، بعد كل شيء، كانوا يهودًا، لئلا يفقدوا بيوتهم، تخفوا في فلسطينيين!
اكتفت ميريام بسماع تعليق صموئيل بصمت، وهي تريد، على ما يبدو، الانتهاء معه بسرعة، فخلصها بنيامين من "مدير الفندق الرهيب"، مثلما كانت تدعوه، عندما لا يسمعها أحد:
- هل طاب لك طعام الفطور، يا حبيبتي؟
- كانت القهوة باردة قليلاً، يا حبيبي!








الفصل الخامس

كان سالومون يستلقي على الشاطئ، ويداه معقودتان خلف رقبته. منذ واقعة الغرق الذي تم تفاديه بفارق قليل، أبدى تفوقه على خصمه، الجالس على بعد عدة بشاكير منه. مال ميزان القوى إلى صالحه على نحو جليّ، ومن الآن فصاعدًا إذا أراد ازدراء يوسي، فما عليه سوى القيام، والغطس في البحر الحفيّ. لم يعد الآخر يلحقه، وميدان فعله اقتصر على الشاطئ: بعض الصفير للفتيات اللاتي يمضين أمام عينيه، بعض الكرات المتبادلة مع إسماعيل وإسحق عندما يكونان على مقربة منه، بعض أهرامات الرمل التي يسحقها مقهقهًا متبجحًا "هذه هي الأهرامات التي بنيناها" تحت قدميّ. بالاختصار، شغلات أولاد. انتفخ سالومون واختال: كان رجلاً، هو! لم يكن بحاجة إلى الصفير ليثير اهتمام الفتيات به، طاب له الخيال، ولهج على نفسه بالثناء، وهن يقعن في أحضانه وقوع النحلات على اللقاح!
كذلك، عندما لاحظ فتاة الأحلام، وهي تقترب باتجاهه، وتنظر نحو البحر، قَدَّم قدمه، وحاول إيقاعها: كانت على وشك أن تتعثر، فسارع سالومون بالوقوف ليعيد لها توازنها.
- شكرًا، هتفت المرأة الشابة، وهي تخفق رمشيها، ظننت أني سأقع!
- لا شكر على واجب، عمل سالمون بصوت معسول. أنتِ لم تعقفي عُرقوبك على الأقل؟
- لا، كل شي تمام. أنا اسمي مونيكا، وأنت، ممكن أعرف اسمك؟
- كيف هذا ممكن؟ سارع سالومون إلى الجواب مفتتنًا بانفتاح عقلية المرأة الشابة. أنا، اسمي سالومون. ماذا تفعلين؟ أنت في عطلة في تل أبيب؟
- لو شئت، قهقهت مونيكا، لو شئت.
كانت الفتاة جميلة بقدر ما هي لطيفة: ثغر نَهِم، عينان خضراوان لوزيتان، وشعر أسمر لا يصدَّق يحركه هواء البحر بِسَكينة.
رمى سالومون يوسي بنظرة: كان يستشيط غضبًا، مبحلقًا، ذقنه تتدلى. ليزدهي عليه بالغنيمة، اقترب من مونيكا أكثر، وقال لها:
- أنت تحبين الألغاز! أحب النساء الملغزات أنا، تعالي، أدعوك إلى شرب كأس على سطح المقهى هناك!
- بكل سرور، بدأتُ أحس بالحرارة!
بطبيعة الحال، للذهاب إلى سطح المقهى، كان من اللازم المرور أمام يوسي، فمشى سالومون على منشفته بقدم تقطر سعادة. سحقها عن "غفلة" منه، وهو يطمرها في الرمل. مد يدًا نحو مونيكا، وأبعد خصلة شعر تُناكد وجهها الجميل. ولسعادته الأكبر، لم يبد على الفتاة النفور إطلاقًا، بل على العكس، قدمت له وجهها، لتسهل عليه المهمة. ارتفع يوسي إلى نصفه ساخطًا:
- هيه، أنتما الاثنان! ألا تريان أنكما تدوسان منشفتي؟ اذهب لعمل قذاراتك في مكان آخر، واحد منحصر جنسيًا!
- أنت تتكلم معي؟ زمجر سالومون، وهو يكور قبضتيه.
- دعكَ، طالبت مونيكا، وهي تضع يدها على ذراعه بحركة مهدئة، هذا لا يستحق الصياح!
- لديكِ الحق، قهقه سالومون، هذا لا يستحق الصياح بالفعل.
وابتعدا، وهما يمزحان ويضحكان، وكأنهما يعرفان بعضهما منذ وقت طويل.
تبعهما يوسي طويلاً بنظرة شَكِسة معترفًا بسالومون، وقد ضرب ضربة كبيرة، و، على أي حال، بدد له نهاره. ابتهاجه طار! لكنه لن يبقى في مكانه ساكنًا! ألقى نظرة دائرية بحثًا عن امرأة تعادل في جمالها جمال مونيكا، وفي الواقع، وقع على بعضهن، لكنهن كن كلهن بصحبة أبوللوهات مفتولي العضلات، ولا يهمهن أحلى الرجال حتى.
النظرة الأنثوية الوحيدة التي استجابت لنظرته كانت لامرأة شابة، وحدها، لكنها بشعة بشكل رهيب. أبدت عن أسنانها، أسنان ناتئة، فاستنتج أنها تبتسم له. وبسرعة، أبعد عينيه، فزعًا من ابتعادها أكثر فيما ترمي إليه، وأن يرمي بنفسه بين أسنان البحر بكثيرٍ أفضل. جمع حوائجه بسرعة الدبابات، وابتعد بحثًا عن شاطئ ترتاده الحوريات.
حملته خطواته، وراحت به، دون أن يطلب منها ذلك، إلى سطح المقهى، حيث توقف سالومون وغنيمته الجديدة. عندما أدرك يوسي أين هو، توقف كمن يصطدم بجدار، وعزم على الرجوع، والذهاب في الاتجاه المعارض، لما لفتت انتباهه حركة، كان سالومون محورها. وفي الحال، فهم يوسي ما يجري: مع سحنة العربي التي لسالومون، أثار الحذر في صدور المكلفين بالأمن، الذين فتشوه ظنًا منهم أنه إرهابي. مما أسعد يوسي، فها هو يجد من يثأر له، وبقي هناك، يتابع المشهد من بعيد، ويراقب ردود فعل الفتاة.
كانت الفتاة في حديث مقلقل مع أحد "المعتدين" على الحريات العامة، وكان يبدو عليها الاستياء والاحتجاج. ولبعده، لم يكن يوسي يسمع ما تقول، وربما كان عليها، هي أيضًا، تبرير كونها مع الآخر. ابتهج يوسي أكثر فأكثر، وكأنه يقول لسالومون: سيعلمك هذا ألا ترتمي بين ذراعي أول امرأة! وعن "أول امرأة" هذه، فكر أنه ربما كان عليه التدخل والذهاب إليها مقترحًا عونه. ستكون له شاكرة إلى الأبد لتخليصها من هذه الورطة، وبلا شك ستوافق على اصطحابها حتى بيتها، لتسترد أنفاسها!
إلا أنه ما لبث أن خفف من غلوائه، في اللحظة التي رأى فيها المسئول عن الأمن، وهو يرفع ذراعيه علامة الاعتذار، وسالومون، وهو ينفض تيشيرته كمن يزيل كل أثر للتفتيش الشنيع. أمسكته المرأة الشابة من ذراعه، بهيئة مظفرة، جرّته نحو طاولة، وانتهى الأمر بجلوسهما، ليسا مما جرى لا بقليل ولا بكثير.
قذف يوسي شتيمة، فالأحداث عادت تدور في صالح الآخر! وهو لسخطه، قرر مغادرة الشاطئ دون رجعة، لافظًا أفظع اللعنات، طاحنًا بذراعيه الهواء، والناس يستديرون مع عبوره ضاحكين، أو على العكس مبتعدين منه خوفًا. ظنوه مجنونًا، فها هو سالومون يُفقده عقله. لقد وجد الحل: سينتقم، مع احتمال أن يغري ابنة الحاخام الأكبر لو يلزم!
ما كان يجهله يوسي، وما كان يفسر الكثير من الأشياء، أن الجميلة مونيكا كانت في حملة انتخابية. هذا ما أعلمته لسالومون أول ما ذهب التأثر الذي أثاره الحادث اللامشرف.
- معلم المقهى يعرفني جيدًا، لأني عضوة في حزب العمل، وهذا الحي جزء من دائرتي.
- جميلة وذكية فوق ذلك! هتف سالومون. آه! أحب النساء الرَّجُلات!
- وعلى العكس، أصحاب الأمن يجهلون ذلك، تابعت مونيكا، وهي تتظاهر بتجاهلها للإطراء، وإلا لما جرؤوا على استجواب عربي بصحبتي.
- كيف هذا؟ لأنك تعتقدين أنني عربي، أنت كذلك؟
- ولكن هذا واضح! زد على ذلك، لأنك عربي وافقتُ على المجيء لشرب شيء معك!
- أنا لا أفهم، تلعثم سالومون، دَهِشًا. وأنا من فكر أنك وقعت في حبائل سحري اللايقاوَم!
- أنت لا تتوقف عن المزاح!
- استني شوي! من اللازم أن تشرحي لي ما يجري. لماذا تهتمين بالعرب إلى هذه الدرجة؟ ولماذا تريدين أن أكون عربيًا؟
- سأجيبك على أسئلتك "واحد واحد". على سؤالك الأول الجواب هو أن حزب العمل بحاجة إلى مساندة العرب الإسرائيليين، حتى وإن كانت الانتخابات لم تزل بعيدة –ومن ناحية أخرى نحن لا يمكننا أبدًا أن نحلف أنه لن يجري تسبيقها، في هذا البلد لا شيء أكيد! هل تتذكر تلك المرة التي انقلب فيها الكنيست من أغلبية إلى أقلية بسبب لون أبواب المستوطنات؟ لقد وجد المتدينون انتهاكًا للحرمات صبغها باللون الأخضر، لأنه اللون الذي يرمز إليه الإسلام. وتلك المرة التي كانت فيها المناقشة حول الكهرباء التي تنتجها المفاعلات النووية: لقد ناقش المتدينون الموضوع طوال الليل، واعتبر بعضهم أن باستطاعتنا إشعال الكهرباء خلال أيام السبت إذا ما تزودنا بالكهرباء من هذه المفاعلات النووية! و... وتلك المرة التي أثار فيها المتدينون مسألة الخرفان القادمة من "الأراضي"، والتي مع ذلك كانت مذبوحة على الطريقة اليهودية-، ها أنا أتيهُ، فيمكنني الكلام عن هذا كل النهار... لكن، لأنهي ما بدأت عن السبب الذي أتى بي إلى هنا، أقول: أنا مكلفة بإيجاد منتخبين عرب يساندوننا.
استمع سالومون إلى هذا الخطاب الطويل بلا اعتراض: وجد مونيكا أكثر جمالاً عندما تحتدم غيظًا، مع تلك الشعلة التي تلتهب في أعماق بؤبؤيها الأخضرين، بينما تعرض حملتها الانتخابية. واحدة مشبوبة العاطفة! امرأة مليئة بالحُمَيّا واليقين!
- واصلي، عمل سالومون بهيئة مهتمة، والعلاقة بي؟
- أنا جاي: بالنسبة لي، مع الرأس الذي لك، من البديهي أنك عربي! لهذا استغللت النعمة اللامتوقعة لأكلمك عن كل هذا!
- تريدين القول إنك تتنزهين على "البيتش" في هذا اللباس لتجندي العرب الذين سيصوتون لكم في الانتخابات القادمة؟ والحال هذه، يمكننا قول إن حزب العمال يستعمل حججًا صِدامية! عَمَلَ، وهو يزلق بعينيه على طول الجسد العاري للفتاة.
- ما أشطرك! تدلعتْ، وهي تعي تمامًا سلطة إغرائها. أهم ما في الأمر أن حزب العمل يهتم بمصير العرب، ألا تجد؟ ألا يغيظك، أنت، أن ترى إلى أية درجة العرب محتقَرين ومهانين؟
- بالطبع يغيظني هذا! احتج سالومون. لكن ما يغيظني أكثر أن يكون محور الاهتمام فقط قبل الانتخابات، حزب العمال كالأحزاب الأخرى. دعيني أُنهي، أضاف على منظر مونيكا المعتدى عليها. أعيد، حتى حزب العمل يعمل هكذا. يُنَعِّم عينيه للطائفة العربية خلال عدة أسابيع و، ما أن تمضي الانتخابات حتى يتركها في خراها من جديد.
- أنت تبالغ! هل تظن أنك عندما تتلفظ بكذبات كهذه بلا تفكير ستخرجون من قراكم القديمة، كما هي عليه في القرون الوسطى، ومن أكواخكم القذرة؟ لا يوجد غير حزب العمل الذي يهتم بكم!
- بنا؟ مَنْ بنا؟ طلب سالومون أخيرًا. وإذا ما قلتُ لكِ إنني لست عربيًا؟
نظرت مونيكا إليه بعينين كبيرتين دَهِشَتين، فمن الواضح أنها كانت تعتقد بكونها وقعت على الناخب العربي المثالي.
- تريد القول إنك لست عربيًا؟ تلعثمتْ. حاول أن تكون جادًا مرة واحدة في حياتك!
كجواب، أخذ سالومون يبحث في جيب تيشيرته، وسحب منها بطاقة هويته. مدها إلى مونيكا، التي جرفها الشك، ولم تشأ أن تحرجه بالنظر إليها، بينما سالومون يلح شاكرًا إياها على ما أبدته من لياقة.
- لكن، لأجلِ عينيكِ الجميلتين، كم أود أن أكون عربيًا، إذا ما أردت، خَتَمَ مستعيدًا لهجة الهزل.
كان يعلم أنه سدد هدفًا، لو كانت الفتاة مترابطة في أفكارها الجميلة والكريمة، لما جرؤت على أن تدير له ظهرها تحت حجة أنه لم يكن عربيًا. "العالم بالمقلوب، قال لنفسه مفكرًا بالاستنطاق الذي كان "بطله" في فندق شارون. في ذلك اليوم، طلبوا مني إثبات أني يهودي، واليوم يطلبون مني إثبات أني عربي. أكيد أننا نعيش في بلد مجانين تستبد بهم هويتهم!"
- ما رأيك لو نسبح قليلاً؟ اقترح ليطرّي الجو.
وافقت مونيكا بكل سرور، كانت تشعر بالارتباك لارتكابها غلطة شنيعة كهذه، وأرادت التعويض عن ذلك بسلوك موائم. لكنها لم تُضِعْ نهارها باطلاً، فالميول السياسية لسالومون، كما فهمت، تذهب بالأحرى ذهاب ميولها، يعني إلى حزب العمل. إذا ما كان هو نفسه يشاركها الرأي بخصوص الوضع الدرامي للعرب، فهذا لأن من بين معارفه عددًا من الناخبين المحتملين الذين يهمها أمرهم، وبالتالي كان لها سالومون ممن يجدر معاشرتهم.
كان الوقت الذي قضياه في الماء معًا لطيفًا من ألطف ما يكون، فهما ما أن وصلا إلى الشاطئ حتى أخذ سالومون مونيكا فجأة بين ذراعيه و، متجاهلاً ابتهالاتها، اندفع نحو البحر، والفتاة تتعلق بعنقه. ضربت بقدميها في كل النواحي، لكن سالومون رأى في هذا شكليات لا غير. عندما ألقاها في الماء، كانت تقهقه، وما لبثت أن نهضت لتنتقم دافعة رأس سالومون تحت الماء، حتى فقد أنفاسه. عاما بعد ذلك مدة طويلة، وهما يمسكان القدم أو الذراع سعيدين كالأطفال.
عندما تراميا على الرمل، لاهثين، كان سالومون يشع، كان فخورًا بعرض نفسه في عيون الكل، وهو بصحبة امرأة فائقة الجمال. هكذا تخيل عطلته في تل أبيب، وبعض الساعات تلك التي قضاها مع مونيكا، جعلته يتصالح مع المدينة التي استقبلته استقبال المطرودين من الجحيم.
- تعرفين ماذا؟ قال لمونيكا التي أغمضت عينيها، وَعَرَّضت نفسها لمداعبات الشمس.
- ماذا؟ همهمت.
- أود لو أقدمك لبعض أصدقائي الذين يعيشون في غزة.
فتحت مونيكا عينيها على التو، ونظرت إليه بانتباه: إذن كان حسابها صحيحًا. كان سالومون يتعاطف بالفعل مع القضية الفلسطينية، وسيمكنه عونها في اصطياد الأصوات العربية. أجابت، دون أن تبدي مع ذلك الكثير من الحماس:
- فكرة جيدة! ومتى تنوي تقديمي لهم؟ قبل أو بعد الانتخابات؟ قالت مازحة.
- اليوم، إذا أردت. يلزمنى المرور على الفندق حيث أنزل لأبدل ملابسي، ثم يعد ذلك، يمكننا الذهاب! هل تصحبينني؟
- طيب!
قام سالومون بقفزة واحدة، ومد يده إلى مونيكا ليساعدها على النهوض، وفي الحركة، تدبر أمره ليجذبها إليه قليلاً أكثر مما هو ضروري. لم تبعده عنها، بل على العكس، ضربته ضربة خفيفة على جذعه. لم يكن يلزم لسالومون أكثر كي يشعر بكونه أسعد الرجال، ولم يكن يتمنى أكثر من أن يكون خطم خنزير ينفخ قرب خدها. ارتدت مونيكا فستانها الخفيف القصير الذي تحمله في حقيبتها، قبل أن يسوقها سالومون إلى فندق شارون. كان على استعجال ليرى بوز نجا وصموئيل وكذلك كل الآخرين، بنيامين أولهم. كانت مونيكا بجمال ميريام، وزيادة عليها أكثر لطافة!
دخل فندق شارون دخول الفاتحين، وهو يتعلق على ذراع المرأة الشابة، حتى ولو كان كل من المشاهدين أقل مما توقع. والحالة هذه، لم يكن حاضرًا غير أسرة أبراهام. تصلب أبراهام عند رؤيته مونيكا، ولم يبد عليه أنه يستسيغ هذا النوع من النساء، وَقِحَات أكثر مما يجب في رأيه. ابتسمت لها سارة، إلا أنها حافظت على تحفظها. تركها سالومون بصحبتهم، وعجل بالصعود ليبدل ثيابه.
لم تُقلق مونيكا برودة الاستقبال، بوصفها امرأة سياسية، كانت معتادة على المواجهات الأكثر عدائية. وعلى العكس، ذهبت بتمدنها إلى أبعد مدى مادحةً الزوجين لما لهم من أولاد جميلين. بمثابة شكر، أجابها أبراهام:
- "لا يبصر الأزلي ما يبصر الإنسان، يرى الإنسان ما يسترعي الانتباه، لكن الأزلي يرى ما في القلب." هل تقرأين الكتب المقدسة أحيانًا، يا آنسة؟
فهمت مونيكا الإلماح بالتأكيد، وبدأت تتضايق من ثياب الفضيلة التي يرتديها. وصل سالومون في اللحظة المناسبة، وجرها بمرح نحو باب الخروج. عندما وجدت نفسها على الرصيف، أمسكته من ذراعه موقفة، وهي تشعر كمن صحت من سُكرها، دُفعة واحدة، مُفْرَغة من طاقتها الجميلة. الآخر بوعظه جعلها تشك في صدق نواياها، فأشارت إليها:
- تعرف، فكرت في اقتراحك، لا أدري إذا كانت الفكرة جيدة للذهاب إلى غزة هكذا، أظن أن من اللازم الرجوع إلى زملائي في الحزب لأعرف رأيهم في ذلك.
- لكني كنت أعتقد أنك تسعين إلى الالتقاء بعرب! وين المشكل، لم أعد أفهمك! رد سالومون. في المادة الانتخابية، وخاصة عندما تكون الأصوات العربية هي المقصود، حزبك لا يقول لا أبدًا. لهذا السبب لم يتم تطبيق اتفاقيات أوسلو على الإطلاق. يقول الليكود إن "الأراضي" لهم، والعماليون إن الأصوات الانتخابية لهذه الأراضي لن تكون لهم إلا عندما يضم الليكود هذه الأراضي. هذه هي السياسة التي لاثنين: لرأسين، لجسدين، لأربع أقدام، المطبقة حرفيًا في هذا البلد. إنها السياسة نفسهًا دومًا.
- اسمع، لا تسئ الفهم، لكني قطعت قراري: سأتكلم مع الآخرين في الحزب، وسأتصل بك فيما بعد. الآن وأنا أعرف أين تنزل، سيكون الأمر سهلاً، أضافت بابتسامة مليئة بالمضمرات.
تركها سالومون تذهب على مضض منه، غير أنه كان يعرف مع هذا النوع من النساء من الأفضل عدم الإلحاح. وفوق ذلك، إذا كانت تبحث بالفعل عن كسب أصوات لحزبها، فقد كان واثقًا من أنها لن تفلته بسهولة، وأنه كَبّلها بوعد الذهاب بها إلى غزة لمقابلة العرب.
وهو يدخل الفندق من جديد، وقع على نجا التي سألت بلا تعمد تقريبًا:
- ويوسي؟ يوسي ليس معك؟
معي؟ إلا هادا! منذ فشله التام، لو استطاع الهرب إلى المريخ، وأكثر ما يكون بعدًا عن سالومون، لفعل يوسي دون تردد. بعد أن ترك خصمه وغنيمته على سطح المقهى، تسكع في الشوارع أينما نقلته قدماه، محاولاً تهدئة نفسه. بعد أن مضى من الوقت أكثر مما ظن، غدا كيس حوائجه في يده ثقيلاً، فزلق به داخل قميصه، وعاد إلى تسكعه، وهو يجتر كالجَمَلِ "مأساته": ماذا يمكن لسالومون أن يملك ما لا يملك ليقدر على إيقاع بنات بجمال مونيكا؟ الحق أنه لم يفهم، مما زعزعه تمامًا. أخذ يراقب نظرات الفتيات اللواتي يمضين به، بعضهن لم يكنّ يرينه، وبعضهن كنّ يزلقن بنظرات خاوية على وجهه، لكنه لم يقرأ ولا في أية لحظة أقل شعاع اهتمام فيها. ربما كنّ يسارعن بالمشي كثيرًا ليرينه كما يلزم؟ لاحظ إحداهن، وهي تنتظر الباص. كان لهذه كل الوقت لتتأمله، ولتقيّم سحره بالقدر الذي يستحقه. وقف إلى جانبها، وانتظر. عندما دارت برأسها نحوه، فغر فمه عن ابتسامة عريضة. وفي الحال، دارت بعينيها بعيدًا عنه. فتاة خجولة على التأكيد، واحدة من تلك اللواتي لا يتفتحن إلا عندما يكنّ نافعات للغير. أخذ يسعل كأنه على وشك الاختناق، فدارت برأسها نحوه من جديد، قبل أن تبتعد بعجلة. رآها، وكله حيرة، تتجه نحو رجل من الناحية الأخرى لوقاء المحطة، وهي تشير إلى يوسي، في الوقت الذي تكلمه فيه. أخذ الرجل يراقبه بدوره، فأحس يوسي إحساس المغلوب على أمره، فالنظرة التي يرميه بها لم يكن فيها شيء من الدماثة. عندما رآه يبتعد، أطلق نفسًا مرتاحًا، ثم ابتسم للفتاة لكونها تخلصت من ذلك الشخص المشئوم الذي له كل ما للإرهابي من هيئة.
وصل الباص، فتدبر يوسي أمره بالصعود خلف الفتاة التي "تَعَرَّفَ" عليها. كلما أدارت رأسها، ابتسم لها، دون أن يفهم مع ذلك لماذا لها شكلٌ قَلِقٌ أكثر فأكثر. فجأة، أخذت تصيح:
- النجدة! انتحاري!
- وييينوووه؟ صاح يوسي بدوره محاولاً الوقوع على الرجل الذي تخلصت منه، فقد كان واثقًا من أنها تتكلم عنه.
مع بالغ دهشته، أمسك سائق الباص والركاب الآخرون به، وفي لحظة واحدة، وجد نفسه ملقى، أنفه على الأرض، ويداه مربوطتان على ظهره. نصح السائق جميع الركاب بالتراجع أقصى ما يقدرون عليه بعيدًا عنه، ولأقل حركة يفعلها يوسي، كان يصرخ:
- لا تمس هذا! لا تمس قنبلتك اللعينة!
لم يعد يوسي يفهم شيئًا، وكأنه في الضباب. انتهى رجال الشرطة بالحضور، عشرة منهم مدججون بشتى أنواع الأسلحة، جاء بهم الرجل الذي حسبه يوسي إرهابيًا. ذلك الذي ذهبت الفتاة لتراه، الفتاة التي وقع اختياره عليها لِيُطَمْئِنَ كرامةَ الذكرِ الجريح. حَسِبَتْهُ انتحاريًا، وأبلغت عنه.
في مركز الشرطة، خلصه الفريق الخاص الضد-الإرهابي من كيس البلاستيك الذي حشاه تحت قميصه ليشعر بالحرية في حركاته، وقام شرطي بجرد لمحتوباته تحت العيون الدَّهِشة للآخرين، وهم في ثياب القتال: مايو مبتل، بشكير، مشط، أنبوب كريم شمسي، نظارات شمسية. تلك كانت القنبلة التي تحتوي عليها أغراضه.
لكنهم لم يخرجوا ليلعبوا الطابات السبع أولئك العمالقة الذين لا يُقهرون كي يتركوا فريستهم تغادر على مثل تلك السهولة، كان عليهم التأكد من أنه لن يصبح انتحاريًا في الغد.
- اسمك؟ بصق المفتش المكلف بالاستجواب.
- اسمي يوسف، وأنا عربي.
























الفصل السادس

يومان! لم يبق له أكثر من يومين قبل اليوم الموعود الذي حدده الشيخ، وليس لمهبول أية فكرة ولا أي شكل سيأخذه فعل الشهيد فعله، حتى ولا أي مكان يدور فيه. قضى يومه هائمًا على وجهه في شوارع تل أبيب، وهو يعاين هذا المكان أو ذاك المكان، وهو يقدّر الرطم الذي سيكون لقنبلة إذا ما وُضعت هناك، وهو يراقب الناس في الشارع كضحايا محتملة. لكنه في كل مرة، كان يهز رأسه. لا، لم يكن هذا يناسبه، لم يكن يقدر على فعله. في النهاية، ذهب ليجلس أمام البحر، والمشهد شبه المنوّم لهذه الرحابة المفرغة من العَجاج الإنساني خففت عنه شيئًا فشيئًا. "لو أستطيع الذوبان لأغدو موجة"، همهم واقفًا.
عاد إلى الفندق، وهو يفكر، في الضوء الذهبي لآخر ما بعد الظهر. تحجر، وهو يخترق البهو، على رؤية رجل في اللباس العسكري، برأسه الحليق، جالسًا أمام السيد شارون. فهل قرر هذا الإبلاغ عنه؟
من الواضح أن مهبول لم يكن مرتاح الضمير لما لديه من ردود فعل كهذه، لأن الرجل المعني كان بكل بساطة يتبارى مع صموئيل في لعبة شطرنج. لم يكن هناك للتحقيق معه أو لإيقافه. عندما هدأت ضربات قلبه الجامحة، ضرب في رأسه ما يبحث عنه كبديهية: ها هي الضحية بقضها وقضيضها، هذا العسكري القصير، الربع، الذي جاء بمحض إرادته ليلقي بنفسه في فم الديب! بوصفه عسكريًا، كان الرمز وما يعنيه لكل ما يقاتل ناسه ضده. صحيح، لم يكن هذا ما طلبوا منه فعله، لكن على الشيخ أن يقبل بالتدبير المؤقت هذا. لقد فكر طويلاً: لن يقوم أبدًا بعمل انتحاري، أبدًا ضد بريئين. لقد أحس بعدم قدرته على تحويل الكلام المكرور إلى حسابه: "أخذوا أراضينا! يعيشون في بيوتنا! ينامون في أسرّتنا!". بالنظر إلى ذلك، هو، كان يعلم تمام العلم أنه ينام في سرير يملكه السيد والسيدة شارون.
كان الرجلان في غاية التركيز إلى درجة لم ينتبها فيها إلى وصول مهبول. اقترب من طاولتهما، وأخذ كرسيًا ليتابع اللعبة. كان ذلك بمثابة تطويع ممتاز لما لديه فعله. أولاً سيسمح له ذلك بالتفكير في شيء آخر غير الفعل المهلك الهالك الذي سيرتكبه، وثانيًا إذا توصل إلى اعتبار ضحيته كأحد حجارة الشطرنج، كان واثقًا من إنجاز مهمته كما يجب بلا تردد.
في تلك اللحظة، جاءت نجا من المطبخ، وهي تدندن. ابتسم مهبول لها ابتسامة صغيرة، ولم يلبث أن عاد ينظر إلى رقعة الشطرنج، ليتحاشى أحاديثها المربكة التي تعرف سرها. "يجب أن يسيطر على المركز، فَكَّرَ بكل قواه بعد أن حلل اللعبة، والا راحت عليه!"
كانت نجا برأسها في مكان آخر، فهي كما بدا، تحت سحر الضابط –آه! يا لسحر اللباس العسكري!- كانت ترفرف كفراشة من حول الطاولة، غير مبالية بأنفاس الغيظ التي ينفخها زوجها.
- إذن، من الرابح؟ سألت، وهي تنحني فوق كتف الضابط. أنتَ، يا قمنداني العزيز؟
- اتركينا، تذمر زوجها، ألا ترين أنك تزعجيننا؟
- لكن قمنداني العزيز هذا قلما يشرفنا بزيارته! من اللازم أن أتملى قليلاً بالنظر من وجوده ما بيننا، أليس كذلك؟
- لا تقلقي، هذه المرة سيبقى للنوم في الفندق. سيكون لك كل الوقت لتريه فيما بعد. الآن توقفي عن بلبلتنا، واذهبي لأشغالك!
سجل مهبول المعلومة في ذهنه، هكذا سيبقى القمندان "العزيز" طوال الليل تحت سقف الشارونين. كان ذلك أكثر مما يلزم لينجز فعله البطولي، حتى أنه سيكون لديه يوم قبل المدة المحددة. ستكون حجته التي ستُكسبه ثقة الشيخ، فهو ربما كان مناضلاً نَزَوِيًا، لكننا لا يمكننا أن نأخذ عليه كونه ليس فعالاً.
ابتعدت نجا حَرِدَة، وأخذت تعيد وضع الكراسي بحركات حانقة لتعمل من الضجيج أكثر ما يمكن، تفتح وتغلق النوافذ، تضع وترفع الملاعق، تضرب وتكاد تكسر الكؤوس، بالاختصار، تعمل كل شيء لتضايقهما، لكن لا حساب لذلك، والقدرة التي يتمتع بها لاعبو الشطرنج على انتزاع أنفسهم من العالم الخارجي. على أي حال، أطلق صموئيل صرخة الانتصار "الشاه مات!" أمام الشكل المتلخبط لضيفه، واعتذر للهزيمة التي ألحقه بها، فاقترح مهبول أن يأخذ مكانه.
- هيا، يا قمنداني! هتف صموئيل، مع هذا، على الأقل، ستكون الغالب على التأكيد! أما أنا، فسأذهب لمساعدة زوجتي على إنهاء الاستعدادات "للشابات". اليوم، سيكون الشابات استثنائيًا، بعد أسبوع من الخير كان لنا!
جلس مهبول على الكرسي الذي خلاه صموئيل، وعلى أمل أن يكسب ثقة خصمه، اقترح:
- فلتبدأ، أترك لك الحجارة البيضاء! أنا، فَطْفَطَ، أفضل الحجارة السوداء، هذا يشبه العرب أكثر! هكذا ستكون المتعة لك بغلبة العرب!
طبعًا تصرفَ كما يشاء، فرماه القمندان بنظرة مرتابة، وعروق رقبة الثور التي له تبرز بخطورة.
- أريد أن أقول، عَجَّلَ مهبول مضيفًا قبل أن يهاجم الآخر، وأنت كذلك، يا قمنداني، ستكون العرب، عرب "الأراضي"، وأنا، عرب إسرائيل. هكذا سيكون صراعًا واقعيًا جدًا، عربي-عربي. لأن الأمر هو هكذا، هل أنت موافق؟ فهم غير قادرين على التفاهم ما بينهم، وإذا ما اقتتلوا ما بينهم، أنت تدرك ما سيكون، ستكون إسرائيل الرابح الكبير! سيحل المشكل نفسه بنفسه!
بعد لحظة بدت له الأطول، وافق الضابط. بدأت اللعبة في الصمت الأكبر، ونجا وصموئيل، وهما يرتبان قاعة المطعم، يأتيان من وقت إلى آخر لمتابعة تقدم الطرفين. بعد عدة ضربات، حشر مهبول القمندان، فتذمر صموئيل معبرًا عن شجبه: كان على وشك أن يجعل منه مغفلاً، هو من جعل الآخر يفهم أن مهبول لا يمكنه كسب اللعبة. كان مهبول يلعب في رأسه لعبة شطرنج متوازية العواقب، وهو لهذا قرر أن يترك خصمه يغش. في أحد الأوقات، تظاهر بالتفكير بصوت عال، ليقترح على الثاني ما عليه أن يفعل من حركة قادمة، وأذكى النار بأخذه الملكة منه، وفوق هذا هنأه. وعندما هتف القمندان "الشاه مات!"، صفق مهبول بحرارة. جاءت نجا، والقمندان يشع، قبل امتداحها إياه، وهو يحمرّ كالبنت الصغيرة تقريبًا، لما طبعت قبلة على خده.
بالمقابل، لم يتوقف صموئيل عن التذمر، فهو قد رأى أن مهبول تركه يكسب، والأهمية الأخلاقية لهذا الانتصار تغيظه. كيف يقبل ضابط من "تساهال" أن يمثل العرب، وفوق هذا أن يجعلهم يكسبون؟ والقبلة الصغيرة البريئة لزوجته زادت في الطين بِلّة.
- أوقف هذه المسخرة! ليس فقط أنت تشين منشأتي حيث من الممنوع على العرب النزول فيها، انفجر شادًا قبضتيه، ولكن كل الجيش الإسرائيلي! ما أنت إلا خائن!
نهض القمندان قافزًا، أحمرَ الوجه، مستعدًا للقتال، فاستغل مهبول الفرصة ليقدّر من أي عيار هي، ضحيته القادمة، التي يراها واقفة للمرة الأولى. رغم طوله متر سبعين، وزنه يقارب التسعين، عضلات وأعصاب، كتلة ضخمة متراصة. من اللازم أن يأخذ كل هذا في الحسبان، لتتوافق وسائل فعله، كما كان يقول بالتورية. صغير ونحيف كما كان هو عليه، لن يحمله مثلاً، ولن يهاجمه مباشرة، دون أن يحيّده. خلال برهة صغيرة، توهم أن صموئيل سيحطم له أنفه، ويصرعه صرع الخصم في الملاكمة، العاجز عن متابعة المباراة، لوقت غير قصير. لكن إذا ما تقاتل الرجلان باليدين والقدمين، فمن الأرجح أن تتغلب اليدان الضخمتان للقمندان على اليدين السمينتين للفندقي. بيد أنه تأمل المشهد باهتمام: كان صموئيل والضابط يتواجهان، على بعد عدة سنتيمترات الواحد من الآخر.
دفع الارتياع نجا إلى الوقوف بينهما:
- انتظرا! سيكون "شابات" عمل قليل! أنتما لن تتقاتلا كالعرب في وقت "شابات"!
- عندكِ حق، زأر القمندان، أنا لن أتقاتل: سأترك في الحال هذا الفندق الذي أقمت فيه كقذر! بعد كل شيء، الشيراتون على بعد خطوتين من هنا، وسأجد أين أنزل هناك!
ليس هكذا يا صاح! لن يترك مهبول فريسته تفلت من بين يديه. نهض، وقام بحركة مهدئة من يده:
- نجا عندها حق، اهدآ، اهدآ! أنتما من الذكاء الشيء الكثير كي تتقاتلا. إذا أردت، يا قمنداني، أقترح عليك أن تنتقم: هذه المرة، سنلعب إسرائيليين ضد فلسطينيين، أنت الفلسطينيون وأنا الإسرائيليون، وكلي تأكيد أن الإسرائيليين هم الذين سيربحون: أي انتصار مبين أكثر من هذا؟ ماذا تقول؟
يا لَحَظِّهِ أن الضابط كان مولعًا بالشطرنج، كان وقت فراغه الوحيد الذي يستسلم إليه خلال ساعاته الحرة. كان قادرًا على اللعب من الصباح حتى المساء بلا توقف، وحتى دون أن يكلف نفسه بتناول طعامه أحيانًا إذا ما شدته المباراة. تحت طائلة الغيظ، لم يتابع جيدًا منطق مهبول الذي يقترح عليه أن يلعب ليخسر لا أكثر ولا أقل، إلا أن ذلك لم يفلت من يقظة صموئيل. حتى وإن كان يهتز على فكرة أن القمندان سيلعب للفلسطينيين، بينما يجده أكثر جدارة ليلعب للإسرائيليين، حافظ على ألا يفكر بصوت عال: منذ أن لفظ القمندان الكلمة المنحوسة "شيراتون"، أجج تخوفاته الأسوأ. وإذا ما كان موافقًا على اللعب تحت هذه الشروط، فليتركه يفعل. بالمقابل، عزم صموئيل على مراقبة مهبول من الآن فصاعدًا. هو من اعتبره مغفلاً على أكمل وجه في البداية، أدرك أنه يخفي جيدًا لعبته، وأنه قادر على تحريك الناس بدهاء. "مع مكر العربي"، فكر.
عاد الخصمان إلى أخذ مكانهما خلف رقعة الشطرنج، وصموئيل بمثابة الحكم. احتد الجو كثيرًا، فرقع القمندان مفاصل رقبته وأصابع يديه قبل أن يفتتح اللعبة، وتمت الضربات الأولى في صمت بثقل الرصاص. لم يعنّ لنجا الاقتراب من "طاولة المفاوضات"، كما نصحها صموئيل. زد على ذلك، حان الوقت لتشعل شموع "الشابات". تمنت من كل قلبها أن يصل الرجال إلى أحسن حالاتهم الروحية، وأن يتمكنوا من الاحتفال ب"الشابات" سويًا في الفرح والسرور. راحت ترقب بلا صبر عودة أبراهام من الكنيس: كانت تعتمد على حضوره المفعَم بالحسنى والحكمة ليصالح عالمها الصغير، أو على الأٌقل ليلطف من حواراته المشبوبة العاطفة.
انتفضت على سماع زوجها، وهو يحتج بعنف، خشية أن يعودوا إلى وضع خلافاتهم على بساط البحث. لقد فاجأ صموئيل مهبول في حالة تلبس بالجريمة! حتى واحد مبتدئ لن يعطي دوره لغريمه بمثل تلك السهولة، كان من الواضح أنه يسعى إلى أن يكسب الضابط (الفلسطينيون في اللعبة)، بينما صموئيل يريد أن يكسب الإسرائيليون (مهبول في اللعبة)، وتبًا لحس الكرامة لدى القمندان!
عندما وقع اللامفر منه، وكسب مهبول المباراة، فضل صموئيل الابتعاد دون أن يشعر به أحد، ليخفي بشكل أفضل رضاه. لقد فاز الإسرائيليون (مهبول)، وتناول القمندان (الفلسطينيون) صفعة مهولة! أشار إلى نجا أن تذهب لإحضار ما يشربه الجميع، فسيخفف هذا من غضب القمندان الذي بقي جالسًا على كرسيه متأملاً بعين الاغتمام ميدان هزيمته. هو الذي تمت برمجته للذهاب بشعبه إلى النصر، الذي حيكت باسمه قصص البطولة حتى في القمر حتى في الصين، الذي قضى كل حياته على إسماع مرؤوسيه أن عليهم كسب المعركة، بأي ثمن، أُلحقت به ضربة لن ينساها!
- أخرجتُ أحسن نبيذي الكاشير للجميع، ما نشربه عادة في يوم كيبور، هَسَّت نجا في أذنه ساحبة إياه من أفكاره الكئيبة. حتى أنني أخرجت كؤوسي الكريستال التي أهدتنا إياها أمي لزواجنا! إنه لشرف عظيم لنا أن تنزل في فندقنا أنت أيها الجندي المقدام من جنود "تساهل"!
راقب صموئيل رد فعل القمندان من طرف عينه، كانت اللحظة حاسمة، والرجل يابسًا كالجليد. إما أن يعمل من بؤسه ثروته، ويقبل كأس الصداقة، وإما أن ينهض، ويغادر الفندق نهائيًا. لأول مرة وجد نجا، وقد أبدت تحفظها: لماذا لم تختر هذه اللحظة لتطبع قبلة على خده بدلاً من تلك؟
ببطء يائس، مد القمندان يده نحو الكأس، وتناولها، فأطلق صموئيل نفسًا مرتاحًا، وصاح بمرح:
- الاحتفال، لا شيء غير الاحتفال الآن! تعالي، يا نجا، تعالي لترقصي معي!
وضع أسطوانة، ودعا امرأته بحركة من يده لتلحق به.
- رقصة لكَ ورقصة للقمندان، تدلعت. بعد ذلك، لن يتأخر الآخرون عن الوصول، ولديّ الكثير مما أعمل.
- هذا للاحتفال بانتصار اليهود، همس صموئيل في أذنها، بينما هو يعانقها لصق صدره.
غمزته غمزة متواطئة، وتركت نفسها لإيقاع الموسيقى جناحًا. ثم عملت كما قالت: عندما انتهى اللحن، اقتربت من طاولة القمندان، بمِشية المبتدئة. قام من كرسيه بتثاقل، وقبل اليد التي تمدها إليه.
- نرى أنك قوي، أنت! أطرته لما جذبها إلى جذعه القوي. كلك عضلات!
نخر من المتعة، من الانتقام، متعته الكبيرة، انتقامه الصغير.
خلال ذلك، انسحب مهبول خارجًا، ومن أقرب صيدلية اشترى منومًا، ومع أسرة أبراهام عاد إلى الفندق، دون أن يشعر به أحد. دعتهم نجا إلى الانضمام إليهم، وإلى المجيء ليرقصوا، فلم يتركها الأولاد تكرر الطلب مرتين. أخذوا يبدون أهليّتهم، بينا جلس أبواهم مع تحفظهم المعتاد، خلف طاولة على طرف، لينعما بالعرض الذي يقدمونه. كانت لحظة مهبول التي استغلها، في الهرج والمرج، ليصب المنوم في كأس القمندان. "خَلَصْ! شَغَّلنا الماكينة، همهم بقناعة. من الآن فصاعدًا، لم يعد شيء يلهيني عن مهمتي."
لم يعمل مهبول حسابه على ظهور مونيكا، وهي تنزل بصحبة سالومون من الطابق العلوي، وعلى رؤيتها انقطعت أنفاسه: كانت بالضبط امرأة أحلامه التي تجسدت أمام عينيه. تأمل الزوجين بالتناوب ليعيّر الدرجة العاطفية التي تربطهما ببعضهما. كان الواحد يمسك يد الآخر، لكن هذا لا يعني شيئًا كبيرًا، وكان لها شكل المرأة الشبقة، الضاحكة على الدوام. ربما كانت منفتحة أكثر من اللازم كامرأة. فضل مهبول التأكد بنفسه، فاقترب من سالومون. حياه سالومون بطيبة قلبه المعتادة، لكن لم يكن لمهبول وقت يضيعه. نظر إليه بعينين باردتين و، بذقنه، أشار إلى من هي بصحبته.
- ماشية الأشغال معك، كما يبدو، قال بلهجة تهديد.
ولسبب لم يفسره بوضوح، تحلل وجه سالومون في الحال. كان رد الفعل النموذجي لشخص غير مرتاح الضمير، ففكر مهبول أنه يخفي على التأكيد شيئًا، لكن ماذا؟ لم يتأخر عن معرفته.
- أحلف لك براس أمي الحجة، تلعثم سالومون، أنني لم...
- الحجة؟ قاطعه مهبول بشراسة، وهو يفتح عينيه على سعتهما. قلت الحجة؟ إذن أنت عربي وتتظاهر بأنك يهودي؟
خفض سالومون رأسه، لم تكن مصنوعة له، حياة التخفي والكذب. مذ وضع قدمه في فندق شارون، كان يخشى اللحظة التي يخون فيها نفسه، إما بحركة، وإما بكلمة. عندما نزل لأجل "الشابات"، كان بعيدًا عن تخيل أنه بدلاً من الاحتفال، وكله استثارة بين ذراعي مونيكا، سيفقد صحوه إلى درجة ينسى فيها حذره الأساسي، ويا للحظ أنه كان مهبول الذي اعترف له بكونه ليس يهوديًا. تأمل في اعتماده على تساهله، فهو كذلك كان على وشك الطرد من الفندق للسبب الوحيد إياه: سحنة العربي التي له. وبعد فوات الأوان، هذا صحيح، ندم على عدم الدفاع عنه بقوة أكثر في اليوم الذي تم فيه طرد مهبول من الفندق كقذارة، بدل أن يترك كل الشغل ليوسي. رفع عينيه نحو متهمه، ويا للغرابة لم يكن له الشكل نفسه، فكأنه ربح... بالحيلة.
- خذها، أنا أتركها لك، زفر أخيرًا. زد على ذلك، حزب عمل أو حزب بصل، ليس هذا طبيخي! لكن من فضلك، لا تكشف أي شيء عن هويتي الحقيقية. العطلة بدأت منذ حين، وليس هناك...
- غرفة فارغة لنا في كل تل أبيب، أعرف، أكمَلَ مهبول بتهور.
ما الذي دفعه إلى لفظ هذه ال "لنا" التي لم تفلت من سالومون –في الواقع، ماذا يمكن أن يكون اسمه الحقيقي؟
- إذن، أنت كذلك؟ تلعثم سالومون منذهلاً تمامًا.
فكر مهبول بسرعة: كان عليه أن يقيم وزنًا في آن واحد لمونيكا ولمهمته التي يجب عليه إنهاؤها. إذا ما اعترف بكونه عربيًا، خسر مونيكا، وعمل من سالومون مشتبهًا فيه، في الجريمة التي يستعد لارتكابها. لأن مما لا شك فيه أن سالومون، الذي خان نفسه بكل تلك السهولة، لن يصمد طويلاً أمام الاستجوابات التي سيقوم بها الشين بيت معه، بعد الحادث.
- لا، ليس أنا، يا أخي، قال أخيرًا، وهو يضغط بقوة على كلماته الأخيرة.
مع هذه الصيغة الموجزة، قال كل شيء: إنه ليس عربيًا، وإنه لن يسعى إلى إيذائه. نظر سالومون إليه نظرة الشكر والعرفان، قبل أن يمد ذراعه، كما لو كان يدعوه إلى السير في الطريق المَلَكِيّة التي ستذهب به على طول إلى مونيكا.
كانت مونيكا بين ذراعي القمندان، وهي تقهقه في الوقت الذي ترقص فيه. وكان فستانها يرتفع عن فخذيها مع كل حركة تعملها، وتذكي اشتهاء الرجال. بعد القمندان، كان دور صموئيل الذي جرته ليرقص. شدت نفسها إليه، وعادت إلى مناورتها ضاحكة قاذفة رأسها إلى الوراء، لتلقي بشعرها في كل الجهات على أفضل وجه، كاشفة عن ساقيها المغريتين أكثر مما هما عليه أبدًا. عندما انتهت رقصتها الجديدة هذه، راودتها الرغبة الماكرة في الذهاب حيث أبراهام كان، والاستنكار يُقرأ بوضوح على وجهه. انزرعت أمامه لتثيره بمفاتنها، وأشارت إليه بإصبعها أن يتبعها. اكتفى أبراهام بتحريك رأسه سلبًا، وبشد ذراعه حول كتفي زوجته.
- آه! أبراهام، رمت مدام شارون معجبة، لو بقي رجل مستقيم على وجه الأرض، لكان أنت.
دارت مونيكا بعينيها في القاعة: على من لم يقع بعد اختيارها؟ إسماعيل؟ إسحق؟ لا، لم يزالا صغيرين! الضعيف العقل النحيف البدن الذي جنب سالومون؟ تُفًا له! كأنه خارج من البالات! هل استهلكت كل ما هو قابل للاستهلاك من مادة الرجال هناك؟ آه! المدعي الجمال جنب المرأة المتصنعة –كانت قد لمحت بنيامين وميريام اللذين وصلا بعد بداية الاحتفال. بدل أن تذهب بعينيها إلى نظرات بنيامين فحصت مباشرة نظرات المرأة المتصنعة الجالسة قربه: كان اللهب والبرق فيها بلا التباس. "لا تلمسي رجلي وإلا شوهتُ لكِ خِلْقَتَكِ!" يا دِلِّي! كانت ترغب بالفعل في مواصلة لعبتها الصغيرة، أليس كذلك؟ كانت هناك لتتسلى، لا لِتُكَرِّش.
حطت نظرتها أخيرًا على جاد. كان قد راقب جيدًا مناورتها، وإذا ما فهم شغله مع من، كان يعلم أن دوره قد جاء. ثنت مونيكا رأسها إلى جانب، وابتسمت له، فنهض في الحال، وأخذها بين ذراعيه ليراقصها. لم تعد تضحك في الوقت الحاضر، لكنها تغرق بعينيها في العينين الخضراوين بشكل لا يصدق الشفافتين لجاد. وبينما كانت ترقص بِدَنَف متعلقة على عنقه، بدأت المناقشة الوحيدة التي لم تزل تقدر عليها: حزب العمل، الأصوات العربية، وكل الباقي.
صموئيل، كله غيظ من تدلهها بجاد –مع اعتراف دون لف ولا دوران بسحره، تذمر عند سماعه لأطرافٍ مما يقولان:
- هذا ما كان ناقصًا، في بيتي! يهودية تبحث عن الارتباط بعرب! كأنها لم تر اللافتة!
في الواقع، رأتها مونيكا، وذلك منذ المرة الأولى التي وضعت فيها القدم في الفندق، في اليوم الذي أراد فيه سالومون الذهاب بها إلى غزة. كانت قد استنكرت الكلام العنصري بصمت، إلا أنها امتنعت عن كل تعليق. كسياسية محنكة، كانت تعلم أنه لا يجدي في شيء النقاش مع أناس من نوع صموئيل. السجل الوحيد الذي كانوا يفهمونه سجل التحدي، وهذا ما كانت تفعله بقلبٍ كله فرح، لتحدي صموئيل وإهاجته.
- أنا أصوّت دومًا لليكود، أعلن عاليًا، ليتأكد من سماعها إياه.
- لا شك في ذلك، قهقهت مونيكا مكلمة جاد، رجعي كبير مثله! مغفل قذر!
- ألا تريدين أن نواصل هذا النقاش في غرفتي؟ همس جاد في أذنها.
كان يعلم تمام العلم أن في الفندق غرفًا عديدة شاغرة، وأن السيد شارون لن يعمل له أي مشكل ليتخلى عن إحداها، رغم مونيكا. كان يعلم خاصة أن الحركات الساخنة التي يصعد فيها التوتر الشبقي بشكل خفي بفضل هذه الرقصات الدَّنِفَة المتبادلة سريعة الزوال. إذا ما فهم مونيكا جيدًا، كانت اللحظة المناسبة التي يقوم فيها بهذا النوع من الاقتراحات.
- بكل سرور، همست، وهي تعضعض له أذنه.
لم يكن الباقي سوى شكليات: أوضح جاد لصموئيل أنه تعب كثيرًا ليعود إلى المدينة الجامعية هذا المساء، وهو لم يعد يحتمل النوم بلا راحة في سرير أخيه، فلو أمكن أن يحصل على غرفة هنا...
- طبعًا، دمدم صموئيل مادًا مفتاحًا. تعال، سأريك الغرفة.
تناول الشمعة المضاءة في مكتب الاستقبال، وأشار إلى الزوجين الشابين أن يتبعاه. امحى أمام الباب ليتركهما يدخلان، فأشعل جاد الضوء منيرًا الغرفة. تراجع صموئيل في ظل الممر مصدومًا:
- لكن ماذا فعلت؟ هل نسيت أنه "الشابات"؟
- اعذرني، رأسي مش معي، قهقه، وهو يقرص إليتي مونيكا.
مد صموئيل له الشمعة، وجر باب الغرفة من ورائه، وما لبث شعاع من الضوء أن تسلل من تحت الباب.
- إيش تحكي وإيش تقول! على قفاهم "الشابات"، هؤلاء الشبان! تذمر صموئيل مبتعدًا، كيلا يتواطأ مع تدنيس كهذا.
عندما عاد إلى قاعة الطعام، كان الاحتفال قد انتهى. مع مغادرة مونيكا، حل الحزن محل الفرح. لمح القمندان في زاوية، وهو يشخر نائمًا بكل ثقله على الطاولة.
- شوفوا لي هالزلمة! تهكم، لا يصمد أمام شيء هذا المكعبل!
شكر مهبول وسالومون على مبادرتهما في حمله حتى غرفته، فلم تكن لديه رغبة في عمل ذلك بنفسه. كان لم يزل زَعِلاً مما فعله، وللجهد الكبير الذي يبذله الرجلان، بدا سعيدًا في سره.
- الغرفة 67، صرخ بهما من بعيد، الباب مفتوح!
في تلك اللحظة بالذات، انفتح الباب الرئيسي على فريق من رجال الشرطة المحيطين بيوسي، وليوسي وجه المنهزم.
- يوسي؟ استغرب صموئيل. ما الذي يجري؟ هل فعل شيئًا مشينًا؟
- يوسي غير موجود، قهقه من رجال الشرطة من له رأس الرئيس. أقدم لك يوسف و، أضاف مشيرًا إلى اللافتة، أُعلن لك أنك آويت عربيًا. لقد أوقفناه لاغتصاب الهوية، بعد أن شك الناس فيه بتحضير حادث انتحاري.
- يوسي عربي! صاحت السيدة شارون منصعقة.
- يوسف، قلتَ يوسف! ردد السيد شارون غير مصدق.
انهارت نجا على مقعد منتحبة، هي التي ظنت أنها طردت نهائيًا الأرواح العربية من عندها، هي التي ظنت أنها أفرغت كيدًا فندقها من كل نزيل غير مرغوب فيه، هي التي ظنت أن اللعنة ابتعدت تمامًا عن بيتها، وها هو الكابوس يعود إلى البدء. قليلاً قليلاً استعاد صموئيل أنفاسه، وانتهى به الأمر إلى سؤال الشرطي:
- والآن، ما الذي سيجري؟ ماذا من المفروض علينا أن نفعل؟
- كل شيء يتوقف عليك. لهذه الليلة، إذا كنت موافقًا على أن ينام هنا، من حقه أن يقضي الليلة وغدًا، يمكنك طرده.
استقبل الحُكْمَ همسٌ مذعور، وعلى ما يبدو، كان كل النزلاء الآخرون يأملون أن يبرهن صموئيل على حِلمه، ولو لمرة. الكل ما عدا سالومون بالطبع، الأكثر من سعيد لتخلصه نهائيًا من خصمه المربك، خاصة بعد أن ضعف وضعه منذ اكتشف مهبول هويته الحقيقية.
نهض أبراهام للدفاع عن قضية يوسف، فأوقفه صموئيل بحركة من يده، فشيء ما يشبه الإنسانية أقنعه بألا يرمي يوسف في الخارج ككلب.
- منيح لهذه الليلة، قال أخيرًا، يمكنه النوم هنا.
كانت الإشارة التي ينتظرها مهبول ليواصل شغله. تسارعت الأشياء، وعليه أن يتصرف بسرعة، وإلا انتهى الأمر بالشرطة إلى وضع الفندق تحت مراقبتها. أمر بحركة من رأسه سالومون بالإمساك بقدمي القمندان، بينما حمله هو من تحت إبطيه. وكيفما كان، وصلا أمام الغرفة 67، دخلاها، وتركا حملهما يسقط على الأرض. لم ينطق مهبول بأقل كلمة، ففهم سالومون أن عليه الخروج من الغرفة: ما سيدور فيها لا يخص أحدًا آخر سواه.
عندما وجد مهبول نفسه وحيدًا أمام الجسد الساكن للضابط، أخذ يفكر في الطريقة الأكثر حسمًا للتخلص منه. لم يكن يشعر بالقوة الفيزيقية لخنق واحد مثل الثور، ولا بالرغبة في إهراق الدم. إذن، لا سكين. أما طلقة الرصاص، فكانت مستبعدة بسبب حسها. بقي القذف من النافذة، وكان ما كان. "الله أكبر"، همس ليبعث الشجاعة في قلبه.
جر الجسد من القدمين حتى أمام النافذة، وفي اللحظة التي رفعه فيها، ليرميه من حافتها، طرق أحدهم الباب. استدار مهبول بحميا، فقد نسي إغلاق الباب بالمفتاح. انتظر بعض اللحظات، وقلبه يدق، فلربما يئس الزائر اللامرغوب فيه، وغادر، غير أن الباب انفتح ببطء على يوسف بهيئة قلقة.
- يوسي، ماذا تفعل هنا؟ هتف بصوت واطئ.
- أنت تظن أنني أجهل من أنت، لكنك مخطئ. لم أتركني أنخدع بحيلك الساذجة، فاستعلمت عنك، وعلمت بدورك في التنظيم. عندما رأيتك منذ قليل، وأنت تبتعد حاملاً هذا، فهمت كل شيء، فجئت لأعينك. أنا، يا أخي الصغير، لم يعد لي أي شيء أخسره، لكن أنت...
- أنت لا تدري ما تحكي! إذا لم أفعله بنفسي، ستكون نهايتي! إذا كنت تعرفهم بالفعل، ناس التنظيم، فلن تقول لي هذا أبدًا!
- لا شيء يجبرك على كشف أن أنا من فعله. هيا، توقف عن النقاش، واخرج من هذه الغرفة. اذهب مباشرة لترى صموئيل، وتكلم معه أطول مدة ممكنة: سيكون لك إثبات الغيبة، و، فوق ذلك، ستمنعه من المجيء ليتدخل فيما لا يعنيه، في حالة ما أراد المجيء ليعرف أخبار هذا!
- وكأنك فكرت في كل شيء، ضحك مهبول، لكني أرفض. أنت من سيخرج من هنا وفي الحال!
كانا على وشك التقاتل بالأيدي، فوق جسد الضحية، غير أن وصول سالومون حال دون ذلك. حالما وجد سالومون نفسه تحت الدرج، عاد من حيث جاء، والوسواس ينهشه.
- أشعر لتصرفي بالعار، ناح ما أن أعاد غلق الباب من ورائه. أريد المشاركة في انتصار فلسطيننا الغالية.
تفرس ثلاثتهم في وجوه بعضهم، منذهلين. هكذا كانوا كلهم عربًا في هذا الفندق الممنوع على العرب! سقطوا في أحضان بعضهم، وهم يبكون ويضحكون، وكل واحد يرجو الآخر بأن يترك له شرف إتمام المهمة المقدسة في تصفية الضابط.
دوى صوت أبراهام كالرعد في التشويش الذي تبع ذلك، وهو يرقى في إطار الباب. رماهم بكلمة واحدة: "لا!" بضراوة لم يكن جد العرب واليهود ليشجبها.
- لا، أعاد، وهو يغلق الباب من ورائه. أنا مسيحي، وأنا ضد. طالما لا يوجد هذا الضابط في الثكنة أو على أرض القتال، أمنعكم من مس شعرة واحدة من شعراته!
بعد لحظة من الصمت المدهش، حاول الرجال الثلاثة الاحتجاج، فاكتفى أبراهام برفع يده في حركة كهنوتية. تساءل مهبول ويوسف وسالومون إذا ما كانت أرض الغرفة ستنشق تحت أقدامهم لتبتلعهم حتى أعمق نقطة في الأرض، ثم خرجوا من الغرفة طائعين واحدًا واحدًا. اتفقوا ضمنيًا على أن يدلفوا إلى غرفة يوسف، الأجمل، وطلبوا قنينة نبيذ كاشير، أحضرها سالومون لهم بعجلة. سكروا حتى تختخوا، وانتهى بهم الأمر إلى النوم مع الفجر نومًا بثقل الرصاص.
عندما استيقظوا، لم يكن القمندان في غرفته.





الفصل السابع

غني عن البيان أن الجو في قاعة المطعم كان من الأجواء الأكثر كآبة في ذلك الصباح، قامت نجا بالخدمة، وهي تغرق في الصمت، بينما وجد صموئيل خلف منصة الاستقبال ملجأ يستمع فيه إلى الأخبار من الراديو. كان الشارونان مصدومين بما حصل لهما، وقليلاً قليلاً انتقلا بكآبتهما إلى النزلاء، الذين كانوا لا يجرؤون على الهمس إلا ما ندر، وينظرون إلى بعضهم البعض من مُوْقِ العين.
- فستانك جميل، يا نجا! صاح القمندان إعجابًا، ليلطف قليلاً الجو.
نجا؟ فستان؟ اتجهت الأنظار إليها: بالفعل كانت ترتدي فستانًا أسود قصيرًا وبسيطًا، يعطيها هيئة الأرملة المحزونة. كانوا كلهم مشغولي البال إلى درجة أنهم لم يلاحظوا هذا "الحدث"، ومع ذلك استثنائي! خفضت نجا عينيها خجلاً، وشدت فستانها كما لو وجدته فجأة قصيرًا جدًا.
- هل رأيتم، واصل الضابط، أنا، خلعت لباسي العسكري!
هذا، لاحظه الكل. كان لهم كلهم رد الفعل نفسه، البارحة، عندما لمحوا اللباس الكاكي، التراجع مبعثه. لم يكن من المستحب أبدًا معاشرة جندي من جنود "تساهال"، وعند وصولهم إلى قاعة المطعم هذا الصباح، وجدوا في تبديل اللباس فألاً حسنًا، حتى أنهم كانوا شاكرين له عدم إخفاء وضعه. كان الضابط قد قرر الاختلاط بالسياح ليمضي من عطلته بعض الأيام، والجهود التي يبذلها لانبساط أسارير جيرانه كانت البرهان، لكن كان الانفراج الخجول من وراء تدخله قصيرًا. إذا ما كان الجو جليديًا حتى الآن، صار سيبيريًا عندما ظهر يوسف عند قدم الدرج.
قطع كل واحد حركته، ملعقة أمام الفم، فنجان في اليد، سكين على الخبز. كان يحمل حقيبته الضخمة، ويتمايل من قدم على قدم، لا يعرف أي سلوك يسلك. انتهى به الأمر إلى السعال، ضائقًا:
- صباح الخير جميعًا!
أجابته همهمة غامضة.
- شهية طيبة! حاول مرة أخرى. لا أظن أني سأتناول طعام فطوري، لا أدري لماذا، أشعر بالغثيان هذا الصباح.
وقفت نجا، وهي تقفز، مستاءة، ولجأت إلى المطبخ.
- آه! ربة البيت تهرب مني! خطير هذا! سأرى ما يجري.
نظر إلى سالومون، وهو يتظاهر بمن لا يرى أو يسمع، ولم يحاول الإمساك به عندما اتجه يوسف بقدم مترددة نحو عرين نجا، بعدما وضع حقيبته في مكتب الاستقبال.
- أوصيكَ بها، قال لصموئيل مشيرًا إلى حقيبته.
لو أَمَّلَ منه رد فعل من طرفه، لخاب سعيه: لم يتحرك صموئيل كالتماثيل.
طرق باب المطبخ. لا جواب. أخذ نفسًا عميقًا، وتجرأ في فتح الباب. كانت نجا واقفة، وهي تعتمد على حوض المطبخ. أشاحت بوجهها عنه لما رأته يدخل:
- اخرج من هنا! ألا ترى أنني في عز أشغالي!
- نجا، مدام شارون، انظري إليّ... رجاها. أؤكد لك أنني لم أكن سيء النية بالنسبة إليك، كنت أريد قضاء عطلة طيبة في تل أبيب. صدقيني، إيجاد غرفة فندق في هذه المدينة الشيء الأصعب في العالم لعربي!
بقيت لنجا هيئتها العنيدة دومًا.
- واعلمي أنني لا أحب إطلاقًا استغلال ثقة الناس، هذه الثقة قيمة مقدسة عندنا، لكني والله العظيم وراس يهوه لم أستطع فعل غير هذا. نجا! قولي لي ما تريدين لتسامحيني! إذا كان الأمر يسعدك، أنا على استعداد لاعتناق الدين اليهودي! هل يرضيك هذا؟
آه! رفعت كتفيها! هناك ما هو أفضل!
- بتعرفي إيش بكلفني اللي بقوللك اياه! من جهة تانية، وأنا أمعن النظر في هذا، لا يستطيع المسلمون إنكار عقيدتهم، بينما يمكن لليهود اعتناق الإسلام.
- أنت تضحك عليّ أم ماذا؟ انفجرت نجا أخيرًا. هل أنت في صدد أن تقول لي إن بإمكاني اعتناق الإسلام؟ أحلى الأحلى هذا!
- لا، لا! تنهد يوسف رافعًا يديه علامة الاستسلام. أنت تؤولين كل شيء غلط، لم أشأ أبدًا الاعتداء على مشاعرك. أعتقد أن من الأحسن أن أذهب. أشكرك على كل ما فعلت من أجلي، واعْذِريني مرة أخرى لهذا الحادث...
خرج من المطبخ مرتبكًا، ولو انتظر ثانية واحدة أكثر، لرأى نظرة نجا تنعم. عندما قامت بحركة باتجاهه، كان الوقت متأخرًا: كان قد أغلق باب المطبخ.
ولنفكر أن ما فعلت الأسهل في مراسم وداعي! قال يوسف لنفسه، وهو يتجه نحو صموئيل. بقيت له مواجهة رب البيت. رمى يوسف التمثال بنظرة: كان صموئيل ينتظره بنية الصمود والمقاومة. كلما تقدم يوسف منه، كان بإمكان يوسف أن يحس فيزيائيًا قوة حقده، كما لو كان يدخل في دائرة من النار. عَسْكَرَ أمامه، وفتح فمه. لم يترك صموئيل له الوقت للفظ أقل حرف و، دون أن ينظر إليه، وضع بشراسة فاتورته على المَبْسَط. نط يوسف كما لو لطمه أحدهم، ثم بحث في جيبه ليجد ما عليه دفعه من مبلغ. فحص صموئيل الأوراق النقدية بعكس الضوء، ليتحقق من كونها ليست مزورة، ورماها في الجارور، وهو ينخر.
نهض من وراء مكتبه متثاقلاً، فأغمض يوسف عينيه، وهو على يقين أن الآخر سيعيد له الصرف بلكمة على وجهه. لم يكن شيء من هذا، بكل بساطة أمسك الحقيبة و، بخطوة مصممة، اتجه نحو باب الخروج، ويوسف لا وقت له ليتصرف: كان الآخر قد قذف الحقيبة على الرصيف، فانفتحت ملقية بكل ما تحتوي عليه.
عندما دخل الفندق، انزرع أمام قاعة الطعام، ونظرته مليئة بالتحدي، مستعدًا لمواجهة إنكار الزبائن الآخرين. أبراهام وحده من أبدى عدم رضاه بهز رأسه، فعاد صموئيل راضيًا إلى مكتب الاستقبال، وراح يلمّع اللافتة بعصبية.
- "ممنوع للعرب وللكلاب"، همهم. مع ذلك، الأمر واضح!
أخذ يوسف طريق الخروج، وكرجل واحد، نهض النزلاء الآخرون ليحيطوا به. ألقى يوسف عليهم نظرة حائرة: كانوا كلهم هنا، حتى المتكبرة ميريام، حتى الحيوي بنيامين، ومونيكا، وجاد والآخرون. حتى سالومون! تعانق الرجلان بعينيهما، وفي الأخير، مد سالومون يده التي شد عليها الآخر بحرارة. رافقوه حتى باب الخروج، وهم يهونون عليه بضربات الصداقة على كتفه، فأحس يوسف بقلبه ينتفخ من الشكر والعرفان.
- شكرًا، يا أصدقائي، شكرًا، أنا لن أنسى أبدًا ما فعلتموه من أجلي.
أخذوا جميعهم يجمعون أشياءه التي نثرتها الريح هنا وهناك، وهم يقومون بتعليقات مستاءة من السلوك المشين لصموئيل.
- لا تزعلوا، طمأنهم يوسف، أنا معتاد!
كما لو كان ذلك يطمئن له القلب بالفعل...
- هيه! يوسف!
كان القمندان من يناديه.
- هيه! يمكنني أن أفعل شيئًا لك، قال. إذا كنت مستعدًا لدفع الثمن، أقترح عليك غرفة في الشيراتون، ما رأيك؟
- أنا لا أفهم، تلعثم يوسف، منذهلاً.
- هادا سهل مع بطاقة ضابط "تساهال" التي لي، أن تكون عربيًا درزيًا أو صينيًا، كل شي ممكن، يا عزيزي! إذن، ماذا تقول؟
- أعتقد أنها فكرة جيدة، عمل يوسف أخيرًا.
استُقبل جوابه بصيحة من الفرح جماعية، وكان دور القمندان في العناق، وشد اليد، والضرب على الكتف. استغل أبراهام الفرصة ليهمس في أذن سالومون ومهبول:
- إذن؟ هل رأيتم ما يخدم ألا نهاجم ضابطًا خارج قاعدته؟
هز الرجلان رأسهما. بصراحة، ما أبصراه من مشهد سيمدهما بمادة للتفكير لأسابيع.
- وإذا ما أتينا كلنا لنحجز الغرفة، قمندان؟ اقترح جاد فجأة.
- سيمون، اسمي سيمون!
- يعيش سيمون، يا...
- يعيش!
- يا...
- يعيش!
- يا...
- يعيش!
- يعيش، يعيش، يعيش!
- هَدّوا، هَدّوا! احتج سيمون محمرًا. أظن أنه من الأفضل أن أذهب وحدي، وإلا اعتقدوا بأنه هياج شعبي. لكني أقترح عليكم أن نلتقي كلنا معًا على الشاطئ، من هنا لنصف ساعة. أدعوكم لأكل بوظة.
- يعيش، يعيش، يعيش، للبوظة! صاح جاد من جديد. أنا ماشي! وأنتم؟ سأل ملقيًا نظرة دائرية على الآخرين.
كانوا موافقين كلهم. اقترب يوسف من سيمون، وقال له:
- سيمون، أشكرك على كل ما تفعله من أجلي، فهي عطلتي الأولى التي آخذها منذ زمن طويل، وأنا مسرور لاستطاعتي التمتع بالشمس والبحر عدة أيام زيادة، كالكل.
- تمام، يا ولدي، تمام، اترك كل هذا عليّ.
رآه الفريق الصغير، وهو يبتعد نحو الشيراتون، وكل واحد منهم يهز رأسه علامة الإعجاب. يا له من شخص شجاع، على كل حال!
- وإذن، أنت لا تحرم نفسك من شيء، يا يوسف! عمل جاد مصفرًا. الشيراتون! أود لو أكون عربيًا، أنا كذلك!
- على عينك! تغضن يوسف. لا، أنا أمزح!
أخذ الموكب المَرِح طريقه إلى الشاطئ، ولم يتأخر سيمون عن اللحاق بهم. ألح جاد ويوسف على رفعه على كتفيهما، وحملاه حمل المظفرين حتى بائع البوظة، رغم احتجاجاته. أخيرًا وضعاه جذلانيْن على الرمل، وتكلم يوسف بلهجته الأكثر ارتسامية متوجهًا إليه:
- سيمون، أتمنى من كل قلبي أن تعين جنرالاً ذات يوم، ثم رئيسًا للوزراء. سيكون حدثًا ما بعده حدث إذا كان رجلٌ يحب العرب ولا يفكر فقط في شن الحرب ضدهم أن يعين رئيسًا للحكومة. لا غرابة في الأمر، فشعبك يحب جيشه كثيرًا! لا ينام بسلام إلا إذا كان رجلٌ قوي على رأسه، جنرال أو بطل. بلا هذا، إسرائيل لن تكون إسرائيل، وحياة الإسرائيليين لن تكون سوى سلسلة متواصلة من نفس الكابوسين: كابوس عرفات وكابوس عرفات!
بالطبع، لم يكن بإمكان سيمون أن يؤيد كلامًا كهذا، غير أنه وعد بالتفكير فيه. مع ذلك، أضاف:
- بصراحة، أود لو أفهم أحيانًا كيف وصل وضع بلدنا إلى كيس العُقَد هذا! عندما أراكم جالسين الواحد جنب الآخر، عَمَلَ مشيرًا إلى يوسف وسالومون، أنت العربي وأنت اليهودي، وألاحظ إلى أية درجة أنتما تتشابهان، أتساءل أي معنى لكل هذا التمييز.
- نحن؟ عمل الرجلان سوية، مَغيظيْن. أنت تجد أننا نشبه بعضنا؟
ومن جديد، نظرا إلى نفسهما ككلب وقط عاشا في خصام دائم. اللفتة الكريمة لسالومون في الفندق قد تم نسيانها، كان قد ظن أنه تخلص من الآخر نهائيًا، لكن منذ عرف أن يوسف سينزل في الشيراتون، بينما عليه هو أن يواصل لعب كوميدياه الشائنة في فندق شارون البائس، أحس بنفسه مهددًا من جديد. أضف إلى ذلك، لم تعد له مونيكا كاستثمار زراعي. لقد عاد الصراع المرير بين الاثنين.
- نعم، هذا ما أجد، أجاب سيمون ببراءة، الذي لم يكن على علم بعد بمقتهما. في كل الأحوال، أنت، عمل متوجهًا بالكلام إلى سالومون، أنت تشبه أحد أصدقاء طفولتي، صديق عربي اسمه سليمان، هذا يشبه قليلاً سالومون، ألا تجد؟ أحبه كأخ، ويجب عليّ قول إن القليل من الأشخاص في العالم أثق بهم بالقدر الذي أثق به.
- أنت واثق من أن اسمك سالومون، قهقه مهبول، وليس سليمان؟
رماه سالومون بنظرة حانقة، فسارع مهبول إلى قول:
- كسليمان المذكور في القرآن، أعني.
- أنا لا أقرأ إلا التوراة، رد سالومون بهيئة متكلفة.
- كما تشاء، يا أخي، سلم مهبول بالأمر. على أي حال، أفضل أنا سليمان، سليمان أجمل!
- وأنا، أفضل أن تسد بوزك، رشق سالومون.
بدأت نفساهما تسخنان، فنظر سيمون إلى الرجلين حائرًا. لم يكن يقصد بدء أعمال حربية كهذه، فوضع أبراهام يده على ذراعه، وأشار إليه ألا ينتبه إلا نزاعاتهما. "هفوات الشباب!" تنهد.
- هل رأى أحدكم رملة؟ تعجبت سارة. ألم تأت معكم، يا أولاد؟
أبدى إسماعيل وإسحق جهلهما بوجودها، فعجل أبراهام بطمأنة زوجته:
- لا تقلقي! لقد فضلت البقاء مع كلبتها في الفندق!
انفجر سيمون ضاحكًا، وهو يهز رأسه، غير مصدق:
- لأن فوق هذا لديكم كلبة معكم في الفندق؟ ما هما سوى ساذجين هذين الشارونين، على التأكيد! أمس، علما أنهما يؤويان عربيًا، واليوم، لم يزالا يجهلان أن هناك كلبًا تحت سقفهما! حلوه هادي!
- أنت لن تقول لهما، أليس كذلك؟ سألت سارة بقلق.
- لا تقلقي، لن أقول لهما! طمأنها سيمون مع ضحكة كبيرة. على أي حال، إذا علم الشارونان أن هناك كلبًا عندهما، وقررا طرده، سأعرف كيف أجد له مكانًا في الشيراتون، جنب يوسف، لِمَ لا؟
استُقبل اقتراحه بالصهيل العام. كان مضحكًا، هذا القمندان! عند ذاك، رأى إسماعيل وإسحق الذهاب ليلعبا بالكرة، وما لبث مهبول أن نهض، أخبرهما أنه بحاجة إلى تنشيط ساقيه، وهو يسعده أن يلعب معهما.
- لماذا؟ ساقاك ثقيلتان؟ نمت متأخرًا أمس مساء؟ قهقه سالومون الذي لم يزل عاتبًا عليه لأنه كان على وشك أن يخونه.
- نعم، سهرت على راحة كل الذين ينزلون في فندق شارون، رد مهبول على التو، كالحارس الملاك!
- و، تذكرت، يوسف، هاجَمَ "جاد" غامزًا مونيكا. هل تعرف أن مونيكا تهتم كثيرًا بالعرب، هي أيضًا؟
- صحيح؟ لكن هل تعرف أنني أهتم كثيرًا بمونيكا، أنا كذلك؟ قام يوسف بهجوم مضاد.
- إنها جميلة، أليس كذلك؟ عمل جاد مداعبًا الشعر الطويل للمرأة الشابة. لكن ليس من هذه الناحية أعني، هل تعرف أنها من حزب العمل؟
- وكيف لا أعرف؟! مكتوب على جبينها أنها من حزب العمل!
- وهل تعرف أن حزب العمل يبحث عن كسب أصوات العرب في الانتخابات القادمة؟
- طيب، وبعدين؟ بماذا يخصني هذا؟
- لا تنرفز، عَمَلَ "جاد". في حالة ما إذا أردت العودة إلى تل أبيب في العام القادم، ربما ساعدك هذا، أن يكون لك سند في حزب العمل!
- لكن كيف تسمح لنفسك بالتجنيد مكاني؟ احتجت مونيكا مرسلة ضربة مفاجئة إلى كتف جاد.
- لأن هذه هي المرة الأولى التي أراك فيها صامتة بهذا القدر! مازحها جاد. قلت لنفسي ربما كنت مريضة! بصراحة، لو كنت مكانك...
- لكنك لست مكاني، فماذا ستفعل لو كنت مكاني؟
- سأرسل أصدقاء حزب العمل تاعك ليبحثوا عن الأصوات العربية في فندق شارون، رد، وهو يطلق ضحكة مدوية. أرى من هنا المشهد: "نهاركم سعيد، يا سيدي، نعرف من مصدر موثوق به أنكم تحبون العرب، وسنكون سعداء إذا ما سمحتم لنا بمقابلتهم!"
- ولِمَ لا تقترح عليه تنظيم الاجتماع الإعلامي العمومي في فندقه، طالما أنت هناك!
- فكرة ممتازة! قولي له إن عليك إنزال مجموعة من المؤتَمِرين، وسترين إذا ما سيرفض؟
- أوقف ترهاتك! ألا ترغب في العوم قليلاً؟ سَيُنْعِش لك ذلك الأفكار!
- إذا أتيتِ معي، ذهبتُ إلى أطراف العالم، هَمَسَ بحب، وهو يقف. هيه! انتبه! رمى بلسانه مهبول، الذي راح يتوجه كالمهبول بالكرة نحو الهدف مع تحاشي الاصطدام بالخصم، وكاد يوقعه.
- هدف!!!!!!! كل ما أعطاه من جواب، تحت تصفيق إسحق، اللاعب الشريك في "فريقه".
أخيرًا، لقد نجح مهبول في كسب ثقة المراهق. كان مهبول وكرته شيئًا واحدًا، وكأن الكرة تلصق بقدمه بقدر ما تبدو عليه الرشاقة المذهلة في تحريكها. كان يستغل قامته القصيرة النحيفة للتسلل بين كل العقبات، ويضع من العناد والاستبسال ما هو خارق بالفعل ليذهب بالكرة تمامًا إلى حيث يريد. من البديهي، أمام أدلة كهذه، كان إسحق قد نسي الانطباع السيئ الذي كونه عنه في البداية. نظر إليه بعين العابدين إلى معبوديهم: لقد غدا مهبول بطلاً.
- ما الذي يجري؟ سأل الولد بقلق وهو يرى وجه بطله يتحلل. أنت لم توجع نفسك، على الأقل؟
بلى! أحس مهبول بقرص مهول في قلبه. لمح بين المصطافين ربان القارب الذي رافقه حتى الجزيرة، في ذلك اليوم، وتابعه بعينيه، فالآخر لمحه كذلك.
- هيه، أنت! صاح مهبول باتجاهه.
قرر في الحال أن يوضح للآخر أنه يستقيل، وأنه لن يرتكب أبدًا جريمة الانتحاري الذي لن يكونه، كما طُلب منه. لن يقضي باقي حياته، والقلق ينهبه، بانتظار أن يلتقطه، وهو في الشارع، رجال يأخذونه إلى مكان سري آخر، لن يرجع منه أبدًا، هذه المرة.
كانت دهشته كبيرة، عندما فر الرجل كالأرنب، وبسرعة ذاب بين الجموع. ما الذي يعنيه كل هذا؟ تساءل مهبول، وهو يفكر مدة طويلة، قبل أن ينتفض على نداء أحدهم:
- هيه، مهبول! امسك!
كان إسحق. أوقف مهبول الكرة بقدمه، وقذفها بين أكياس الشاطئ كقفصٍ أُعِدَّ هكذا.
- هدف!!!!!!! صاح بأعلى صوته. سنربح!!!
وراح يركض للشرف والعزة على الرمل، وذراعاه مرفوعتان نحو السماء علامة الانتصار، مع إسحق، وهو يفيض سرورًا، وينط إلى جانبه، مهنئًا.





الفصل الثامن

شاهد السيد والسيدة شارون رحيل يوسف من وراء الحائط الزجاجي، وشعرا بخيانة الجميع، فهؤلاء يعيشون تحت سقفهم، ويتحيزون لهذا العربي الكلب. عادت نجا تتكلم عن الأرواح العربية:
- إنها هي، شَكَتْ بأنين ونواح، إنها الأرواح العربية المسئولة عن هذا المقلب. آه! كم أنا نادمة على عدم سماعي لك! لو كنت أعرف أن صمغ الصبر سيجذب الأرواح العربية، لما بخرت الفندق أبدًا.
- أوقفي حماقاتك، زمجر صموئيل الذي كانت له هيئة قلقة. تعرفين ماذا؟ منذ قليل فكرت في شيء مهول!
- أهول من الأرواح العربية؟
ارتعدت نجا، وأمسكت أنفاسها.
- في ماذا؟ همهمت في الأخير مثبطة الهمة.
- إذا ما ضُحِكَ علينا مرة، فَلِمَ لا مرتين؟ عَمَلَ صموئيل بلهجة مبهمة.
- أنا لا أفهم، تلعثمت نجا، ماذا تعني؟
- اسمعي، طالما فكرت أنني أعرف العربي، حتى وعيناي مغمضتان، حتى على مسافة مائة متر. هادا هيك. بينما هذا اليوسي، أقصد اليوسف، كان لدي حدس غريب لما رأيته، هل تتذكرين، كنت حائرًا بعض الشيء لما رأيته يصل الفندق. لكن معلش، من العادة عندما أرى عربيًا، الأمر أقوى بكثير من هذا. كما لو أني أرى علامة منبه تضيء في الرأس، تليها صفارة تنذرني بالخطر. لكن معه، بصراحة، كان حدسًا صغيرًا جدًا لا أهمية له.
- تابع، أنا لا أرى بعد ما تريد الوصول إليه.
- هذا لأنه ليس من السهل قوله.
- أهو خطر إلى هذه الدرجة؟ تكلم يلعن د...!
- تعالي، لنجلس هناك أولاً.
جرها صموئيل نحو طاولة، وهو يبدي لها من العناية والاهتمام ما لم تعتد عليه. كان ذلك إشارة سيئة جدًا.
- إذن لنفخش البطيخة، تابع أخيرًا، إذا كان مِكشاف العرب لم يعد يعمل، أعني إذا لم أكن قادرًا على معرفة عربي كما يجب من السرعة، هذا يعني أنه ربما هناك آخرون بين النزلاء الذين تسللوا إلى الفندق.
- تقصد عربي آخر على يوسف؟ همست مذهولة.
- تمامًا! فكرت في الأمر كل الليل، تخيلي، وهناك من التفاصيل ما يُكَسِّر لي راسي.
- احكِ، أَنَّتْ نجا يغمرها القلق. أية تفاصيل؟
- أولاً، هناك جاد...
- جاد؟ قاطعته نجا بألم، أخو أبراهام؟ لا، مش معقول، إنها عائلة تستأهل العبادة! أبدًا لن يفعلوا هذا! وماذا لاحظت من شي غير دغري عند جاد؟ سألتْ، والشهقة في صوتها.
- اهدأي، عَمَلَ صموئيل بأرق صوت يقدر عليه. لا شيء يمنع أن يكون جاد شابًا، والشبان ليسوا متدينين جدًا إن لم يكونوا ملحدين على المكشوف. لكن مع ذلك، مساء أمس، عندما ذهبت به إلى غرفته مع مُشعلة النيران تلك، مونيكا، التي تحب العرب كثيرًا، وجدت من الغرابة أن يشعل الضوء في عز "شابات".
- لكننا في تل أبيب! كل الناس يأتون إلى تل أبيب ليتسلوا، لا ليعملوا "الشابات". أنت نفسك أشعلت جهاز الأسطوانات! مع كل هذه الأحداث، والقمندان الذي كان غاضبًا، لم أجرؤ على قوله لك، لكن مهما يكن! كنت مصدومة! هل تدرك ما كان سيفكر فيه جدك، لو علم أننا نلعب الموسيقى في قلب "شابات"!
أعطته كما يستأهل. عندما تتندر نجا بجد صموئيل، كانت تلك دومًا ضربة لا مثيل لها.
- تظنين ذلك؟ قهقه صموئيل. لم يكن شكلك مصدومًا إلى هذه الدرجة، وأنت ترقصين مع القمندان. هذا ما نسيتُ قوله لك!
- لكني كنت أعتقد أن هذا يسرك أن أهتم بالقمندان! زد على ذلك، مشي الحال، كما ترى: لقد بقي في الفندق!
- وتظنين أن هذا بفضلك؟
- اسمع، يا صموئيل، ليس الوقت لنتخاصم، ادعت نجا، وهي تشعر بكونها مزنوقة. أنا كمان، رأيت شيئًا غريبًا كنت أريد أن أحدثك عنه.
- شيئًا غريبًا! احتد صموئيل الذي ما لبث أن هدأ. وهذا يخص من؟
- مهبول.
- هذاااااا، استشاط صموئيل، يعمل نفسه شاطرًا أكثر من اللازم ليبدو عفيفا! وااا، ماذا؟
- يشعل الحانوكا كل يوم. ومع ذلك، نبهته، هل تتذكر، كنتَ هنا، اليوم الأول.
- صحيح، أتذكر، أتذكر تمامًا، حتى أنه فسر هذا بكونه يحب ضوء الشموع. روحي واحكي هادا للحاخام، وشوفي إيش بفكر.
- إذن، هذا يؤكِّد، أليس كذلك؟ ربما كان عربيًا؟
- ما يكدرني أنه من طراز يهود اليمن. وجاد، مع عينيه الخضراوين، بإمكاني أن أحلف أنه أشكيناز، بولوني حتى. شوفي أخوه أبراهام، عيناه زرقاوان، ومن ذاك الأزرق الصافي كثيرًا، الخاص بالبولونيين. في حياتي لم أر عربيًا بعينين هكذا، لهذا لم أبد حذرًا. إضافة إلى ذلك، هل رأيت كيف هي أسماؤهم؟ كأننا عدنا إلى عهد التوراة!
- ثم، إنهم لطيفون لا تتصور كم، همهمت نجا مرة جديدة بقلب منكسر على فكرة أن هذه العائلة المثالية ليست عائلة يهودية.
- هل تعرفين ماذا سنفعل؟
- لماذا؟ هل لم تزل هناك فكرة لديك؟
- في رأيي، لسنا على أهبة لرؤيتهم اليوم، كما هم عودونا عليه كلهم. إذا قاطعوا الأكل، فلن يدهشني ذلك. إذن هذا ما سنفعل: ستذهبين إلى الغرف لتنظيفها، وستستغلين الفرصة في التفتيش في أغراضهم. لكن انتبهي، كوني حذرة، وأعيدي كل شيء إلى مكانه بعد ذلك.
- أنت نابغة، يا صموئيل! هتفت نجا، وهي تتعلق بعنق زوجها، وتقبله بفيض.
- طيب، طيب، تذمر متخلصًا من عناقها. روحي واعملي بسرعة! إذا ما جعل الشيطان أحدهم يعود قبل ما هو متوقع صفرت لك.
- أنت؟ لكنك لا تعرف الصفير!
- طيب، قال صموئيل مضايَقًا، سأعمل لك إشارة. روحي هلأ، روحي!
ارتدت نجا هيئة المتآمرة، وهي تصعد الدرج. كانت تتوقف على كل درجة تصعدها، وتراقب أقل صوت، وأكثر ما كانت تخشى ظهور الشيطان.
بدأت بغرفة مهبول، وكأن من هنا يبدأ خط المدار القمري. أغلقت أنفها، وهي تشم رائحة العفونة، لكنها شجعت نفسها كالجندي الصغير الطيب:
- هيا، يا نجا، أنتِ رأيتِ في حياتك أسوأ من هذا!
من حسن حظها أن مهبول قد نسي حقيبته مفتوحة و، كما يبدو، لم تكن لديه حقائب أخرى. قرفصت نجا، ورفعت الثياب بأطراف أصابعها، كما رأت في آخر فيلم جوسسة على التلفزيون. أحست بصفاء البال، الآن وقد بدأت "عملية التنظيف". "سيكون جدي موشيه فخورًا بي!"، تفاجأت بالتفكير قبل أن تعود إلى القول بصوت عال:
- لكن ما الذي يحصل لي، إنه ليس جدي، إنه جد صموئيل!
أدارت رأسها نحو الباب، قلقة من أن يكون شخصٌ قد سمعها أو "شي". ولكن لا، كان الممر فارغًا. عادت إلى تفتيشها، واكتشفت في أعماق الحقيبة نسخة من القرآن، فكادت تسقط إلى الوراء.
- إذن، كان الأمر صحيحًا! طنت ساخطة. لقد ضحك علينا، بشكل أهبل القرية الذي له! وبأبويه اللذين أبادهما اليهود. وقل إني كنت على وشك أن أسكب دمعة على مصير المسكين الصغير، مصير عربي مكار وضال!
كادت تسارع بالنزول إلى الطابق الأرضي لتخبر صموئيل في الحال باكتشافها، إلا أنها كبست على الفرامل.
- بعض المهنية، يا نجا! لم تكملي بعد شغلك!
هذا كذلك، كان تعبيرًا تَعْبُدُ سماعه في الأفلام: "إكمال الشغل". قبل أن تخرج من الغرفة، ألقت نظرة دائرية لتسجل كل تفصيل غريب آخر، ثم، بما أنها لم تلاحظ شيئًا خاصًا، مرت برأسها في الممر: كانت الطريق حرة. خطت خطوات الذئب، وتقدمت من غرفة سالومون.
اقتربت من الحقيبة الضخمة، وقلبُهَا يضرب بشدة، وتعاركت معها طويلاً قبل أن تطلق أقفالها الصدئة. كان كل شيء في الحقيبة مطويًا أحسن طوي، فضاعفت نجا من تنبهها كيلا تترك تلاعباتها اليدوية عليها. بين قميصين، وجدت رسائل مكتوبة بالعربية، ثم، في أعمق ما يكون، تمرًا، وكُسْكُسًا، وهريسة. لكن أهم الأهم لها كانت الرسائل، وها هي بعد زيارتها لغرفتين تُخرج عربيين من مكمنهما، فهل تواصل جولتها التفتيشية؟ لم تعد تشعر بالشجاعة، وكانت تخشى أن تكتشف أكثر مما اكتشفت.
وعيناها تغشوان بالدمع، خطت في الممر، ومرت بغرفة بنيامين. وهو؟ لِمَ لا يكون هو، طالما نحن في صميم المعمعة؟ لم تمس نفسها حتى ولو مسًا طفيفًا فكرة أن يكون عربيًا. لكن معلش، لِتُسْعِدَ صموئيل، ذهبت على الرغم من ذلك كي تلقي نظرة في الغرفة.
في الواقع، تركت نجا نفسها نهبًا لفضول آخر، أنثوي هذا الفضول. قررت تفتيش ملابس ميريام، لا لتتأكد من أنها ليست عربية، هي كذلك، لكن بالأحرى لترى فساتينها الرائعة عن مقربة. بعد كل شيء، كان من حقها البحث عن بعض الترويح عن النفس. داعبت بنهم الحرائر المعطرة، وذهبت بها الجرأة حتى إخراج فستان لتحكم على ما يكون للفستان من أثر عليها. نظرت إلى نفسها طويلاً في المرآة، استدارت، ثنت رأسها إلى جانب، تدلعت كفتاة، قبل أن تقرر العودة إلى شغلها شغل الكافرة بالنعمة. والثياب الداخلية؟ تساءلت فجأة. أي نوع من الثياب الداخلية ترتدي ميريام لتغري زوجها؟ وماكياجها؟ هل هو ديور أم إليزابيث آردن؟
كان الإغواء قويًا، مدت نجا يدًا مرتعشة نحو الحقيبة، واستحوذت على محفظة الماكياج. تراجعت، وهي تصرخ من الهلع، عندما اكتشفت ميدالية بيد فاطمة. قلبتها: كان اسم "ميريام" محفورًا بحروف مائلة.
انفجرت نجا باكية. هادي المرّة كتير! انهارت أعصابها. كيف! الجميلة ميريام أيضًا! إلهة الحب والجمال لم تكن سوى أميرة من ألف ليلة وليلة! عبر دموعها، فتشت الحقيبة باضطراب، ووقعت أخيرًا على ما تبحث عنه: صورة في إطار، لميريام مع رجل كبير السن، أبوها كما يبدو من التشابه الصاعق بينهما، وكذلك مع امرأة وفتاتين: أمها وأختاها. كانوا يقفون أمام سيارة بلوحة أردنية، وفي الخلفية المسرح الروماني. هكذا كانت ميريام أردنية، فلنقل فلسطينية. "غير معقول، كابوس، كابوس هذا..."، همهمت.
طبعَا هذا الاكتشاف برر بوضوح سلوك ميريام المفعم بالاحتقار تجاه الشارونين. "ممنوع للعرب وللكلاب"! فبأي وجه كانت ستنظر إليها؟ وجه الصداقة؟ وجه التفهم؟ لا، كانت تعتبرهم عنصريين، كارهين للأجانب، مليئين بالأحكام المسبقة الدنيئة. قذارات مُقيئة.
خبأت نجا وجهها بين يديها، وبكت كما لم يبك أحد. بعد بعض الوقت، رفعت وجهها المغتسل بالدموع، وفكرة مرعبة تذبح روحها. ناحت:
- وبنيامين؟
اتجهت بخطوات ثقيلة نحو قاعة الحمام، لترشق وجهها المحمرّ بالماء، وتستعيد بعض الصفاء، قبل أن تواجه الامتحان الرهيب الذي ينتظرها. بنيامين...
قفزت عند اكتشافها لنجمة داوود ملقاة على حافة المغسلة. لا، بنيامين ليس عربيًا. ماذا نقول عن تلك اليهوديات اللاتي يتزوجن من عرب؟ قصص الزواج المختلط دومًا ما كانت تجعلها ترتعد. لصديقاتها اللاتي كن يحكين عن الأخريات بصوت نصف عال كما لو كن يحكين حكايات عار، لم يكنْ بإمكانها أن تعبر عن شيء آخر اللهم كل قرفها وكل استهجانها. ربما بين جميع هؤلاء العرب الذين تسللوا إلى فندقها، كان بنيامين الذي أكثر ما يستحق احتقارها.
بقلب مليء بالمرارة، أغلقت باب الغرفة. لم تزل غرفتا عائلة أبراهام. ترددت طويلاً أمام البابين. هل كانت مضطرة بالفعل إلى التفتيش فيهما؟ كانت تعلم عن باقي الزبائن ما فيه الكفاية، فلتحتفظ بجزء من البراءة لئلا تثقل أكثر روحها الحزينة. كانت بحاجة إلى الاعتقاد بإخلاص هذه العائلة التي أعلتها إلى الأوج منذ اللحظة التي وضعت فيها قدميها في الفندق، وأضاءته بحضورها.
أضناها الشك، فاستدارت تزمع النزول لتنقل لصموئيل ما اكتشفته لَمّا منعها صوت غريب يأتي من غرفة الأولاد. خفق قلبها خفقًا شديدًا، فأصاخت السمع، وهي تتمنى أن تكون ضحيةً لهلوسة، غير أن الصوت نفسه عاد من جديد بعد عدة لحظات.
فجأة، خافت، وذهبت موهبتها كمخبرة سرية أدراج الرياح. الآن، وهي تواجه المجهول، لم تكن لديها سوى رغبة واحدة: أن تصرخ بكل قواها. أن تصرخ لتجعل كل الأرواح العربية المختبئة في زوايا فندقها تهرب، والتي تنظر إليها، وتقهقه.
"نجا! هَسَّت إحداها، نحن هنا!"
"نجا! يلزمك أن تجدينا!"
"نجا! احزري أين نحن نختبئ!"
"نجا! سنقول أين نحن لزوجك!"
"نجا! نجا! نجا!"
توقفت في وسط الغرفة، وانتظرت. عاد الصوت من جديد، أكثر وضوحًا هذه المرة. كان يصل من هذه الغرفة مما لا شك فيه، وتساءلت بقلق إذا ما لم تكن رملة التي أفزعتها نجا بصرخاتها وعبراتها.
ثم حصل خدش صغير، ثم نباح، ثم... كلب، كلب في الفندق! تقدمت نجا باحتراز من قاعة الحمام: قفص موضوع على الأرض و، في القفص، كلب صغير ينظر إليها بعينين مفعمتين بالأمل، وهو يحرك ذيله. وقف الكلب على قائمتيه الخلفيتين، وأخذ يلعق قضبان قفصه. قرفصت نجا، وفتحت القفص، وكلها تحنانًا. حملت الكلب بين ذراعيها، وراحت تداعبه.
- هُون، هُون، أنا هُون، همست بمحبة.
أجابها الكلب لاعقًا يديها بكرم.
انتفضت نجا عند سماعها لخطوات خلفها، كانت رملة، بوجه يعبر عن خطأ جسيم.
- لأنكِ لا تريدين كلابًا ولا عربًا في فندقك، أوضحت البنت بكلمتين كل ما لديها.
انفجرت نجا باكية. لقد قاضتها البنت ذات الوجه الجسيم الذي تحبه، واعتبرتها مذنبة، بلا استئناف. تحت النظرة القاتمة للطفلة، أحست نجا بالعار يجتاحها.
- أنتم أيضًا عرب، أليس كذلك؟ سألتْ في الأخير، عندما هدأت دموعها قليلاً.
- نحن عرب مسيحيون، من الناصرة.
وأخرجت الطفلة ذات الوجه الجسيم صليبها من فتحة قبتها.














الفصل التاسع

رأى صموئيل زوجته، وهي تختفي على الدرج، بشيء من الارتياح. في الليلة الماضية، عَمِلَ كابوسًا رهيبًا: كان عليه أن يتبارى في لعبة الشطرنج مع عربي، وفي كل مرة كان يمد يده ليحرك حجرًا، كانت أصابعه تجمد، وتصبح صلبة بصلابة الجليد، قبل أن تأخذ بالذوبان على رُقعة الشطرنج. كان العربي يصرخ: "توقف عن توسيخ الرقعة، والعب!"، وكان صموئيل يحتج قائلاً إنه لا يتوصل إلى رفع يده، إن يده لم تعد تريد إطاعته، فيهدده العربي بحبسه في حجر البرج، ليأخذ حجرا الملكة والملك بالانتفاخ، بالانتفاخ، حتى يصلا إلى حجم عملاق، وصموئيل محشور بينهما، يختنق، ويئن: "الرحمة! الرحمة!".
في الصباح، ما كان يشعر به من انحراف المزاج بالنسبة لهوية النزلاء الحقيقية تحول إلى شك مرهق. عندما لاحظ مراسم الوداع التي خص النزلاء بها يوسف، فكر، والرعب ينهبه نهبًا، أنه العالم بالمقلوب، وعلى هذا الإيقاع، لن يكون غدًا صاحب الأمر والنهي في منشأته. عند ذاك، قرر أن يتقاسم قلقه مع نجا. صحيح نجا امرأة هشة المَكْسِر، لكنها كانت الشخص الوحيد الذي يستطيع الاتكال عليه. حتى ضابط "التساهال" صَرَمَ حِبَالَه. في لحظة من اللحظات، فكر في الانفتاح عليه، في البوح بشكوكه، آملاً أن يقترح القمندان التدخل لدى السلطات المعنية للقيام بتحقيق جاد فيما يخص نزلائه. الآن، صموئيل متأكد من أنه كان سيتخلى عنه، وأنه كان سيجعله يكابد مهانة على مهانة.
من جانب، التفاهم العام، ويا لجمال التفاهم العام الذي قام بين نزلائه، كان يلائمه، فهم خرجوا من الفندق كلهم، وتركوا له ولنجا الوقت للقيام ببعض التحقيقات. لكنه بدأ يجد الوقت طويلاً، فما الذي تفعله نجا في الطابق الفوقي؟ "أهلكتها التنظيفات، وفوق هذا، بدلاً من أن تأتي لتقول لي إذا ما اكتشفت شيئًا، تَذَمَّرَ. صه! واحد جاي!"
ارتسم شبحُ شخصٍ في الضوء المعاكس داخل إطار الباب الخارجي، فرمشت عينا صموئيل: كانت امرأة، امرأة لم يرها أبدًا في حياته. أوف! لم يكن في حاجة إلى الصفير لنجا! كانت المرأة تحمل إضبارة كبيرة، ولم تكن معها حقيبة. ممثلة تجارية؟ في مشيتها الرياضية ومصافحتها الحازمة عرف في الحال أسلوب فيما وراء الأطلنطي. "ليس هناك غير الأمريكيات اللواتي يصافحن كالرجال"، فكر خِلسة.
وكما قال، القادمة الجديدة اسمها كامرون فورد.
- ادعني كامرون، ألحت في الحال. جئت لأحكي "أشغال" مع صاحب هذا الفندق.
- أنا هو، اختال صموئيل، بينا تزلق نظرة كامرون على كرشه. أي نوع من الأشغال؟
- هل يمكننا الجلوس بهدوء أم أنك تفضل عودتي في وقت آخر؟ ربما كانت لديك أشياء كثيرة تفعلها؟
- لا، لا، لا شيء مستعجل، طمأنها صموئيل، وهو يدعوها بحركة من يده لتتبعه نحو طاولة.
جلسا جنبًا إلى جنب. في البداية، جلس صموئيل مواجهًا لكامرون، لكنها بدلت كرسيها لتجلس إلى جانبه.
- هذا أسهل، فلدي وثائق أريك إياها، أوضحت له.
فتحت إضبارتها، وأخرجت منها كل نوع من الكراسات التي صفتها بأكوام صغيرة مُرَتَّبَة على الطاولة. انتفض صموئيل عندما عرف شعار الشيراتون، بيد أنه انتظر بسكوت الباقي. الإخراج حتى الآن قد تم بحذق، وركبة المرأة الشابة لصق ركبته قد كانت مبشرة بخير جم.
- سأدخل في الموضوع مباشرة، صرحت أخيرًا وكراساتها تبتسم، أنتَ تستميلني.
يا للهول، الأمريكيات! إن قلت عنهن مباشرات، فهن بالفعل مباشرات! نخر صموئيل من المتعة.
- أريد القول، استدركتْ، فندقك يستميلني.
- فندقي يستميلك؟ أوضحي لي هذا.
- أنا أمثل المجموعة التي في عِدادها على الخصوص سلسلة فنادق شيراتون، نحن قادة السوق الدولية للفنادق، ومجموع المبيعات لمجموعتنا تعد بمليارات الدولارات، أضافت مشيرة إلى كومة الكراسات الأولى من اليمين.
استنتج صموئيل أنه ملف "المالية: ميزانيات وتقديرات سنوية".
- لن أثقل عليك في عرض الصحة المالية الجيدة التي يتمتع بها الشيراتون، أنت تعرف الشيراتون، أليس كذلك؟
- تمام المعرفة، أجاب صموئيل بكثير من الهدوء والوقار.
- لقد علمنا باقتراحات الشراء التي عرضت عليك، لا تسألني كيف، فهو سر المهنة، عَمِلَتْ، وهي تضع إصبعها على فمها بشكل مثير جنسيًا.
- حتى تحت التعذيب؟ همس صموئيل في تجويف أذنها.
- حتى تحت التعذيب! قهقهتْ. بالاختصار، على كل حال، نحن نعلم أيضًا أنك لم تستجب لها، ونحن نهنئك على ذلك. ما سنقترحه عليك يساوي ألف مرة أحسن!
- أنت تعرفين كيف تطيلين المتعة! أنا أموت من عدم الصبر لسماع الباقي! أي كلام من فم هو أجمل ما يكون، لا يمكنه جرحي!
- ليس هذا ما أرمي إليه. وإذن، بما أن اقتراحي على ما يبدو يستميلك...
- لكنك لم تقولي بعد شيئًا!
- آه، صحيح! يجب عليّ قول إنك تربكني كثيرًا! إذن، جئت لأقابلك كي أقترح عليك شراء فندقك. سعرك سيكون سعري، بلا نقاش. لدينا مشروع تغيير البناء بسواه، عَمِلَتْ واضعة إصبعها على الدوسية "هندسة". يعني نحن نرغب في هدم فندقك كي نُعِدَّ سطحًا جديدًا نبني عليه عِمارة تكون بمثابة فرع للشيراتون. أنت تفهم تمام الفهم أن مكان فندقك أمثل ما يكون لتحقيق ذلك.
استمع صموئيل إلى هذا العرض بصمت. لو كان جده موشيه، لرمى في إضبارتها "خليط بليط" كل الأدب النسائي للسيدة الشابة قبل أن يشير إلى باب الخروج، لَمَا وَسَّخَ فمه بلفظِ أقل كلمة، لكنَّ جدَّهُ لم ير عربًا على الإطلاق في فندقه. "اتركني وشأني، يا جدي، لمرة واحدة، فقط لمرة واحدة!".
- هل تحلم؟ سمعها تسأل سريعًا.
حمحم، وأجاب سريعًا بالمثل:
- أنت تجعلينني أحلم على التأكيد!
- هل أواصل أم أنك سمعت ما فيه الكفاية؟
- لماذا، هل هناك إضافة؟
- طبعًا، قهقهت بمرح. يجب عليّ أن أخبرك أعظم خبر. سيكون لك قسم من الأسهم، وقسم آخر سيذهب للفلسطينيين.
- للفلسطينيين؟ زأر صموئيل. إذن أنتِ لم تستعلمي جيدًا، في هذه الحالة! ليس عليّ اقتراح مثل هذا النوع من الاستفزازات! التقسيم الوحيد الذي سيكون بيني وبينك، بدي أَأُول، بيني وبين الأمريكان. إياك أن تعيدي الحديث معي عن فلسطينيين! فليذهبوا ليعملوا اقتراحات شراء في البلدان العربية، هناك فنادق للبيع في كل مكان!
- كم دَمَّكْ حامي، يا ألله! هتفت كامرون معجبة. ويا للحيوية!
- حيوية أنا؟ اضطرب صموئيل. أحيانًا أعيب على نفسي كوني كثير السذاجة، هل ترين؟
- لكني أحب الناس السليمي النية مثلك، طمأنته كامرون، يمكننا أن نعمل فريقًا رائعًا، أنا وأنت! يمكننا أن نشتري قليلاً قليلاً كل فنادق إسرائيل، وحتى غزو كل سوق الشرق الأوسط!
- نعم، زاد وزايد صموئيل، وهو يأخذها من كتفيها، سنعمل شريكين فريدين.
- زيادة على ذلك، إذا ما...، وشوشته في أذنه.
- آه! كامرون، كامرون، لن تعرفي كم أنا سعيد برؤيتك هنا!
كان يثني رأسه نحوها، مادًا شفتيه نحو شفتيها. في تلك اللحظة تحديدًا، سُمعت خطوات على الدرج، فاعتدل صموئيل على كرسيه، وهو يتمنى ألا تكون نجا قد فاجأته. تظاهر بالفُضول لأجل معرفة نتيجة التحقيق:
- إذن، هل وجدت... ماذا؟ صَرَخَ، كلاب في بيتي؟
كانت نجا تحمل الحيوان الظريف بين ذراعيها.
- لا تصرخ هكذا، إنها كلبة رملة! أنت تعرف كيفهم الأطفال، إنهم يحبون الحيوانات كثيرًا! لم يكن لها قلب لتنفصل عن كلبتها، حتى لأسبوع عطلة. ثم، ألا تجد "إنْهَا بتجنن هادي الكلبة"؟
- لا، يا نجا! أنا لا أجدها تجنن أبدًا! قال صموئيل بلهجة حازمة.
رملة التي لجأت خلف نجا ما أن أعلى صموئيل نبرته. كانت تخنق شهقتها، ونجا تشدها إليها لتخفف عليها.
- مقفل عليها في قفص منذ عدة أيام، حتى أنها لم تر الشاطئ: مع هذا، من حقها ذلك! أليس كذلك، يا رملة؟ لِلُد الحق في الاستمتاع بالصيف، وأنتِ كذلك التي تحرمين نفسك لئلا تتركيها وحدها! هذا ليس عدلاً. أليس كذلك مدام... لمن لي الشرف؟
- فورد. كامرون فورد. أنا أمريكية، وأجريت اتفاقًا مع زوجك لهدم فندقكم وبناء فرع للشيراتون وذلك بترك نصف الأسهم لكم.
بلا وثائق، بلا أكوام صغيرة، بلا ابتسامات، أوجزت كامرون بجملة واحدة فحوى محادثاتها الطويلة مع صموئيل.
- وأنا، ماذا تعملين برأيي؟... لا!
- نجا، يا ملاكي، رجاها صموئيل، لكن إيش اللي ماخدك؟ أنت لن تدعي فرصة ذهبية كهذه تفلت منك؟
- لكني كنت أظن أننا حللنا مسألة البيع منذ زمن طويل! هل نسيت؟ وجدك موشيه، ماذا سيقول؟
- بَسْ بَسْ بَسْ، خليني! اتركيه حيث هو، هذا! واحكي لي بصراحة: أنتِ لم تنوي أبدًا بيعه، هذا الفندق؟
- لا، كذبت نجا، أنا متعلقة به كثيرًا. أحب استضافة الناس، استقبال السياح! أحب أن يشعروا بالراحة عندي!
- لكن، نجا، هل نسيت الأرواح العربية؟
- منذ متى أنت تؤمن بالأرواح؟
- نجا، يا حبيبتي، أنت على التأكيد مُنهكة بعد هذا الأسبوع المرعب. ربما كان عليك الذهاب لترتاحي!
- على العكس، لستُ أكثر مني ارتياحًا طوال حياتي. فهمتُ هذه الأيام الأخيرة أشياء فاتتني حتى الآن.
- لكن، عماذا تتكلمين، يا نجا؟ لم أعد أعرفك!
- ربما، تدخلت كامرون منزعجة، ربما عليكَ أن تطلب منها السعر الذي تريده؟
- ما السعر الذي تريدينه، نجا، قولي رقمًا، حتى ولو وجدته باهظًا!
- سأكون واضحة إذن. ليس هناك أي سبب يفرقنا عن هذا الفندق، وأقل أن نقبل بهدمه، الآن وهو يمشي جيدًا، ونزلاؤنا عادوا. وعندما أتكلم عن نزلائنا، أعني بالتأكيد، نزلاءَنا اليهود.
غمزت رملة غمزة متواطئة، ورملة تضمها بكل قواها بين ذراعيها الصغيرتين.
- أنا لا أقول إن الأمر سهل كل الأيام، تابَعَتْ، لكن الآن، على أي حال، أنا واثقة من أن الأشغال عادت، وأن فندقنا على طريق النجاح.


















الفصل العاشر

في بهو فندق شيراتون، طغت الأحاديث الهامسة والخطوات الصامتة على كل لغط آخر، والتفّت بجو لذيذ من الهواء المكيّف. كان يوسُف يرتاح في أريكة بيدين ممدودتين، وعينين لا يعييهما النظر إلى الداخلين والخارجين، وكأنه ما انفك يعيش في الخيال، وكان من النساء من كل الألوان، وكل الأحجام، السمراوات والشقراوات، الطويلات والقصيرات، المحجبات والمعرات، اليابانيات، الأمريكيات، الروسيات، الفرنسيات، باختصار، أغرب كتالوج مما يستطيع تقديمه الاختلاف الأنثوي للذوق الرجّالي. وواقع أن ترى نفسك بين جدران قلعة الشيراتون يخلق تواطؤًا سريًا، لكنه أكيد، بين أناس يعرفون أنهم من نفس العالم، عالم الترف والمال.
تنهد يوسف حبورًا، لو قالوا له إن عطلته في تل أبيب ستتخذ مثل هذا الوجه، لانفجر ضاحكًا، ولوصف صاحب المُزاح بالجنون. مع ذلك، إنه هو، يوسف، الموجود هنا، المُعطي أجوبته بحركات من رأسه صغيرة، احتفالية، للتحيات التي توجه إليه عند المرور إلى جانبه. وإنه هو، يوسف، الذي تقلب أمس على سريره الضخم من ناحية إلى ناحية، وهو يصهل من سطوة الضحك. ثم برم الغطاء الحريري حول جسده، ورقص على إيقاع الموسيقى المنسابة من الراديو، قبل أن يسترخي على السرير، بوجهٍ منتشٍ.
بعد ذلك، ملأ المَغْطَس بالماء، وأفرغ فيه ملء قنينة من الرغوة. زلق في الغيم ببهجة و، مدفوعًا بشعور مُسْكر بالحرية، راح يغني "عائشة عائشة..." بأعلى صوته، وهو يدق على الحواف، وهو يلاحظ برضاء أن لا أحد جاء يطرق عليه الباب، أو الجدران: كانت الواحة بعد صحراء الضياع التي لا أول ولا آخر لها.
ساعة فيما بعد، خرج، وارتدى المئزر المطرز بشارة الفندق. تفاخر أمام المرآة، وأعطى لنفسه هيئات المُهم، وهو يكاد يغشى عليه من الضحك كلما قطّب الوجه أو غضّنه. آه! كم كانت الحياة حلوة! نام نومًا عميقًا، ونهض في الصباح، وكله دهشة من وجوده هناك. فكر طويلاً، وهو ينعم في سريره اللذيذ الرخاوة، ليتذكر كل أحداث البارحة.
وهو في أريكته الآن، هناك ما شد انتباهه، فأصاخ السمع. ظن أنه سمع اسم فندق شارون في الحديث الدائر بين شخصين يجلسان خلفه، اسم فندق شارون هنا، ولا أحد يذكر الأبالسة في جنان النعيم! استدار بحذر، وتفاجأ برؤية يهوديين أرثوذوكسيين من بين أوراق نبات الزخرفة، بلحية سوداء على الذقن، وقلنسوة سوداء على الرأس. أصاخ يوسف السمع أكثر ما أمكنه، وأكثر فأكثر غدا وجهه مظلمًا.
- مش معقول، همهمَ، يُعِدَّانِ اعتداءً على فندق شارون!
خفض الرجلان نبرتهما، وكلم أحدهما الآخر على حافة أذنه. لكن يوسف سمع ما يكفيه، فعلى ما يبدو جابت سُمْعَةُ فندق شارون الآفاق: منذ توقيفه، شاع أن فندق شارون ملجأ كل العرب التائهين في تل أبيب، بحثًا عن فندق يستقبلهم بمحاباة، وقرر المتطرفون اليهود أن يعملوا منه رمز كفاحهم، هم كذلك. "لكن ما لهم جميعًا ورموزهم، تساءل يوسف، مذعورًا. والحياة، هل هي رمز أيضًا، أم حقيقة؟"
تظاهر يوسف بقراءة الجريدة الموضوعة على الطاولة الصغيرة أمامه، وقلبه يضرب بقوة على جدران صدره. من طرف عينه، راقب سِرًا حركاتِ الآخَرَيْن. عندما نهضا، انتظر يوسف أن يختفيا في المِصعد، لينهض بدوره، ويأخذ الطريق إلى غرفة الهاتف. قلد صوتًا جسيمًا مبالغًا فيه، عند سماعه لصوت صموئيل، وطلب الحديث إلى مهبول.
استمع مهبول إلى توضيحاته صامتًا، وطمأن يوسف: النزلاء ينوون "البكنكة" سويًا على الشاطئ، اليوم، ليقاطعوا مرة أخرى مطعم الفندق. نجا عليها الذهاب إلى السوق، في الصباح و، بعد الظهر، قررت الذهاب لترى صديقاتها، فهي زعلانة زعلاً شديدًا من زوجها لتحتمل مقابلته في ممرات الفندق. لم يكن مهبول من طراز الأبطال، لكنه تكلف بإبعاد صموئيل. سيجد حجة من الحجج.
إذن، في أسوأ الأحوال، سيكون الفندق فارغًا طوال النهار و، إذا قرر الآخرون ضرب الفندق في اليوم نفسه، فلن تكون هناك ضحايا. وافق على أن يتكلف يوسف بمنعهم من إلحاق أي ضرر:
- انتبه إلى نفسك، يا خوي الكبير! أوصاه.
- لا تقلق عليّ، إنها مساهمتي الشخصية في إقامة السلام في هذا البلد. يجب عليّ أن أقفل: أرى الملتحيين يقبلان.

* * *

في نفس الوقت، عرف سليمان، على الشاطئ، شخصيتين مقلقتين: الشيخ وربان القارب. بَدَّلَ الشيخ جلابته وعمامته بلباس عمومي، غير أن على الحالة أن تكون خطيرة حتى يخاطر بالحضور مكشوف الوجه وسط هذا الحشد من الناس. كان اسمه يتصدر قائمة الأشخاص الجد الخطرين الذين يبحث عنهم الشين بيت والموساد. غلى دم سليمان، فعزم على أن يعرف أكثر عن سبب وجودهما هنا. وضع نظارته الشمسية، واقترب أكثر ما أمكن من الرجلين. أخذ ذلك من الوقت نصف ساعة، بقدر ما كان يأخذ حذره منهما كيلا يأخذان حذرهما منه. سمع منهما كلامًا بلا رابط، فقال سليمان لنفسه مرتاحًا: "تمت المرحلة الأولى بنجاح". فكر أن من يراهما يعتبرهما شاعرين يتحدثان عن ضخامة البحر ونورانية السماء. لكن واحسرتاه! كان واثقًا من أن لا شيء من هذا، ولِشِعْرِهما كان رجع أغاني القتال.
فرش منشفته على الرمل، وتمدد. خبأ وجهه خلف قبعته، وعَمِلَ عَمَلَ النائم. قلبه يقرع جدران صدره قرع الطبول، وقلاعه ترقص في الريح رقص الظاهر الكاذب.
أصاخ السمع، ووقف على ما جعله يرتعد هولاً: ليس فقط هم قرروا استغناءهم عن مهبول لتفجير فندق شارون –عينوا شهيدًا آخر ليقوم بذلك مكانه-، لكن إضافة إلى ذلك، هم قرروا تصفية مهبول. كان السبب المحدد لوجودهما على الشاطئ، فهما على علم كامل بعادات مهبول، وهما يعرفان أنه لن يتأخر عن الظهور بين لحظة وأخرى. بدافعِ رُعْبِهِ، حاول سليمان النهوض على التو، والركض إلى الفندق ليخطره بالمصير الذي ينتظره. ربما كان الوقت متأخرًا، فعلى مهبول أن يكون هنا في مثل هذه الساعة. تمنى سليمان بكل قواه أن يكون الداهية مهبول قد وقف على الخطر المحدق به بتنبيه حاسته السادسة، فلا يبقى له سوى المبادرة بإنقاذ فندق شارون ونزلائه. سيمون! كان من اللازم عليه أن يجد سيمون بأسرع ما يمكن! لن يصدقه أي شرطي إسرائيلي، إلا إذا كان ساذجًا بالفعل، أن يُبلغ عن مواطنيه.
أَعَدَّ تراجعه. تمطى طويلاً كما لو استيقظ لتوه، واستغل عبور فتاتين لينهض دفعة واحدة. اعترضهما طالبًا منهما معلومات عن العلب الليلية في تل أبيب، جَمَحَتا في البداية، وبعد ذلك انطلقتا في وصف ليالي المجون، لياليهما. بعد مسافة عشرة أمتار، عندما تركهما سليمان دون أن يقول لهما مع السلامة، تابعتاه بعينيهما متحيرتين. لكن لماذا يهرب هكذا، هذا؟ لقد وَجَدَتاه على ذوقهما بالأحرى!
بالطبع، لعن سليمان نفسه، لاضطراره إلى التخلي عن مثل هذا الصيد –فتاتان تساويان مونيكا-، لكن قلبه لم يكن على استعداد للهو كالأطفال. كان عليه أن يجد سيمون بأي ثمن قبل أن يقرر الآخران التحرك.
نادي الشطرنج! وقت الفطور هذا الصباح، حكى سيمون عن ذهابه إليه. وَصَلَهُ ركضًا، وقبل أن يدفع الباب، توقف لحظة، ليسترد أنفاسه.
تفاجأ مع دخوله على رؤية يوسف في حديث بالشفاه وبالأيدي مع سيمون، وسيمون يستمع إليه بوجهِ من يحمل على كتفيه تِبعة جسيمة هازًا رأسه من وقت إلى آخر.
- يوسف! ماذا تفعل هنا! هتف مستغربًا.
- تجري أشياء خطيرة...، كشف له يوسف بصوت واطئ.
- يريدون تفجير فندق شارون! أكمل سليمان.
- كيف؟ أنت تعرف؟ هتف الآخر مستغربًا.
- نعم، سمعت حديثهما منذ قليل!
- كيف هذا؟ كنتَ في فندق شيراتون، اِنْتَ كمان؟ لكني لم أرك؟ أين كنت تختبئ؟
- فندق شيراتون؟ لكن عن ماذا تحكي؟ سمعت ناس التنظيم يتكلمون عن تفجير فندق شارون، كانوا على الشاطئ، وعرفتهم تمام المعرفة!
- هم كذلك؟ صاح سيمون ويوسف بصوت واحد. كأن لم يعد هناك غير فندق شارون في تل أبيب!
- كيف هذا، هم كذلك؟ من هم الآخرون الذين يريدون تفجير فندق شارون؟ سأل سليمان منذهلاً.
- سمع يوسف حديث يهوديين أرثوذكسيين يريدان تفجير فندق شارون ليلقنوا درسًا لكل اليهود الذين يخونون القضية المقدسة لإسرائيل!
- لا! عَمِلَ سليمان، وهو يصفر بين أسنانه. لقد تعقدت الأمور!
- ف... فكر يوسف بالمجيء لرؤيتي كي أتدخل لدى الشرطة، ختم سيمون، وهو يطبطب على كتف يوسف. فَكَّرَ أن رجال الشرطة لن يصدقوه إذا أبلغ عنهما بنفسه. عربي يبلغ عن يهود متطرفين، السيناريو شوي ملوي، فلنقر بذلك! أترى، كنت محقًا في الحصول على هذه الغرفة لك في الشيراتون! لقد أصبحتَ جاسوسي الشخصي!
- أنا، قام سليمان بهجوم مضاد، كانت لي الفكرة نفسها التي ليوسف، بلا غرفة في الشيراتون!
- سنرى هذا فيما بعد، وَعَدَ سيمون. الآن، أنا سأتلفن لصديقي روبن في الشين بيت، وأنتما ستتأكدان من أن فندق شارون فارغ، وخاصة أن مهبول يعرف بكونهم يريدون قتله.
افترق الرجال الثلاثة، يوسف وسليمان من ناحية، وسيمون من ناحية. على الرصيف، نظر يوسُف وسليمان إلى بعضهما البعض: لقد نسيا أنهما يكرهان بعضهما، هذان الاثنان!
عندما وصلا إلى فندق شارون، كان مخبرٌ من الشين بيت قد أعلم الشارونين بما يجري، وقررت نجا، التي يبكتها ضميرها، أن تتفاهم مع زوجها حول الموضوع، فأجلت زيارتها لصديقاتها إلى يوم آخر. شدت نفسها على صدر صموئيل، وهي تختنق من البكاء. من ذا الذي يحقد عليها إلى حد التخطيط لقتلها بتفجير فندقها؟ حاول صموئيل التخفيف عنها بأفضل ما يقدر عليه، وهو يستمع إلى شرح رجل المخابرات.
لما رأى يوسف، قطب حاجبيه. ها هو يأتي ازدراءً بي، هذا! لكن رجل المخابرات أضاف معلومة مذهلة، فهز صموئيل رأسه، غير مصدق، وسأل:
- هل يمكنك الإعادة، من فضلك؟ لم أفهم جيدًا ما تقول؟
- قال لي سيمون إنه الرجل الذي وجد له غرفة في الشيراتون، هو من أبلغه، بخصوص اليهود الأرثوذكسيين.
- لم يعطك تأكيدات أكثر؟
- هو! هتف سليمان مشيرًا إلى يوسف، هو! إنه يوسف، من طردتَهُ من فندقك، هو من أنقذ حياتك!
بقي صموئيل صامتًا لمدة طويلة، والنزلاء يعودون بصحبة مهبول، لا جُناح عليهم، وهو؟... وانتهى الأمر بنجا إلى دفعه بكوعها:
- رُحْ، يا صموئيل! شجعته.
أخيرًا، تقدم صموئيل من يوسف، ومد له يده. بعد لحظة من التردد، شد عليها الآخر بحرارة.
- أهلاً وسهلاً بك في فندق شارون، صاح صموئيل مهللاً، أهلاً وسهلاً بكم!
- أهلاً وسهلاً بنا، صاحوا كلهم.
- والآن، سأعد "جولاشي"، حسب طريقة جدتي! صاحت نجا. هذا المساء، سنقيم أجمل احتفال في كل تاريخ فندق شارون!
- وكُسْكُسْ! طلب سليمان.
- وفلافل! طلب يوسُف.
- ومهلبية! طلب مهبول.
- طيب، طيب، كل ما تريدون! صاحت، وهي تنفجر ضاحكة. وهل تعرفون ماذا؟
- ماذا؟ أجابوا كلهم في جوقة واحدة.
- انظروا إليّ جيدًا!
استولت نجا على اللافتة، وقذفتها في صُندوق القُمامة، تحت تصفيق الجميع.



الكتابة بالفرنسية عام 2003 باريس.
الكتابة بالعربية الخميس الموافق 2015.06.18 باريس










أعمال أفنان القاسم

المجموعات القصصية

1) الأعشاش المهدومة 1969
2) الذئاب والزيتون 1974
3) الاغتراب 1976
4) حلمحقيقي 1981
5) كتب وأسفار 1988
6) الخيول حزينة دومًا 1995
7) كوابيس 2013

الأعمال الروائية

8) الكناري 1967
9) القمر الهاتك 1969
10) اسكندر الجفناوي 1970
11) العجوز 1971
12) النقيض 1972
13) الباشا 1973
14) الشوارع 1974
15) المسار 1975
16) العصافير لا تموت من الجليد 1978
17) مدام حرب 1979
18) تراجيديات 1987
19) موسى وجولييت 1990
20) أربعون يومًا بانتظار الرئيس 1991
21) لؤلؤة الاسكندرية 1993
22) شارع الغاردنز 1994
23) باريس 1994
24) مدام ميرابيل 1995
25) الحياة والمغامرات الغريبة لجون روبنسون 1995
26) أبو بكر الآشي 1996
27) ماري تذهب إلى حي بيلفيل 1999
28) بيروت تل أبيب 2000
29) بستان الشلالات 2001
30) فندق شارون 2003
31) عساكر 2003
32) وصول غودو 2010
33) الشيخ والحاسوب 2011
34) ماكبث 2011
35) ساد ستوكهولم 2012
36) شيطان طرابلس 2012
37) زرافة دمشق 2012
38) البحث عن أبولين دوفيل 2012
39) قصر رغدان 2012
40) الصلاة السادسة 2012
41) مدينة الشيطان 2012
42) هنا العالم 2012
43) هاملت 2014

الأعمال المسرحية النثرية

44) مأساة الثريا 1976
45) سقوط جوبتر 1977
46) ابنة روما 1978

الأعمال الشعرية

47) أنفاس (مجموعة قصائد أولى – ثلاثة أجزاء) 1966
48) العاصيات (مسرحية شعرية) 1967
49) المواطئ المحرمة (مسرحية شعرية) 1968
50) فلسطين الشر (مسرحية شعرية) 2001
51) الأخرق (مسرحية شعرية) 2002
52) غرافيتي (مجموعة قصائد فرنسية) 2009
53) غرب (ملحمة فرنسية) 2010
54) البرابرة (مجموعة قصائد أخيرة) 2008 – 2010

الدراسات

55) البنية الروائية لمصير الشعب الفلسطيني عند غسان كنفاني 1975
56) البطل السلبي في القصة العربية المعاصرة عبد الرحمن مجيد الربيعي نموذجًا (جزءان) 1983
57) موسم الهجرة إلى الشمال للطيب صالح 1984
58) البنية الشعرية والبنية الملحمية عند محمود درويش 1984
59) بنيوية خاضعة لنصوص أدبية 1985 – 1995
60) دفاعًا عن الشعب الفلسطيني 2004
61) خطتي للسلام 2004
62) شعراء الانحطاط الجميل 2007 – 2008
63) نحو مؤتمر بال فلسطيني وحوارات مع أفنان القاسم 2009
64) حوارات بالقوة أو بالفعل 2007 – 2010
65) الله وليس القرآن 2008 - 2012
66) نافذة على الحدث 2008 - 2012
























فندق شارون رواية مقتبسة عن سيناريو كتبه أفنان القاسم، وهي كوميديا خفيفة حول ثيمات المؤلف المفضلة التي قاربها في باقي أعماله: حماقة العنصرية، دكتاتورية المظاهر، قوة الدُّعابة...

إنها حكاية فندق في تل أبيب، فندق شارون، مهدد بالإفلاس منذ بناء فندق شيراتون قربه، تنعقد حبكتها حول المنافسة بين الشارون والشيراتون، وشارون هو الذي سيغلب. لم يعد السيد والسيدة شارون، صاحبا الفندق، يعرفان ما يفعلان لجذب الزبائن عندهما، خاصة أنهما يعارضان بعنف وشراسة فكرة استقبال العرب، مما جعل فندقهما العائلي الصغير في وضع لا يسمح له بمنافسة فندق شارون الباذخ.

في اللحظة التي استسلما فيها للأسوأ، أي بيع فندقهما، بدأ الزبائن يأتونهما بشكل غريب، مجموعة من الشخصيات الراقية في ألوانها، وفي رأسها فكرة واحدة: قضاء أحسن عطلة ممكنة في تل أبيب... عندما تكون عرببًا، وتكون موضوعًا للرفض لا لذنب إلا لسحنتك القذرة! قليلاً قليلاً سيكتشف الشارونان منذهليْن الهوية الحقيقية لزبائنهما، لكن ما وقع وقع، فبدأ الشارونان بربط علاقات الصداقة بمعظم زبائنهما، وهؤلاء الزبائن هم الذين سينقذون الفندق، في آخر الأمر، من انتقام المتطرفين من كل نوع، يهود أو عرب.








* أفنان القاسم من مواليد يافا 1944 عائلته من برقة قضاء نابلس له أكثر من ستين عملاً بين رواية ومجموعة قصصية ومسرحية ومجموعة شعرية ودراسة أدبية أو سياسية تم نشر معظمها في عواصم العالم العربي وتُرجم منها اثنان وثلاثون كتابًا إلى الفرنسية والإنجليزية والإسبانية والروسية والعبرية، دكتور دولة ودكتور حلقة ثالثة من جامعة السوربون ودكتور فخري من جامعة برلين، أستاذ متقاعد عمل سابقًا في جامعة السوربون ومعهد العلوم السياسية في باريس والمدرسة المركزية الفرنسية وجامعة مراكش وجامعة الزيتونة في عمان والجامعة الأردنية، تُدرّس بعض أعماله في إفريقيا السوداء وفي الكيبيك وفي إسبانيا وفي فرنسا...





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,003,236,432
- هذه هي حقائق أحداث باريس
- الاستفتاء على الدستور
- مدام ميرابيل النص الكامل
- قائمة السفراء الثانية + تعليمات إلى كافة السفراء
- قائمة السفراء الأولى + رسائل من حكومة غزة ومعان
- تشكيل الحكومة الانتقالية
- تأسيس حزب الديمقراطيين
- أريد اقتسام الأردن مع إسرائيل
- يا أمريكا أريد أن أكون خليفة!
- أبو بكر الآشي النص الكامل
- إني أحذّر!
- مقارنات عاجلة بين رائف بدوي وعبد الله مطلق القحطاني
- مليار دولار صدقة لله يا محسنين!
- العصافير لا تموت من الجليد النص الكامل
- العصافير لا تموت من الجليد القسم الثالث الفصل السابع والأخير
- العصافير لا تموت من الجليد القسم الثالث الفصل السادس
- العصافير لا تموت من الجليد القسم الثالث الفصل الخامس
- العصافير لا تموت من الجليد القسم الثالث الفصل الرابع
- العصافير لا تموت من الجليد القسم الثالث الفصل الثالث
- العصافير لا تموت من الجليد القسم الثالث الفصل الثاني


المزيد.....




- إسرائيل تعاقب كاتبا فلسطينيا معتقلا بسبب رواية
- اليزيدي يهاجم ابن كيران ردا على عبارة - هذاك العلمي قليل الح ...
- فوز بنشماس يغضب البيجيدي.. والشيخي :-سنتجه الى مزيد من العبث ...
- محكمة ترفض شكوى تشهير تقدمت بها ممثلة أفلام إباحية ضد ترامب ...
- محكمة ترفض شكوى تشهير تقدمت بها ممثلة أفلام إباحية ضد ترامب ...
- فنزويلا تدعم حلا تفاوضيا لقضية الصحراء المغربية
- كاستانير وزيرا جديدا لداخلية فرنسا
- فرنسا: تعديل وزاري يشمل حقيبتي الداخلية والثقافة
- ويل سميث يمازح جمهوره من أعلى برج خليفة (صورة)
- فرنسا: تعديل وزاري يشمل حقيبتي الداخلية والثقافة


المزيد.....

- جدلية العلاقة بين المسرح التفاعلي والقضايا المعاصرة / وسام عبد العظيم عباس
- مع قيس الزبيدي : عودة إلى السينما البديلة / جواد بشارة
- النكتة الجنسية والأنساق الثقافية: فضح المستور و انتهاك المحظ ... / أحمد محمد زغب
- أغانٍ إلى حفيدتي الملكة مارجو الديوان / أفنان القاسم
- رواية عروس البحر والشياطين / إيمى الأشقر
- -كولاج- المطربة والرقيب: مشاهد وروايات / أحمد جرادات
- اعترافات أهل القمة / ملهم الملائكة
- رجل مشحون بالندم / محمد عبيدو
- موطئ حلم / صلاح حمه أمين
- تنمية المجتمع من خلال مسرح الهناجر / د. هويدا صالح


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أفنان القاسم - فندق شارون النص الكامل