أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - إبراهيم الوراق - تجديد المسار... أي دور للمنبر.؟ رقم 4















المزيد.....


تجديد المسار... أي دور للمنبر.؟ رقم 4


إبراهيم الوراق
الحوار المتمدن-العدد: 4946 - 2015 / 10 / 5 - 13:26
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


ثامنا: بعد أن ألمحنا إلى أن المنبر يعبر عن نبض الأمة، ومزاجها، واعتدال صحتها، أو سقمها، فلا بد أن نحاول البحث عن السر الذي فقده المنبر حين ضاعت منه مفاتيح اللغة الهادئة، والناعمة، وصار محلا لتجريب هوس الذوات المدنفة بالكراهية والانتقام من العدو المغاير، المخالف، وهو إما حقيقة جلية، وحاصلة، أو هو شيء متخيل، ومتوهم، ترسخه نظرية المؤامرة التي يهلل لها الخطباء في كل تفسير يشرح سبب ما طرأ على المجتمعات من تغير في الفكر، والممارسة. ومن هنا، فإن ما تستنتجه بحكم تولينا لمهمة الخطابة أكثر من عقدين، لا يجعلنا نرتاح لما آل إليه وضع المنبر، والتجأت إليه وظيفته من تدن في المستوى، ورداءة في الطرح، وعتمة في النظرة. لأن احتياجنا إلى المنبر جزء من الضرورة القائمة فينا، ولا نطيق الاستغناء عنها، لا لأنها تفضي بنا إلى ما نأمله في واقعنا من تحسن أوضاعنا الحياتية، والمعيشية، بل لكونه يسبب في تهدئة هوج ذواتنا، وأحلامنا، وأخلاقنا، ويرسخ لدينا مفاهيم الأمل، والرجاء، والأمن، والاستقرار. وتلك ضرورة من ضروريات الوجود التي لا يحق لنا أن ننزاح عنها، إذ لا يمكن لنا أن نعيش في خضم الأحداث الضاغطة علينا بآلام قلقها، وضجرها، ونحن لا نجد لنا موقعا نتفيأ في ظلاله نسيم الآمال العريضة في الطبيعة، والكون، والوجود. وإلا، نزحنا عن خصوصيتنا الآدمية، وغدونا جزءا من المادة، والآلة، لا نتحرك إلا بأزرارها، وأوضارها، ولا نهدأ إلا بضياعها، ونسيانها. فلو توقف بنا القدم عند هذه المحطة التي نتجرع فيها غصص الحياة بلا ترياق نشفي به عقد واقعنا، فأي فضل للإنسان في نوازل هذه الحياة الغامضة الملامح.؟ لعل فقدان حركة الذات المستعرة بحب الخلود بين غوائل المادة الصلبة أمر مستساغ ومقبول في منطق الأشياء المحبوبة، والمرغوبة، لكن سحق حركة الوجدان والمشاعر والعواطف والأحاسيس والغرائز والنوازع في ماهية الإنسان المندفع نحو عنفوان أريحيته العريضة، لا يمكن قبوله بأي وجه من الوجوه، لأن الإنسان في مكنون طاقته ومهارته وقدراته مترع بالإحساس الذي يتفاعل به مع الأشياء سلبا، أو إيجابا، بل الإحساس برغبتها الجامحة في ظهورها، هو الذي يهبها حياة هائلة، ويصنع منها قيمة سامية، ويجعلها مؤثرة في تركيب الحقيقة، وتكونها في رحم الطبيعة. ولذا، فإن سعار السعي بين مناكب الأرض من أجل تسخير نواميسها، وتعمير أمدائها، واستثمار مجالاتها، واستغلال خيراتها، هو الكبد الذي يميز بين أحيائنا، وأمواتنا، ويفصل بين كسلنا، ونشاطنا، لأن حياة الإنسان جزء من حياة الأرض. وما لم تحط روحها بإيمان، وأمان، فإننا سنعيش لحظة الموت البطيئة، ولو بدا لنا أننا نملك مفاتيح خزائنها، وعلومها، وهي في حقيقتها لم تتجاوب مع استشراف رغباتنا، ونزواتنا، بل أصرت على عنادها، ورفضها، ومكسها، وأصررنا على تخريبها، وتدنيسها، وتلويثها، وسواء ما كان في ذلك إفرازا لحروبنا، وصراعاتنا، أو ما كان نتيجة لفكر متخلف، ومتجدف، ومتكلف، لا يبني أساس الحاضر على نماء المستقبل، بل يبتلع ما عثر عليه بين يديه، وكأنه سيعيش في غده بلا خلف، ولا نسب. ومن هنا، فإن طبيعة الاجتماع، وما يفرضه من تزاحم المصالح، والمنافع، لا يغنينا بصراعه حول الموت والحياة عن تطلبات شيء كامن في ماهيتنا، وحقيقتنا، بل لا بد لنا من وجود أماكن مقدسة في اعتبارنا، واحترامنا، ننزاح إليها في لحظات اشتداد الألم، والشقاء، فننداح بين رياضها، وحياضها، لكي نشم من رائحة الوجود معنى، وجدوى. وما لم تكن لنا هذه المرافئ التي نقدسها في ملكوت الأرض، فإن التباس الحقائق في سعي الإنسان نحو الكمال، وامتزاج كأس الحياة بدموع الورم، لن يخلق منا أناسا أسوياء، يقدرون الآخر، ويعترفون بحقه في الحياة، والطبيعة. وتلك هي وظيفة المساجد، والمعابد، ودور أساس للمنبر، وللوعظ، لأنه يخفف من ضغطة الواقع، ويسكن هوج الذوات، ويمنحها التفاؤل، والطوبى. وما لم تقم المنابر بهذا المطلب المستور في رغبات الإنسان، فإنها ستكون جزءا من ماهية الصراع، لا مأمنا يقي من لوثة النزاع حول البقاء. وإ ذاك، فلا مجال لراحتنا، لكي نرتاد صفاءه، ونعتاد نقاءه، فنتحدث عن قدسيته، وطهارته. وإذا صارت المنابر رقما من أرقام معادلة الصراع الصعبة، فإنها ستفرق، وستمزق، ولن يصير لها دور في ترتيب بيوت الذوات المتضجرة من واقعها بما يقتضيه ذكر الله، والتذكير به. بل سيكون كلامها تنفسيا عن عقد نفسية واجتماعية أرادت أن تزج بعموم المستمعين في حروب طاحنة، تخلع ولاية ذا، وتثبت ولاية ذاك، لكي يكون ذا هو المتحدث باسم الإله، وذاك هو المتحدث باسم الشيطان. وإذا كان المنبر بهذا المستوى الرديء من المذهبية، والطائفية، فإنه لن يكون محلا مقدسا، ولا مكانا آمنا، ولا مرفأ ننصرف إليه عند طلبنا للإجابات الشافية عن أسئلة ماهيتنا، وهويتنا. بل سيفجر ذا هذا المعبد، وذاك هذا المعبد، وحينئذ لن يجمع لنا شتات، ولن يلتئم لنا صف، ولن نحس بأن لنا منجى نؤوب إليه عند شدة العناء، والشقاء. وحين تعترينا مثل هذه الزلازل المدمرة، فإلى أين المفر، وقد جبن الإرهاب في وجه سيده المحرك لزناده، وجشع بشجاعته في التقتيل، والتدمير، لكي يمنح من راهب الدير صك الغفران، أو الشهادة.؟
إن أول شيء سنفقده حين لا يُحجم الإخلاص في ذكر الله سعير الخطيب الذي يحرق البلاد، والعباد، هو هذا المنبر الذي نريد سماع صوته البريء من علل الصراع، والنزاع، لأنه وإن عبر عن الإحساس المشترك لدى الأمة المهزومة بخلافاتها العقدية، والدينية، فإنه قد غالى في صناعة الكراهية للآخر، والحقد على كل ما خارج عن الدائرة، ومخالف لنمطها، وسياقها. وثانيا، سنفقد هدوء المصلي، وطهارة ذهنه، وقداسة عقله. لأنه سيصير متخما بألفاظ تخفف علة فتنته الهوجاء، ولكنه سيغدو مثخنا بمعان لا نفاذ إليها في واقع لا تحركه الأفكار الذابلة، ولا المواقف الهائجة، بل تحكمه قوة طاغية من المؤسسات الاقتصادية، والسياسية، وهي التي تخطط لحاضره، ومستقبله. ومواجهتها لا تتم برص العبارات الرنانة، ولا بصوغ القصائد الطنانة، بل برغبة حقيقية في تغيير مكنون الذوات المحطمة الأوصال، والأعضاء، ومعرفة ما جثم على العقول من أدواء تصرفها عن جدية التفكير، وقوة العزيمة، وعنفوان الحركة. وكل هذا لن يتم إلا بمراجعة المنطلقات التي تبتدئ منها خطواتنا نحو الأمام، وسواء في ذلك ما استقر في بواطننا من أوساخ الأفكار، والآراء، أو ما استفزنا في ظواهرنا من أدران الأخلاق، والسلوك. وحقا، إن مراجعة المبادئ، والقواعد، والكليات، لن يتركنا تائهين فيما سيأتي علينا من زمن المأساة، بل يكفيه أن يعلمنا كيف نواجه ذواتنا التي هي أس التغيير، وكيف نقاوم أفكارنا التي تضرم سعير الخوف في واقعنا، وكيف ننازل حوادث حياتنا بواقعية تصرفنا عن كثير من غرورنا، وكبريائنا.
والأغرب أننا إن لم نطق مصارحة ذواتنا بما كمن فيها من علل، وأمراض، فإن حركتنا ستبقى مشلولة، لا أثر لها على الواقع، ولا على حركة الإنسان نحو اللحظة السعيدة التي يبحث عنها بشغف، ولهف. وحينئذ سنغرد خارج سرب الحضارة، وسنغني على رميم الأمجاد، وحطيم الأطلال، وكأننا نعزف قيثارة الحزن على جبل أصم، لا يسمع نجوانا، ولا يأبه بشكوانا. ومن هنا، فإن مواصلة هذا النوع من الخطاب، سيؤثر بنتيجتين سلبيتين، لهما ضرر على كيان الأمة الأمة ومصيرها. الأولى: هي بُعد الوصول إلى ما يعد به المنبر من تغيير للذوات، وللواقع. ويتجلى لنا ذلك في قول الخطباء على المنبر، وهم في هوس الانتظار لشيء مجهول العين، والأثر: والله لو طبق المسلمون الإسلام في الصباح الباكر، فإن الله سيمطرهم في المساء المتأخر. هكذا يصرخون، ويبكون، ويضربون على ذلك ذلك مثلا بالسودان التي طبقت الشريعة، فحماها الله باحتياجها الذاتي من المعيشة، وغدا ستكون صادراتها في الغد حماية للأمة من سبة الفقر، والجوع.! فهل هذا صحيح في جلية الحقيقة.؟ كلا، لم يكن هذا من الناحية الموضوعية إلا نوعا من الهذيان الذي تدندن به الحركات الإسلامية، من أجل كسب المنتمين إليها، والمتعاطفين معها، ولكنه في الوقت نفسه يصنع اختلالا وارتباكا يؤثر في توازن العقل، والفكر، والرؤية. إذ السودان، لم تفقد وحدتها إلا عند صعود الإسلاميين إلى سدة الحكم، ولم تتمزق مكوناتها إلا عندما اعتلى منبرها مدع يدعي الخلاص في عقيدته، لا في حركته الذاتية، والاجتماعية، ولم تضيع تعدديتها إلا حين فشت لغة الإقصاء، والحرب، وأخفقت المرجعيات في عقلنة تخبط الإيديولوجيات حول إقامة مشروع وطني، يعبر عن هوية متعددة لكافة الزُّمر والأطياف المشكلة لمكون الدولة الجماعي، والتاريخي. ثانيا: صناعة وهم الانتظار في عقلية المصلين بأمنيات فارغة من التشخيص الموضوعي لحال الأمة، وواقعها، ومستقبلها. وهذا الوهم، هو أفتك سلاح يقتل العزيمة ببطء، ويربطها بعالم المعجزات والكرامات التي لم تتحقق بها في التاريخ دولة، بل كانت دليلا على العلاقة الرابطة بين الفرد ومبدأ العقيدة في ذاته، وحياته، ولم تكن عنوانا جماعيا على تحقيق حلم المجتمع في الحرية، والعدالة، والمساواة. ولذا حاربت المنابر المغالية بتقديس أنموذجها الفئوي خطاب العقل، ونابذته، وصارمته، وجعلت هذا الهتاف المتهافت دليلا على العلم، والتقوى، والصلاح. وهنا تسربت طفيليات مميتة إلى ميدان الخطابة، وهي غير مرتاحة في نفسها، ولا مريحة في حديثها، بل تسترت بهذا الإحساس المشترك للأمة، فحولت خطاب المنبر إلى فوضى عارمة، ولغة القلب إلى أهواء تتجارى بالكاسدين بين دروب الإحباط، واليأس. ولعلي لا أنسى بين سلسلة ذكرياتي ما دهمنا في تلك السنوات التي كنا نميز فيها بين المنابر، فنقول هذا منبر السلفيين، وهذا منبر العدليين، وهذا منبر الحركيين. هذا من جهة، ومن جهة ثانية، فقد المنبر رونقه، وجماله، وصارت اللغة العربية التي احتفظ عليها المنبر تسلخ على أعواده، وتكشط بين أعين المستمعين، وضاعت معها تلك النفحة التي تفوح من معين التراث، والتاريخ، والحضارة. وهنا، ظهرت اللغة الأمازيغية، واللهجة العامية، وغيرها من اللهجات، وصار العامة يحجون نحو هذه الأصوات المصلصلة بالوعد، والوعيد، والمجلجلة بالعذاب، والنار، ويؤمون تلك الأماكن التي تزيح عنها غلالة هموم الحياة بأوهام شائكة وكروب العيش بأحلام هادرة، وتمنحهم خوفا، ورعبا، وحزنا. فإما قائم بأمره بلا رغبة، وهو ينتظر نهاية الكون، وإما قائم بأمره برعاية، ولكنه ينتظر قيام تلك الدولة الدينية التي تقتل الغني، وتحيي الفقير، وتجعل أفراد الكون سواسية، فلا حاكم، ولا محكوم، ولا وطن، ولا مواطن، بل الكون كله سيعيش بدون نظام، ولا قانون. كلا، بل الشاة ستسير من بعبلك إلى حضر موت، لا تخاف ذئبا، ولا لصا. تلك هي اللحظة التي عشناها نائمين بين عالم مستفيق على توطيد سيادته الحضارية، والتاريخية. فياليتنا لم نعش هذرمة هذه اللحظة البائسة، لأنها حصرتنا في خندق ضيق، وفوتت علينا فرصا ثمينة في المعرفة، والطبيعة، والخلود. ولولاها لأدركنا أننا نحمل مرض التفوق والتميز في عقولنا التائهة، وظنوننا الحائرة، ولأيقنا بالضياع في عالم لا نمتلك فيه إلا نفسية مغلوبة، وهوية مهزومة، ولأثبتنا أن ما نعول به من خلاص منتظر، ما هو إلا تجل للاغتراب والتخلف والارتباك والجمود الذي صرفنا عن الاستنارة بنور الإنسانية، والكونية.
وهكذا، فإن استئثار فئة دون غيرها على المنبر، لم يخلق في الواقع فكرا موحدا، ولا وجهة معينة، وإنما نسج للأمة لباسا فضفاضا، لا يمكن لبسه، ولا زواله، لأنه قد أولجها غيابات الاختلاف، وجب الاحتراب، فتشاجرت، وتناحرت، وغدا صوتها متبوعا لحس العامة، فإن رضوا بخطيب، أو بمنبر، كان ذلك له تزكية، وإن لم يرضوا عنه، رفضوا خطاب العقل، وسموه، وعلوه، ونكصوا عن حقيقة الإشعاع الثقافي، والحضاري، والكوني. وهنا تحول المنبر إلى أداة لاستقطاب العامة، والرعاع، والدهماء، والسوقة، ووسيلة لصيد ما في أكياسهم من مبرات، وملذات، وسببا في صعود نجوم باهتة إلى سدة الآفاق العالية، والناعمة، وهبوط جبال شامخة إلى أدنى مستويات الاهتمام، والاحترام. وذلك ما أحدث خللا في بنية المفاهيم، وفي كيل الموازين، وأربك السير العام للدين، وللعلم، وللمعرفة، بل أغرق المجتمع الإسلامي بمظاهر شكلية تافهة المحتوى، لا تدل على عمق في الإدراك، ولا على صدق في المواقف، وإنما كانت معرتها بلبلة لحقت المنبر، وزلزلة فجرت الرداءة، وزينت الدناءة، وهيجت نفوسا وعقولا لا تملك إراداتها، فضلا عن أن تقود العالم، وتسوسه، وتسوده. ولا أغالي إذا قلت: إن ما قام بهذا النوع من الخطباء من أثر سيء في بنيات المجتمع، لم يدع فرصة لخطاب الرزانة، والسماحة، لكي يستأثر بالقلوب، والأرواح، فيحدث توازنا في النفس، وفي الفكر، وفي الحياة. ولا غرابة إذا أجج هذا النوع من الخطاب المعركة بين العامة، والدولة، لا لأنه يستوعب تفاصيل ما تقوم عليه الدولة من مؤسسات وهياكل دينية، واجتماعية، واقتصادية، وسياسية، بل لكونه يغري العامة على انتظار أوهام لا سبيل إليها إلا برفع الدولة يدها عن الشأن الديني، لكي يكون محلا للأهواء التي تقود هؤلاء إلى محرقة التاريخ، والحضارة. وهذا الصراع المحتدم بين الدين الرسمي، والشعبي، ما هو إلا فيض من ذلك النبع الثر بمفردات الكراهية، والحقد، والضغينة، وسيل من تلك الخطابات المتهوكة في إرادتها، وقراراتها، والمتهوجة في لغتها، ومنطقها. ومن هنا، فإن ما جنيناه من هذه الخطاب المبستر، لم يعدنا إلى سابق عهدنا، ولا إلى سالف وعدنا، بل صرفنا عن الحقيقة التي نبحث عنها جميعا، وهي احترام ذواتنا، وعقولنا، وحرياتنا. وذلك ما فقدناه في لحظة تعج بآلاف القنوات والمواقع التي تنشر أنموذجا دينيا متحررا من قيود المعرفة، والتاريخ، لكي يكون هو السائد في أوساط تحتاج إلى فهم الضروري من دينها، والواجب عليها في عقيدتها، والمفروض عليها من شعائرها، وأخلاقها، وسلوكها. ومن هنا نتساءل: ما الذي استفدناه من هذا الخطاب المفتوح الأبعاد، والآفاق، وهو لم يحدد صيغة لما يريد، ولا صفة لما يصف.؟ وما الذي أضافه إلينا في لحظتنا الراهنة، ونحن قد صارمنا زمننا الوجودي، وفاصلنا إطارنا الجماعي، والتاريخي، والحضاري.؟ لو قلنا بأننا تجاوزنا مرحلة تلك العلاقة الجدلية بين الشيخ، والتلميذ، فإننا نصنع علاقة لا يرتبط فيها المتدين بسلسلة غير مرتبة المفاهيم، والمعاني. لأن إفراغ عقول العامة من تقديس المعرفة، والعلم، واحترام أهلها، وذويها، لن يملأها إلا بتضخيم الجهل، والدجل، والخرافة. وتلك سبة أخرى خلقها المنبر في زمن يشهد انتقالا نوعيا من احترام الأشخاص الاعتباريين إلى احترام القانون، والقيم الإنسانية، والكونية. وأنى لها أن تعاند هذا المركب المحدد لهويتها المتأصلة مع ما يطبع الكون من نظم، وقيم، وقد رأت بملء عينها كيف تحرق أبناءها بين مجاهل الصحراء الفاتنة بوعد مهديها المخلص للبشرية، وهي لا تملك سوى الحزن والألم على فلذات أكبادها التي تغتالتها الفتاوى الجائرة، والمفاهيم الكابية. ؟ إن إحداث الخلل في البنى المعرفية، والفكرية، والثقافية، وتحريك السواكن، والثوابت، وتعقيد البسيط، وزرع الكثرة في الوحدة، ليس من خصوصيات المنبر، ولا من سبله، ولا من أدواره، بل هو نتاج بحث فلسفي أكاديمي له بحاره، وربان سفنه، وأدلة طرقه. وما دمنا لا نحترم خصوصية نوع الخطاب المطلوب منا، فإننا سنتيه بين المنبر الديني، والمنبر السياسي، وبينهما، وبين غيرهما من المنابر الأخرى، وإذ ذاك، سيكون الاختلاف موردا لنا، لأننا إن لم نفصل بين الديني والسياسي في خطاباتنا الموجهة إلى عموم المستمعين، فلا محالة، سنعثر على رجل دين يريد حظوة من الحياة بتسلطه على منبر السياسة، وهي في حقيقتها صناعة المستحيل، وتختلف باختلاف التوجهات المتعددة في ميدانها الممرع بالصراع والخلاف حول تحديد البدايات، والنهايات، كما سنعثر على رجل سياسة، يبتغي كسب منصب بنزوه على منبر الدين، فيكون خائنا لعقل الأمة، ومصداقيته، وموضوعيته، لأنه لم يأت السياسة من بابها، ولا الدين من بابه. وهنا تكون المفاصلة بين أنواع الخطاب ضرورية، حتى لا يستحوذ خطاب مقدس على خطاب مدنس. وذلك لن يتأتى لنا إلا بمأسسة الشأن الديني، وإخضاعه لأجندة محددة، وأطر قانونية، وإفراغه من محتويات الصراع الإيديولوجي حول هيكلة المواقف وقف نمط معرفي أو سلوكي ملائم للحياة المدنية.
إن إضافة بعض الحركات والزعقات إلى لغة المنبر، لن تفيدنا في حاضرنا، ولا في غدنا، ولن تدفع عنها ما نعانيه من ويلات في واقع مرتبك الخطوات، والعناوين، والمعاني، بل سيوقفنا عند محطة لا تتجاوز ظاهرة الصوت الباكي، والاعتداد بالمركزية في الوجود، ولا تتعدى حزن هذه الذوات التي يجسد المنبر بؤسها، ولؤمها، ولا تتخطى هذه الصور المفجعة في أمتنا المثقلة بجراح السنين، والمثخنة بآلام البنين. فكيف سنحرر أمتنا بهذا الخطاب التي لا ينبني الفكر، ولا المعرفة، ولا يؤسس للغد برؤية الحاضر، ولا يتفاعل مع واقعه بما ورثه من قيم تاريخه، وحضارته، ولا يتجاوب مع الطبيعة، ولا مع الثقافة.؟ ربما قد يبدو لنا هذا الخطاب العامي خدمة لرسوم المنبر، ولكنه في بعده النفسي والاجتماعي يصنع عقلية متخلفة، ومتكلسة، لا تفقه إنسانية موروثها، ولا تعي مدلول اندماجيته في واقعها، بل يصنعها بدون هوية، ولا ماهية. وإذ ذاك تفقد الدلالة، والمعنى، والحقيقة، وتخسر لحظتها التاريخية بين فواجع كارثة محدقة، لن تكون حياة إلا لمن عرف كيف يدبر ما بعدها من خلق، وإيجاد. لأن عموم المصلين سيفقدون مع الزمن مصطلحات اللغة العربية الطرية بمعانيها الثقافية، ويفقدون معها جزءا من ذاكرتهم، وحيوتيهم.، وشخصيتهم، وواقعيتهم. بل الأغرب أن ذلك سيساهم بنصيب في ضياع حياء الخطيب، وهيأته، وهدوئه، وفصاحته. بل الأغرب أيضا في ذلك، أن الخصوصيات الدينية والتاريخية والحضارية ستضيع مع هذه المظاهر المشوهة، والممسوخة. ولا غرابة إذا غدا العامة يطلبون خطيبا على مقاسهم، لكي يعبر عن أحزانهم، وأوجاعهم، وأمراضهم. فيكون ذاما، وسابا، ولعانا، وشتاما، وبكاء، لعلهم يشعرون بالوجود الذي عدم في ذواتهم، وواقعهم. وأي فائدة في لهجة يتحادثون بها، ويتخاطبون بها، وهم في لحظة ذكر الله يسمعون طنينها بين صراخ، وبكاء، وعنف، وتمطيطات، وزعقات، وأدعية تخلق بؤر الصراع في النفوس الضعيفة، والعقول الهزيلة.؟
إن الآفة التي حصلت في هذه اللحظة التاريخية بين مسارات الدين، والفكر، والثقافة، هي التي تجعلنا نطرح السؤال بعنفوان القصد، والرغبة، فنقول: أي دور للمنبر.؟ إذا كنا نرى بمقياسنا ومعيارنا أن أهم دور للمنبر، هو صناعة الوعي بالدين، وبالتاريخ، وبالحضارة، فإن أهم شيء يمكن أن يعتمد عليه خطاب المنبر في ترسيخ هذه المفاهيم، هو العودة إلى هذا الموروث المشترك في دائرتنا المحلية، وهو خلاصة التجربة التاريخية لأسلافنا، وآبائنا، وأجدادنا، لا تلك العودة المغبونة إلى ذلك النزيف المستورد من لا عقلانية المشرق المنفصل عنا تاريخا، وجغرافية، واجتماعا. لأننا حين نستورد صيغ وجودنا من ثقافة غيرنا، فإننا نغتصب خصوصيتنا، وثوابتنا، ومكوناتنا. وإذ ذاك، لن نملأ الفراغ إلا بضياع بين متاهات تشنقنا بأنفاسها المجافية لذواتنا، ولعقولنا، ولأفكارنا، ولقيمنا، ولتاريخنا، لكننا إذا غضضنا بالنواجذ على ما كان ملمحا لنا في التسامح، والتشارك، والتعاضد، فإننا نؤسس للحاضر على مكتسبنا في الماضي، وحينئذ، سنكون خير خلف لخير سلف. لكن إذا تركنا الحبل على الغارب، وأطلقنا الكلام على عواهنه، وهرفنا بما لا نعرف، وتزببنا قبل أن نتحصرم، فإننا نخلق الفوضى في عالم أبلته الصراعات بالبلوى، والعدوى. ولذا، لا أخالني أعدو الحقيقة إذا قلت: إن مهمة المنبر بسيطة ببساطة الحلم الذي يربطنا بالحياة الدنيوية، لأن حلمنا، هو أن لا نضيع ولا نتيه بين زمن تتعارك فيه الهويات، والماهيات. فاحتفاظنا على مكوناتنا الذاتية، وعلى شخصيتنا الجماعية، مما سيجعلنا ندرك أن كل كلام لا يؤسس لفعل المحافظة على المكتسب المحصول لنا بقوة التاريخ، لن يكون إلا سببا للطائفية، والعنصرية، والمذهبية. ومن هنا، أرى لزاما على أمتنا أن تعتبر وظيفة المنبر في خدمة الإنسان، والأرض، والنظام. وكل هذه المفاهيم قيم تفاخر بها الغرب علينا، ونحن نملكها، ولكننا أبتلينا بالرويبضة الذين أترعوا آذاننا بالتهريج، والتجديف، والزعيق، والنهيق.
وهكذا فإن حدوث الخلل في دور المنبر، هو في نتيجته ضياع لهدوء الأمة، وأمنها، واستقرارها، وفقدان لشخصيتها، وهويتها، وحقيقتها، وسلب لحريتها، وكرامتها، وعدالتها. وذلك مما يفرض علينا أن لا نستسيغ كل كلام يقوله خطيب على منبر وجد أصالة لعموم الأمة، ما دام لا يتحدث عن ذلك المشترك الذي تواطأنا عليه، وتعارفنا به، وتجاورنا من أجله. وكل زلزلة تحدث في هذه البنية، لن تكون إلا تغريدا خارج السرب، وتحليقا بلا جناح. لأن الخطيب الذي ينزف ورم صدره في صوته، وصديد حقده في لغته، لا يعبر عما هو مشترك بيننا من مشتركات، بل يقيس الأشياء بمقياسه، ثم يلبسنا لباسنا بذوقه. وتلك هي الخيانة العظمى لدور المنبر، وأمانته، ومسؤوليته. ومن هنا، فما فائدة تليين القلوب بصناعة الموت، والتعاسة.؟ ألا يوجد في نص الدين خطاب يصنع الحياة، والسعادة.؟ لو كان الخطيب صادقا في دعواه، لفجر في الذوات أملا، وفرحا، لا أن يغرق المستمعين في يم الحزن، والكآبة، ثم يتبصبص بذيله حول الموائد، لكي يلتقط الفتات، ويبتلع السؤر. لو كان الصدق مهيعا لمن ضج وعج على المنابر بهذه المواجع، والأحزان، والفجائع، لكان أول زاهد في الدنيا، وأكثر الناس رغبة في الآخرة. لكن أن يتنامى رصيده، ويتفاحش حصيده، بوساطة الشهرة التي يضيفها إليه إخوانه من العامة، فذلك مما يعتبر خيانة للدين، وللأمة. وهب أن هؤلاء كانوا صادقين في دعوى الغيرة على الملة، والأمة، فلم يتاجرون بأقاويل العقيدة، ويسمسرون بأحاسيس العامة، ثم يغدون بعد بؤس الديار أصحاب ثراء، وحظوة، وجاه.؟ لعلني أشعر بألم قد لا يشعر به غيري ممن لم يعرف خبايا هذه الدائرة التي استبدت اليوم بعقول العامة، سواء بقراءتها، أو بخطبها، أو بمواعظها، لكنني أقول وللحقيقة، وللتاريخ: "إن كثيرا من هؤلاء، لم يكونوا في هوسهم بالمادة إلا تجارا مهرة، تتهلل أساريرهم للهبات، والعطايا، والصدقات، وتكلح وجوههم للفقر، والجوع، والضنى. ولولا ما يمنحهم هذا التطاول على مكتسبنا الموروث من تاريخ تجربتنا الدينية المحلية، لهللوا بين منتجع حلمهم بما كان للآباء والأجداد من زهد، وورع، وعفة، لكن ضرع الحاضر مترع بالغرائب، والعجائب، فلا حرج إذا انتقصوا لجهالتهم ما كانت قيمته معتبرة في التاريخ، والحضارة، أو قامروا بشرف العلم على موائد الدسم اللزجة في حلوق جائعة، لكي يكونوا أبواقا للرداءة التي تدر عليهم ريعا وإتاو وأرباحا من جيوب المشارقة. فأين خصوصية الخطيب التاريخية، والحضارية.؟ وأين زهده، وورعه، ورقته، وصبره، وتحمله.؟ لقد ضاعت ربانية الخطيب بين حطام اللذات، وضاعت معه صورته الحقيقية في المجتمع، وفي الواقع، وغدا سلعة يتبضع رخيصها كل من أراد التنفيس عن غمه، وهمه، وصار مع الزمن شبيها بما يقوم به مُجان المغنين، والمهرجين. أجل، هو سلعة تحت الطلب لمن بحث عنها، وهي موجودة في كل مدينة، وفي كل قرية، وخدماتها متوافرة لمن قدم أجود الأموال. فباب الجنة في صورة وعظها مفتوح أحيانا، وأحيانا مغلق، وأحيانا يحكمون بالشهادة لمن منح العوض الوفير، وأحيانا يضنون بها على من رشح بالقليل. أشياء حقيرة، وهجينة. تتقابل في واقعنا، وهي مرض عضال يستشري بين الرعاع، والأوغاد، والأوباش. "





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,006,464,737
- تجديد المسار... أي دور للمنبر.؟ 3
- كارثة مشعر منى... أي خيار في تفسير النكبة.؟
- تجديد المسار... أي دور للمنبر.؟ 1-2
- جذور المعرفة الصوفية
- حين تلتبس المفاهيم
- ناسك في دير الحرف 1
- ناسك في دير الحرف 2
- مقالات في التصوف
- حقيقة المجرم
- مفهوم الحقيقة
- إزالة الإبلاس عن معاني الإرجاس
- أفكار مسوقة (الجزء السادس)
- أفكار مسروقة (الجزء الخامس)
- أفكار مسروقة الجزء الرابع
- أفكار مسروقة (الجزء الثالث)
- أفكار مسروقة (الجزء الثاني)
- أفكار مسروقة (الجزء الأول)
- صرخة براءة صغير
- همم الحكماء، وذمم السفهاء
- تعدد الزوجات بين فحوى النص، وفوضى اللص.


المزيد.....




- شاهد.. الإخوان: -ما يحدث في سيناء يتوقف بعودة مرسي للحكم-
- تكسير عشرات الصلبان والشواهد في مقبرة مسيحية قرب القدس
- بوتين حول من سيستخدم الأسلحة النووية ضد روسيا... نحن سنذهب إ ...
- بالصور.. الاعتداء على حرمة مقبرة مسيحية غربي القدس
- ماتيو سلفيني يفكر في الترشح لرئاسة المفوضية الأوروبية
- ماتيو سلفيني يفكر في الترشح لرئاسة المفوضية الأوروبية
- السلطات الفرنسية تغلق مركزاً إسلامياً تابعاً للطائفة الشيعية ...
- السلطات الفرنسية تغلق مركزاً إسلامياً تابعاً للطائفة الشيعية ...
- -الدولة الإسلامية- أعادت تأسيس جيش من 30 ألف مقاتل
- السلطات الفرنسية تغلق -جمعية الزهراء- الشيعية في البلاد


المزيد.....

- مَكّابِيُّون وليسَ مكّة: الخلفيّة التوراتيّة لسورة الفيل(2) / ناصر بن رجب
- في صيرورة العلمانية... محاولة في الفهم / هاشم نعمة
- البروتستانتية في الغرب والإسلام في الشرق.. كيف يؤثران على ق ... / مولود مدي
- مَكّابِيُّون وليسَ مكّة: الخلفيّة التوراتيّة لسورة الفيل(1) / ناصر بن رجب
- فلسفة عاشوراء..دراسة نقدية / سامح عسكر
- عودة الديني أم توظيف الدين؟ المستفيدون والمتضررون / خميس بن محمد عرفاوي
- لكل نفس بشرية جسدان : الكتاب كاملا / أحمد صبحى منصور
- الطهطاوي وانجازه المسكوت عنه / السيد نصر الدين السيد
- المسألة الدينية / أمينة بن عمر ورفيق حاتم رفيق
- للتحميل: أسلافنا في جينومنا - العلم الجديد لتطور البشر- ترج ... / Eugene E. Harris-ترجمة لؤي عشري


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - إبراهيم الوراق - تجديد المسار... أي دور للمنبر.؟ رقم 4