أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رائد الحواري - عبور الزمن والجغرافيا في رواية -بلاد البحر- احمد رفيق عوض















المزيد.....



عبور الزمن والجغرافيا في رواية -بلاد البحر- احمد رفيق عوض


رائد الحواري
الحوار المتمدن-العدد: 4938 - 2015 / 9 / 27 - 09:51
المحور: الادب والفن
    


عبور الزمن والجغرافيا في رواية
"بلاد البحر"
أحمد رفيق عوض
لكل روائي اسلوبه الخاص في تناول الأحداث ولكلأ منهم طريقته في دخول/عبور التاريخ، "احمد رفيق عوض" من خلال "ابو الفداء" استطاع أن يدخلنا الزمن/التاريخ/الجغرافيا دون أي حواجز، فقد اعطاه الكاتب القدره على ألعبور الزمن والجغرافيا، فمن خلال حديث "أحمد بن مسعود مع "أبو ألفداء" شاهدنا واستمعنا الى ما يجري الآن في فلسطين وما جري في المنطقة سابقا، خاصة أيام الملك الأشرف والمغول، وصلاح الدين والصليبين "فأبو ألفداء يمثل آلة الزمن للراوي، وهو من يجعله ينتقل من حدث الى آخر، ومن مكان هنا الى آخر هناك، دون أن يجعلنا نشعر بأي استغراب، او عدم منطقية ألحدث، وهذا من اهم عناصر الابداع في الرواية.
الرواية لا يوجد بها فصول/فواصل/حواجز/وقفات، ويتم الحدث مرة عن الحاضر وأخرى عن الماضي، وبطريقة مذهلة، ممتعة، فالراوي استطاع أن يفك عقدة/حالة الملل عند المتلقي من خلال هذا التنوع والإثراء للأحداث فهي عابرة في النفس ومتعة وذات فائدة معرفية وفكرية.
نقول بكل تجرد: هذا العمل الاول الذي نطلع عليه والذي استطاع أن يدخلنا الى الماضي/التاريخ والجغرافيا بطريقة ممتعة ومقنعة في ذات ألوقت، وأن يزيد معرفتنا التاريخية رابطا بين الحاضر والماضي، وكأن ما جري هناك كان يحضر/يجهز/يهيء لما يجري الآن/اليوم.
عملية سرد الاحداث قريبة او تحاكي شكل الف ليلية وليلة، وهذا ما يسحب لأحمد رفيق عوض، فجعلنا نلتهم فاكهته الروائية بسرعة وبلذة، فاللغة السهلة، فقد أبدع في عملية التشويق وربط الاحداث رغم البعد ألزمني، وكانت الفكرة المعرفية حاضرة، وأيضا الدعوة لمحاربة ألفساد إن كان في الماضي من خلال حزب "المصالحية" او في الحاضر من خلال "قاسم ابو مروان" كل هذه العناصر اسمهمت في اثراء النص، وجعل المتلقي ينحاز الى الجانب الايجابي.
الفساد
سنحاول اضاءة بعض ما جاء في الرواية بادئين بالحدث الابرز الفساد، فهو اللعنة التي تلاحق الجمتمعات والأفراد، وهو الطارد للخير ومفشي ألشر، فمن المستحيل أن يتعايش صاحب الضمير/المبدئي والشر.
اكثر من خمسة عشر موضع تم الحديث عن الفساد في فلسطين المعاصرة، وهذا يشير الى حجم النقمة التي يحملها الكاتب على الفساد والفاسدين، فنجده يعريهم ويكشف لنا سوأتهم، فيقول: "أنا من وضع كتاب "أسرار الدولة" الذي طار صيته وتبنته منظمة غير حكومية... وليس مسؤول يشبه المؤخرة إن أقبل او أن أدبر، يكرهني، فنقلني الى طابق آخر في الوزارة وسلمني أربعين الف ورقة أصحح الأخطاء المطبعية والإملائية والإدراية فيهاـ لي صديق زت زوجته مع اقرب أصدقائه فستقال من عمله وذهب الى مكة ليجاور مدى ألحياة" ص25، بهذه الفاتحة نستشف حجم الفساد وانواعه، فهو يستفحل في الطبقة المتنفذ، من هنا وجدناها تمنع أي حديث عن الفساد من خلال معاقبة الكاتب صاحب كتاب "أسرار الدولة" الذي يكشف فيه العديد من السلبيات والعوامل التي تسهم في استشراء واستفحال الطبقة الفاسدة.
وهناك مشهد آخر لهذا الفساد يتمثل بخيانة الزوجة من جهة والصديق من جهة ثانية، فكانت الضربة موجعة وقاتلة، من هنا وجدنا الزوج يقرر الهروب/مغادرة/اخلاء الوطن للفاسدين وللفاسد، فقد اصبح من الصعب مواجهته او الحد منه، كما انه اصبح يطال الانسان في كل كبيرة وصغيرة.
تفاصيل حادثة خيانة الزوجة وما تبعه من احداث يسرده لنا الراوي بهذا الشكل فيقول: "عندما اكتشف زناها مع زميل له.... فثاروا يريدون ضربه واجمعوا مع انصارهم وأعوانهم بما يحملون من عصي ومسدسات وغيرها،... وخلصوا بعد ذلك الى الطلب من صديقي المسكين الذي قضى حياته في الشتات أن يخرس، وأن يعض على حذاء، ... أنت ابن جماعة تؤويك! هذا هو الواطن، لم نتجاوز العشيرة بعد كل هذه ألهزائم بالعكس من ذلك تماما، مع كل هزيمة ساطعة وفارمة كانت تنهار التعريفات الكبرى من اجل تعريفات بيولوجية" ص110، إذن هناك حماة للفساد ومدافعين عنه، وهم يشكلون طبقة متنفذة، وتستطيع أن تفرض سطوتها على الآخرين، وان تجعلهم يعملون حسب أهوائها، وهذا يشير الى ضعف النظام الامني والقضائي في فلسطين ووقوعه تحت سيطرة الطبقة الفاسدة، فهي التي تتحكم في كل كبيرة وصغيرة، ولا تترك أي مجال/هامش للآخرين لكي يتحركوا من خلاله، فنجدهم أم "ينخرسوا" او يهاجروا، ويتركوا الفساد المفسدين يعيثون فساد في فلسطين.
بعد هذا ينقلنا الكاتب مباشرة الى الحديث عن فساد السلطة ورجالها، الذين جيروا الثورة والوطن والمواطن لتكديس الاموال ونهب خيرات فلسطين، فهم ليسوا اكثر من جامعي ثورة، وبأي طريقة كانت، ".. ويغرق هذا القائد الميداني في عمل المنظمات غير الحكومية، فيجمع أمولا كثيرة ويتزوج امرأة أخرى، ويبني بيتا في اريحا وأخر في رام الله" ص154، اذن الفساد يطال كافة رجال السلطة، العسكري والمدني، الكل ينهش في الوطن ويسلب منه قدر ما يستطع، فلا بأس أن يمتلك الشخص منزلين أو حتى اربع منازل ما دام هناك مجال وفرصة تسمح بذلك.
بعد هذا المشهد لفساد السلطة ينقلنا الكاتب الى صورة فساد المجتمع، المجتمع الذي طالما تغنى بالوحدة والوطنية وزمر لها، فها هو يتماثل بفساده مع الأفراد "تشاجرت عائلتان كبيرتان بسبب طفلين تضاربا كانا يلعبان البنانير، فقامت العائلة الاولى بقتل شخص من العائلة الثانية، فما كان من هذه إلا استباحة دوار المنارة وسط رام الله، وأظهرت من الاسلحة والغضب ما قد يفتح جبهة ضد ألاحتلال وبسبب اطلاق النار العشوائي فقد سقط قتيل آخر لا علاقة له بالأمر ص155، بهذا يكون الفساد قد استفحل في كافة عناصر المجتمع، وأصبح يشكل طبقة لها إعلامها وقوانينها، قضاءها، رجالها، فليس من السهل القضاء عليها بعد أن أخذت شكل الطبقة، خاصة إذا علمنا بعدم وجود طبقة مناقضة لها، او جهة تستطيع أن تقف في وجهها، بل العكس وجدنا الطرف المقابل يهرب/يغادر/ أو يعاقب ويتم تحجيم دوره، او "ينخرس"، وأحيانا ينساق وراء الواقعية وينخرط في اتون الفساد ويمسي ضمن الطبقة الفاسدة.

الفلسطيني
الكاتب يؤكد على فلسطينية ألحدث، المكان، الشخوص، فلسطين هي المحور الذي يدور حوله، وهو المركز الأهم بالنسبة له، من هنا نجده يعطيها كل ما لديه، فهي فلذة كبده التي لا يستطيع أن يتجاهلها، او يتجاهل ما يحدث فيها من كوارث.
الحديث عن فلسطين لا بد أن يبدأ بالشهداء، فكان أول شخصية تحدث عنا الكاتب "محمد جهاد" الذي استشهد خنقا على يد الارهابي موران أبن الزنا.
ثم ينقلنا الى الماضي، الى زمن السلطان الأشرف، الذي قال عن الفلسطيني بعد أن اكل "فريكي": "أهل فلسطين يحبون التراب والزروع" ص38، وهذه شهادة من قائد كبير، يشهد للفلسطيني بحبه للأرض والفلاحة.
ويقول "ابو الفداء" عنهم: "حبهم لديارهم عجيب، حتى ابن جبير استوقفه ذلك، إذ استغرب كيف يعمل اهل فلسطين في ضياع الفرنجة وقلاعهم، حبهم لديارهم حملهم على قبول الطاعة والانصياع للإفرنجي" ص66، هذا المشهد التاريخي تكرر حدوثه في زمن الاحتلال الإسرائيلي فنجد الفلسطيني من يقوم بعملية البناء والأعمار فهم البناءون والعمارون لفلسطين بصرف النظر لمن هذا ألبناء فكأن الفلسطيني لا يستطيع أن يكون بلا عملية الإعمار والبناء فمن خلالها يجد ذاته، وييتقرب من وطنه.
عملية تكيف، تطويع الواقع للفلسطيني أخدت شكلا غير متعارف عليه عند بقية الامم والشعوب، فيقول البروفيسور نافز من دير الأسد "لم تمر ثلاثة عقود، حتى اصبحنا ندرس الصهاينة أنفسهم في جامهاتهم ومدارسهم، وحتى صرنا نزاحمهم على كل شيء" ص117، هكذا يتجاوز الفلسطيني مأساته، ويتكيف مع الواقع، فهو مجتمع منتج، مبدع، متعلم، يستطيع أن يفرض نفسه حتى على عدوه.
أما فلسطين من وجهة نظر الكاتب فيقول عنها: "نحن لا نستطيع الفرار من فلسطين ترحل معنا في قلوبنا" ص174، فهذا توضيح لما تعني فلسطين للفلسطيني، لكن قد يبدو هذا الأمر يتعارض مع ما قام به صديقه الذي خانته زوجته مع صديق زوجها، ثم سافره إلى مكة لكن هذا (التناقض) في حقيقة الأمر يخدم فكرة النص الروائي الذي يتحدث عن الفساد والذي يكون اشد وطأة وتأثيرا على المجتمع من الاحتلال.
ويختم الكاتب حديثه عن فلسطين من خلال اصدقاء الأب الذين كانوا "يفردون فلسطين أمامهم، يمشون عليها، يسمونها، يصعدون جبالها ويلقون التحية على قبائلها ومدنها وقراها وخرائبها، لا ينسون نهرا او جدولا او مغارة او رجما دون ذكره" ص200، على هذه الشاكلة يتعامل الفلسطيني مع فلسطين فهي الغائبة الحاضرة، القريبة من القلب والعقل، هي الماضي الجميل الذي يساعدنا على تحمل نوائب الحاضر، هي الامل الذي نعيش له.
فلسطين
بعد هذا الحديث عن الفلسطيني الذي يهيم بوطنه وينكر ذاته من أجله، كان لا بد من تناول هذه الفلسطين، فهل تستحق هذا العطاء من أهلها؟، غالبية الحديث عن فلسطين جاء على شكل حكم، اقول بليغة، مكثفة، قاطعة، وكأنها كلام منزل من ألسماء "فلسطين هي الاكثر خطرا على غزاتها وعلى عشاقها أيضا،... فلسطين بلاد معشوقة، يغار منها ويغار عليها" ص77، بهذا تكون فلسطين مميزة، فهي قاتله لغزاتها من خلال ابناءها الذي يهبوا ليدافعوا عنها، وأيضا قاتله لأبنائها الذي يسقطون في المعارك لحمايتها، وهي بلاد يغار منها الآخرين، وأيضا يغار أهلها عليها من الغازين، وهنا اعطاها الكاتب صفة الأنثى، التي يغار عليها رجلها، فيجعلها/يريدها خالصتا له دون غيره، هكذا يتعامل الفلسطيني مع فلسطين، هي خاصة له لا يريد لأحد أيا كان أن يشاركه فيها.
وعندما قام أب الراوي بزيارة مدينته "قيسارية" بعد أن تم احتلال كامل فلسطين عام 67، قال: "عودة المهزوم عذاب" ص54 وهذا يماثل مع قول "أبو خلدون" لزوجته صفية في رواية "عائد الى حيفا" "أنت لا ترينها، أنهم يرونها لك" بهذا الكلام ينقض الكاتب "العودة المنقوصة" التي حصلت بعد اتفاقيات أوسلو، وكأنه يدعوا الى التقدم الكامل والواضح من الوطن، فهو لا يريد عودة، بل تقدم إلى الوطن.
يتحدث الملك الأشرف عن فلسطين فيقول: "دائما نأتي لفسطين، ودائما فلسطين تأتي إلينا، من لم يخدم فلسطين يموت، يموت كصرصار" ص92، حكمة الملك القائد، العارف العالم لطبعة الجغرافيا وأهمية فلسطين للمنطقة، فهي ليست كأي بقعة جغرافية، أهميتها ألجغرافية، ألدينية، التاريخة، الاقتصادية تفرض ذاتها على الجميع، من هنا قال هذا الكلام الشافي عنها.
ويقول عهنا الخليل بن قلاوون: "لن يدعها ظالم، ولن يمتلكها عاهر، ولن تدوم لابن كلب" ص114، وهذا الامر ينطبق على كل حكامها، إن كانوا محتلين او محلين، فهي طارده للظلم، للفسق، للفساد، للجبن، للتخاذل.
أما فلسطين الآن، في زمن الاحتلال والسلطة الفلسطينية، قدمها بهذا الشكل، "المجتمع التافه لا يهزم الاحتلال" ص112، كناية عن واقع الفلسطيني الذي يتفاشى فيه الفساد والمفسدين.
" فسلطة ضعيفة في الارض الفلسطينية تعني دجاجة تبيض ذهبا لإسرائيل ص158، اشارة الى وضع السلطة الهزيل الذي يخدم في النهاية الاحتلال والمتنفذين فيها.
خيانات كبيرة تحت اسماء كبيرة،.. جاءت الجيوش العربية لتكمل مصيبتنا، ولتحمي عروشهم، فذهبت بلادنا" ص202، تأكيد لدور النظام الرسمي العربي فيما آلت إليه فلسطين.
"عندما تفصل جنين عن نابلس، فإنك تطور لدى أهل المدينتين سلوكا ومصالح مختلفة، هل ترى قوة الحاجز العسكري الإسرائيلي" ص210، دور الحواجز في تمزيق الجغرافيا والسكان.
"فكم مقالا تقرأ في الاسبوع الواحد يكتبه حكمائهم حول امكانية زوال الدولة ومخاطرها، أي عاقل منتصر يتحدث عن امكانية زوال دولته وهي في أوج عظمتها؟" ص247، طبيعة دولة الاحتلال التي ما زالت تعي طبيعة وجودها والدور المناط بها، من هنا نجد حكمائها وساستها دائما يتحدثون عن خطورة انهيار الدولة.

المحتل والاحتلال
بما ان هناك حديث عن فلسطين والفلسطيني فلا بد ان يتم ذكر الاحتلال وأدواته، من جيش وعملاء ومستوطنين فيحدثنا موران، المستوطن وضابط المخابرات الذي قام بقتل "محمد جهاد" من خلال هذا المشهد، ".وضغط على رقبته فصار يئن كأنثى النيص، قال قبل ان يموت: استحلفك بالله.
رفع موران رأسه الى السماء الماطرة وصاح: أنا الله" ص14، هذا موران ابن الزنا، يقوم بدور الإله، فهو الله على الأرض ومن حقه أن يفعل كل شيء بالفلسطيني، "فهم يعتقدون أن الارض والبيت من حقهم، ليس بسبب القوة العسكرية فقط، وإنما باعتبارها هدية من الله، فالله يبر بوعده ومن حق شعب اسرائيل التمتع بهذه الهدية" ص73، مثل هذا الاحتلال لا يمكن ان يزال بالخطاب العقلي والمنطقي، فهناك ايدولوجيا تتحكم فيه، وتجعله ينزلق اكثر نحو العنصرية وتحقير الفلسطيني خاصة العربي عامة.
العقل الصهيوني يغير مفاهيمه كل يوما، فهو لا يتمسك بأفكار جامدة، بل كل يوم يبدل ويغير حسب الوضع ألجديد فالفكر الصهيوني لم يعد يلبي طموح المحتلين، فرغم ان هذا الفكر هو من اوجد دولة الاحتلال، وجلب كل هؤلاء الاغراب في فلسطين، نجد "موتي" يرفض الفكر الصهيوني، حيث أنه لم يعد يلبي رغبات ومصالح المحتلين، من هنا يقول: "لا ارغب في تدمير المدينة، ارغب فيها فارغة من أهلها،... أنا اكرههم كراهية عميقة، الصهيونية تفشل، تعتقد ان مشروعها العلماني سيصل في نهاية الامر الى صيغة ما مع هؤلاء، بالقوة او بالحيلة او بتغير الظروف، هذا كلام فارغ، يجب استبدال الصهيونية، فهي افكار عتيقة وباليةـ الصهيونية اقامة الدولة وانتهى الأمر الآن علينا خلق منظومة فكرية وعقائدية جديدة تليق بهذا ألقرن" ص102، إذن الصهيوني كلما اخذ شيئا ما يريد المزيد، وكلما انجز مرحلة ينتقل الى التالية، فهو شره لا يشبع، وهو كائن متغير باستمرار، اليوم يرد هذا الشيء، وبعد غد يريد ذاك، اليوم يريد أن نخدمه ونبني له المدن والمستوطنات، وغدا يريد ترحيلنا، فلم يعد له حاجة بنا.
ويحدثنا عن الجندي الاثيوبي الذي وجد زوجته في احضان شخص آخر بهذا ألسخرية "فلما وجد زوجته ألضعيفة التي لم يستطع أن يلبي لها ما أرادت بين أحضان شاب مختون، كان سؤاله الأول: هل أنت يهودي؟
استغرب الشاب السؤال، نسى عريه ألفاضح قال من دون تفكير: نعم!.
من حق اليهود أن يفعلوا كل شيء، حتى مضاجعة زوجاتنا، كانت يهوديته معلقة بعضوه" ص168، بهذا الشكل الساخر/ العجيب تعامل دولة الاحتلال من يخدمها، فرغم أن الجندي يهودي، لم يكن له الحق كغيره من اليهود في الكثير من ألمسائل، وكل هذا فقط لأنه غير مختون، فالختان شرط اساسي للانتماء للشعب الله المختار!.

خراب المدن
العديد من الاحداث التاريخية تتحدث عن الخراب، الدمار الذي حل بالمدن، أن كانت في فلسطين أم في بلاد الشام والعراق، فالهجمات الصلبيبة وهجمات التتار لم تترك مدينة او قرية دون خرابها او سبيها، فيحدثنا عن خراب بغداد قائلا: "ها هم جنود هولاكو وكتبعا، يتحركون ببطء كالقنافذ يجمعون عسكر الخليفة والرجال والنساء والأطفال في دوائر كبيرة، ... ثم يتسابقون في قطع رؤوس الناس،.. حتى صار القصر كالمهجور منذ عشرات السنين" ص49و50، هذه احد المشاهد لما قام به التتار في بلادنا فلم يبقوا حجر ولا بشر في البلاد، فالقتل والخراب جاء مع هؤلاء القوم.
وهذا ما انعكس على ملوك المنطقة الذي تأثروا بأفعال الخرب والقتل، فنجد السلطان الأشرف يأمر بتدمير عكا وخرابها بعد أن انتصر على الفرنجة فيها، "...حتى تصاعدت اعمدة الدخان والسنة اللهب تلتهم كل شيء، الابراج والاستحكامات والدور والكنائس والجثث والاحجار، استسلمت المدينة لنارها، ... قال السلطان الأشرف في اليوم الثالث للحرب: نحن نحرق انفسنا حتى يبتعدوا عنا" ص270و271، الحرق الاول (بغداد) كان بدوافع الهمجية ومحاربة الحضارة، والحرق الثاني (عكا) كان بدوافع الدفاع عن ألنفس وعدم ترك/جعل هناك غاية/مبرر للاحتلال أن يطمع في المدينة من جديد.
الجغرافيا
بما أن الكاتب استحضر التاريخ، فلا بد أن تكون الجغرافيا حاضرة، وهي من العناصر المهمة والأساسية في الرواية، فإينما كان حدث، لا بد من وجود جغرافيا، فالرواية مترعة بالجغرافيا، خاصة جغرافية المشرق ألعربي "..انطفأت انوار بغداد.. استبيحت حلب... سلم أهلي في حماة مفاتيح مدينتهم... دخل ثلاثة ملوك غاصبون دمشق المحروسة" ص28، حديث الكاتب عن الحروب الصليبية وهجمات التتار، كان لا بد أن يذكر المدن العريقة التي تم خرابها وتدميرها، فهو ينتمي لها، ويحبها كما يحب مدنه في فلسطين، فنجده متأثر ومتحسر على ما اصابها.
يتحدث القاضي عبد الظاهر بعد خراب بغداد "بغداد مقدسة، كالقدس ومكة، ملعون من لا يبكيها" ص44، هذا القول ينطبق ايضا عليها بعد احتللها من الامريكيين عام 2003، فسقوطها كان اكثر تأثيرا في نفوس الفلسطينيين اكثر من سقوط القدس، وهذا تأكيد على الدور والمكانة التي تحتلها بغداد في قلوب وعقول الفلسطينيين.
وتقول وطفاء زوجة صديق الراوي الذي سافر الى مكة، مكة ستحسم مصير العالم كله، وأن جيوش الامم ستخسف حولها، وقالت أن خراب القدس عمار مكة، وأن عمار مكة خراب القدس" ص254، هنا ربط الكاتب بين الجغرافيا العربية وواقع الحال بينها، فعمار مكة يشير الى بقاء النظام العربي الرسمي قائما وفاعلا، ومن ثم بقاء الاحتلال، وبقاء الاحتلال يعني بقاء/استمرار النظام الرسمي العربي.
طبعا هناك تفصيل دقيقة عن جغرافية فلسطين، فالكاتب يسرد لنا حتى القرى الصغيرة التي يحاول المحتل تغير أسماءها "فالبروة التي يسميها الفرنجي برويت والبصة والبعنة والبقيعة وتربيحا وترشيحا وجت ودير الاسد ودير حنا والدامور والرملة والزيب وسجور وسمحاتا التي سماها الفرنجي سوماحاتا وسخنين وشعب وعرابة وعقبا ..." ص115، بهذا الشكل يقول لنا الكاتب لا مكان لنا دون جغرافيا/مكان/ارض، فنحن وهي كالجسد وروح.

الفانتازيا
الرواية قائمة اساسيا لى فكرة الفانتازيا/الخيال، فقد استخدم الكاتب "ابو الفداء" كمعرب لترحال في الجغرافيا وفي الزمن، إلا ان هناك بعض الاحداث التي قدمت لنا تمثل صورة تقع بين الفانتازيا والحقيقة، بين الواقع المادي والروحي، بين المنطق العقلي والمعجزة، فها هو منزل العربي الذي تم الاستيلاء عليه لصالح احدى المستوطنات يتحول الى بيت اشباح، "أخذوا يتحدثون عن ارواح تسكن بيت العربي الكبير، وقالوا انهم يرون أضواء وحركات في الطابق العلوي والسفلي، وأصوات صهيل وزغاريد شرقية ونيرانا، .. وأن امرأة فلسطينية تلبس الثوب الفولكلوري الفلسطيني محلولة الشعر بيدها شمعدان ابيض القاعدة تمشي بهدوء وتنادي بصوت ناعم على رجل يدعى ابو حسن" ص74، على هذا النحو استحضر الكاتب حدث واقعي يرفضه الاحتلال الذي يتعامل بالماديات والعقلانيات فقط، لكي يؤكد أن هذه الأرض ليست لهم، , أن هناك روح فلسطينية ما زالت حاضرة وموجودة.
وعندما تم اعتقال اب الراوي واجبر على اخبار المحقق عن مكان "ابو عيسى" ذهب بهم الى قبره وهناك كان هذه ألحادثة "... فأمر الجرافة الضخمة أن تجرف القبور الأربعة وما ان تحركت الجرافة حى انفجر فيها انبوب ما، فأنفجر ثالث، قفز السائق منها، وإذ بها تنفجر دفعة واحدة، فتصيب الكثيرين، ... التقي المحقق احد دلاهقة المخابرات الاسرائيلية المتقاعدين وشرح له ألمشكلة فنصحه هذا باستخدام عملاء محلين في اقتحام ألقبر ذلك أن بعض القبور ـ لسبب ما ـ تمتلك قوة سلبية هائلة وهذا امر فوق معرفة الطبيعة والعلم والمخابرات الإسرائيلية وقام عميل محلي بحفر قبر ابي عيسى، ولما وصل الجثمان وجده كما هو، يشع ويضحك ورائحة زكية تفوح منه، ولكنه لم يجد اسلحة او ذخائر، وبينما كان العميل يحاول الصعود من الحفرة حتى علقت رجله بجذر شجرة ما تطل من التراب، فقسط بقوة، وإذا بالجذر يدخل اسفله فيقتله على الفور" ص244، هذا الحدث يؤكد وجود قوة خفية، غير مادية تقوم بالحفاظ على الارض وما فيها، فالقوة الروحية استطاعت ان توقف جرافات الاحتلال وان تقتل عميلهم، دون أن يكون هناك وسيلة/الة مرئية للعيان.
من خلال هذا الحدث والذي سبقه يؤكد لنا الكاتب ضرورة الإيمان بالقوة ألروحية كما نؤمن بالقوة ألمادية، فليس كل شيء يخضع للمادة والتفسير ألعلمي بل هناك مسائل لا يمكن للعلم تفكيكها، فهي فوق العقل والطاقة البشرية.
وعندما استشهد جواد شقيق الراوي حدثنا عن أمه بهذا ألشكل "لكنها لم تعد ترى في احلامها سوى جواد، كانت تشرب معه القهوة منتصف ألليل وفي الصباح نجد فنجاني قهوة فارغين، وكانت تقول انه يحضر لها مؤونة البيت من الزيت والزيتون، لم تعد ترى سوى جواد، حتى أنها ذكرت لنا أنه يصلي الجمعة في مسجد جنين ألكبير وبعد يومين من ذلك، ذكر لنا احد معارفنا أنه شاهد شخصا يشبه جوادا في صلاة الجمعة في مسجد جنين الكبير،...زارنا ومؤذن الظهر يكبر، قبل يدي ورأسي، وأعطاني الرسالة وطار من سقف ألبيت" ص232و234، بهذا الشكل يجعلنا الكاتب نشكك بالمنطلق والعقل البشري، فهو قاصر امام مثل هذه المشاهد والإحداث وكأنه يريدنا أن نتقدم من جديد مما كان يعتقده أجدادنا، يريدنا نؤمن/نتقدم من مفهوم الكرامة التي تمنح للبعض، فليس كل شيء يخضع للعلم والمنطق، فهناك مسائل فوق العقل، قوى خفية يتمتع بها البعض الخاصة المؤمنة، وعلينا نحن أن نتفهم هذه القوى، فهي ليست خرفة، او تهويل، بل حقيقة موجودة على الأرض وتحدث هنا وهناك، لكنها ليست عامة، بل مختصة ومحدودة بأشخاص معينين.

الأب
في هذا العمل يقلب الكاتب صورة الاب المتعارف عليها في الروايات ألعربية فيقدمه لنا بشكل إيجابي وهو بذلك يتناقض مع العديد من الاعمال الروائية السابقة، فيكاد أن يكون منفردا بهذا ألطرح فالأب في رواية "بلاد ألبحر لم يكن أبا عاديا، بل معلم، مناضل، متمسك بالحق، عارف بكل مجريات الأمور، صاحب بصيرة ورؤية للحياة، يعامل زوجته باحترام، أنه اب يحترم على كل ما فيه.
أول مشهد كان للأب على هذا النحو، "أما ابي الذي لا شبيه له في الكون، فقد اصطاد زرزورا بفخ حديدي، فلما شمه بكى ثم نشج وقال إنه مضمخ برائحة البحر الكبير، ثم اطلقه الزرزور بعد أن قبله كثيرا، وقال سلم على الحبايب" ص9و10، فهذا الاب الحنون، الذي يحن حتى على الطير، فما بالنا بالإنسان!.
ومن الصفات المميزة لهذا الأب "ابي الضخم، يتحول في لحظة الى طفل كبير وسريع ألدمعة يفرح عندما يطعم شجرة لوز ويسبح باسم الله عندما يرى شجرة زيتون مثمرة،,,, يستطيع أن يصف بالتفاصيل جميع الاراضي حول قدرون وما جاورها" ص62، فالأب مؤمن، يستحضر الله في عندما يشاهد عظمة خلقه، يعرف جغرافية البلاد.
"لم يكن ينام في البيت بقدر نومه في المقاثي على البيادر.... يتابع نمو ما نزرعه يوما بيوم... وعندما تطل اول ورقة من اوراق القمح على سطح الارض،... يتمتم بصلوات ودعوات لم اكن اسمعها جيدا" ص122، هو ايضا يعشق الارض ويعمل فيها، ويحمد الله على نعمة النماء.
أما ثقافة الاب فهو يحمل ثقافة خاصة تميزه عن كل الخلق، "الذباب لا يقع على حامض... الخيل لا تشرب إلا إذا عكرت المياه التي تشرب منها، هل شممت رائحة طائر الرقطي او الزريقي.. إن من يشم رائحة هذين الطائران سيطول عمره" ص123، فهو ينتمي للطبيعة، ونستطيع القول بأنه يعتبرها أمه التي أنجبته، من هنا نجد في حديثه عنها افكارا تكاد ان تكون اقرب الى ألحكم "عندما يعيش بالقرب منك هدهد او دوري او ثعلب، فالعالم بخير، انت تتقاسم العالم مع كل هؤلاء، انت لست وحدك، والحكيم من استطاع فهم ما تقوله تلك المخلوقات" ص147، بهذه الأفكار عن الطبيعة يدفعنا الاب الى أن نتعلم ونتفكر فيها وما عليها، فلكل كائن هدف يعلمنا شيئا ما.
وعندما تم اعتقال الاب وتعذيبه من قبل الاحتلال لم نجده يتألم، او يشكو، بل كان صامتا، لا يبدي أي ألم، وكأن الروح كانت خارج ألجسد "وخضع والدي لعمليات تعذيب غاية في الايلام دون ان تترك أثرا، لم يكن عندئذ في جسده كان يغادره الى هناك" ص242، فالأب يمتلك قدرات فوق الطبيعة ألبشرية، طاقات روحية خاصة، لا يمتلك إلا العظماء والانقياء فقط.

الشتاء والموت
يتفق "احمد رفيق عوض" مع العديد من الكتاب حول اقتران فصل الشتاء بالموت والعذاب، فيستحضر تاريخ سقوط بغداد في هذا ألزمن "هأنذا استقبل مطر شباط النزق على جلدي، وها هو برد الصحراء يهب سريعا على ألمدينة" ص44، فهنا قرن سقوطها في وقت البرد والمطر، فهما موسم الموت والخراب.
"تحت المطر الشديد والريح اللاسعة، حيث رائحة الموت النافذ" ص196، فالمطر رغم أنه يحمل الخير، إلا أن الفلسطيني ـ في احيانا كثير ـ جعله موسم للموت واللعذاب والتشرد، ولعل هذا الشعور ناتج عما خلفه الاحتلال وتشريد الشعب الفلسطيني في مخيمات يتعذب فيها ولا يجد تدفئة مناسبة تحميه من البرد.
هناك اقتراب/تماثل بيت أسم المستوطن "موران" واسم الفاسد الكبير "مروان"، ولعل الكاتب أراد أن نماثل/نوحد/نجمع بين دور كلا منهما في خراب وقتل الخير في فلسطين، ومن ثم نضعمها في خانة واحدة المحتل والفاسد، بحيث يكمل احدهما دور الآخر.
نذكر بان الرواية من منشورات الاتحاد العام للكتاب والأدباء ألفلسطينيين بالتعاون مع دار ماجد، طبعة اولى 2006





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,843,466,856
- الهروب من الماضي في رواية -القادم من القيامة- وليد الشرفا
- الابداع النثري في -من طقوس القهوة المرة-
- مسرحية -الهنود- أرثر كوبيت
- تألق الشاعر فراس حج محمد في ديوان -وأنت وحدك أغنية-
- قصيدة -في حضرة الإمام- منصور الريكان
- -لا شيء يشبه المسيح- سعيد حاشوش
- الاعتذار من الأستاذ سامي لبيب
- تقمص شخصية المراهق في -رسائل إلى شهرزاد- فراس حج محمد
- سامي لبيب ملكي أكثر من الملك
- العقل العربي والردة
- الهم الاقتصادي للمواطن العراقي في رواية - خسوف برهان الكتبي- ...
- كتاب كبار صغار
- أخطاء الحكيم البابلي
- -دوائر العطش- فراس حج علي
- سقوط طفل يوازي سقوط بغداد
- صراع المقدس والإنساني في مسرحة -أهل الكهف- توفيق الحكيم
- ديوان -مزاج غزة العاصف- فراس حج علي
- -غاندي والحركة الهندية- سلامة موسى
- العامة والخاصة في مسرحية -الكراكي- نور الدين فارس
- الإخوان والجبهة ما بين كنفاني ومرمره


المزيد.....




- اللغة العربية لم تعد لغة رسمية في إسرائيل
- مكتب مجلس النواب يتدارس مواضيع تتعلق بالأسئلة الشهرية
- السعودية توضح بخصوص نداء وقف الحرب في اليمن
- بين ثراء المتخيل السردي والواقعية السحرية بأسلوب عراقي
- رئيس الحكومة: خطة المساواة -إكرام 2- خطة الشعب المغربي
- العثماني يتباحث بالرباط مع وزير الشؤون الخارجية بجمهورية الد ...
- -دفنة عائلية- داخل تابوت الإسكندرية الأثري
- هلال يعبر عن غضب المغرب من توزيع الأمم المتحدة لرسالة البولي ...
- المغرب يشارك في الاجتماع التشاوري بين مجلس الأمن ومجلس السلم ...
- فنانون وإعلاميون عراقيون يتضامنون مع مظاهرات الجنوب


المزيد.....

- تنمية المجتمع من خلال مسرح الهناجر / د. هويدا صالح
- عناقيد الأدب: أنثولوجيا الحرب والمقاومة / أحمد جرادات
- هل مات بريخت ؟ / مروة التجاني
- دراسات يسيرة في رحاب السيرة / دكتور السيد إبراهيم أحمد
- رواية بهار / عامر حميو
- رواية رمال حارة جدا / عامر حميو
- الشك المنهجي لدى فلاسفة اليونان / عامر عبد زيد
- من القصص الإنسانية / نادية خلوف
- قصاصات / خلدون النبواني
- في المنهجيات الحديثة لنقد الشعر.. اهتزاز العقلنة / عبد الكريم راضي جعفر


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رائد الحواري - عبور الزمن والجغرافيا في رواية -بلاد البحر- احمد رفيق عوض