أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رائد الحواري - رواية -سوسروقة خلف الضباب- زهرة عمر















المزيد.....

رواية -سوسروقة خلف الضباب- زهرة عمر


رائد الحواري

الحوار المتمدن-العدد: 4906 - 2015 / 8 / 24 - 15:32
المحور: الادب والفن
    


رواية "سوسروقة خلف الضباب"
زهرة عمر
في هذا العمل تحدثنا الكاتبة عن سيرة ذاتية بشكل روائي، وهذا يحسب لها، فالرواية تمثل الواقع الذي عاشه الشركس منذ بداية ترحيلهم من وطنهم إلى أن وصولوا منطقتنا، في سوريا وفلسطين والأردن، فتأثير هذا الانتقال ألقسري كان واضحا في النص، وهو يتماثل مع حالة الفلسطيني الذي ترك وطنه قسرا، وقد نوهت الكاتبة إلى هذا الأمر قائلة في نهاية روايتها " إنه يوم الحشر.. هذا شعب آخر يعاني مما عانينا" ص309.
الهجرة القسرية
هجرة الوطن من أصعب الأعمال التي يقوم بها الإنسان، فهي تكون إجبارية، وهي إحدى خيارين كلاهما مر، الأول يتمثل بالبقاء في الوطن والذي يعني الموت، وليس موت طبيعيا، بل الموت بالذبح، القتل مع التنكيل بالجثث، والثاني الهجرة والاحتفاظ بالحياة وبالأولاد، لكنه يحمل أيضا انسلاخ عن الوطن وما يحمل من معاني وخيرات، من هنا تحدثنا الكاتبة عن وطنها بهذا الشكل: "وروح أمي "تامبوت" "أنك أثرت أشجاني" "ياووية مغه" على وطن فقدناه.. وفقدنا معه هويتنا وكرامتنا .. إننا رجال ونساء .. كائنات لا تملك وجودها.. ولا ملامح .. ولا حتى أعضاء.. لم نعد ننتمي للبشر ... كان الأجدر بنا أن نموت على أن نترك خلفنا ... ذاك الوطن.. الذي أمدنا بمثل هذا النموذج من النساء والرجال.. أين نحن منهم!.. إننا لا نليق لأن نكون ظلالا لهم... قل لي "باباج" .. كيف تستطيع الشجرة أن تبقى شجرة .. إذا ما اقتلعت من جذورها.. هل تبقى شجرة؟ إنها تصبح هيكلا فارغا .. مقلوبة جذوره إلى أعلى.. هذا ما نحن عليه" ص65، بهذه الكلمات يمكننا أن نعرف معنى فقدان الوطن، فالفقدان للوطن يجعلنا ـ أحيانا ـ نختار الخيار الأول الموت ذبحا على أن نكون أحياء بعيدين عن وطننا، فهو كالروح، لا يمكن للجسد أن يقوم بمهامه دون وجودها/وجوده، ورغم أن المهاجرين الشركس وجودوا الترحاب والإكرام من المضيفين، إلا أن هاجس الوطن كان حاضرا ومؤثرا وفاعلا في النفوس، فما بالنا إن كان هذا المهاجر يلقى الإهانة والشماتة والإذلال من المضيف؟.
العلاقة بين الإنسان والوطن تبقى متجذرة، ومن الصعب أن يتجاهل الإنسان وطنه، خاصة إذا أجبر على تركه، فيبقى حاضرا في وجدانه حتى آخر رمق، هاجس الوطن أصبح الطاغي على التفكير عند من فقد وطنه، فتقول الأم لطفلها الباكي: "أتبكي أثوابي التي خلعتها!! .. أم تبكي وطنا ضاع وراء الأفق.. أم أنك تبكي مصيرك يا صغيري!!" ص105، بهذه المشاعر يتمثل الوطن لإنسان، فهو متعلق في اللبس والثياب، والتي تمثل التخلي عن التمسك بتراث الوطن، وأيضا افتقاد هذا الوطن الغائب، فكان عبارة "وراء الأفق" تحمل معنى فقدان الشيء الجميل، فقدان التأمل بالطبيعة، فقدان التخيل، فقدان المستقبل، وانعكاس فقدان الوطن على الأبناء بحيث لا يكون لهم مكان ينتمون إليه، عدم تعرفهم على جمال وطنهم، حرمانهم من خيراته، من هنا نجدهم سيعيشون في حالة مزرية.
بعد الاستقرار في المكان الجديد، والتعاطي مع الحياة، يبقى الوطن يشعرنا بوجود شيء ناقص/مفقود/ لا يمكن تجاهله أبدا، فكل ما نشاهده يجعل الذاكرة تتقدم إلى الوطن، نحن نحاول الابتعاد عنه، والحياة تساعدنا في ذلك، لكنه يبقى أقوى منا ومن الظروف، من هنا نجده حاضرا أينما كنا وحيثما حللنا، "من الأمور الجميلة التي سقطت من بين المسننات المتتابعة .. وانتهت من حياتنا .. عادة جميلة .. كنا قد حملناها معنا من بلادنا الجميلة..تلك التي أصبحت بعيدة جدا .. ومنسية تماما .. بل وغريبة عن أبنائنا وأحفادنا.... "مهرجانات" البطولة والفروسية ... هذا الاحتفال كان يقام هنا يوم "وقفة عيد الأضحى" يجتمع كبار السن والشباب في دغلة كانت بعد "الشابسوغ" وقبل "الرصيفة" .. غابة صغيرة لا تقارن بغابات بلادنا .. ولكننا كنا ننظر إليها كقطعة علقت بمتاعنا ... وأشيائنا البائسة التي بقيت معنا بعد الترحال والتشرد.. واستقرت هنا قريبة من مساكننا .. وتذكرنا بفردوسنا المفقود" ص241، لن أقول بأن الوطن لعنة، لكن فقدان الوطن هو اللعنة، الفقدان/الحرمان منه هو من يجعلنا نعيش حالة من عدم الاتزان، حالة اضطراب وصراع، تشعرنا بعقدة النقص، وكأن فقدان الوطن شيطان يطاردنا أينما كنا، يجعلنا نرتعب، ينغص علينا فرحتنا، يحرمنا نسيان مأساتنا.
اعتقد بان الكاتبة قد نجحت في توصيل فكرتها لنا وأبدعت في طريقة تقدمها، فجعلتنا لا نتعاطف معها وحسب، بل نقف مع أنفسنا، ونعيد حساباتنا مع أبناء وطننا الذين تشردوا أن كانوا من العراق أو من سورية، أو من ليبيا أو من اليمن، وطبعا قبلهم الفلسطيني، هذه الرواية تدفع بالقارئ أيا كان، أن نقف مع كل مهاجر/مشرد من وطنه، وأن نحترمه كانسان، فهو يحمل من الألم والوجع الشيء الكثير.
الأمير والشركس
أذن الرواية تحمل شيئا من الواقعية، من هنا نجد العديد من الأحداث التي مرت على المنطقة يتم تناولها، فمن يريد أن يتعرف على بداية تكوين مدينة عمان، أو بالأحرى بداية تكون إمارة شرق الأردن يعود إلى هذا العمل الروائي، فهناك العديد من المعلومات التي تذكرها الرواية يمكن الاستفادة منها في معرفة بدايات تشكيل الإمارة.
الفصل العاشر يحدثنا بالتفاصيل عن بداية تشكيل مدينة عمان، والعلاقة التي نشأت بين الأمير والشركس، حتى أن الكاتبة تناولت تفاصيل دقيقة فتحدثنا عن اللقاء الذي تم بين الأمير ووفد الشركس بهذا الشكل
: "ـ أمير .. أنت (..) كبير .. كبير .. نحن "ذباب تحت ذنبك" ص97، بهذه العفوية وهذا التعبير البسيط تكلم "ابن باقوه" مع الأمير، الذي استوعب الفكرة رغم غرابتها، فمثل هذا التعبير غير محمود عربيا، لكن الأمير استطاع أن يتجاهل اللفظ ويأخذ المعنى المقصود من تلك الكلمات.

بطش النظام
الكاتبة تستعين بمذكرات "عودة القسوس" في أكثر من موضع، وهذا يعطي الرواية مزيدا من الواقعية، ويجعلها تفتح بابا جديدا للمعرفة، فهي تقول لنا بأن تلك المذكرات فيها الكثير عن تاريخ الأردن، غالبية الاستشهاد من "عودة القسوس" كانت تتحدث عن قسوة النظام، وعن الطريقة غير الإنسانية التي تعامل بها مع المعارضين، "... وأمروا القائد أن يعود ويستكتبه أشياء أخرى، فحضر القائد ومعه جنود يحملون (الخيزرانات) ودخلوا مرة ثانية وقالوا له: إن ما كتبته ليس فيه شيء من الحقيقة... وعليك الآن أن تكتب الحقيقية بتمامها ولا تخف شيئا منها، وإلا فنحن مأمورون بجلدك حتى تغوص بالدم، فأخذ يقسم الأيمان بعدم علمه بشيء.. فطرحوه على وجهه وجلدوه جلدا مؤلما حتى كاد يغمى عليه.. وبعد أن توقفوا عن الضرب قال لهم: اكتبوا ما تريدون وأنا أوقع عليه" ص209، هذا ما حدث مع "صالح" فالمشهد السابق يبن حجم الضغط الذي يستخدمه النظام في نزع الاعترافات من المعتقلين، فرغم أن صالح كان يمثل الرجل المحترم في الحكومة إلا أن ذلك لم يكن ليعفيه من عمليات التعذيب التي تنال كل من يتهم بالمس بالنظام.
الصور الفنية
ما يحسب لهذا العمل أنه قدم لنا فاكهة أدبية تجعلنا نتمتع بما نقرأ، فتحدثنا الكاتبة عن مدينة عمان بهذا الشكل: "لم تكن إنارة الشوارع منتشرة.. بضعة فوانيس ـ ينوص ضوؤها المثقل بأحمال العتمة الهاطلة ـ تنتشر متباعدة في وسط البلد فقط.. وباقي المناطق تغوص في ديابيس الظلمة الحالكة.. وتتحول إلى ساحات ترتع فيها الأشباح والجن" ص 136، فرسم هذه الصورة للظلام تجعلني ننسجم مع الحالة النفسية التي تريدنا الكاتبة أن نعيها، وفي ذات الوقت تجعلنا نستمتع بهذا الرسم الجميل والمتقن.
وهناك مشهد تم تناوله بطريقة مذهلة، تتحدث فيه الكاتبة عن مشاعرها اتجاه الأم "إنها تغني..تغني لي.. تهدهدني.. أمي غطني.. دفئيني.. أعطيني عمرا جديدا.. لقد احترقت بي مراحل العمر.. واحترقت بها.. أعطني طفولتي أركض بها في الحقول.. بين الفراش.. اقفز بها في الجداول .. مع الضفادع أترنم لنقيقها .. أفردي لي أجنحة كي أطير بها بين الغمام.. وأستريح في أوكار النسور.. أنشريني غطاء على قمة "أوشحه ماقوة" استحم ناشعة الشمس .. افترش العشب الناصع.. وأغفو في حدقات النجوم.. دفئيني أمي .. وهبيني عمرا جديدا كعمر الزهور .. تتفتح مع قطرات الندى الهاطل .. وتموت عندما تفتح الشمس المتثائبة أجفانها في الصباح.. هبيني عمرا في زمن لا تقتل فيه الطفولة" ص236، هذه الكلمات تجعلنا نبحر في عالم مترامي الأطراف، فهناك الأمومة، الطبيعة، التخيل، الفعل الإنساني، الفرح، كما جاءت صيغة فعل الأمر، يعطي المعنى الحاجة لهذا الأمر، وفي ذات الوقت القدرة علة إصدار الأمر، بمعنى وجود سيادة على من طلب منه الأمر، فرغم أن المخاطب الأم، إلا أنها صيغة الأمر تحمل شيئا من الفوقية عليها، أو أن علاقة المحبة التي تجمع الأم بابنتها كانت تدفع الأم لتتقبل هذا الأمر.
الحكم
الرواية تتحدث عن مجتمع/ قوم امتازوا بالفروسية والإقدام، وهم من الشعوب المحاربة، التي تتعاطى مع الحرب كعمل بطولي، من هنا كافة الحكم التي جاءت في الرواية تتعلق بهذا الصفة، "عندما يفقد الفارس وطنه الذي يذود عنه.. يدفعه ذل الحاجة إلى أن ينضوي وسيفه تحت جناح من يدفع" ص186و187، وهناك تحليل للزغرودة التي تطلقها النساء فتقول عنها: " هي مزيج من الولوله والتهليل.. هي تعبير عن الفرح والفجيعة.. هي تحمل أقصى درجات الألم .. وأقصى حالات السعادة.. هي أنتحاب وقهقهة.. أو هو ذاك الإحساس الذي أعطتني إياه" ص40.
هناك حضور للمكان في الرواية خاصة مدينة عمان ومعان، وأيضا القدس وحلب والجولان، وما يحسب للرواية لغتها السهلة وطريقة تقسيمها، فرغم وجود سرد وثائقي في بعض الأجزاء، إلا أن العمل بمجمله يمثل رواية متميزة بكل معنى الكلمة.
الرواية من منشورات وزارة الثقافة، عمان الأردن، عام 2010، ضمن سلسلة القراءة للجميع





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,470,919,778
- التكفير مرة ثانية -إلى الأستاذ فؤاد النمري-
- حمار الدولة الأردنية
- المقال والنقاط
- أنا لم أكفر
- الطبقة الفاسدة نابلس نموذج
- الندوة القومية لمواجهة الدس الشعوبي
- الكتابة المخادعة بين يعقوب ابراهامي وطلال الربيعي
- -الإسلام والعرش الدين والدولة في السعودية- أيمن الياسيني
- -الاصلاحية العربية والدولة الوطنية- علي اومليل
- -مفاهيم الجماعات في الإسلام- رضوان السيد
- -رهانات النهضة في الفكر العربي- ماهر الشريف
- الجميل والقبيح
- الدين ورجال الدين في رواية -الصبي والبحر-
- رواية -الصبي والبحر- توفيق أبو شومر
- -التكوين التاريخي للأمة العربية- عبد العزيز الدوري
- عبد الرحمن منيف في معنى الحوار وجدواه وفي سمات المرحلة الراه ...
- الأزمة والحل لحركة التغيير العربية في كتاب -حوارات- كريم مرو ...
- الدين والتراث في كتاب -حوارت- كريم مروة
- القومية في كتاب -حوارات- كريم مروة
- -رمال في العيون- سعيد مضيه


المزيد.....




- ندوة لمناقشة ديوان -سيعود من بلد بعيد-
- فيل نيفيل يدعو لمقاطعة مواقع التواصل الاجتماعي بعد تعرض بوغب ...
- رحيل الأمين العام لاتحاد الأدباء والكتاب العرب الإماراتي حبي ...
- يتيمة الدهر.. عندما انتعش الأدباء والشعراء في القرن العاشر ا ...
- الرئيس التونسي: إحياء اليوم الوطني للثقافة لتكريم المبدعين ن ...
- قلاع عُمان.. حين تجتمع فنون الحرب والعمارة
- وزيرة الثقافة الإماراتية: مهرجان عكاظ منصة سنوية لخلق تواصل ...
- -الحرة- الأمريكية تتحرش بالمغرب
- رسوم أولية تظهر في لوحة -عذراء الصخور-.. هل أخفاها دافينشي؟ ...
- وفاة الأمين العام لاتحاد الأدباء والكتاب العرب حبيب الصايغ


المزيد.....

- -مسرح المجتمع ومجتمع المسرح-، بحث حول علاقة السياق الاجتماعي ... / غوث زرقي
- المنحى الفلسفي في شعر البريكان / ياسر جاسم قاسم
- عناقيد الأدب : يوميات الحرب والمقاومة / أحمد جرادات
- ديوان ربابنة الجحيم الشاطحون / السعيد عبدالغني
- ديوان علم الانعزال ، أنتيكات الغرائبية / السعيد عبدالغني
- استعادة المادة، الفن والاقتصادات العاطفية / عزة زين
- سيكولوجيا فنون الأداء / كلين ولسون
- المسرح في بريطانيا / رياض عصمت
- الدادائية والسريالية - مقدمة قصيرة جدًا / ديفيد هوبكنز
- هواجس عادية عن يناير غير عادى سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رائد الحواري - رواية -سوسروقة خلف الضباب- زهرة عمر