أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - ملف 15-10- 2005 الديمقراطية والاصلاح السياسي في العالم العربي - حسقيل قوجمان - لا ديمقراطية بدون دكتاتورية















المزيد.....


لا ديمقراطية بدون دكتاتورية


حسقيل قوجمان
الحوار المتمدن-العدد: 1348 - 2005 / 10 / 15 - 11:11
المحور: ملف 15-10- 2005 الديمقراطية والاصلاح السياسي في العالم العربي
    



ليس في هذا العنوان شيء جديد. فقد بين ماركس وانجلز ان الدولة منذ نشوء اول دولة في تاريخ البشرية بعد انقسام المجتمع الى طبقات وحتى اخر دولة تبقى على وجه الارض هي وحدة نقيضين، الدكتاتورية والديمقراطية، ولا وجود لاحد النقيضين بدون وجود النقيض الثاني. والدولة في الاساس هي الدكتاتورية التي تسمح للطبقة الحاكمة مواصلة حكمها واستغلالها للطبقات المحكومة. ولا تستطيع الطبقات الحاكمة ممارسة الديمقراطية لطبقاتها الا بتسليط الدكتاتورية على هذه الطبقات المحكومة. تختلف الدولة الاشتراكية قليلا في هذا المجال. فالدولة الاشتراكية بخلاف الدول السابقة لا تمارس الدكتاتورية من اجل استغلال الطبقات المحكومة كما هي الحال في الدول السابقة للدولة الاشتراكية وانما مهمة الدكتاتورية الاشتراكية هي ازالة الطبقات المطاح بها ومحوها من الوجود. ولكن هذا لا يغير من طبيعة الدولة الازدواجية اذ بدون اقسى انواع الدكتاتورية ضد الطبقات المالكة السابقة، الطبقة الراسمالية وبقايا الطبقات الاقطاعية، لا يمكنها ممارسة الديمقراطية للطبقة العاملة والفلاحين والمثقفين الاشتراكيين. وبزوال الدكتاتورية لدى تحقيق المجتمع الشيوعي تزول الديمقراطية وتزول الدولة ذاتها معها.
كثيرا ما ينتقدون ستالين حتى يومنا هذا على قوله بان كل تقدم تحرزه الاشتراكية يؤدي الى اشتداد الصراع الطبقي حدة. ولكن هؤلاء النقاد كلهم ينسون او يتناسون الواقع التاريخي الذي برهن انه حالما تضاءل دور الدكتاتورية البروليتارية في محاربة اعداء الاشتراكية الطبقيين في الداخل والخارج تحول الاتحاد السوفييتي من دكتاتورية البروليتاريا الى دكتاتورية البرجوازية وكانت النتيجة زوال الدولة الاشتراكية والمجتمع الاشتراكي.
ليس في هذه المقدمة القصيرة اي جديد. وقد كتبتها لكي استطيع الانتقال الى موضوعي الاساسي الذي يناقش موضوع الديمقراطية في عراق اليوم.
يعيش الشعب العراقي اليوم افظع وابشع دكتاتورية في تاريخ العراق، دكتاتورية الاحتلال الاميركي البريطاني واعوانهما العراقيين المتعددي الجنسيات والانتماءات والولاءات. انها دكتاتورية الدولة العظمى الوحيدة التي تريد الاستيلاء على العالم كله. انها دكتاتورية الولايات المتحدة التي تريد نهب اقتصاد العالم كله وفق ما يسمى العولمة. وما احتلال العراق الا خطوة اخرى في سبيل تحقيق ذلك. ونتيجة لهذه الدكتاتورية اصبح بامكان قوات الاحتلال واعوانها ممارسة ابشع وافظع انواع الديمقراطية. فقوات الاحتلال ومعها ما يسمى الجيش العراقي تتمتع بحرية مداهمة المدن الواحدة بعد الاخرى بالطيارات والدبابات وشتى انواع اسلحة الابادة الجماعية وليس لها من يمنعها او يحاسبها. وتتمتع بحرية اخراج سكان هذه المدن وتحويلهم الى لاجئين في بلادهم. وقد اطلعونا اخيرا بحملة القبضة الحديدية على القائم وما حولها وحملة صباح الخير يا مدينة البرتقال على بعقوبة. وتتمتع قوى الاحتلال بحرية نهب ثروات العراق واستعباد شعب العراق بدون ان يكون ثمة من يحاسبها او يمنعها. وتقوم هذه القوات ببناء القواعد العسكرية الضخمة من اجل البقاء لامد طويل او الى الابد في احتلالها للعراق بدون ان تجد من يمنعها او يحاسبها.
قام بريمر، المندوب السامي الاول، بحل الجيش العراقي وجميع الوزارات عدا وزارة النفط واشرف على نهب وتدمير البنى التحتية العراقية ومعالمها التاريخية من المتاحف والمكتبات والجامعات وقام بنهب الثروات وتبديدها وتنصيب مجلس حكم متعدد الجنسيات على اساس طائفي بطريقة المحاصصة ووضع قانون ادارة الدولة وعين حكومة من عملاء الاحتلال المعروفين وغادر العراق مع عدة مليارات من الدولارات التي لا يعرف احد مصيرها. وحتى اعضاء الحكومة المتعددي الجنسيات يقومون الان بانتقاد بريمر بعد ان دافعوا عنه دفاعا مستميتا اثناء وجوده في العراق.
وتتمتع جيوش الاحتلال وحكومة الاحتلال بديمقراطية منح العقود الوهمية وشراء البضائع الوهمية بمبالغ خيالية لا يعرف احد اين نقلت اموالها ويتمتعون بحرية تهريب اموال العراق بالملايين والمليارات علنا وفي الطائرات بدون ان يتعرض لمهربيها احد.
وكان من نتائج الديمقراطية التي تتمتع بها جيوش الاحتلال تمتع الحكومات المحلية الموالية لها بديمقراطية الفساد المالي والاداري التي لا ينكرها احد. واصبح عملاء الاحتلال يتهم بعضهم البعض بالفساد وسرقة اموال العراق ونهب قوت الشعب والاستيلاء على الاراضي والعمارات ويفضحون بعضهم بعضا.
تتمتع جيوش الاحتلال والحكومة الموالية لها بديمقراطية دهم البيوت ونهبها واعتقال سكانها والقائهم في السجون. سمعت احد الذين توسطوا بالتوسل الى قوات الاحتلال باطلاق سراح الف سجين بمناسبة حلول رمضان حين سأله احد المستمعين عن عدد السجناء العراقيين في سجون الاحتلال يقول ان السجون الاميركية وسجون الحكومة العراقية تضم ١٣٧ الف سجين. وسمعت امس عن بناء سجن جديد في السليمانية. وتتمتع قوات الاحتلال بديمقراطية تعذيب السجناء الى حد اذلال الرجال وتعريتهم واغتصاب النساء والاطفال والتعذيب حتى الموت بدون وازع من ضمير.
تتمتع قوات الاحتلال بديمقراطية ارسال ضباطها متنكرين بالزي العراقي ومعهم كل مستلزمات السيارات المفخخة كما حصل في البصرة حيث اطلق الضابطان البريطانيان المتنكران النار على الشرطة لدى القبض عليهما. وعند القبض عليهما مع هذه الاسلحة تعلن السلطات البريطانية انهما ينتميان الى الجيش البريطاني وان مهمتهما كانت لحماية الجيش البريطاني. وقوات الاحتلال البريطاني لها خبرة مئات السنين في تدبير مثل هذه الاعمال التخريبية في الهند وغيرها من المستعمرات لتاجيج الحروب الاهلية حماية لجيوش الاحتلال البريطاني من غضب شعوب المستعمرات. تتمتع قوات الاحتلال البريطاني بديمقراطية مداهمة السجن بالدبابات لاطلاق سراح الضابطين التخريبيين بقوة السلاح قبل التحقيق معهما. ويتمتع رئيس الوزراء العراقي بديمقراطية الاعلان عن ان مثل هذا الحادث لا يؤثر على علاقات الود بينه وبين قوات الاحتلال البريطانية.
قرأت في احدى المواقع الالكترونية التي تصدر باللغة الانجليزية ان عالما فيزيائيا عراقيا اسمه خدوري كشف عن حوادث مماثلة تقوم بها جيوش الاحتلال الاميركية. ففي احد مراكز التفتيش الاميركية صادر الجيش الاميركي رخصة سوق احد السواق العراقيين. وحين طالب بارجاعها امروه بالتوجه الى احدى القواعد الاميركية لاجراء التحقيق معه. وفي القاعدة العسكرية الاميركية استقبلوه استقبالا لطيفا وبعد التحقيق معه اخبروه بانهم ليس لديهم شيء ضده وانه يستطيع ان يسترجع رخصة سوقه الموجودة في مركز للشرطة العراقية في الكاظمية وان عليه ان يسرع في السفر الى المركز قبل انهاء مأمور المركز ماموريته. اسرع السائق في التوجه الى مركز الشرطة ولكنه لاحظ ان سيارته تسير كانها محملة بحمل ثقيل ولاحظ ان مروحية اميركية تتتبع سير سيارته فخامرته الشكوك وحين فحص سيارته وجد فيها مائة كيلوغرام من المتفجرات. ما الذي كان سيحدث لو ان الشخص واصل سفره الى المركز؟ كان بامكان المروحية ان تفجر سيارته في مركز الشرطة بالتحكم من بعيد والاعلان عن عمل انتحاري تخريبي بسيارة مفخخة يهدف الى قتل العراقيين. ولا شك ان الزرقاوي سيعلن مسؤوليته عن العملية.
واشار خدوري الى حادث مماثل نجا فيه السائق لان سيارته تعطلت في الطريق فاخذها الى كراج لتصليحها ولكن الميكانيكي اكتشف وجود الاسلحة في السيارة. واورد عددا اخر من الاحداث المشابهة. ترى كم من مثل هذه الحوادث تدبر كل يوم ويعلن الزرقاوي عن مسؤوليته عنها؟ ان نيغروبونتي، المندوب السامي الثاني، من اشهر المدبرين لمثل هذه الاعمال التخريبية وتأجيج المنازعات الداخلية والحروب الاهلية في ارجاء العالم وقد قضى فترة طويلة في العراق. فهل كان من مهماته تدبير مثل هذه الاحداث؟
وتتمتع قوات الاحتلال والحكومة الموالية لها بديمقراطية استخدام عدد كبير من شركات الامن المعروفة بجرائمها واستعدادها للقيام بكل مهمة اجرامية تطلب منها لقاء الاجور الضخمة التي تقدم لها. والعراق اليوم زاخر بالاف المرتزقة الامنيين وهم الذين يقومون بحراسة فخامات الوزراء ورجال الحكومة من الشعب العراقي.
وقوات الاحتلال تتمتع بديمقراطية وضع الدستور الاميركي للعراق سواء اجرى وضعه من قبل لجنة عراقية يتراسها خليل زاده، المندوب السامي الجديد، ام وضعت في السفارة الاميركية واجبرت لجنة وضع الدستور على توقيعها كما حصل في قانون بريمر. وتتمتع بديمقراطية مداهمة جميع المدن التي تتوقع ان يكون التصويت فيها ضد الدستور قبل الاستفتاء وان ترشو وسائل الاعلام والفضائيات والاشخاص وحتى الاحزاب كالحزب الشيوعي لكي يدعو الشعب الى التصويت بنعم على الدستور. فقد دعا الحزب الشيوعي ببيان لجنته المركزية الاخير اعضاءه واصدقاءه وكافة الشعب العراقي الى التصويت بنعم على الدستور رغم وجود بعض التحفظات التي لم يذكر البيان ولا واحدا منها وزعم ان المصادقة على الدستور واجراء الانتخابات التي تليه سينقذ العراق والشعب العراقي من جميع الازمات التي يعاني منها بما في ذلك خروج القوات الاجنبية.
ويتمتع وزير النفط العراقي بحرية منح كوبونات النفط بحيث انه منح منها في عدة اشهر ما يزيد على ما منحه صدام حسين خلال خمس وثلاثين عاما.
ان الديمقراطية التي تتمتع بها جيوش الاحتلال وتتمتع بها حكومات الاحتلال هي من مستوى الدكتاتورية التي تمارسها قوات الاحتلال وحكومات الاحتلال ضد الشعب العراقي بكل طوائفه وقومياته. فكلما ازدادت الدكتاتورية فظاعة ازدادت الديمقراطية التي تتمتع بها جيوش الاحتلال والحكومات العميلة لها فظاعة وبشاعة.
هذه الديمقراطية، ديمقراطية جيوش الاحتلال واعوانهم، هي الديمقراطية الوحيدة القائمة والثابتة في العراق اليوم. وحين يتحدث بوش وتشيني ورامسفيلد وكوندوليزا رايس عن الديمقراطية التي يريدون فرضها على العراق فانهم يتحدثون بالضبط عن هذه الديمقراطية لانهم لا يعرفون ديمقراطية غيرها. وهذا ما وفر لرايس افرصة بان تقول انها تحقق الديمقراطية في العراق بقوة السلاح. ورايس على حق في ذلك . اذ لا يمكن تحقيق هذه الديمقراطية الا بقوة السلاح وبافظع اشكال الدكتاتورية. في الحقيقة ليس في الدول الامبريالية والراسمالية كلها ديمقراطية غير هذه الديمقراطية. وحين يتحدث الناس عن الدول الديمقراطية الاوروبية فانهم شاؤوا ام ابوا يتحدثون عن هذه الديمقراطية وليس غيرها. ان ديمقراطية الدول الامبريالية والراسمالية هي ديمقراطية استغلال شعوبها وشعوب مستعمراتها واستعبادها ونهبها وحماية هذه الديمقراطية بقوة السلاح والقانون.
ولكن الشعوب تريد ديمقراطية اخرى غير هذه الديمقراطية. تريد ديمقراطية تمنحها بعض الحقوق الانسانية وتخفف عنها الاستغلال والاستعباد الذي تفرضه عليها الدول الامبريالية والراسمالية وكذلك الراسمالية المحلية. ومن مظاهر هذه المطالبات والنضالات في العراق اليوم حملة وضع الدستور والاستفتاء عليه. كان من الواضح ان اي دستور يوضع في ظروف الاحتلال لا يمكن الا ان يكون دستورا يمثل مصالح الاحتلال. وقد ظهر ذلك واضحا في مسودة الدستور التي ما زال خليل زادة يأمر بتعديلها حتى بعد ان قدمت المسودة الى الامم المتحدة وطبعت بعشرات الملايين من النسخ لتوزيعها وحتى قبل عشرة ايام من موعد الاستفتاء عليها.
لا شك ان واضعي الدستور يدخلون بعض المواد التي تبدو لمصلحة الشعب العراقي مثل حرية الكلام والاجتماع والتظاهر والاضراب ومساواة المراة واستقلال القضاء وحقوق الانسان والحقوق الديمقراطية وحرية ممارسة الطقوس الدينية وغير ذلك. ومن المعروف ان المواد الدستورية ما هي الا حبر على ورق. فهناك بون شاسع بين كتابة هذه المواد وبين تطبيقها. وحتى ادخال مثل هذه المواد جاء نتيجة لنضالات دائمة طويلة الامد ضد الاستغلال الراسمالي. فتاريخ النضال الطبقي ضد الراسمالية استمر طوال حياة النظام الراسمالي. وكلنا نعلم ان ديمقراطية الراسمالي تعني استغلال العامل الذي يستاجره مدة ٢٤ ساعة لقاء اجور يوم العمل التي يدفعها لشراء قوة عمله. ولكن النضالات الطويلة والدامية اضطرت الدول الراسمالية الى تقنين يوم العمل ب ١٦ ساعة ثم ١٢ ساعة واخيرا تحقق يوم العمل ٨ ساعات ومنع استخدام النساء في العمل الليلي ومنع استخدام الاطفال الخ. ونعلم ان عيد العمال العالمي هو تاريخ نضال الطقبة العاملة الاميركية في سبيل تحقيق يوم العمل ٨ ساعات. وينطبق هذا على كافة الحقوق التي حصلت عليها الطبقات الكادحة نتيجة نضال دام ودائم خلال هذه القرون من حياة النظام الراسمالي. وحين تضع الحكومات الراسمالية والامبريالية مثل هذه الحقوق في دساتيرها فانما هي تعبر عن واقع حصلت عليه الشعوب بنضالاتها. ومع ذلك تبقى هذه المواد المسجلة في الدستور حبرا على ورق تستطيع الحكومات الامبريالية الغاءها في التطبيق العملي متى شاءت ومتى شعرت بوجود خطر على استمرار استغلالها لشعوبها ما لم تناضل الشعوب بقوة ضد ذلك. وما نراه في العديد من البلدان العربية من الحكم بموجب قوانين الطوارئ عشرات السنين بدون انقطاع دليل على ذلك لان احكام الطواري ما هي الا الغاء الدستور وجميع القوانين.
ولكن الدول الامبريالية ودكتاتورية الاحتلال في العراق اليوم تستغل مثل هذه المواد التي يتضمنها الدستور لمصلحتها في المصادقة على الدستور الاميركي بكل مواده المدمرة للشعب العراقي. فحتى الناس الطيبين المعادين للاحتلال يتحدثون عن وجود العديد من المواد الايجابية والجيدة في الدستور. فالاعلام الاميركي يتاجر بمثل هذه المواد لخدع الشعب العراقي بان الدستور سيحقق مطامح الشعب العراقي من الحرية والديمقراطية. ولكن الاساس في هذا الدستور هو اضفاء المزيد من الشرعية على الاحتلال وعملاء الاحتلال. فقد تبين من الانتخابات السابقة ان الشعب العراقي الذي صوت بالانتخابات طامحا في تحقيق امنه وغذائه وكسائه والخلاص من جيوش الاحتلال. ولكن الانتخابات لم تحقق ايا من هذه المطامح ولم تؤد الا الى اضفاء الشرعية على الحكومة العميلة بحجة انها حكومة منتخبة. وانتخاب مجلس نيابي وحكومة نتيجة الانتخابات التي ستجري بعد اقرار الدستور ستبدو اكثر شرعية من سابقتها ولكنها لن تكون حكومة افضل من الحكومة القائمة حاليا.
ان الدستور لا يتعدى كونه دستورا اميركيا يحقق كل الديمقراطيات التي تتمتع بها جيوش الاحتلال والحكومات الموالية لها عن طريق افظع اشكال الدكتاتورية.
الا ان النضال ضد دكتاتورية الاحتلال ومن اجل الديمقراطية للشعب لا يقتصر على معركة الدستور. فالشعب العراقي ككل شعوب العالم لا يمكن ان يرضخ لدكتاتورية الاحتلال وظلمها بل لابد ان يناضل ضدها ويطالب بزوال الاحتلال بكل الوسائل المتوفرة له. وهذا ما برهنت عليه اكثر من سنتين ونصف من مدة الاحتلال. ان الشعب العراقي كله ناضل منذ يوم سقوط الدولة الصدامية ويناضل ضد الاحتلال ويبغي الخلاص منه. ولكن وسائل النضال هذه تختلف بين فئة واخرى. وما نراه واضحا اليوم هو مطالبة الكثير من المثقفين من خارج العراق وداخله توحيد القوى العراقية المختلفة في اتحادات او مؤتمرات تضع دستورا ديمقراطيا يهدف الى تحقيق مطامح الشعب العراقي من امن وعذاء ومكافحة البطالة وغيرها والطلب من جيوش الاحتلال بوضع جدول زمني للخروج من العراق. يتحدث هؤلاء المثقفون عن طيبة وعن رغبة حقيقية لخلاص العراق من الازمة التي يمر فيها وعن طيب خاطر ولكنهم يتحدثون كأن العراق اليوم يتمتع بحرية مثل هذا التحالف والاتحاد ضد الاحتلال. ولكننا نرى ان كل متحدث حول الحوار او كل متحدث علنا ضد الاحتلال داخل العراق يتعرض الى المداهمة والاعتقال والى التعذيب في السجون. والحديث عن عدد الائمة المعتقلين والمطالبة باطلاق سراحهم برهان على ذلك. كذلك نسمع كل يوم عن مداهمة مسكن او مكتب هذا الشخص او ذاك من المتحدثين ضد الاحتلال. حتى بيوت عملائهم مثل بيت احمد الجلبي لم يسلم من المداهمة والتفتيش. وسمعنا عدة احداث يقوم فيها الجندي الاميركي بتفتيش واهانة اشخاص عند نقاط التفتيش رغم وجود شهادات بانهم من رجال الحكومة او اعضاء في المجلس الوطني. واكبر مثال على ذلك كان انعقاد مؤتمر بيروت الذي كان عنوانه "مستقبل العراق" وكان من اهدافه كتابة دستور يعبر عن مطامح الشعب العراقي. فهل يمكن تقرير مستقبل العراق في بيروت ولماذا لم يعقد المؤتمر في بغداد او الفلوجة او بعقوبة؟ يتصور بعض الناس الطيبين ان مجيء حكومة ديمقراطية عن طريق الانتخابات الحرة تطالب المحتلين الاميركان بمغادرة البلاد او بوضع جدول زمني لمغادرته سيضطر المحتلين الى المغادرة. وهذا بالطبع رأي ساذج عن طبيعة الاحتلال والاستعمار. ان التاريخ لم يسمع بعد عن دولة مستعمرة غادرت مستعمراتها عن طريق طلب الحكومة المحلية منها مغادرة البلاد. ثم هل توجد امكانية وجود مثل هذه الحكومة المنتخبة انتخابا ديمقراطيا في ظل الاحتلال؟ ان مجرد التفكير في تحقيق مثل هذه الحكومة في ظروف الاحتلال يدل على سذاجة سياسية.
ان احتلال العراق من قبل الجيوش الاميركية والبريطانية والجيوش الموالية لها بما فيها ما يسمى الجيش العراقي والحرس الوطني العراقي الذي انشأته ودربته وتقوده قوى الاحتلال باق الى الابد ما لم يتحد الشعب العراقي في مكافحته وجعل استمرار وجوده في العراق مستحيلا. ولا يتحقق هذا الا عن طريق المقاومة الفعالة من مظاهرات واعتصامات واضرابات عامة ومقاطعة بما فيها المقاومة المسلحة الحقيقية. وهذا ما يجب ان تصبو له القوى الوطنية العراقية. والاخبار التي ترد من العراق وحديث الكثير من السياسيين الموجودين خارج العراق تؤكد على وجود مقاومة مسلحة حقيقية للاحتلال واعوانه رغم كل مظاهر الاعمال التخريبية التي لا تمت الى المقاومة بصلة. ان توحيد المؤسسات والجماعات الوطنية خير وسيلة لتحقيق الديمقراطية للشعب التي لا تتحقق الا بالقضاء على دكتاتورية الاحتلال وديمقراطيته. ان مهمة السياسيين اليساريين الواعين سياسيا ان يعملوا على قيادة هذه المقاومة وتوجيهها ووضع البرامج المحكمة في سبيل وحدتها وحسن قيادتها وليس الاكتفاء بالتعبير عن استنكارهم للاحتلال وفضح جرائمه وانتقاد السياسات الدينية والطائفية وسياسات المحاصصة الطائفية. ان الصراع وحده والمقاومة المنظمة ذات القيادة الحكيمة هي التي تستطيع ان تطرد المحتلين الاميركيين ومعهم عملاؤها الذين جاؤوا على دباباتها.
حسقيل قوجمان
٨ تشرين الاول ٢٠٠٥








رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- كتاب- خارطة طريق الولايات المتحدة الاميركية برؤية ماركسية - ...
- كتاب - خارطة طريق الولايات المتحدة الاميركية برؤية ماركسية - ...
- من وحي كتاب سفر ومحطات - العمل الحاسم
- الثورة البرجوازية وضرورتها
- نظام الاجور في الدولة الاشتراكية
- باسل ديوب-كلمة شكر
- من وحي كتاب سفر ومحطات. عبادة الحزب
- جعفر ابو العيس
- خواطر يهودي عراقي سابق
- من مرحلة اعداد مسودة الدستور الى مرحلة الاستفتاء عليها
- مفهوم الربح في الراسمالية وفي الاشتراكية
- مهزلة الدستور
- جواب الى قارئ اخر
- جواب الى قارئ كويتي
- الصناعة الاشتراكية
- ذكرى ثورة 14 تموز
- رسالة تهنئة الى الاخ نجم الدليمي
- ظروف اليهود العراقيين في اسرائيل
- ملكية العمال الاشتراكية وراسمالية الدولة
- الدعوة الى الحوار لحل الازمة العراقية


المزيد.....




- حلفاء الأمس أعداء اليوم.. معارك بين الجيش العراقي والأكراد
- البارزاني: حكومة العراق تعاقب شعب كردستان بدوافع وتوجيهات خا ...
- بالصور.. كرديات ساعدن بهزيمة داعش وتحرير الرقة
- النواب الأمريكي نحو فرض عقوبات ضد طهران وحزب الله
- تركيا ترد على النمسا بالمثل!
- هل يمنع ترامب نشر الوثائق الخاصة باغتيال كينيدي؟
- -نوروفيروس-.. علّة الشتاء
- سقوط قذيفتين على الجزء المحتل من الجولان
- ملياردير أمريكي يبدأ حملة لإقالة ترامب بخمس تهم
- سيشنز: اقتراحات ترامب بشأن الهجرة تغلق ثغرات كثيرة


المزيد.....

- الديمقراطية وألأصلاح ألسياسي في العالم العربي / علي عبد الواحد محمد
- -الديمقراطية بين الادعاءات والوقائع / منصور حكمت
- الديموقراطية و الإصلاح السياسي في العالم العربي / محمد الحنفي


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - ملف 15-10- 2005 الديمقراطية والاصلاح السياسي في العالم العربي - حسقيل قوجمان - لا ديمقراطية بدون دكتاتورية