أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمود شقير - القدس كما هي في الشهادات5















المزيد.....

القدس كما هي في الشهادات5


محمود شقير

الحوار المتمدن-العدد: 4887 - 2015 / 8 / 4 - 12:12
المحور: الادب والفن
    


أنا والقدس والكتابة1

1

يطيب لي بين الحين والآخر أن أعود إلى التأمّل في القصص التي كتبتها خلال السنوات الخمسين الماضية، لأرى كيف انعكست القدس في هذه القصص، وكيف تَمّ التعبير عن المدينة وما حولها من قرى تنتمي إليها، لكنّها تظلّ مختلفة عنها، فيما يتعلّق بدرجة التمدّن واستيعاب ثقافة المدينة والتأثّر بما فيها من عادات وأنماط معيشة وسلوكيّات.
ومنذ البداية أشير إلى أنني حتى هذه اللحظة، لم أتمكّن من امتلاك المدينة على النحو الذي أتمنّاه، ولم أتمكّن من التعبير عنها إلى الدرجة التي أرغب فيها. ربما كان ذلك راجعاً إلى الطبيعة الخاصّة للمدينة وإلى تاريخها الحافل بالتطوّرات، وإلى ما تشتمل عليه من تراث معماريّ متحدّر من عصور مختلفة، وربّما كان ذلك مرتبطاً بالمكانة الدينية للمدينة التي تنمّ عن تعدّدية وتنوّع قلّ نظيره في مدينة أخرى في العالم. وربّما كان الأمر دالاً على مزاج خاصّ لديّ، أو قصور عن القدرة على التعبير عن المكان إن لم يكن المكان متغلغلاً في ثنايا الروح على النحو المطلوب، في حين أنّني أعرف كاتبات وكتّاباً كتبوا عن القدس، واستطاعوا أن يعكسوا روحها في كتاباتهم بدرجات متفاوتة من القدرة والإتقان.
ولعلّ نشأتي القرويّة على تخوم المدينة أن تكون سبباً من أسباب عدم التمكّن من التعبير عن المدينة إلى الدرجة المشتهاة، تلك النشأة التي تركت أثرها على حياتي، بحيث أنّ طول ملازمتي للمدينة، وكثرة تردّدي عليها لسنوات طويلة، وتعرّفي إلى كثير من التفاصيل التي تشتمل عليها، لم يسهم في كسر الحاجز الرهيف الذي بقيت أشعر به تجاه علاقتي بها حتى الآن.
كنت أدرك باستمرار، وأنا أستمع إلى بعض أصدقائي ممن ولدوا في البلدة القديمة داخل السور، وترعرعوا هناك، كيف أنني أفتقر إلى تلك الحياة اليومية المليئة بالوقائع، وبتلك المناخات التي لا يعرفها إلا من عاشها كلّ يوم ولفترة ممتدّة. ولذلك فإنني أشعر في بعض الأحيان، بأنني لم أكن محظوظاً، إذ لم أولد في البلدة القديمة ولم تتح لي فرصة السكن فيها، كي أدرك كيف تستقبل المدينة عتمة الليل وكيف تستيقظ على أشعّة شمس الصباح، وكيف تسري فيها الحياة وتتشعّب وتغتني.
تلك بالنسبة لي أمور في غاية الأهمية، لأنني لا أتقن الكتابة عن المكان إلا إذا كنت ملتصقاً به على نحو حميم، ولأنني لا أعتبر المكان في قصصي مجرّد إطار خارجي، بل أراه جزءاً عضوياً من بنية هذه القصص، وامتداداً أصيلاً لمضمونها ولشكل صياغتها الفنيّة.
لم أعش تلك التفاصيل الحميمة وإنما استمعت إليها من الأصدقاء، وفي تقديري أنّ الاستماع قد ينفع الكاتب لكي يتمثّل ما استمع إليه، ثم يدخله إلى مصهره الخاص، وبعد ذلك يصوغه في مادّة إبداعية، كما لو أنّه كان هناك، خصوصاً وأنّ أجواء القدس ليست غريبة عنّي إلى هذا الحد، فأنا ابنها الذي ولد على تخومها، وأنا ابنها الذي تعلّم في مدارسها ثم أصبح مدرّساً في إحدى مدارسها، وأنا ابنها الذي لم يترك سوقاً من أسواقها إلا مشى فيها عدداً لا يحصى من المرّات.
عرفت عن قرب مساجدها وكنائسها، ودخلت دور السينما فيها ومسارحها ونواديها. دخلت بيوت الأصدقاء داخل سورها وخارج السور، عرفت مداخل البيوت وشكل البناء والمغزى الكامن خلف هذا الشكل وعلاقته بتبدّلات الفصول، وعرفت كيف يتكلّم أهل المدينة وكيف يلفظون الكلام، وكيف تتشكّل عاداتهم وطقوس الحجّ لديهم وشهر رمضان، وكيف يمارسون طقوس الخطبة والزواج ودفن الأموات وتقبّل العزاء فيهم، وغير ذلك من تفاصيل عشتها على امتداد عقود، خصوصاً حينما أصبحت قريتي حيّاًً من أحياء المدينة، ملتصقاً بها في شكل لا انفصام له، وعلى نحو من تبادل التأثّر والتأثير في الاتجاهين مع تفاوت في ذلك، بين المدينة الأصل والحيّ الفرع.

2 .

ويطيب لي أن أتأمّل قدرة القدس على الإشعاع الثقافي وعلى التأثير في ما حولها. وأتذكّر من خلال قراءاتي عن المدينة كيف كان حالها قبل أن أولد، وحينما كنت طفلاً.
كانت القدس وحيفا ويافا، كما يؤكّد المؤرخون المعاصرون، أهمّ ثلاث مدن في فلسطين حتى منتصف القرن العشرين. كانت هذه المدن الثلاث تشكّل المراكز الحضرية الأكثر تمدّناً واستيعاباً لمنجزات الحداثة، التي بدأت تهبّ على فلسطين منذ نهايات العصر العثماني وطوال فترة الانتداب البريطاني. آنذاك، توافد على القدس عدد من الكتّاب المشهورين من أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية، للسياحة وللتعرّف إلى المدينة المقدّسة ولإجراء بعض الدراسات المتعلّقة بتاريخ فلسطين وبما فيها من آثار. وتوافد على القدس أيضاً عدد غير قليل من الكتّاب والفنانين العرب، وأقيمت علاقات صداقة بين هؤلاء وزملاء لهم في القدس وفلسطين، لعلّ من أبرزهم المربي والمفكّر المقدسي خليل السكاكيني، الذي سكن بيوتاً خارج سور المدينة وداخل السور، ومن ثمّ في حيّ القطمون. كانت هذه البيوت محطّ أنظار كثيرين من الكتاب والمفكرين العرب. وكانت تقام في القدس ويافا وحيفا حفلات غنائيّة لمطربات مصريّات ومطربين (أم كلثوم مثلاً) إلى جانب المسرحيّات التي يؤمها أبناء هذه المدن من الرجال والنساء (مسرحيات ليوسف وهبي مثلاً). وظهر في القدس وفي غيرها من مدن البلاد، عدد من المفكّرين التنويريين والنهضويّين الذين ألّفوا كتباً ونشروا أفكاراً، كان يمكنها لو أتيح لها الوقت الكافي أن تثمر نهضة متينة الجذور، غير أنّ الوقت لم يتح لها بسبب الغزوة الصهيونية التي أدت في العام 1948 إلى انهيار المجتمع الفلسطيني انهياراً كاملاً، وإلى تدمير المنجزات التي كان يراكمها المجتمع ومفكّروه وكتابه وفنانوه، بحيث وقعت أوّل قطيعة بين ما أنجزه هذا المجتمع وبين الأجيال اللاحقة، تلك الأجيال التي بدا كما لو أنها تبدأ من نطقة الصفر، بعد النكبة التي حلّت بفلسطين وبشعبها.
ومع أنّ القدس الشرقية لم تقع في أيدي الغزاة الصهاينة آنذاك، إلا أنّ سلخ قسمها الغربي منها، وتبديد النخبة المقدسيّة المثقّفة التي كانت تقيم في حي الطالبية وفي حي القطمون في القدس الغربية، ترك أثره الواضح على المدينة، التي احتاجت إلى بضع سنوات لكي تنهض من جديد، وتنفتح على العصر وعلى إنجازاته، وإن كان ذلك على نحو خجول، بسبب مجموعة من التطوّرات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي كانت تحكم حركة المدينة نحو المستقبل.

3 .

عرفتها وعرفت اسمها منذ العام 1946 ، وكنت في الخامسة من العمر آنذاك. أذكر أوّل مرّة اصطحبني أبي فيها إلى المدينة. أصابتني الدهشة التي لازمتني طويلاً، وأنا أرى أبنية كثيرة متراصّة وبشراً كثيرين وسيارات وأكداساً من السلع. كنت أتعرّف إلى الفرق بين المدينة وبين قرية لا تحمل الكثير من سمات القرية. هنا حضور بشريّ كثيف وازدحام وحركة وبيع وشراء ودمى وألعاب تدخل البهجة إلى النفس، وفي القرية لا شيء من ذلك على الإطلاق.
بل إنّ إحساسي بالقرية على نحو أكيد، لم يكتمل إلا حينما تخرّجت في المدرسة، وعيّنت معلّماً في إحدى قرى رام الله. هناك، في تلك القرية الصغيرة الملمومة على نفسها، عرفت معنى القرية. عرفت كيف تتجاور البيوت، كيف يمكن سماع أصوات الجيران من شبّاك الغرفة الموارب، كيف تصيح الديوك في الصباح، وكيف تنهق الحمير وتخور الأبقار. كيف ترتفع أدخنة الطوابين التي تخبز عليها الفلاّحات خبز العائلة.
لم تكن تتوافر في قريتي الأمّ سمات القرية المألوفة. رحل جدّي وأسرته ذات نهار من البريّة. هجر مضارب عشيرته البدويّة، واتجه غرباً نحو تخوم القدس. وعلى أرض له هناك بنى بيتاً، ولم يكن في الجوار سوى ثلاثة أو أربعة بيوت أخرى، متناثرة على رؤوس الجبال. وهكذا ظلّت قريتي متباعدة البيوت حتى سنوات قليلة ماضية، حينما ازدادت أعداد الناس فيها وتكاثر العمران، وأصبحت القرية حياً من أحياء القدس.
ولم تكن القدس مدينة المسرّات وحدها بالنسبة لي. كانت الحرب العدوانية على الأبواب. وكنت أرى بأمّ عيني من مسافة ما، كيف تحتدم المعركة على سور المدينة وفي داخلها، وكيف يحمي المقاتلون الفلسطينيون والأردنيون والعرب القسم الشرقي من القدس، من الوقوع تحت سيطرة المنظمّات الصهيونية التي أصبحت جيشاً مسلّحاً له خطره، وله سمعته المرعبة بفعل المذابح التي ارتكبتها هذه المنظّمات في قرى فلسطينية عدّة. عرفت الحرب وأنا طفل، واقترن اسم القدس في ذهني باسم الحرب، على الرغم من الحقيقة التي تقول إنها مدينة السلام.
ولم يغادرني إحساسي بالخوف من الحرب، لا قبل النكبة التي انتهت بتشريد مئات الألوف من أبناء الشعب الفلسطيني، ولا بعد النكبة التي ظلّت تذكّرني بأنّ جنود العدو على استعداد دائم لإطلاق النار على بعض أحياء القدس الشرقية وشوارعها في أيّ وقت. كانت بناية النوتردام التي لا تبعد من باب العامود سوى مئات الأمتار، والتي يتحصّن فيها هؤلاء الجنود، تمثّل بالنسبة لي بؤرة القتل التي تترصّد الناس دون توقيت معلوم.
كانت المدينة غير آمنة طوال سنوات، ومع ذلك فقد أخذت تضمّد جراحها بعد انسلاخ قسمها الغربي عنها، وتحاول النهوض من جديد. وكنت شاهداً مباشراً على بعض تفاصيل هذا النهوض.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,427,254,529
- القدس كما هي في الشهادت4
- القدس كما هي في الشهادات3
- القدس كما هي في الشهادات2
- القدس كما هي في الشهادات1
- القدس كما هي في المشهد اليومي26
- القدس كما هي في المشهد اليومي25
- القدس كما هي في المشهد اليومي24
- القدس كما هي في المشهد اليومي23
- القدس كما هي في المشهد اليومي22
- القدس كما هي في المشهد اليومي21
- القدس كما هي في المشهد اليومي20
- القدس كما هي في المشهد اليومي19
- القدس كما هي في المشهد اليومي18
- القدس كما هي في المشهد اليومي17
- القدس كما هي في المشهد اليومي 17
- القدس كما هي في المشهد اليومي16
- القدس كما هي في المشهد اليومي15
- القدس كما هي في المشهد اليومي 14
- القدس كما هي في المشهد اليومي 13
- القدس كما هي في المشهد اليومي12


المزيد.....




- فيلم -الملك الأسد- يحقق 185 مليون دولار في أسبوع
- عالم مارفل السينمائي.. أفلام المرحلة الرابعة ومواعيد عرضها
- الفنان المصري فاروق الفيشاوي حالته حرجة
- مهرجان الجونة السينمائي يستقبل مينا مسعود في دورته الثالثة
- قصة قصيرة من الأدب الياباني.. الأم المسنّة ماتسو باشو *
- الفنان محمود عجمي.. تجدّد جسد الأنثى في النحت
- تقـريــر...كاظم مرشد السلوم : نحتاج صالات عرض سينمائي أكثر ...
- أفنجرز يهزم أفاتار ويحقق أعلى إيرادات بتاريخ السينما
- معرض للمشغولات اليدوية للفنانات الإيرانيات في دار الازياء
- كاريكاتير العدد 4475


المزيد.....

- استعادة المادة، الفن والاقتصادات العاطفية / عزة زين
- سيكولوجيا فنون الأداء / كلين ولسون
- المسرح في بريطانيا / رياض عصمت
- الدادائية والسريالية - مقدمة قصيرة جدًا / ديفيد هوبكنز
- هواجس عادية عن يناير غير عادى سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- نشيد الاناشيد المصرى سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- متر الوطن بكام ؟ سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- كرباج ورا سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- كتاب الشعر سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- كتاب الشعر 1 سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمود شقير - القدس كما هي في الشهادات5