أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - أسعد أسعد - ابراهيم الجندي.... المحتار ....بين من سيدخلونه الجنة ....و من سيلقون به الي النار .... و أخيرا توجه بأسئلته الي الله ذاته















المزيد.....



ابراهيم الجندي.... المحتار ....بين من سيدخلونه الجنة ....و من سيلقون به الي النار .... و أخيرا توجه بأسئلته الي الله ذاته


أسعد أسعد

الحوار المتمدن-العدد: 1344 - 2005 / 10 / 11 - 12:26
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


طوال اربعين عاما من البحث و الدراسة الدينية لم يصدف لي التعرف بشخص مخلص في نقده و تساؤلاته للمعتقدات الدينية مثل الاستاذ الصحفي ابراهيم الجندي الصحفي المصري المقيم في واشنطن و بالرغم من انني لم استطع الرد عل تساؤلاته عن المعتقدات الاسلامية فقد كتبت اليه كثيرا من الردود حول التساؤلات التي نشرها علي صفحات الانترنت و التي اثارها عن عقائد من الكتاب المقدس و عن المسيح يسوع و المسيحية و الكنيسة و قد اعجبني و اثارني في الاستاذ ابراهيم الجندي الصدق و الاخلاص و الشفافية في تساؤلاته و بالاكثر اعجابي الشديد بعقليته النقدية للنصوص الدينية و علي الاخص نصوص الكتاب المقدس و العقائد المسيحية التي فعلا قد تبدو للكثيرين مبهمة و تدعو للتساؤلات
و كما قرات مقالات الاستاذ ابراهيم الجندي قرات ايضا الكثير و العديد من التعليقات و الردود عليه و لقد احزنني و ازعجني ردود من توعدوه بالنار و جهنم و انتقام وغضب الله سبحانه الا انه ما ساءني اكثر هو التهليل و التصفيق من مجموعة المطيباتية الذين لم يروا في اسئلته اخلاصا لانسان يبحث عن الحقيقة بقدر ما رأو فيه انسان متمرد يكفر بالله و بالانبياء فشجعوه علي ما ظنوه به و هم لا يعقلون
و انا ان كنت ساتخذ من صداقتي و حواراتي مع الاستاذ ابراهيم الجندي التي لم تتجاوز المكالمات التليفونية اساسا و مدخلا لمقالي هذا فدعني يا قارئي العزيز اقول لك و اردد هذه العبارة التي تعلمتها من استاذي الدكتور القس مكرم نجيب الاستاذ بكلية اللاهوت الانجيلية الذي قال "نحن لا نبحث لكي نؤمن لكن لاننا نؤمن لذلك نبحث" فان البحث هو خاصية من خصائص الايمان الصادق الذي يؤدي الي معرفة اعمق بالله لان هذه هي ارادة الله للانسان و كل باحث صادق و امين لا بد و انه سيري الله و سيدرك الانسان المخلص انه ليس هو الذي يبحث عن الله بل ان الله بنفسه هو الذي يسعي وراءه و يحاول ان يصل اليه و يرتب له اجابه لكل تساؤلاته و تفسيرا لكل اندهاشاته
و أنا لست المتحدث الرسمي باسم الله..... أنا فقط انسان كنت ضالا في حياتي بائسا و شقيا في تخيلاتي و تصوراتي عن الحياة و الناس و مفهوم الخطا و الصواب و من هو الله ...... لا استطيع ان اقول اني وجدت الله بل اني اتداني الي التراب امام عظمة و محبة الله و اقول لقد وجدني الله ..... و من يومها فقد اصابني النهم في دراسة كلام الله و اصاب قلبي الظما و العطش و الجوع لمعرفة الله ..... و انا واحد من مئات الملايين من البشر الذين لا تسمع عنهم و لا تحس بهم اتكلم مع الله دائما و الله يتكلم معي في كل حين ....... و مع ما يبدوا في هذه العبارة للبعض من جنون او مرض نفسي او اتهام بالدجل و الشعوذه ...... فانا لست اعترض علي حكمهم لانه صادر من مقاييس و تخيلات و تصورات عن الله بعيدة كل البعد عن حقيقة و واقعية من هو الله
و أنا فقط ساورد مقاطع من كلام الله التي اعتقد ان فيها رد علي تساؤلات الاستاذ ابراهيم الجندي و ساحاول التعليق عليها بما فهمته منها و هذا هو كل دوري كانسان يحب الله و يتعلق به و يحب جميع الناس .... نعم جميع الناس لان الله احبهم و يحبهم و هو يفعل كل شئ ليقترب منهم و يكلمهم الا شئ واحد لا يستطيعه الله هو ان يغير او يكسر قانون حرية ارادة الانسان التي خلقه عليها التي بدونها لن يصبح الانسان كما نعرفه انسانا بل كائن اخر مختلف تماما من الصعب التكهن بطبيعته . و انا فيما اورده استمحي القارئ عذرا في ان اورد نصوص الكتاب المقدس فقط دون اي نصوص قرانية حيث قد لا استطيع استخدامها الاستخدام الصحيح الامر الذي قد يؤدي الي جرح مشاعر بعض احبائي المسلمين فاستمحيهم عذرا في هذا الامر
و الي المهتمين بمقالات الاستاذ ابراهيم الجندي اليكم بعضا من الردود التي كنت قد كتبتها اليه ردا علي تساؤلاته ـ و هذه الردود او الرسائل لم تنشر من قبل ـ و استمحيكم عذرا اذا كانت مستفيضة و مطولة لان تساؤلاته عميقة و معقدة و مركبة في نفس الوقت

الرسالة الاولي

الاستاذ ابراهيم الجندي
رجاء قبول تحياتي الي فكرك و قلمك و مقالاتك التي اطالعها كلهاعلي موقع جريدة عرب تايمز علي الانترنت و ان اعبر لك عن اعجابي باسلوبك الصحفي وقبل ان استرسل اسمح لي بان اعرفك بنفسي انا مهندس امريكي من اصل مصري اعمل و اقيم في ولاية ماساتشوستس و لا ادعي اني كاتب متمرن او متمرس فقط انا ادرس الكتاب المقدس و الفكر الديني الاسلامي بقدر ما استطيع من نشاط و مداومة
فلقد قرات مقالك الاخير بعنوان النبي ادم و اعجبت بتساؤلاتك التي لمست مشاعري لاني قضيت زمانا لا باس به ادرس نصوص الكتاب المقدس عن آدم و حواء كما اني قرات القران ثلاثة مرات و استطيع ان اتذكر الكثير مما ورد به عن قصة ادم و انا ارجو ان تسمح لي بان اشاركك بعضا من دراستي عن هذه الحقبة التي هي بداية تاريخ الجنس البشري كما نعرفه اليوم
فالثلاثة اصحاحات الاولي من سفر التكوين الذي هو اول اسفار الكتاب المقدس تحوي سردا تسجيليا لخلق الله سبحانه للعالم علي فترات او مراحل ستة دعاها الكتاب المقدس ايام انتهت بخلق الانسان الذي بحسب النص الكتابي قال الله انه خلقهما ذكرا و انثي علي صورة الله و بعد الصورة العامة التي وردت في اخر الاصحاح الاول من ذلك السفر اورد الاصحاح الثاني تفاصيل خلق ادم من تراب ثم حواء من عظام ادم و صور لنا الكتاب الجنة التي غرسها الله بنفسه في مكان يدعي عدن و وضع فيه ادم و اعطاه سلطانا علي الجنة و الخليقة التي جعلها الله فيها (بالمناسبة ستجد مرفق مع هذا صورة لنص للاصحاحات الثلاثة الاولي من سفر التكوين لكي تكون مرجعا عند قراءة هذا المقال) و في هذا الاصحاح الثاني يذكر الكتاب ان الله جعل في وسط الجنة شجرة اسمها شجرة الحياة و ايضا جعل هناك شجرة دعاها شجرة معرفة الخير و الشر و كانت وصية الله لادم انه يستطيع ان ياكل من جميع شجر الجنة - بما فيها طبعا شجرة الحياة - لكن امر الله ادم ان لا ياكل من شجرة معرفة الخير و الشر تحت التحذير من انه يوم ياكل منها موتا يموت اما الاصحاح الثالث فيفصل الكارثة التي حلت بادم و امراته اذ سمعت حواء لكلام الحية و اكلت من الشجرة المحرمة و اعطت ادم فاكل معها الي اخر القصة التي انتهت بطرد ادم و حواء من الجنة
و قد تبادر الي ذهنك كما عبرت في مقالك عدة اسئلة اولها لماذا وضع الله الشجرة امام نبيه في الجنة و نهاه عن الاكل منها؟ و هل عصيان ادم لتنفيذ اوامر ربه تم بارادة من ادم ام بارادة من ربه؟ و ارجو ان اقف هنا و استاذنك ان اشاركك في بعض ما توصلت اليه في دراستي التي هي مجرد تحليل للنص من دون الرجوع الي علم التفسير الكتابي المتخصص أو اراء اساتذة اللاهوت المتعمقة و اود ان اشاركك اولا ان المصطلحات المستخدمة في سرد هذه القصة بعضها اصطلاحات نبوية رمزية و ان الكتاب المقدس يستخدم هذه اللغة في العديد من الكتب و الاسفار الستة و الستون المكون منها هذا الكتاب و القول بان هناك شجرة حقيقية ام انها مصطلح رمزي لشئ ما هو قضية يحتار امامها الفكر البشري و هو مُعرّض لمناقشات طائلة فدعنا نتجنب هذا و نسلم انه كانت من ضمن الاشجار التي ياكل منها الانسان في الجنة شجرة لمعرفة الخير و الشر و لكي استرسل في سرد بعض الافكار حول هذا الامر احب ان اشاركك شيئا و هو ان هذه الشجرة لم تدعي شجرة المعرفة - أي المعرفة المطلقة او المعرفة التي هي ضد الجهل فهذا النوع من المعرفة قد اختص به الله الانسان ليعرف شئون حياته و ينموا في علمه بشئون الخليقة التي ائتمنه الله و اوكله علي ادارتها و التسلط عليها كما تقرا في النص الكتابي لخليقة ادم - لكن المعرفة التي تاتي من الاكل من هذه الشجرة هي معرفة الخير و الشر او باصح هي المعرفة التي بواسطتها يستطيع الانسان اذا اكل مكنها ان يكون له سلطان في ذاته ان يقرر هو ما هو الشر و ما هو الخير او ما هو الخطا و ما هو الصواب فاذا كان الله هو الذي علم ادم الاشياء فانه هو بذاته كان مصدر المعرفة الادبية و التمييز بين الخير و الشر فكان لادم و هو في الجنة ان يلجا الي الله ليعلمه قواعد و اصول الحياة الادبية كما يراها الله فكان ادم يتتلمذ علي يدي الله و الله هو الذي يقر رما هو الخطا و ما هو الصواب اخلاقيا و روحيا اما بقية انواع المعرفة و اسرار الكون فادم و الجنس البشري من بعده ينموا في ادراكها يوما عن يوم كما شاء الله له و لنسله من بعده لكن غرس الله هذه الشجرة في الجنة ليقرر الله بها اشياء هامة و هي ان يعرّف الانسان انه - اي الله - هو وحده مصدر المعرفة الادبية و انه هو وحده الذي يقرر ما هو الحق و ما هو الباطل و ما هو الخطا و ما هو الصواب و ان الانسان يجب ان يلجا اليه ليعلمه هو هذه الامور و بهذا نستطيع ان ندرك ان هذه الشجرة كانت دليلا علي ان الله قد خلق الانسان حر الارادة له ان ياكل من هذه الشجرة و يستقل عن الله في تقرير امور ذاته او ان يعيش في حياة محبة و شركة مع الله مقررا و متمتعا بان الله هو ابوه الذي يعتني به و هو مصدر الشريعة الادبية التي يحيا بمقتضاها الانسان في مشاركته مع الله و في حياته مع بقية بني البشر من نسله لذلك نستطيع القول انه لو لم توجد هذه الشجرة فالانسان ليس له حرية ارادة فيما يختار و الخيار المطروح امامه هو هل يريد ان يستقل عن الله ام يريد ان يحيا مع الله مسلما له بانه هو خالقه و ان السلطان الذي له علي الارض انما هو من تخويل الله له و ان الحياة مع الله هي الكمال في كل شئ و لقد اوضح الله لادم نتائج الاكل من الشجرة اذ قال له "يوم تاكل منها موتا تموت" و ذكر الموت هنا يوضح ان ادم كان يعرف معني الموت لان ادم كان يعيش في الجنة ياكل من ثمر اشجارها و من شجرة الحياة التي كانت تضمن له استمرار حياته و لا شك انه كان يري الحيوانات و النباتات من حوله تتوالد وتحيا ثم تموت و لا بد ان الله اعطاه المعرفه في كيف يواري اجسادها التراب و كيف ان موت الاشجار يؤدي الي دورة حياتها مرة اخري فادم كان يعرف ما هو الموت لذلك و هنا نقطة مهمة جدا ارجو ان احظي باصغاءك اليها لقد عاش ادم في الجنة زمانا لا نعرف مقداره و هو لا ياكل من هذه الشجرة مؤمنا بكلام الله انه يوم ياكل منها سيموت فعاش ادم حياته في الجنه مرتبطا مع الله بعلاقة الايمان اي التسليم بغيبية شئ لم يختبره مؤسسا هذا التسليم علي مصداقيته لكلام الله له و هذا يبين لنا ان العلاقة مع الله اساسها الايمان ليس فقط بوجوده وليس فقط بوحدانيته أو طبيعته الامور التي نستطيع بسهولة ان نقول ان ادراك ادم لها كان عظيما جدا فهو يتعايش مع الله و يراه و يتكلم معه لكن قوة الايمان بما قاله الله له من حيث انه لو اكل من هذه الشجرة فسيموت ...فقوة هذا الايمان بكلام الله بامر لم يختبره ادم شخصيا و يعد بالنسبه له امرا غيبيا هذا الايمان جعل ادم يتمسك بالحياة مع الله كمصدر لسلطانه ولمعرفته بالخير و الشر و لكي تكمل امامنا الصورة دعنا نتقدم الي الحديث الذي دار بين امنا حواء و بين ذلك المخلوق الذي دعاه الكتاب المقدس ب "الحية" و احب ان اذكرك بما شاركته معك في البداية ان اللغة هنا بها بعض المصطلحات النبوية فالحية التي نعرفها اليوم غير ذلك المخلوق الذي تكلم مع حواء فان الحية او الثعبان مخلوق مثل بقية الحيوانات التي نعرفها فدعنا نسلم ان هناك مخلوق غريب دخل الي هذه الجنة و لابد ان تتساءل و لماذا يسمح الله لهذا المخلوق بدخول الجنة و لماذا لم ينبه الله ادم و لماذا لم يحول الله بين ادم و هذا المخلوق و لكي اشارك معك الاجابة اعود بك الي الاصحاح الاول و الثاني من سفر التكوين و فيه نستطيع ان ندرك ان الله اعطي ادم سلطة مطلقة علي الارض و الجنة و جميع المخلوقات التي بها فادم هو المسئول عن دخول اي مخلوق غريب الي هذه الجنة لقد اعطاه الله هذا السلطان و التوكيل الذي هو جزء من حرية ارادة ادم و ان تدخل الله في هذا الامر يسقط من حرية ارادة ادم و ان ادم يستطيع ان يميز طبيعة هذا المخلوق من كلامه فلقد ابتدا كلامه مع حواء بسوال استنكاري كاذب عن الحق "احقا قال الله لا تاكلا من كل شجر الجنة" من هذه الجملة كان ادم و حواء يدركان انهما امام مخلوق يشكك في اقوال الله و كان ينبغي طرده فورا من الجنة و لهما السلطان في ذلك مخول من الله و بقوة من عند الله كما ورد ذكر ذلك في هذين الاصحاحين و هذا اول خطا ارتكبه ادم اي عدم استعماله للسلطان الذي اعطاه الله اياه فمن اجابة حواء لهذا المخلوق "من ثمر شجر الجنة ناكل اما ثمر الشجرة التي في وسط الجنة فقال الله لا تاكلا منه و لا تمساه لئلا تموتا" و في هذه الاجابة اخطات حواء في امرين اولهما ان هذه الشجرة ليست هي التي كانت في وسط الجنة بل بحسب النص الكتابي فان شجرة الحياة هي التي غرسها الله في وسط الجنة و بمتابعة التعبير الرمزي و الاسلوب النبوي فان مركز الجنة كان هو شجرة الحياة الا ان حواء حولت انتباههاعنها فكانت شجرة معرفة الخير و الشر هي وسط الجنة في فكر حواء او بلغة اخري هي مركز الجنة بالنسبة لها و الخطا الثاني الذي وقعت فيه حواء هو انها قالت للحية ان الله قال عن ثمرهذه الشجرة "ولا تمساه" و بذلك تكون حواء قد زادت علي كلام الله البسيط الصريح و جعلت الوصية معقدة فهذه العبارة لم يقلها الله لكنها من عنديات حواء التي سنت قانونا دينيا لم يسنه الله و اسمح لي ان اشاركك شيئا في شرح هذا الفكر فانت تعلم بوجود كتاب التلمود عند اليهود و هو عبارة عن وصايا و شرائع معقدة للغاية مركبة من اراء معلمي التوراة اليهودية عن كيفية السلوك لحفظ الشرائع التي اعطيت لشعب اسرائيل عن يد النبي موسي و السبب الذي يعللون به و ضع هذه التعاليم هو انها ان تعمل كحواجز بين الانسان و بين الوصايا الالهية فتكون دقة اتباعها تحول بين الانسان و بين كسر الوصايا الالهية و انا و انت نعلم و الكتاب المقدس نفسه يشهد - كما في اسفار الملوك الاول و الثاني و اسفار اخبار الايام الاول و الثاني و اسفار الانبياء - ان اليهود قد كسروا كل وصية من الاولي التي تنهي عن عبادة الاوثان الي العاشرة التي تنهي عن اشتهاء او الرغبة في اغتصاب ما للقريب
ما علينا فاخطاء حواء هذه التي هي اخطاء ادم ايضا اعطت هذا المخلوق الدخيل ان ينطق بعبارة من اخطر العبارات التي وردت في الكتاب المقدس و هي "لن تموتا" واضعا بها امام ادم و حواء منطوقا او عبارة مخالفة لكلام الله تماما فالله يقول تموتا و الحية يقول لن تموتا و وقف ادم في مفترق الطرق .... بمن يؤمن؟ و لكي يحبذ ذلك المخلوق كلامه الي حواء اضاف معلومة مبهرة للعقل اذ قال "بل الله عالم انه يوم تاكلان منه تنفتح اعينكما و تكونان كالله عارفين الخير و الشر" و هذه العبارة الاخيرة صحيحة و معلومة لادم ان معرفة الخير و الشر تاتي اما من الله او من الاكل من الشجرة و انه هو ايضا سيكون له هذا السلطان و يصبح مثل الله عارفا الخير و الشر اي مقررا لنفسه مبادئه و شرائعه مستقلا عن الله لقد كان الحاجز بينه و بين الاكل من الشجرة هو الموت او الايمان بالله ان الاكل من تلك الشجرة و لو انه يولد و يعطي الانسان معرفة الخير و الشر الا انه ايضا يولد او ينتج الموت و ها هو هذا المخلوق الحية يضع امامه عبارة تختلف تماما عن العبارة التي اعطاه الله اياها فعند هذه اللحظة اختار ادم ان يصدق الحية اختار كلام الحية و رفض كلام الله لقد تغير ايمان ادم تماما و صدق ما قاله له ذلك المخلوق و امن به و بكلامه و كفر او كذّب ادم الله و كلامه ثم كما تصرف او سلك مع الله حين صدقه فلم ياكل من الشجرة خشية الموت كذلك تصرف ادم و سلك بحسب ايمانه المتحول عن الله و عن كلامه فاكل من الشجرة معتقدا و مؤمنا انه لن يموت . لقد غيّر ادم موقفه من الله و قرر ان يكون هو سيد نفسه و ليس الله و لم يدرك ان معرفة الخير و الشر شئ يتطلب من المعرفة و القدرة و الطبيعة ما ليس لديه و النتيجة ان اصبحت نظرته للامور و مقاييسه و معاييره مضادة لمقييس و معايير الله تماماو الدليل علي ذلك ما يقوله الكتاب "فانفتحت اعينهما و علما انهما عريانان" و لان مقاييسه للخطا و الصواب اصبحت مضادة لمقاييس الله فلقد اخذ يصلح بحسب فكره المخالف ما عجز او لم يعمله الله الا وهو اخفاء عريه فمن قبل يقول الكتاب "و كان كلاهما عريانين ادم و امراته و هما لا يخجلان" اي كانا في موافقة تامة مع خليقة الله ناظرين الي الله فقط دون انفسهم اما الان فخاطا اوراق تين و صنعا لانفسهما مازر اي ان الانسان قد صار يحاول ان يصحح الخطا الذي وقع فيه الله و هو ان يستر عريه و صار ايضا خائفا من الله لانه اصبح منفصل عنه فعندما ناداه الله فاذا بادم يقول له "سمعت صوتك في الجنة فخشيت لاني عريان فاختبات" و اسمح لي ان اقول ما اقسي وقع هذه العبارة علي قلب الله الذي احب ادم بهذا المقدار و جعله خليفته علي الارض و الان اصبح ادم ينظر الي الله انه عدوه لقد كان ادم في ايمانه الاول يخاف الله اي يجله و يحترمه اما الان فاصبح يخاف من الله اي يخشي عقابه و بطشه لقد فسد في ادم العلم الذي كان مصدره الاعلان الالهي و حل محله الخيال الذي مصدره الذات او العقل الساقط المتحول عن الله .... و كيف كان موت ادم ؟ لقد طرده الله من الجنه التي كان قد اعدها لتكون مكان الشركة و المعاشرة بينه و بين ادم ابنه و الان صار ادم منفصلا عنه فطرده الله الي خارجها و منعه بذلك من الاكل من شجرة الحياة فمات ادم بعد ان عاش تسعماية و ثلاثين سنة علي الارض و شهد موت اجيال من بعده اولها ولداه قايين و هابيل
لكن قبل طرد ادم حدث ايضا شئ هام جدا و قبل ان استرسل في شرحي هذا لا بد انك الان تتساءل : حقا اخطا ادم و كفر بالله فلماذا لم يغفر الله له ذنبه و يبقيه في الجنة و قد تعلم ادم الدرس و كفي الله المؤمنين شر القتال كما يقال؟ اليس الله غفور رحيم ؟ اليس الله قادر ان يفعل ما يريد؟ لقد كان قانون الحياة مع الله هو الايمان و ليس العيان و كانت الجنة هي المكان المهيا من الله لكي تمارس فيه هذه الحياة و كان مضمون الايمان هو ان الاكل من الشجرة يسبب انفصال الانسان عن سيادة الله و يصبح الانسان هو سيد ذاته فيوجب الطرد من الشركة مع الله و بالتالي الموت فكان ينبغي ان يتم في ادم حكم الموت هذا لان الله نطق به من البداية و الا اذا تراجع الله عنه اصبح الله غير صادق في كلامه و يصبح الحية المخلوق المرعب هو الصادق لانه قال لحواء لن تموتا و الله يصبح كاذبا فكان لابد ان يتم حكم الموت في ادم . الا ان القضية هي ابعد من مجرد الموت القضية الاساسية هي قضية الانفصال عن الله التي سببها ان الانسان غير ايمانه فنزع ايمانه عن الله و وضعه في الحية فتغير ايمان الانسان و بحسب قانون العلاقة مع الله عن طريق الايمان فان الله بحسب علمه السابق كان قد اعد خلاصا للانسان من هذه الورطة و هنا قد تقول لي حسنا فلماذا لم يعطي الله ادم وصية اخري غير التي كسرها فسيحفظها ادم لانه اصبح مختبرا و يعرف حقا ان الله سيغضب عليه فلن يكسر الوصية ابدا و انا اقول لك بل لاجل هذا اصبحت الوصية غير ذات فائدة للايمان لانه بكسر الوصية قد خرج الانسان من دائرة الايمان الي دائرة العيان فمهما اعطي الله الانسان من وصايا اصبح الانسان يعرف انه اذا كسر الوصية حق عليه الموت و هذا ليس ايمانا بل علما و عيانا و تجربة ثم ياتي السؤال و ماذا عن نسل ادم ؟ لماذا لا يعيدهم الله الي الجنة و يترك ادم في الارض ؟ و هنا العودة الي ما قلت لان نسل ادم اصبح يعرف ان كسر الوصية ادي الي الموت فالعلاقة مع الله اذا لن تكون مؤسسة علي الايمان بل علي المعرفة و العيان فالايمان هو ان تؤمن بشي لم تراه لكنك تثق في من ابلغك به و هذا لاينطبق الان علي ادم و لا علي نسله ايا من كان فالايمان هو خاصية وضعها الله في الانسان يستخدمها بحرية ارادته فيؤمن بمن يشاء فالايمان دليل علي حرية الارادة و حرية الارادة دليل علي وجود خاصية الايمان في تركيب الانسان و لعلك تذكر النكته الانجليزية التي ترجمتها "قال الملحد : أشكر الله انني ملحد" و هنا دعني استكمل ماذا فعل الله قبل ان يطرد ادم من الجنة ... لقد نطق الله بعبارة و هو يدين المخلوق الحية هذه العبارة هي في مقام النبوة و ليست في مقام الوعد للانسان فقد قال الله للحية "و اضع عداوة بينك و بين المراة و بين نسلك و نسلها هو يسحق راسك و انت تسحقين عقبه" و هذه هي النبوة التي عاش علي انتظار تحقيقها ادم و حواء و من امن بها من الناس من نسل ادم زمانا طويلا حتي تحققت و هي ان هناك شخص ياتي من نسل المراه و لايقول من نسل الرجل و لا من نسلهما معا هو سيسحق راس الحية اي سيهزم مزاعم الحية و ما سببته باخراج الانسان من الشركة مع الله مقدما للانسان محورا اخر للايمان غير الايمان بالوصية الامر الذي اصبح غير صالح لان الانسان كسره و ايضا سيهزم الموت الذي حق علي الانسان بان ياخذ هو الموت لنفسه و يمتلكه (و انت تسحقين عقبه) . و بسبب هذه النبوة اصبح للانسان اختيار ان يؤمن بالله بها و يستعيد الشركة معه او يختار ان يؤمن بشئ اخر و يخسر الشركة مع الله و في النهاية ان يحصد نتيجة عدم تصديقه لهذه النبوة التي نطق بها الله ذاته و هذا موضوع مقالة اخري مختلفة تماما اما الان فماذا يبين ان الانسان قد اخذ هذه النبوة بمحمل الجد فان هذا يظهر من الاسم الذي اطلقته حواء علي مولودها الاول اذ اسمته قايين و هي تقول اقتنيت رجلا من عند الرب فكانت حواء في ايمانها تظن ان هذا هو الرجل الذي يحقق النبوة و قد فاتها ايضا ان النبوة هي في نسل المراة اي بدون الرجل و ليس في نسل ادم لكن هذا كان دليل علي قبول الانسان ادم و حواء لنبوة الله و قضوا حياتهم حتي تحت الموت ينتظرون تحقيق النبوة من جيل الي جيل الي جيل .
و الان لنا عودة الي بعض تساؤلاتك الاخري اولها هل تم ذلك بارادة الله و الاجابة طبعا لا فاذا كان هذا الامر قد تم بارادة الله فقد الغيت ارادة الانسان الحرة و بالتالي فقد الغي الايمان و نستطيع ان ندعو هذه القصة او الواقعة "مسرحية الشجرة" لمؤلفها و منتجها و مخرجها و بطلها و ممثلها الله اما الحية و ادم و حواء فهم مجرد كمبارس او دمي في مسرح العرائس و هذا ما يدعيه و يشتاق ان يثبته كل من لا يقبل المسؤلية الادبية الناتجة عن قبول الايمان الصحيح الذي يؤدي الي شركة مع الله التي تنعكس في سلوك سليم ليس كامل لكنه مخلص و صريح مع الله و مع الناس سلوك ذو قيم ادبية قد سبق الله فغرسها في الضمير الانساني و اعلنها في وصياه و تعاليم انبيائه ليس لتكون هي الغاية او الوسيلة للبلوغ الي الله بل لتكون هي المقياس الذي ينبه الانسان و المؤشر الذي يوضح للانسان مدي اخلاصه في شركته التي هي بمنطوقنا البشري عبادته لله و حاش لله ان يكون ممثلا
و لكن كيف تتسبب ارادة او معصية فرد واحد في تعاسة جميع البشر و هنا نقول كما سبق و بينت انه ليست ارادة الله اتعاس البشر و لم تكن نية ادم ان يتعس نفسه و لاذريته من بعده لقد ظن ادم انه اذا تحرر من سلطان الله علي الامور الادبية و الروحية المتمثل في تقرير ما هو خطا و ما هو صواب ان هذا هو السعادة الابدية ان يصير هو مالك مصيره و قدره و سلطانه علي نفسه و هذه كلها اوهام وكلها تصورات زرعتها فيه هذه الكلمة "لن تموتا" الذي كان ينبغي عليه بالسلطان المخول له ان يرفضها و يرفض قائلها لتعارضها مع ما تسلمه و تعلمه من الله فلما طرد الله ادم من الجنه و ابطل وصوله الي شجرة الحياة و منعه بذلك من ان يستمر في الاكل منها اصبحت طبيعة الموت تسري في جسم ادم و اول مظاهرها الخجل من ذاته اي احتقاره لنفسه و ثانيها الخوف الذي سبب هربه من الله و اختبائه بين اشجار الجنة و نزل ادم الي الارض و جاءت ذريته تحت سلطان الموت الذي ساد بسبب ان الانسان فقد الايمان الاول الامر الذي نتيجته الموت و اصبح يعيش علي الايمان الثاني اي نبوة المخلص الذي يسحق راس الحية و لكن ماذا عن الحروب و الكوارث و المرض و الاوبئة
لقد اعطي الله للانسان سلطانا علي كل الارض و تستطيع ان تقرا تفاصيل ذلك في الاصحاح الاول من سفر التكوين و عندما طرد الله الانسان من الجنة لم يسحب منه هذا السلطان لكن الانسان نزل الي الارض و فكره غير خاضع لفكر الله فاستغل الارض و ثرواتها لتعظيم نفسه و امتاعها و استغل مقدرة التسلط ليتسلط بها علي البشر و علي ثروات الارض ليتسلط بها علي غيره فكانت شهوة التملك التي تودي الي النزاع البسيط ثم الي الحروب المرعبة و لنترك التاريخ الدموي للبشرية و تعال نفحص اخبار الاستعداد للحرب كم من المال ينفق علي التسليح و الجيوش و الات الدمار بحرا و جوا و ارضا و السؤال البسيط الذي انت تعرف اجابته جيدا ربما اكثر مني بسبب طبيعة عملك الصحفي ماذا لو انفقت هذه الاموال الطائلة علي ادارة شئون هذا الكون و البحث العلمي و التقدم و رفاهية الانسان ماذا لو لم تكن هناك جريمة لا سرقة و لا اغتصاب و لا قتل هل الله مسئول عن كل هذا ....تدمير حياة الانسان و النبات و الحيوان هل الله مسئول ان يعربد الانسان في الارض فشعوب تموت من التخمة و شعوب تموت من الجوع هل الله مسئول عن هذه ان يستخدم الانسان اسمه فيجهز جيوشا جرارة فيقهر بلادا باسم الله و يزرع مستعمرات و يذل شعوب باسم الله فقط انظر الي الفتوحات و الحروب الاسلامية ثم انظر الي الحروب الصليبية هل الله مسؤل عن هذه او تلك انظر الي الحرب العالمية الاولي و الثانية و مايعده الانسان للحرب الثالثة فهل الله مسؤل عن هذه انظر الي الحروب القبلية الافريقية التي تذهب بالملايين كل عام دون ان نشعر بها ثم انظر معي الي سيطرة البنوك و الشركات في الدول الراسمالية و سيطرة الدولة و الحكومة علي كل شئ في الدول الشيوعية او الدول الديكتاتورية تحت اسم الاشتراكية انظر كيف يزج الانسان باسم الله في السياسة و الحرب و المال و هو لا يقبله في عقله و لا ضميره و لابيته و لا اخلاقياته فهل الله مسؤل عن ذلك لقد صار فينا و حكم تصورتنا و تصرفاتنا شئ واحد هو الخوف ... الخوف من المستقبل الخوف من المرض الخوف من الموت الخوف من قريبي الخوف من جاري فهل الله مسؤل عن هذا ثم من وجة اخري كم من الدعاة و الداعين باسم الدين مسيحيا و اسلاميا ينادون بالتواكل و الدعة و المسكنة حتي صارت الكلمة الدين افيون الشعوب و هذا صحيح لان الله ليس دينا بل انه حياة حتي في وجه الموت الذي اصبح في وجه الله بداية للحياة الحقيقية و اصبحت الحياة في وجه الله هنا هي السماء الحقيقية و الانسان مسؤل عن ذلك فله ان يختار العدل و الحق و السلام او الظلم و الخداع و الدمار علي انني لا ادعي ان الامر بسيطا بهذه الدرجة و خاصة كلما ازدادت مدنية الانسان تعقيدا لكن اعتقد انك توافقني ان الانسان قد اختار طريقامن المستحيل الرجوع عنه و لن ينقذ البشرية من الدمار و الفناء سوي تدخل الله نفسه و هذا ليس تقاعسا و لا تخاذلا من باب "خليها علي الله او قول يا باسط او المقدر و المكتوب" بل ان هناك العديدين من الناس في مختلف الشعوب و الامم يعرفون هذه الحقيقة و هم ينتظرون و يطلبون وجه الله ليلا و نهارا و يعيشون حياتهم العملية بجد و اجتهاد غير خائفين من الغد او الموت
ارجو ان يكون مقالي هذا فاتحة للاجابة علي اسئلتك و اشكرك شكرا جزيلا علي صبرك علي قراءة هذه المقالة المطولة و استسمحك عذرا اذا كان فيها اي غموض او اي اخطاء لغوية او املائية
و سلا م الله معك دائما

الرسالة الثانية

عزيزي الاستاذ إبراهيم الجندي
تعبيرا مني عن اعجابي بارائك و كتاباتك رأيت أنه كما كتبت اليك من قبل ردا علي مقالك عن النبي ادم رأيت أيضا ان اواصل الكتابة اليك بالرد علي ما جاء في مقالك المنشور في جريدة عرب تايمز بعنوان مجمّع الاديان فلقد ابديت رايك في ما تدّعيه الاديان من سماحة و استشهدت بنصوص علي ان الاديان لا تعني ما تدعيه بل انها تحوي في تعاليمها نصوص مخالفة مما يجعل اتباعها يفعلون العكس تماما و استشهدت علي رايك في المسيحية انها ديانةالقسر او ان اتباعها قد أُمرُوا بارغام الناس علي اعتناقها و الدخول فيها مستشهدا بعبارة تنسبها الي السيد المسيح وهي كما كتبتها انت هي "أجبروهم علي الدخول حتي يمتلئ بيتي" و علّقت علي ذلك بقولك السّاخر "بمعني اجبروا الناس علي اعتناق المسيحية قسرا و قهرا حتي تكون المحبة علي حسب الاصول" و انا لشدة اعجابي بك فانا اريد و ارغب ان تكون افكارك دائما نقية و عباراتك التي تقتبسها و تنسبها الي من تظن انه قالها ان تكون دائما صحيحة تماما اما رايك فيها و تفسيرك لها فهذا شأنك وحدك و مسؤليتك و يدفعني اعجابي بك إلي اعلان اختلافي معك و ان اصارحك القول و الرأي في تصحيح و تفسير ما اقتبسته من عبارات و خاصة عن المسيحية ديانة المحبة الكاملة. أما العبارة التي اقتبستها عن اقوال السيد المسيح فنصها الصحيح هو "الزمهم بالدخول حتي يمتلئ بيتي" و هذه العبارة قد وردت علي لسان السيد المسيح في سياق مثال كان يتكلم به بينما كان مدعوا في مأدبة اقامها له أحد رؤساء حزب أو طائفة الفريسين و هم طائفة او مذهب يهودي كان في ايام وجود المسيح علي الارض و تستطيع ان تقرأ نص المثل في انجيل لوقا الإصحاح 14 إبتدا من الأية 15 و حتي الأية 24
و واضح من النص ان موضوع الدعوة هنا في هذا المثل كانت حفلة عشاء اقامها انسان غني جدا و دعا اليها اناسا عديدين و ارسل اليهم عبده حين جَهَزَ العشاء مكررا او مؤكدا الدعوة ان ياتوا فاعتذروا له باعذار مختلفة فطلب رب البيت الي خادمه ان يخرج الي طرقات بلدته و يدعو اليه جميع من يجدهم من المساكين و المعاقين الذين يبدوا ايضا ان ليس كلّهم قد قبل الدعوة لان الخادم قال لسيده انه يوجد ايضا مكان فنطق الداعي بهذه العبارة "الزمهم بالدخول" و هي بحسب النص لا يمكن أن تعني أجبرهم علي الدخول كما اوردتها انت لانه لاحظ البيئة الشرقية و الكرم الشرقي و يبدو ان البعض من هؤلاء المساكين الذين دعاهم العبد من الطرقات استحوا لرثاثتهم ان يدخلوا بيت الغني فامر الغني خادمه بان يلزمهم بالدخول و هو لفظ يعني هنا العزومة المشدده لئلا يظن البعض انها مجرد "عزومة مراكبيه" و هو لم يطلب منهم شيئا لا أن يتبعوه و لا ان يتوجوه ملكا أو رئيسا عليهم انها فقط دعوة محبة يظهر بها هذا الرجل الغني محبته لاهل مدينته و تفسير النص و تحليل المثل يرجع الي السياق الذي جاء فيه و السبب الذي من اجله قد ضُرِبَ هذا المثل الامر الذي هو بعيد عن موضوع هذا الرد
و الان اسمح لي ان انتقل الي موضوع مقالك الذي هو التسامح و قبول الاخر الذي يختلف في العقيدة أو المذهب أو الديانة و لا شك في ان كل ديانة يكون كتابها هو الشاهد عليها و ان تُوزَن تصرفات اتباع هذه الديانة و يُحكَم عليهم بما جاء في كتابها و باللغة البسيطة التي استعملها النص و واضح ان ما المحت أنت اليه هو اتهامك للمسيحية بإرغام من يختلف عنها بإتّباعِها و عدم تسامحها مع من يختلف عنها و ضربت المثل بالتساؤل عن السماح باستخدام دور العبادة لاغراض عبادة الدين الا خر و رغم انني لست من رجال الدين -أعتقد اني قلت لك من قبل اني مهندس - و لست أعبر عن الرأي الرسمي لأي طائفة او كنيسة مسيحية لكني ساضرب لك مثلا واحدا من الذاكرة فقلد تركت مصر منذ حوالي اربعة و عشرين عاما و لازلت اذكر انه خلال شهر رمضان كان البابا شنودة رئيس الكنيسة القبطية الارثوذكسية يدعو شيوخ الازهر و ائمة المسلمين الي مائدة افطار في الكاتدرائية المرقسية و كان يعد لهم مصلي و يهئ لهم المكان و الوضوء و ما اليه قبل الافطار و كان يقف معهم للصلاة مع باقي الاساقفة المدعوين و يقدم المسيحيين ابتهالاتهم و المسلمين يؤدون ركعاتهم و اذانهم و صلواتهم الي جانب ابتهالات المسيحيين المصلين و لك ان تطّلع علي جريدة الاهرام التي كانت تنشر هذه الصور في ذلك الزمان اما ان يصلي المسيحيين في المساجد الاسلامية فهذا شئ لا استطيع ان اجزم ان كان المسلمين يسمحون به ام لا
ما علينا لان الاهم عندي هو ان اناقش معك هل تنتشر المسيحية بالارغام و الاجبار و ابدا فأقول لك ما تعرفه انت جيدا و ربما احسن مني ان التاريخ ملئ بأخبار المجازر و الحروب و المعارك و سفك الدماء و الاضطهادات التي جرت كلّها باسم المسيح الذي هو ملك السلام و اله المحبة و تحت راية و شعار الصليب الذي هو رمز الفداء و التضحية بالنفس و الدماء ليس من اجل الاصدقاء بل من اجل الاعداء فمن فوقه صلي المسيح "اغفر لهم يا ابتاه لانهم لا يعرفون ماذا يفعلون" و هو نفسه الذي قال لمن اراد إتّباعِه "إن اراد احد أن ياتي ورائي فلينكر نفسه و يحمل صليبه كل يوم و يتبعني"
لقد قتل المسيحيون بعضهم البعض في الصراعات المذهبية و لعلك تذكر اعمال و حروب الكنيسة الرومانية الشرقية (الكنيسة البيظنطية) ضد الكنيسة المصرية (القبطية) ايام الاحتلال الروماني حتي اتي عمرو ابن العاص من الجزيرة العربية و انقذ البابا بنيامين من ايدي الرومان المسيحيين و لعلك تذكر اضطهاد الكنيسة المصرية للوثنيين و حرقهم و تحويل معابدهم الي كنائس و لعلك تذكر أيضا حرب الصور و الايقونات التي ذبح المسيحيون فيها بعضهم بعضا تحت شعار ايهما اصلح للعبادة و طبعا كلاهما محرّم في المسيحية الكتابية و لعلك تذكر أيضا حروب امراء و ملوك أوروبا المسيحيين ضد بعضهم البعض و لعلك درست و قرأت جيدا تاريخ الحروب الصليبية الاسود و لن اسرد لك ما فعلته الكنيسة ايضا باليهود في محاكم التفتيش و غيرها و لن اسرد لك الاضطهاد التي عانته و لا زالت تعانيه الكنيسة المسيحية تحت حكم السيف الاسلامي ثم مجازر البوسنه و الهرسك فالكل يداه مخضبة بالدماء باسم الله و باسم الدين و أحب أن انبهك إلي أن اوّل جريمة قتل حدثت في تاريخ البشرية كانت بسبب الاضطهاد الديني حيث قام قايين ابن ادم الاول و ذبح أخاه هابيل بسبب غيرته من ديانة أخيه
فاين هي المسيحية من كل هذا هل المسيحية كنيسة تتحكم و دولة تسود و أتباع يمارسون الاجبار و الارغام كما قلت انت في مقالك هل هناك نصوص في كتاب المسيحيين تحرّض المؤمنين علي القتال هل هناك تعاليم بفرض الدين علي الاخرين حتي و لو بالسيف أم ان المسيح شئ و المتمسحين فيه شئ آخر تماما و أنا أرجو أن نتفق علي شئ و هو أن موضوعية الايمان و غرضه تؤثر في طبيعة الدعوة اليه و علي هذا الاساس يمكننا فحص الايمان المسيحي الصحيح من نصوص الكتاب المقدس و بالتالي نستطيع تقييم الدعوة الصحيحة اليه مسترشدين ايضا بنصوص الكتاب في هذا الامر
فالايمان المسيحي عرّفه بولس رسول المسيح كلأتي "و أعرفكم أيها الاخوة بالانجيل الذي بشرتكم به و قبلتموه و تقومون فيه و به ايضا تخلصون إن كنتم تذكرون أي كلام بشرتكم به إلا إذا كنتم قد آمنتم عبثا فإنني سلمت اليكم في الاول ما قبلته أنا ايضا أن المسيح مات من أجل خطايانا حسب الكتب و انه دفن و انه قام في اليوم الثالث حسب الكتب و انه ظهر لصفا ثم للاثني عشر و بعد ذلك ظهر دفعة واحدة لآكثر من خمسمئة أخ " هذا المسيح موضوع الايمان قال عن نفسه "مملكتي ليست من هذا العالم" و عن علاقة اتباعه بالعالم قال عبارته الشهيرة "أعطوا ما لقيصر لقيصر و ما لله لله" و هو الذي بدا رسالته بان و ضع اسس مملكته كما وردت في انجيل متي 5 و 6 و 7 و هو الذي ارسي القاعدة الاساسية في معاملة الاعداء "و اما انا فاقول لكم احبوا اعداءكم باركوا لاعنيكم احسنوا الي مبغضيكم و صلوا لاجل الذين يسيئون اليكم و يطردونكم لكي تكونا ابناء ابيكم الذي في السموات" و قد تكلّم المسيح بنفسه إلي أحد قادة اليهود عن موضوعية الايمان الذي يقدمه الله للبشر لكي يقبلوه كما أورده يوحنا تلميذ المسيح في كتابه الذي يُسمي إنجيل يوحنا "لآنه هكذا أحبّ الله العالم حتي بذل ابنه الوحيد لكي لا يَهلِكَ كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الابدية" و ارجو ان تلاحظ تشكيل الكلمة "يَهلِكَ" و ليس "يُهلِكَ" اي ان الهلاك ياتي للانسان كنتيجة طبيعية لرفضه و عدم ايمانه بما قدّم الله له لانقاذ حياته أما إرادة الله نحو البشر كما عبّر عنها بولس رسول يسوع المسيح فهي"الله الذي يريد أن جميع الناس يخلصون و إلي معرفة الحق يقبلون" فالله لم يُعد الهلاك للانسان و تعليم المسيح عن جهنم أنها "مُعَدّة لإبليس و ملائكته" ليست لبني البشر
هذا هو ملخص الايمان المسيحي و الا نجيل الذي اقتبست لك نصه هو اساسه و ان السبب في ان الله قدّم هذا الايمان الي الانسان هو انقاذه من الهلاك لأن الله يحب الانسان كما جاء في حديث السيد المسيح الذي اورده تلميذه يوحنا في كتابه كما سبق.
و لقد أوضح الكتاب المقدس في عدّة مواضع أن الانجيل يُقدّم إلي الانسان و له حرّية الاختيار أن يقبله أو يرفضه فان وصية السيد المسيح الاخيرة لتلاميذه و للكنيسة من بعدهم هي "إذهبوا إلي العالم أجمع و أكرزوا بالإنجيل للخليقة كلهامن آمن و إعتمد خَلُص و من لم يؤمن يُدَن" و المعمودية هنا هي شهادة و اعتراف من الشخص أمام الكنيسة بانه قَبِلَ الايمان المسيحي أما دينونة من لم يؤمن هنا فهي بحسب تعاليم انجيل المسيح في جميع نصوصه هي مسئولية الله و عمله و هي تتم في الحياة الاخرة و ليس في الحياة الدنيا و قد شرح ذلك بولس رسول المسيح ايضا "وُضِعَ للناس أن يموتوا مرة ثم بعد ذلك الدينونة" و قد علّم المسيح أتباعه قائلا "لا تُدينوا لكي لا تدانوا" فلا يستطيع أحد أن يحكم علي أحد لآنه مهما كان رفض الانسان للانجيل فهناك دائما فرصة بلا حدود في هذه الحياة و الباب دائما مفتوح و محبة الله معلنة للجميع
و تفاصيل الايمان المسيحي روحية و عميقة جدا فهي تبدأ اولا بعمل الله في قلب الانسان و ضميره كما قال السيد المسيح عن روح الله القدّوس "و متي جاء ذاك يبكت العالم علي خطية و علي بر و علي دينونة" و بسرعة و بدون الدخول في تفاصيل كثيرة فان يبكت هنا بمعني يوبخ و يعاتب و الخطية هنا هي عدم الايمان و البر هو الصلاح المطلوب في الانسان و الدينونه هي التحذير الذي وضعه الله في ضمير الانسان عن مصيره بدون الله و بعيدا عنه كما قال النبي سليمان قبل المسيح بأكثر من الف سنة إن الله "وَضَعَ الابدية في قلبهم" ثم يأتي دور البشارة بالانجيل الي الانسان تحملها اليه الكنيسة أي المؤمنين الحقيقيين في كل العالم كما حملها بولس الي السّجان الذي عذّبه و سجنه بسبب تبشيره بالمسيح في مدينة فيليبي القديمة لان بولس كان يصلي و هو تحت التعذيب فحدث زلزال فتوبخ السّجان و سأل بولس "ماذا ينبغي أن أفعل لكي أخلص" فاجابه بولس "آمن بالرب يسوع المسيح فتخلص" و بقبول البشارة أو الانجيل يحدث شئ غريب في حياة الانسان يعمله الله فيه بنفسه ليس للكنيسة و لا للمبشر و لا لأي قوة في السماء او علي الارض أي سلطان عليه أو دور فيه بل الله الذي يقرأقلب الانسان و هو وحده يعرف صدق قبول الانسان للانجيل او رفضه فعندما يري الله ان الانسان قد قبل الايمان بحسب الانجيل ـ الذي اشرت اليه سابقاـ يخلق الله في الانسان قلبا رو حيا جديدا و قد سمي المسيح عمل الله هذا بالولادة من فوق و أيضا الولادة من الروح حيث قال "إن كان أحد لا يولد من فوق لا يقدر أن يري ملكوت الله" و قال أيضا مشددا علي هذا "ينبغي أن تولدوا من فوق" و السؤال هنا كيف يقبل الانسان الانجيل و ما معني قبوله للإنجيل يا صديقي السيف لا ينفع هنا و لا الترهيب و الارغام و لا حتي قوة الحجة و الاقناع لأن عمل الله في قلب و ضمير الانسان يضع الانسان في مفترق الطرق فاما أن يقبل تأثير الله عليه و عتابه له و يستسلم الي الله او يرفضه فاما أن يقبل الانسان ما يعلنه الله اليه في ضميره من عدم صلاحه و فشله في إصلاح ذاته حتي بتديُّنِه ثم يقبل بخضوع أن يُحسَب ميّتا مع المسيح وفاء لعدل الله و راجيا أن يُحيه الله كما أحيا المسيح من موته نعمة مجانية له من الله و أن يقبل عهدا مع الله أن يعيش لله كل ايام حياته مثاله في ذلك هو المسيح الكامل فعند هذا القبول القلبي الذي يشهد له الله وحده دون البشر و بحسب و عد الله كما جاء في الكتاب "ان كل من يدعو باسم الرب يخلص" يعمل الله عمله في الانسان فيخلق فيه روحا جديدا ملتصقا بالله و يبدا في تدريب حياته في السير معه حتي يلقاه و اما من يرفض فله فرصة من الله مفتوحة في هذه الحياة حتي الاجل المحدد الذي لا يعرفه الا الله و متي اسلم الانسان الروح ضاعت الفرصة الي الابد و يذهب الانسان ليقضي ابديته فيما اختاره لنفسه برفضه عتاب ربه
و هنا يا صديقي اسالك كيف يمكن ان تدعو الي دين كهذا الا ان تقول للبشرية كلها و تبلغ بالرسالة التي حمّل الله بها اتباعه أن ابشروا فان الله في محبته لكم قد عفي عن كل الذنوب و ما عليكم الا ان تقبلوا عفوه بايمانكم بانجيله أين السيف أين الارغام أين القسر و الاجبار هل تستطيع قوة في العالم ان تعمل ما يعمله الله في الانسان ربما تستطيع ان تغيّر مذهب الانسان الفكري و العقائدي لكن هل تستطيع ان تغيّر فلب الانسان و مصيره الابدي الذي هو هدف الله و قصده مع كل واحد من بني البشر
من هذا تستطيع أن تحكم أن كل اسلوب في الدعوة المسيحية لا يتفق مع النمط الكتابي انه لا يمت للمسيحية بصلة و هي منه براء و المسيحي الصحيح هو الذي يقدم في نفسه لمجتمعه الذي يعيش فيه صورة لسيّده المسيح الذي احب العالم و أنه كان يجول يصنع خيرا حتي انه بذل نفسه لاجلهم
مع خالص تحياتي إلي شخصك العزيز

الرسالة الثالثة

عزيزي الاستاذ ابراهيم الجندي

تحياتي الي شخصك و ارائك و تساؤلاتك التي اتابعها بشغف في جميع مقالاتك و انا اشكرك لاعطائي الفرصة ان اتجاوب معك سواء بالتاييد او المعارضة و ان احاول علي قدر ما استطيع ان اجاوب علي تساؤلاتك التي اشعر انها تمثل امانة في الفكر و نقاء في هدفها و طرحها مع جدية و خطورة موضوعيتها

و انا قد لاحظت اهتمامك بالجانب الثقافي الديني و تاثيره علي مجتمعاتنا المصرية خاصة و العربية عامة و نقدك الجرئ و الممتاز للثقافة الدينية التي تسيطر و تحرك تصرفاتنا الاجتماعية سواء في الدين الاسلامي او المسيحي و قد وجدت ايضا ان معظم القضايا التي طرحتها في الماضي تمس تدين الانسان بوجه عام ايا كان دينه و معتقداته و قد اثار فيّ مقالك الاخير بعنوان "المذبحة" الكثير من الهمة و النشاط لاعود الي ابحاثي المتواضعة و مذكراتي و مراجعي -وهي قليلة- لاحاول الرد علي ما طرحته من تساؤلات و ما ابديته من اراء في هذا المقال

و ارجو ان تسمح لي ان ابدا بمدخل الي هذه المقالة و هو الرمزية و دورها في فكر الانسان و قيمتها في ممارسة حياته اليومية و لعلك تذكر طابور الصباح في المدرسة و نحن وقوف حول عصايه طويله اسمها سارية مربوط بها من فوق او معلق عليها قطعة قماش ملونة كانت من قبل خضراء ثم تحولت الي حمراء و بيضاء و سوداء يقال لها العلم و كنا نضع ايدينا اليمني (طيب ليه مش اليسري) الي جانب رؤوسنا بحيث تمس اصابعنا جبهتنا لانهم افهمونا ان هذه هي التحية ثم نهتف بصوت يهز المدرسة يعيش فاروق الاول ملك مصر و السودان هذا ايام كانت القماشة اقصد العلم اخضر فلما تلون بالاحمر و الابيض و الاسود صرنا نهتف تحيا مصر ثم تغير الي تحيا الجمهورية العربية المتحدة ثم تغير الي تحيا جمهورية مصر العربية . قطعة قماش مربوطه علي عصايه و اقفين حواليها و عمّالين نزعّق

و اذا تقابلنا في يوم من الايام انت و انا فاذا كانت حرارة الدم المصري ما زالت تجري في عروقنا فبالاحضان او علي الاقل سامد يدي و تمد انت يدك و تتماسك كفوفنا و نحن نهز ايدينا المتشابكة بشدة و اقول ازيك تقول الله يسلمك و اما اذا كنا قد تامركنا و صارت لنا الدماء الانجليزية الباردة فسنقف علي مسافة قريبة من بعض و نبتسم و تقول "هاي" و ارد عليك "هاي" و تقول "هاو دو يو دو" و ارد انا "فري جود ثانكيو" ثم نكمل حديثنا و مشوارنا

و مظاهر هذه الرمزية تجدها في الافراح و الجنازات في الملابس و في التصرفات و الافعال و في الاحتفالات الرسمية و مقابلات الملوك و الرؤساء هناك شئ يسمي البروتيكول و حتي علي الورق فأهم شئ في دولتنا دايرة مرسوم جواها عصفورة اسمها ختم النسر لماذا النسر ليه مش الاسد و الا الحوت و الا الفيل

و مظاهر الرمزية في الديانات ايا كانت كثيرة و متعددة مثل حركات الركوع و السجود التي كانت في الفلسفات و الديانات القديمة تؤدي ليس فقط للالهة بل ايضا للملوك و في الديانات الحديثة و هي المسيحية و الاسلام اقتصر الامر علي الانحناء البسيط امام الملوك و عظماء الدولة اما السجود و الركوع فلله وحده و في الاسلام مناسك رمزية كثيرة مثل ما في الحج من احرام في الملابس ثم الطواف بالكعبة و وقفة عرفات و رجم ابليس و ايضا النحر الذي هو سبب مقالك هذا و في المسيحية رمزين اساسيين اولهما المعمودية و الثاني التناول و تتنوع ممارسات رمزية اخري بين الكنائس المختلفة بحسب عقائدها و قد ورد في النصوص الدينية سرد للعديد من الاحداث التي كانت الرمزية فيها لغة للتعبير عن افكار و تخاطب بين الله و الانسان و تجد اكثرها في كتب العهد القديم التي سردت العلاقة بين الله و بين شعب اسرائيل القديم

و التقاليد هي مجموعة من السلوكيات و التصرفات الرمزية يحيا بها الانسان في مجتمعه و يتعايش بها مع غيره و اذا عرجنا الي جانب الدين و تاملنا سلوكيات و عبادات الانسان من البدائيات حتي الحضارة الحديثة مهما كان نوع الدين فهناك دائما سلوكيات رمزية اسمها في الدين الطقوس و جميع الحضارات التي تكشف عنها الحفريات نجد انها مشتركة في شئ واحد مهما تنوعت و مهما تباعدت جغرافيتها و مهما تقارب او تباعد تاريخها فأهم اثر بعد القبر كان هو المذبح او المعبد باشكاله المختلفة و كان هو العامل المشترك دائما و ليس البيت و لا المدرسة و لا السوق لذلك نستطيع ان نقول ان الرمزية هي طبيعة بشرية متاصلة في الانسان تظهر بصورة واضحة في تدينه و بدرجة او باخري في حياته الاجتماعية و بقول ادق هي غريزة في الانسان كباقي غرائزه

و لان الرمزية كلغة في طبيعة و ضمير الانسان فهي تعطي معني اعمق مما تستطيع اللغة المنطوقة باللسان ان تعبر عما في داخل الانسان و تجعله يعبر عما يدرك بما لا يستطيع ان يعبر عنه بالشرح و البيان فهناك مدركات في الحياة يعيها الانسان بخاصية في تركيبه يمكن ان نسميها الحَدَس و هي مرتبطة ارتباطا وثيقا بقدرة الانسان الطبيعية علي التصوّر و التخيّل و كانت شفافية الانسان الاول عالية فكان يعتمد اساسا علي هذه الحاسة لممارسة شؤن حياته كما هو ظاهر في الحضارة المصرية القديمة التي كانت قائمة علي التامل في الغيبيات فكان ذلك عصر العبادات ثم تلتها الحضارة الاغريقية القائمة علي التامل في الموجودات اي الملموسات و المحسوسات و هذه كانت عصر الفلسفات حتي انتهي بنا الامر الي المعمل و التجارب و العلم القائم علي التجربة و الخطا ثم الي عصر الكومبيوتر بالاحصاء و تحليل المعلومات و الاتصالات فانقطعت في الانسان الخاصية الحدسية التي كانت تربط ادراكه العقلي بالكون الذي يعيش فيه و بقيت لنا الرمزية كمجرد تقليد نستحسنه لانه يجعلنا نشعر بالارتباط بالاجيال التي قبلنا او التي حولنا او التي ستاتي بعدنا حسبما تكون الحالة فنحن نعيش الان في عصر الماديات

و من هذا المدخل اسمح اي ان انتقل الي مشكلة او قضية النصوص الدينية لان اللغة التي كتبت بها زيادة عن كونها قديمة فالكتاب المقدس يرجع تاريخ اقدم اسفاره الي حوالي ثلاثة الاف سنة و احدثها الي حوالي الالفين و القران يرجع تاريخ كتابته الي حوالي الف و خمسماية سنة ففيها ايضا رواية لكثير من الاحداث و الوقائع التي لا يمكن فهمها الا اذا ارجعناها او اقول مجازا ترجمناها الي لغة العصر بواسطة قاموس اللغة الرمزية التي هي ممتزجة بلغة الزمان و المكان الذي كتبت فيه لكى نصل الي المعني المقصود ان توصله هذه الكتب لنا ثم ان اتباع الديانات يؤمنون ان هذه الكتب قد دونت بامر من الله في علاقة خاصة بين الله و الانسان الذي كتبها سُمّيت بالوحي و هذه قضية اخري قابلة للمناقشة في مجال اخر لكن دعنا نبدا من النصوص التي بين ايدينا و هي القران المعترف به بين المسلمين و الكتاب المقدس المعترف به بين المسيحيين

و قد قلت انت و دعني اقتبس من مقالك هنا بالحرف "أعتقد انه من الواجب علي كل مؤمن بالغيب ان يصدق به دفعة واحدة و يقبله دون نقاش (الذين يؤمنون بالغيب) أول البقرة . أو يرفضه كله اذا حاول ان يناقش و يحلل و يتبني المنهج العقلي في التفسير و اعتقد ان كل من يدعي ان النصوص الدينية تدعو الي التفكير انما يجافي الحقيقة متعمدا فنحن في اغلب الاحيان نرتل النصوص و لانقراها او نتدبر معانيها بحياد" و انا اوافقك كل الموافقة في الجزئ الاول من هذا الراي لان الذي يؤمن بالغيب لا ينبغي عليه ان يناقش او يحلل و الا لما اصبح الغيب غيبا الذي هو نقص العلم بسبب الجهل اي عدم المعرفة او التغابي اي الانحصار في الغيبية او التكاسل عن الجد و الاجتهاد و طلب المعرفة فيبقي الغيب مستورا بسبب موقف العقل منه فالايمان بالغيبيات هو نمط من سلوك العقل الذي لا يريد ان يعمل و هو في رايي دين موجود في كل الاديان و هو سنة فرضها من يريد ان يسيطر علي اصحاب العقول الخاملة المستسلمة التي وهبها الله القدرة علي التفكير و لا تريد ان تستخدمها فهؤلاء الناس لاؤمنون بالله بل بالبشر الذين اسلموا عقولهم لهم يفكرون لهم و يفرضون عليهم ان لا تناقش و لا تجادل

اخي الاستاذ ابراهيم ان المؤمن بالغيب لا يؤمن بالله لان الله ليس اله الغيبيات بل هو اله البحث عن الحقيقة و الا فكيف نقول عن الدين انه دين الحق و نحن لا نعرف و لا نبحث عن ما هو الحق ان الغيب هو الظلام اما الله فهو النور فاذا اتّبعت الغيب سلّمت و استسلمت و اذا اتبعت الله بحثت و فتشت و عرفت

و احب ان اشارك معك ما ادركته و فهمته و اختبرته عن موقف الله من التفكير و اسمح لي ان افعل ذلك من وجه النظر المسيحية و الكتاب المقدس و ارجو ان تعذرني في عدم الخوض في هذا الموضوع من وجهة النظر الاسلامية و القران لان دراستي للاسلام مازالت سطحية جدا رغم اني قرات القران عدة مرات لكني لم ادرس بعد المفهوم الاسلامي للقران فارجو ان تسامحني في هذا اما الذي شجعني ان اخوض معك غمار هذا الامر فهو ان قصة ابراهيم و ذبح ابنه (اسمعيل او اسحق فهذه قضية اخري) هي قصة مشتركة في الكتاب المقدس و في القران

فالتسليم بالغيب يناقض فكر الله و مشيئته من نحو الانسان فالقران يقول عن الله "علّم الانسان ما لم يعلم" و الله لا يُعلّم من لا يريدوا ان يتعلموا و كيف يتعلم الانسان دون ان يفكر و يناقش و يبحث و يسال و هناك اية في سفر اشعياء في الكتاب المقدس يقول الله فيها و ينادي الانسان قائلا "هلم نتحاجج يقول الرب" و كيف يقدم الانسان حججا دون ان يفكر فالله يدعو الانسان الي التفكير و التساؤل و ايضا ان يجاهر الي الله بما يفكر فيه حتي يسمع من الله ما يقوّم الله به فكره و قد قال يسوع المسيح للذين يريدون ان يتبعوه "فتشوا الكتب لانكم تظنون ان لكم فيها حياة و هي تشهد لي" و كلمة فتشوا معناها ليس مجرد اقرأوا بل بالاكثر ابحثوا و هذا معناه ايضا التفكير و التساؤل و يمكن ان اسرد لك العديد من كلام الكتاب المقدس و نصوصه الدينية التي يدعو فيها الله صراحة الانسان ان يفكر و يتساءل و يناقش و هنا اسمح لي ان اعلن لك اختلافي الشديد معك عما قلته في الجزئ الثاني من رايك و هو "و اعتقد ان كل من يدعي ان النصوص الدينية تدعو الي التفكير انما يجافي الحقيقة متعمدا" فها انا قد اوردت لك قطرة بسيطة من النصوص الدينية التي تدعوا الانسان تابعها صراحة الي التفكير و يمكنني ان اعد لك مقالة كاملة اذا طلبت انت ذلك عن النصوص الدينية و حضها للانسان علي التفكير و البحث اما ترتيل النصوص و عدم قراءتها و تدبر معانيها فهو مسؤلية القارئ او المرتل و مسؤلية من يشجعه علي ذلك و ليس مسؤلية الله و لا النصوص الدينية التي تشجع الناس علي التعامل معها بعكس ذلك تماما

و اسمح لي الان ان انتقل الي قصة ابراهيم و التساؤلات التي اثرتها حول ما ورد فيها بين الله و ابراهيم و ارجو ايضا ان تسمح لي باستخدام نصوص الكتاب المقدس لان معرفتي بها اكثر من معرفتي بالنصوص القرانية و ايضا حتي اتجنب اي خطا في سرد النص و معذرة كل المعذرة اذا كنت ساستخدم اسم اسحق بدلا من اسم اسمعيل دون التعرض لقضية الاختلاف بين الكتاب المقدس و العقيدة الاسلامية لان هذا بحث ليس مجاله هذا الرد و ايضا فان القصة مجال التساؤل ابطالها الاساسيين الله و ابراهيم اما ابن ابراهيم فكان بحسب القصة مطيعا لاباه

و القصة واردة في الكتاب المقدس في سفر التكوين في الاصحلح الثاني و العشرين و ستجد نسخة من هذا الاصحاح مرفقة بهذا المقال و هي تبدا بالعبارة "و حدث بعد هذه الامور ان الله امتحن ابراهيم" و الكلمة امتحن هنا هي ترجمة دقيقة للنص العبري لذلك دعنا نتقدم الي مناقشة الفعل ذاته فالامتحان يُقدّم من استاذ معلّم الي تلميذه و لا يقدِّم المعلّم الامتحان للتلميذ الا بعد ان يكون قد اعدّه و اذا كان المعلم يعرف التلميذ و متابع لنشاطه و تحصيله و قدراته فانه سيكون علي يقين ايضا بان التلميذ سيكون قادرا علي النجاح في هذا الامتحان و التلميذ الذي يعرف استاذه جيدا يعلم ان استاذه لن يقدم له امتحانا فوق الطاقة و هو يعلم ايضا ان استاذه الذي يحبه يريد له النجاح فيدخل التلميذ الي الامتحان و هو واثق باستاذه و بالعلم و التمرين الذي تلقاه علي يديه و ايضا واثق بنفسه انه سينجح في هذا الامتحان بسبب تشجيع استاذه له فهل هذا الامتحان مجرد مسرحية حتي و ان كانت نتائجه معروفة مقدما لماذا يمتحن استاذ الطب تلميذه اليس لكي يمنحه شهادة بانه اصبح طبيب و هذه الشهادة ليس من اجل التلميذ فقط بل انها شهادة من اجلي حتي استطيع ان الجأ الي هذا الطبيب لانه يحمل شهادة في الطب و هو قادر ان يعالجني و له شهادة في ذلك و المهندس اليس يجب ان يجوز في امتحان و يمنح شهادة في الهندسة حتي استطيع انا ان اثق به انه سيبني لي بيتا مضمونا انه لن يقع من اول نفخة و الان الله يريد ان يقدم لي ابراهيم انه قد عينه نبيا له و ان ايمان ابراهيم هذا هو اساس الدين الحنيف فما رايك هل اقبل هذا بمنطق و لا تناقش و لا تجادل يا اخي . يا استاذ ابراهيم ان كان هذا منطق الناس فان امتحان الله لابراهيم هنا لهو اقوي دليل علي ان منطق الله يختلف عن منطق الناس فالله لا يقدم لنا النبي و علينا ان نقبله بمطلقية بلا نقاش لكن الله يقدم لنا النبي و معه اوراق اعتماده نبيا من قبل الله شهادة من الله عنه انه اجتاز امتحان الايمان و تفاصيل هذا الامتحان قد اهتم الله بتسجيلها لان ابراهيم هذا جعله الله مثالا للايمان وداعية له بشهادة عملية و ليس بفرض الغيبيات علي العقول البشرية الامر الذي يرفضه الله تماما اليس انا و انت نحمل شهادة تقول اننا قد اجتزنا الامتحانات بنجاح لذلك قرر مجلس الجامعة منحنا هذه الشهادة ما رايك لو مجلس الجامعة اعطاك و رقة مكتوب فيها ان ابراهيم الجندي ده محامي رغم انفكم و هي كده و ما تسالوش ازاي و اللي يسال يروح في داهيه و اذا رضيت انا بالشهاده دي هل ترضي انت بشهادة لا تبين تعبك و كفاحك و جدك و اجتهادك الان اظن انك تعرف معني امتحان الله لابراهيم هذا الرجل العظيم و انه لم يكن مجرد مسرحية

و ناتي الان الي سؤالك عن مضمون هذا الامتحان فقد جاء في النص الكتابي "خذ ابنك وحيدك الذي تحبه إسحق و اذهب الي ارض المُريّا و اصعده هناك محرقة علي احد الجبال الذي اقول لك" و قد اوردت في مقالك سؤالين عن هذا الامر اولهما: لماذا امر الله نبيه بذبح ابنه؟ و الثاني: الم يجد الله وسيلة للاختبار سوي الذبح؟ اسئلة صعبة و انا سازيد علي الامر صعوبة بان اتساءل كيف يطلب الله و يقبل ان تقدم له ذبائح بشرية؟ و يجب ان اعود بك الي بداية هذا المقال عن الرمزية و الطقس الديني فكان انسان ذلك العصر يقدم ذبيحة الي الله اعترافا منه بانه اخطا الي الله و انه يستحق الموت جزاء لخطيته او انه يتقدم بهذه الذبيحة كشكر الي الله من اجل امر ما قد احسن الله به اليه او كشفاعة من اجل ان يستجيب الله الي طلبة ما من هذا الانسان و كان الذبح و اراقة الدم و ليس مجرد القتل و ازهاق الروح هو الوسيلة للتعبير عن هذا لان الانسان كان يعتقد ان الدم هو الذي يحمل الروح داخل الجسد فكان يقيم مذبحا لله يقدم عليه دم ذبيحته رمزا انه يسكب نفسه او روحه امام الله لاجل الامر او الغرض الذي يتقدم به لله و لم تكن الذبيحة مطلبا الاهيا بل هي لغة رمزية يعبر بها الانسان عن خضوعه و بذل نفسه لله و الدليل علي ذلك هي العبارات التي كلم بها الله نبيه موسي و هو ينظم شرائع العبادة لبني اسرائيل في بداية سفر اللاويين في الاصجاح الا ول اذ قال "إذا قرب انسان منكم قربانا للرب ..." ثم يمضي في شرح طقس تقديم الذبائح فالله لم يامر بتقديم الذبيحة لكنه امر الانسان بطريقة تقديمها و طقوسها حتي لايكون الامر مجرد هرجلة او سلخانه و قد ادرك داوود هذا الامر فقال و هو يقدم صلواته و توبته الي الله "لانك لا تسر بذبيحة و الا فكنت اقدمها. بمحرقة لا ترضي . ذبائح الله هي روح منكسرة . القلب المنكسر و المنسحق يا الله لا تحتقره" فالذبيحة ليست مطلبا الاهيا لكنها صارت في ذهن الانسان ـ المطرود من الجنة و الذي يعيش علي الارض تحت حكم الموت ـ من مفردات اللغة الرمزية التي يتكلم بها مع اخيه الانسان و ايضا مع الله و لان الله يعرف قلب الا نسان و حالته و ان الانسان يقصد بالذبيحة (اي الموت بسفك دم حيوان او طائر) اقصي درجات التعبد و الاقتراب الي الله و لقد سجل الكتاب المقدس عدة اقوال يحاول فيها الله ان يفهم الانسان انه ليس معني انه يقبل منه الذبيحة انه يطلبها منه فداوود النبي يصلي الي الله قائلا "بذبيحة و تقدمة لم تسر . اذنيّ فتحت محرقة . و ذبيحة خطية لم تطلب" و في مكان اخر يخاطب الله داوود قائلا "ذابح الحمد يمجدني" و يخاطب داوود الله قائلا "ليكن رفع يدي كذبيحة مسائية" اما الملك سليمان احكم حكماء الارض فقد قال "فعل العدل و الحق افضل عند الرب من الذبيحة" و يخاطب الله شعب اسرائيل علي لسان اشعياء النبي قائلا "بدم تيوس و عجول ما اسر . حينما تاتون لتظهروا امامي من طلب هذا من ايديكم" و علي لسان النبي هوشع يقول الله "اني اريد رحمة لا ذبيحة و معرفة الله اكثر من محرقات"

و الان كيف يطلب الله من ابراهيم ان يقدم ابنه محرقة ؟ كان هذا طبعا امتحان و قد ناقشنا سبب امتحان الله لنبيه من قبل اما موضوع هذا الامتحان فسؤالك عنه هو "ألم يجد الله وسيلة للاختبار سوي الذبح؟" و المشكلة ليس الذبح بل ان يطلب الله ذبيحة بشرية و هي اسحق (او اسمعيل ـ هذا ليس هو المشكلة) و هنا لابد ان نعود الي الوراء قليلا الي وقت دعوة الله لابراهيم ان يخرج من ارضه و يتبعه الي ارض اخري و لم يقل الله له ان ذاك اين هي هذه الارض الاخري لكن ابراهيم اطاع الله بالايمان و ترك ارض اباءه في ما بين النهرين (العراق حاليا) و سار وراء الله حتي اتي به الي ارض كنعان التي هي فلسطين الحالية و اذا شبهنا هذه الهجرة باحوال العالم اليوم فابراهيم بطاعته لله يكون قد هاجر من اوروبا الي اثيوبيا اما امريكا ذلك العصر فكانت هي مصر لقد ترك ابراهيم ارض حضارة حامورابي العظيمة بين نهري دجلة و الفرات ليذهب وراء الله الي ارض قاحلة يقتتل اهلها علي بئر ماء و هناك ابتدا ابراهيم ينادي باسم الرب في وسط عبادات غريبه و طقوس وثنية اهمها تقديم الذبائح البشرية للالهة و كان اهل تلك المنطقة بحسب ما اورد الكتاب المقدس عنهم يذبحون اولادهم و احيانا يقدمونهم محرقة اي يحرقونهم احياء علي مذبح الهتهم كي ترضي عنهم و لا شك ان هذا كان مجال افتخار هؤلاء الشعوب بعظمة التضحية التي كانوا يقدمونها لالهتهم و اذا بابراهيم هذا الذي ترك مابين النهرين و ديانتها التي تحرق البشر احياء و يروي القران قصة انهم ارادوا حرق ابراهيم نفسه و هذه القصة وردت ايضا في التلمود البابلي لذلك فان ديانة ابراهيم قد بدت رخيصة لهؤلاء الشعوب فان الاهه لم يطلب منه و لا يطلب من اي واحد اخر ذبيحة لكنه يقبل من الانسان الذي يقدم له العبادة الخالصة بقلب شاكر اذا عبر عنه لله بذبيحة من الحيوانات الطاهرة هذه الديانة الجديدة الدخيلة علي اهل تلك المنطقة اثارت فيهم السخرية علي ابراهيم و علي دينه الجديد الذي لا يتطلب التضحيات التي يفتخرون بها و ربما نظروا الي ابراهيم انه هرطوقي فكيف يدعو الي ديانة لا يراق فيها الدم البشري ارضاء للالهة و بالتالي فان ابراهيم هو المارق عن قواعد و اصول التدين فاذا كان جميع الالهة المعبودة في ذلك الزمان و المكان تتطلب الذبائح البشرية فيكون ابراهيم هذا مضل و انه لا يعبد اي اله لانه لا يوجد اله لا يطالب بدم اولاد من يعبدوه

لذلك يا عزيزي ابراهيم ان كنت قد وافقتني علي مبدا و معني ان يمتحن الله نبيه ليقدمه بشهادة الي من يرسله اليهم فاعتقد انه الان يكون موضوع الامتحان الذي سينجح فيه ابراهيم مناسب للقوم الذين سيرسل اليهم ابراهيم كنبي و رسول من الله و في هذا المجال ايضا قدم ابراهيم شهادة عن ايمانه بالله الذي يدعو الناس اليه من اعظم الشها دات علي الاطلاق فرغم ان ابراهيم لم يكن يعلم بفداء الله لاسحق الانه كان يعلم ان الله سيرد اسحق اليه حيا و الدليل ما قاله ابراهيم لخادميه اللذين شهدا معه هذه الحادثة لانه بعد ان وصل ابراهيم الي الموضع الذي اراه اياه الله و كان قد اخذ معه حطبا للنار و دابة و غلامين للخدمة قال لغلاميه ما نصه "اجلسا انتما هنا مع الحمار اما انا و الغلام فنذهب الي هناك و نسجد ثم نرجع اليكما" لقد كان ايمان ابراهيم انه سيرجع بابنه حيا .و لماذا ؟ لان الله كان قد وعده مسبّقا انه من اسحق سيكون له نسل فاخذ معه السكين و الحطب و بني المذبح و قيد اسحق و وضعه علي المذبح و لما رفع السكين عندئذ ناداه الله و افتدي الله اسحق بكبش و قد جاء في القران ايضا عن هذه الواقعة "وفديناه بذبح عظيم" و في هذا شهادة لابراهيم انه رجل جاد في ديانته و انه لن يمسك ابنه عن الذبح لله اذا ما طلب الله ذلك فاثبت الله لمن حول ابراهيم ان هذا الداعية مستعد ان يضحي بكل غال و ثمين في تلبية نداء ربه و من ناحية اخري اثبت الله نفسه لمن حول ابراهيم ان الذبائح التي يقبلها هو ليست من بينها الدماء البشرية و الدرس المقصود هو ان الله هو الذي يفدي الانسان و ليس الانسان هو الذي يقدم الفدية لله فالكبش الذي قدم عوضا عن اسحق كان الله نفسه قد اعده و ليس ابراهيم الذي لم يكن يعرف شيئا عن هذا الفداء لكنه كان يؤمن باقامة اسحق من الاموات حتي لو ذُبح او اُحرِق

و في نهاية الامر يا صديقي فان معرفة الله بالمستقبل و ما يدور في افكار و قلوب البشر لا تعني ان الله مسؤل عن المستقبل الذي تتحدد نتائجه بتصرفات البشر من اعمال و اقوال نعم الله يتدخل في التاريخ و هناك خط قد سبق الله و اعلنه في النبوات المدونة في اسفار الكتاب المقدس ان الله لم يترك العالم و شانه كما يدعي البعض الله ليس المنتج و السيناريست و المخرج و البطل في تمثيلية الحياة لان الدنيا لست مسرحا كبير كما قال يوسف وهبي بل انها خليقة اله كامل العظمة بلغ منها حدا ان يخلق انسان حر الاراده يستطيع ان يبني نفسه و يبني غيره او يدمر نفسه و يدمر غيره ايضا يستطيع ان يعي الله و يدركه و يستطيع ان يجهله و يتجاهله و يمضي عنه بعيدا اما تاريخ الانسان و حروبه بعضه مع بعض و الكوارث الطبيعية و موقف الله منها فهذا موضوع طويل و شيق و اعتقد انني قد اطلت عليك بما فيه الكفاية فان طلبت مني الاسترسال فساسترسل في مقال او مقالات اخري حسب طلبك و اسئلتك.
مع خالص تحياتي و تقديري علي حسن استماعكم لي.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,566,879,100
- الرئيس مبارك .... الف مبروك ..... ست سنوات مع الشغل و النفاذ ...
- الحل المسيحي لمشكلة الحجاب الاسلامي
- المباراة مملة و سخيفة و النتيجة حتي الان 3 لصالح مبارك و الت ...
- مصر هي دائي الذي لا اريد ان اشفي منه
- الي الدكتور أحمد صبحي منصور و الي دعاة السلام في الاسلام ... ...
- امريكا الشيطان الاعظم ... حتي لا نقع فريسة للصهيونية العالمي ...
- رد علي مقال : حوار لاهوتي ـ الصلب .. للاستاذ لطفي حداد
- مصر بين ثقافة الاحتقار و عقلية الانبهار .. المرّه الجايه إحم ...
- استطلاع الراي عمليات لازمة لتحريك الركود السياسي عند المصريي ...
- عندما يحاول المسلمون الجدد أن يغيروا معالم الإسلام
- اقتراحات موجهة الي المعارضة و طالبي التغيير في مصر
- الماركسية الشيوعية التقدمية الاشتراكية النظرية الفلسفية الفك ...
- اللي بني مصر كان في الأصل حلواني
- النكسة القادمة علي مصر
- رد علي ... الإسلام دين التسامح و المحبة ... بيع الميّه في حا ...
- الصراع العظيم ... متي سيبني اليهود هيكلهم الثالث في مدينة ال ...
- هكذا احب الله العالم اغنية اهديها الي كل عمال العالم


المزيد.....




- بطريرك موسكو وسائر روسيا يدين الانشقاق في صفوف الدين المسيحي ...
- في مقابلة مع الجزيرة نت.. الشيخ عبد الحي يتحدث عن أموال البش ...
- حركة النهضة الإسلامية تؤكد أن رئيس الحكومة التونسية المقبل ي ...
- حركة النهضة الإسلامية تؤكد أن رئيس الحكومة التونسية المقبل ي ...
- اليهود الحريديم يحملون سعف النخيل احتفالا بعيد العُرَش ويؤدو ...
- السودان يترقب -مليونية 21 أكتوبر-.. و-فلول الإخوان- في الواج ...
- شاهد: المئات من المستوطنين الإسرائيليين يقتحمون باحة المسجد ...
- شاهد: المئات من المستوطنين الإسرائيليين يقتحمون باحة المسجد ...
- في حضور وفد سوري رفيع المستوى.. الشئون العربية للبرلمان: الغ ...
- حركة النهضة الإسلامية تعتبر رئاستها للحكومة الجديدة في تونس ...


المزيد.....

- ماملكت أيمانكم / مها محمد علي التيناوي
- السلطة السياسية، نهاية اللاهوت السياسي حسب بول ريكور / زهير الخويلدي
- الفلسفة في تجربتي الأدبية / محمود شاهين
- مشكلة الحديث عند المسلمين / محمد وجدي
- كتاب ( عدو الله / أعداء الله ) فى لمحة قرآنية وتاريخية / أحمد صبحى منصور
- التدين الشعبي و بناء الهوية الدينية / الفرفار العياشي
- ديكارت في مواجهة الإخوان / سامح عسكر
- الاسلام الوهابى وتراث العفاريت / هشام حتاته
- قراءات في كتاب رأس المال. اطلالة على مفهوم القيمة / عيسى ربضي
- ما هي السلفية الوهابية ؟ وما الفرق بينها وبين الإسلام ؟ عرض ... / إسلام بحيري


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - أسعد أسعد - ابراهيم الجندي.... المحتار ....بين من سيدخلونه الجنة ....و من سيلقون به الي النار .... و أخيرا توجه بأسئلته الي الله ذاته