أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - طوني سماحة - يسوع المفكّر 6 - حوار فلسفي















المزيد.....

يسوع المفكّر 6 - حوار فلسفي


طوني سماحة
الحوار المتمدن-العدد: 4836 - 2015 / 6 / 13 - 10:31
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


أرخى الليل ظلاله على جبال فلسطين، سهولها ووديانها. كان النهار طويلا: جموع جائعة للخبز وأخرى لكلمة الحياة أتوا يلتمسون يسوع. بعضهم مقعد، أخرس وأصم، والبعض الآخر جواسيس لرئيس الكهنة والفريسيين الذين يريدون الايقاع بالمسيح. افترش يسوع الارض ونظر الى السماء. كان الليل صافيا لا يعكّر قمره سوى بعض الغيمات المارة من وقت لآخر. انتظر حتى غادر آخر الجموع ثم نظر الى تلاميذه المنهكين جراء خدمة الناس طول النهار وأرسلهم كيما يحصلوا هم أيضا على قسط من الراحة.

سمع يسوع وقع أقدام خجولة على الارض. حوّل نظره الى الامام فتوقف القادم لتوّه. تأمله يسوع. كان الرجل شيخا متقدما في العمر. كانت ثيابه توحي أنه من فرقة الفريسيين المعروفين بتديّنهم الكثير. كان مظهره يوحي بالاحترام والجلالة. تأمل الرجل يمينا ويسارا كيما يتأكد أنهما وحدهما وكانت نظراته تعكس بعض القلق. ربما كان يخشى أن يراه ثمة امرإ مع يسوع الذي كان فتح مع الفريسيين حربا مفتوحة عنوانها الرياء والفساد. فكيف له وهو الفريسي ان يلتقي سرا بذاك الذي يطلب الفريسيون موته؟ فهو، أي نيقوديموس الشيخ، ليس فريسيا فقط، إنما رئيس أيضا وعضو في مجمع السنهدرين اليهودي الذي يضم سبعين من خيرة رجال الأمة الذين أوكل اليهم تسيير أمور الشعب روحيا وزمنيا.

ارتقى القمر الى كبد السماء وسكب نوره على الرجلين. كانت لحية نيقوديموس البيضاء تهتز فيما الكلمات تتعثرعلى شفتيه. قال له " يا معلم، نعلم أنك قد أتيت من الله معلما...لأن ليس أحد يقدر أن يعمل هذه الآيات التي أنت تعمل إن لم يكن الله معه." نظر يسوع طويلا في عيني هذا الرجل الشيخ ودعاه للجلوس. شعر نيقوديموس ببعض الراحة. كان يجهل ردة فعل يسوع تجاهه. أتراه سوف يسمعه نقدا لاذعا كذاك الذي كان يوجهه في النهار للفريسيين بلا هوادة؟ أتراه يصرفه لأن شفاء الناس وتعليمهم وإطعامهم أرهقه خلال النهار فبات لا يحتمل المزيد من الضغط؟

فيما كان نيقوديموس يستبق ردة فعل يسوع فوجئ به يقول له "الحق الحق أقول لك: إن كان أحد لا يولد من فوق لا يقدر أن يرى ملكوت الله." أصابت كلمات يسوع نيقوديموس بالذهول "كيف يمكن الانسان أن يولد وهو شيخ؟ ألعله يستطيع أن يدخل بطن أمه ثانية ويولد؟" للحظة ظن نيقوديموس أن يسوع فقد صوابه، أو ربما ضغط الخدمة والجهد الجبار الذي كان يبذله مع الجموع خلال النهار انعكس عليه ليلا هذيانا. وفيما هو يحاول فهم ما يدور حوله أكمل يسوع قائلا "الحق الحق أقول لك:إن كان أحد لا يولد من الماء والروح لا يقدر أن يدخل ملكوت الله."

ازدادت حيرة نيقوديموس. كان يعلم ان الانسان يولد مرة من رحم امه وهو طفل، وها هو يسوع الذي كان الناس يؤمونه من كل أرجاء سوريا والجليل واليهودية كيما يستمعون اليه يأتي بمصطلحات غريبة لم يسمعها من قبل. "ترى كيف تكون الولادة من الماء والروح؟ وهل يتوجب على كل اليهود أن يولدوا ثانية كيما يدخلوا ملكوت السماوات؟" كان نيقوديموس شأنه شأن كل أبناء عصره ينتظر المسيح المخلص الذي كان عليه أن يأتي كيما يقلب الطاولة في وجه الروماني المحتل ويؤسس لملك أبدي خاص باليهود. لكن كل كتب التوراة لم تأت على ذكر مراسيم الولادة من جديد. أجاب نيقوديموس وقال "كيف يمكن أن يكون هذا؟" أجاب يسوع وقال له "أنت معلم اسرائيل ولست تعلم هذا؟ الحق الحق أقول لك: إننا إنما نتكلم بما نعلم ونشهد بما رأينا، ولستم تقبلون شهادتنا. إن كنت قلت لكم الارضيات ولستم تؤمنون، فكيف تؤمنون إن قلت لكم السماويات؟"

لا شك أن نيقوديموس ذهل بكلام المسيح. كان يبدو كما أن كل واحد منهما يتكلم لغة يجهلها الآخر. فالمسيح يتكلم لغة السماء فيما نيقوديموس يتكلم لغة الارض. كان المسيح يتكلم لغة الروح فيما نيقوديموس يتكلم لغة الجسد. كان المسيح يريد أن يعلن لنيقويموس الحقيقة الكبرى، ألا وهي أن الانسان ميت روحيا وهو بحاجة ان يولد من الماء نظيفا ومن الروح حيا كيما يتأهل لملكوت السماوات، فيما كان نيقوديموس يؤمن أن اليهود وحدهم يستحقون الحياة في ملكوت المسيح الآتي الذي سوف يؤسسه على جغرافية فلسطين. كان المسيح يريد أن يقول له أنه، أي نيقوديموس، خاطئ وبحاجة للتبرير وللولادة من جديد كيما يتخلص من آثار خطاياه، فيما كان نيقوديموس شأنه شأن الفريسيين يؤمن أنه بار وأنه أفضل بما لا يقاس من العشارين والزناة. أوقعت كلمات المسيح نيقوديموس في حيرة من أمره. فهو قد اتى المسيح وفي ظنه أنه اول المؤهلين لدخول الملكوت وها هو يهم بالخروج وقد ساورته الشكوك بأهليته لملكوت السماوات. أراد نيقوديموس ان يستفسر يسوع أكثر عن الولادة من جديد عندما اتاه الجواب "وكما رفع موسى الحية في البرية هكذا ينبغي ان يرفع (يُصلب) ابن الانسان (المسيح) لكي لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الابدية."

ابتدأت المصطلحات الغامضة تنجلي بعض الشيء لهذا الشيخ الجليل. ابتدأ يفهم أنه وإن كان يتكلم مع المسيح اللغة ذاتها، ألا وهي الآرامية، إلا أن كلا منهما كان يعزف على وتيرة مختلفة. ابتدأ نيقوديموس يفهم ان ملكوت السماوت لا يعني ملك المسيح على اسرائيل في حدودها الجغرافية انما يشير الى الحياة الابدية. ابتدأ يفهم ايضا ان الولادة من جديد لا تعني عودة المرء الى رحم امه والخروج منه ثانية انما الايمان بالمسيح الذي كان لا بد له ان يموت فداء عن الانسان كيما يؤهله لدخول السماء. كان نيقوديموس يحاول اجترار ما سمعه عندما أكمل المسيح "لأنه هكذا احب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد، لكي لا يهلك كل من يؤمن به، بل تكون له الحياة الابدية. لأنه لم يرسل الله ابنه الى العالم ليدين العالم، بل ليخلص به العالم. الذي يؤمن به لا يدان، والذي لا يؤمن قد دين، لأنه لم يؤمن باسم ابن الله الوحيد. وهذه هي الدينونة:إن النور قد جاء الى العالم، وأحب الناس الظلمة أكثر من النور، لأنه أعمالهم كانت شريرة. لأن كل من يعمل السيآت يبغض النور، ولا يأتي الى النور لئلا توبخ أعماله. وأما من يفعل الحق فيقبل الى النور، لكي تظهر أعماله أنها بالله معمولة."

غاب عن بال نيقوديموس وهو يتهيأ للعودة الى بيته أنه لم يلق على المسيح تحية الوداع، كما أنه لم ينظرحوله كيما يتأكد أنه لم يكن هناك ثمة من يرصد تحركاته. بل جل ما كان في باله ان يفهم رسالة المسيح التي بدت له غريبة للوهلة الاولى. فهي المرة الاولى التي يسمع فيها ان الله يحب العالم، كل العالم، وليس اسرائيل فقط. هي المرة الاولى التي يسمع فيها ان الله يريد ان يهب الحياة الابدية (الملكوت) لكل الناس وليس لليهود فقط. هي المرة الاولى التي يدرك فيها ان الله لا يرغب بدينونة العالم، انما الانسان هو الذي يدين ذاته بابتعاده عن الله الذي هو مصدر الحياة. هي المرة الاولى التي يدرك فيها ان المولود ثانية يكون من ابناء النور فيما الذي يمكث في الظلمة يبقى من ابناء الظلمة."

مضى نيقوديموس وهو يتأمل في كلمات المسيح عن الصليب وعن محبة الله للانسان ورغبته في فدائه من موت الخطيئة. كان يردد بصمت"لأنه هكذا احب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد، لكي لا يهلك كل من يؤمن به، بل تكون له الحياة الابدية." مضى وهو يسأل نفسه "هل يمكن ان يحب الله الناس كل الناس بما فيهم الامم والعشارين والزناة حتى يبذل ابنه فداء عنهم ويهبهم بالتالي الملكوت أي الحياة الابدية؟" مضى نيقوديموس فيما يسوع يتأمل ظله الذي ابتدأ يتلاشى شيئا فشيئا تحت نور القمر. كان يسوع يرى في نيقوديموس رجلا جديدا يولد ثانية من رحم الليل كيما يخرج للنور ابنا للملكوت. كان يرى فيه البديل عن ابيه الارضي "يوسف النجار" الذي سوف ينزله عن الصليب ذات يوم وفي وضح النهار بعدما تخلى الكل عنه ليلا. نظر اليه يسوع مرة أخيرة كيما يرى فيه الرئيس والمعلم والفريسي الخائف يموت كيما يولد ثانية التلميذ الجريء الذي يتحدى اليهود و يدخل على بيلاطس الوالي الروماني كيما يطلب منه الاذن بأخذ جسد معلمه وتكفينه ووضعه في قبر جديد.

مضى نيقوديموس الشيخ وهو لا يعلم أن شهورا قليلة تفصله عن ولادة جديدة، ولادة الروح والماء. مضى وهو لا يدرك ان الموت نتيجة حتمية للحياة وان الحياة تلي الموت بالولادة من جديد.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- وداعا يا ورد
- يسوع المفكّر 5 - لقاء على حافة البئر
- يسوع المفكّر 4 - الانسان
- حبّة مانغو على رأس الرئيس
- يا أبتاه، أغفر لهم لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون
- يسوع المفكّر 3- الانسان
- يسوع المفكّر 2- الكلمة
- يسوع المفكّر 1 مقدمة
- لماذا نحن متخلفون؟
- مات الصنم، يحيا الصنم
- من أحرق سليمان، صباح، وروعة؟
- رسالة موت موقعة بالدم إلى أمّة الصليب
- تأملات في الحرب والسلام
- صخرة الموت هي صخرة الحياة
- هنيئا لكِ يا بيلا (Bella)
- التعزية بالكفار خيانة وليست من الدين
- أنا شارلي
- الزواج في المسيحية بين النظرية و التطبيق- الجزء الاخير
- الجنة برسم البيع
- يا طفل المزود


المزيد.....




- سوء التشفير يقلل من -قدرات- قراصنة تنظيم الدولة الإسلامية
- البرلمان العراقي يصوت على إبعاد الموظفين الأكراد الذين شاركو ...
- مسلمو ألمانيا يدقون ناقوس الخطر بعد إنجازات -البديل- في الان ...
- الأمين العام للأمم المتحدة يعرب عن قلقه حيال استفتاء كردستان ...
- الحكومة الموريتانية: لم نرفض اعتماد سفير المغرب
- الإسلاميون يحتفظون بقيادة اتحاد طلبة الكويت
- فتوى في الاردن تحرم الحصول على الوظيفة بالواسطة والمحسوبية
- -الجهاد الاسلامي- تحذر من دعوات التطبيع وإنهاء مقاطعة الاحتل ...
- القرضاوي يشكر أمير قطر.. ويؤكد: نظام مصر منع جنازة مهدي عاكف ...
- القرضاوي ينشر صورا مع داعية هندي طردته عُمان بسبب تطاوله على ...


المزيد.....

- تلخيص كتاب تاريخ الفلسفة العربية الاسلامية / غازي الصوراني
- 150 عاماً على نشر كتاب رأس المال لمؤلفه المفكر كارل ماركس / صديق عبد الهادي
- العلمانية: المفهوم المظلوم (5/ 5) / السيد نصر الدين السيد
- التعاقب الحضاري للبشر واختلاق الديانات -1- / جواد بشارة
- ثقافة تصحير العقول والوجدان..ثقافة الخراب والتخريب / سامى لبيب
- الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر أو المقولة التي تأدلجت لتصي ... / محمد الحنفي
- لا عدالة و لا تنمية في خطاب العدالة و التنمية / محمد الحنفي
- رؤية إلى الإسلام والإرهاب أم إلى المسلمين والإرهاب / محمد الحنفي
- دولة المسلمين لا إسلامية الدولة / محمد الحنفي
- مقدمة لنقد الدين في المجتمع العربي / العفيف الأخضر


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - طوني سماحة - يسوع المفكّر 6 - حوار فلسفي