أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سعد محمد رحيم - صراع الدولة والجماعات في العراق















المزيد.....

صراع الدولة والجماعات في العراق


سعد محمد رحيم

الحوار المتمدن-العدد: 4833 - 2015 / 6 / 10 - 08:18
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


تقصر أذهان كثر من السياسيين والمثقفين وعامة المجتمع عن إدراك ماهية الدولة ووظيفتها وأهدافها، والسياق التاريخي الذي تعمل فيه. فالدولة التي هي شكل متقدّم من أشكال تنظيم العلاقات بين أفراد وطبقات وشرائح المجتمع في ضمن أفق سياسي/ قانوني قائم على عقد اجتماعي يجري التعارف عليه، تنزع ( أي الدولة ) الشرعية عن الأشكال ما قبل الدولتية، لا سيما في مسائل تحديد الحقوق والمواقع والواجبات ذات الطابع السياسي والحقوقي، فضلاً عن احتكار وسائل العنف.
وكلما خسرت الدولة جزءاً من امتياز احتكار وسائل العنف، والفصل في المسائل الحقوقية تحولت إلى أداة بيد من انتزعوا منها ذلك الامتياز. فالمؤسسات ما قبل الدولتية تنافس الدولة في مدّ أذرع سلطتها ونفوذها على جماعاتها المختلفة، وفي إطار مجال حيوي جغرافي/ سكاني. وفي مرحلة متقدّمة من استفحال هذه الأزمة فإن مؤسسات الدولة نفسها تبدو وكأنها غدت امتداداً لمؤسسات ما قبل الدولة، ووسيلة قوة لها، بدل أن يحصل العكس. فطغيان سلطة المؤسسة الدينية/ الطائفية، أو القبلية، أو سلطة الجماعة العرقية، يتطلب إضعاف سلطة الدولة بمؤسساتها وقواعدها القانونية، ومديات نفوذها، وقدرتها على الحفاظ على التوازنات المجتمعية.
مؤسسات ما قبل الدولة التي تضمن السلطة والثروة والنفوذ لنخبها الضيقة، لا تعمل على تقويض مؤسسات الدولة وتفكيكها وإسقاطها بشكل تام، لكنها تريدها واهنة القوى، هشة البنيان، وقليلة الحيلة. فهذه المؤسسات ( ما قبل الدولتية ) تضع نفسها في موقع القوة الموازية والمكافئة والمنافسة لمؤسسات الدولة. فهي تريد أن تعمل باستقلال كامل أو شبه كامل عن مؤسسات الدولة بأعراف وقوانين مختلفة. ولن تلجأ إلى الدولة إلا عند الحاجة إلى تعزيز سلطتها، أو لحظة عجزها في مواجهة ظروف ومشكلات تتعدى طاقتها وقدرتها على الحل. فهي تريد الدولة أداة تحميها من الخطر الخارجي ( خارج الجماعة ) وتضمن استمرارها، حتى وإن كان على حساب قوة الدولة وسلطتها وهيبتها وقدرتها على أداء وظائفها العامة.
وحتى حين يبرز أفراد من الطائفة أو العشيرة من ذوي الكفاءات في مجالات تخصصية عديدة فإن المؤسسة ما قبل الدولتية تريد أن يأخذ هؤلاء مكانتهم في مفاصل الدولة أو منظّمات المجتمع المدني، أو أي مؤسسة عصرية من خلالها وبدعمها. أي من خلال المؤسسة الطائفية أو المؤسسة القبلية، وبدعمها.
كان الأفراد الذين يحصلون على المكانة الإدارية أو الفنية التخصصية والإبداعية ينسلخون من محدودية علاقاتهم الاجتماعية السابقة لينتموا إلى مجتمع المدينة بأعرافها وتقاليدها وثقافتها وعلاقاتها، فينصهرون مع أقرانهم المتحدرين من جماعات أخرى ليتشكِّل بتشابك علاقاتها الجديدة مجتمع المدينة. غير أن الأمر انعكس اليوم، فالطبيب والمهندس والموظف الحكومي والعسكري ورجل الأمن وأستاذ الجامعة يضطر ليؤسس، بغياب قوة الدولة أو وهنها، لمكانته وعلاقاته من خلال عشيرته وطائفته وجماعته.. صارت المدن نفسها ومنها العاصمة بغداد، تجمّعات لقبائل وجماعات طائفية وعرقية تؤسس علاقاتها وتفصل في خلافاتها، حتى التي لها طابع جنائي، تحت خيمة العشيرة والجماعة مبعدة سلطة الدولة إلى أقصى ما تستطيع. وبذا لم تعد مدننا مدناً بالمعنى والمعايير المتعارف عليها في بقية الدول المتمدنة والمتحضرة.
لم تتراجع مدنية الحياة العراقية فقط، بل حصل الأمر ذاته كذلك، وأحياناً بدرجة أكبر، في معظم البلدان العربية. وقد ترك فشل الأنظمة العسكريتارية والأوليغارشية والشعبوية ثغرات واسعة في النسيج الاجتماعي/ الثقافي لبلدانها مما سمح ببروز ثقافة ضد حداثية اتخذت من الدين الطائفي قناعاً وأوجدت لها منظومات مؤسسية، نعرفها باسم ( الإسلام السياسي )، وعثرت لها على مراتع اجتماعية في بيئات لم تصلها الحداثة، أو وصلتها بطرق مشوهة.. وهذه أمكنة يمكن تأشيرها على الخريطة، باتت تصدِّر العصابات الإرهابية إلى الأماكن الأخرى، ومنها، كما هو معلوم جداً؛ العراق.
إن هذا الوضع لكي يتكرّس يكون بحاجة إلى فائض كبير من الجهل.. إلى أفراد يتملكهم حس القطيع، يخافون استقلال ذواتهم، ولا يُحسنون التفكير المنطقي السليم، ويؤمنون بقواعد وأفكار جماعتهم التي يعدّونها الأكثر صواباً وقدسية في العالم، ومن غير سند واقعي.. إن انتماءهم لجماعتهم هو الذي يمنحهم المكانة والقيمة والأهمية والدور، وليس كفاءتهم ومنجزهم الشخصي.. فيما الفقر وانعدام الفرص والحرمان وفقدان العدالة والشعور بالظلم واليأس مقدمات للانسلاخ عن الهوية الوطنية والتخندق في ظل الطائفة والعشيرة والعائلة، أي الجماعة.. ولا نأتي بجديد حين نقول أن مثل هذه المجتمعات المنقسمة على نفسها تكون أكثر عرضة للصراعات المسلحة، ويكون السلم الأهلي فيها مهدداً على الدوام، إذ تنمو العصبيات، والمغالبة في الحصول على الامتيازات، مع الميل لممارسة العنف.
ساهم الاقتصاد الريعي، وأقصد حالة إمكانية الحصول على أموال طائلة من غير جهد إنتاجي يُذكر، ومن دون وجود عامل المجازفة في الاستثمار، على بروز جيوب سرطانية في الجسد الاقتصادي ـ الاجتماعي العراقي. وهي جيوب أبرز سماتها اللصوصية والفساد من جهة، والتبذير اللاعقلاني للموارد من جهة ثانية. وهذا ناجم عن انعدام روح الإيثار والإخلاص، وبلادة الشعور الوطني.. إنها أمراض معدية تنتشر وتغدو جزءاً من آلية عمل المؤسسات المختلفة، يعزِّزها عدم وجود رقابة فعّالة ذات يد طويلة وقادرة. فالفساد الذي ينخر جسم تلكم المؤسسات يكون محميّاً من قبل مؤسسات ما قبل الدولة ( الممثلة غالباً بتكلات وقوى سياسية ) التي تضارع مؤسسات الدولة قوة. إن لم نقل أنها تفوقها في أحايين كثيرة.
إن المجتمعات الإنتاجية المتقدمة تفصح عن تناقضات طبقية واضحة، غير أن الأمر لا يكون كذلك في المجتمعات ذات الاقتصاديات الريعية حيث تحجب الاصطفافات والانتماءات ما قبل الدولتية ( العرقية والعشيرية والطائفية ) التناقضات الطبقية، وتهدئ الصراع الطبقي لصالح صراعات قبلية وطائفية وعرقية مختلفة. فأولئك الذين يغرفون من مصادر الثروة ( إيرادات النفط العالية في العراق مثالاً ) غير المحروسة بقوانين ومؤسسات حازمة، يُديمون التناحرات غير الطبقية، ويزجّون بالشرائح الأكثر فقراً فيها، كي يبقوا هم محافظين على امتيازاتهم وسلطتهم ونفوذهم.، ويأمنوا من ثورات المستغلين ( بفتح الغين ) المرتقبة.
إن تسيّد الهوية الطائفية والعرقية والقبلية على الوعي المجتمعي يؤجل، إلى أمد غير مسمى، لا الثورة الطبقية وحسب، وإنما أي شكل من أشكال التحوّل الاجتماعي الاقتصادي الحداثي، ويطيح بفكرة التقدّم.. هنا ستتشوه الخريطة الطبقية ذاتها.. أغنياء غير منتجين غالباً، يحصلون على كل شيء؛ المكانة والسلطة والثروة من جهة، وفقراء تابعين، سلبيين وساكتين من جهة ثانية، يعيشون تحت خط الفقر، يقتنعون بالفتات بقناعة أنه ممّا قسّم لهم الله، ولا يدركون أنهم، في الحقيقة، يفقدون فرصهم النادرة في الحياة، وقد أترعوا بآمال موهومة، ورضوا بالحال الذي هو في صالح أولئك الأغنياء الماكرين.. وجذر المشكلة، باعتقادي، هو في طبيعة الاقتصاد الريعي، والثقافة الناتجة عنه.
لو ألقينا الآن نظرة فاحصة على خريطة الصراعات الأهلية الداخلية في البلدان العربية سنجد أن المجتمعات الأشد انقساماً قبلياً وطائفياً هي التي تحوز على المشاهد الأكثر عنفاً ودموية، حيث يكون الخيار التفاوضي السلمي الذي من الممكن أن يحقق تسويات اجتماعية ـ سياسية فعالة هو الخيار الأقل حظاً في ساحة الصراع.
إن اللجوء إلى العنف، وانتعاش الإرهاب، وبروز روح الكراهية، وإنكار حق الآخر في الوجود ما هو إلا تحصيل حاصل لهذا المناخ الإشكالي المأزوم، المدعم بالاقتصاد الريعي، والمغذّي للانتماءات والسلطات ما قبل الدولتية، والمغذّى منها.
حول بروز ظاهرة الإرهاب وامتداداته في العراق لا يمكن إنكار الدور الاستخباري الدولي، وخفايا الصراعات في محيطنا الإقليمي. لكن الاكتفاء بهذين العاملين في تفسير تلك الظاهرة يظل مبتوراً. فعلينا بالمقابل الحديث عن حاضنات الإرهاب في مدننا وقرانا، وتورط جماعات عراقية محلية في معمعة الاقتتال الذي يريق الدم ويبدد الموارد ويضيّع الفرص، ويترك البلاد والعباد على كف عفريت.
والإرهاب اليوم، في العراق، يقوّي دور الجماعات والمؤسسات ما قبل الدولتية ويعززها على حساب دور الدولة وقوتها وديمومتها.. وسيبقى الصراع محتدماً حتى بعد الهزيمة الحتمية لداعش طالما أن مصالح فئات متسيدة على جماعاتها تتطلب استمرار ضعف الدولة، ضامناً لها عدم المساءلة والعقاب.
يجد مروجو تأصيل الانتماءات ما قبل الدولتية على حساب ترصين قواعد الدولة في الحقل السياسي مرتعاً خصباً لهم، إذ تكون السياسة وأدواتها ومؤسساتها وأفق وآليات عملها، وفرص الإثراء وممارسة السلطة التي توفِّرها، الوسيلة الأنجع لتحقيق مآربهم، في إطار من توازنات قلقة على الدوام، تنذر بالانفجار في أي لحظة.. وفي وضع مثل هذا؛ لن تستطيع تحقيق تنمية مركّبة ومستدامة، ولن تضمن استمرار السلم الاجتماعي الأهلي، ولن يحصل تقدّم ملموس، بالمعايير العصرية، في مجالات الإدارة والتقنية والعمران، ولن تبنى دولة حقيقية.
من هنا يغدو التحدي أمام الشريحة الوطنية المدنية هو كيفية جعل عملية الدخول إلى المجتمع السياسي حالة تحوّل من الانتماء الضيّق لطرف في المجتمع الأهلي إلى انتماء لطيف سياسي متمركز حول برنامج عمل وطني.. طيف يتكون من أفراد يتحدرون من جماعات مختلفة ويشتركون في قناعات واهتمامات تتعدى بمراميها مصالح جماعاتهم المحدودة إلى التفكير بالمصالح العليا للبلاد. ولا شك أن هذا الأمر بحاجة إلى المرور في مرشح المجتمع المدني، أي ترصين أسس حياة مدنية في السياسة والثقافة والعلاقات الاجتماعية. وهذه مهمة ليست سهلة على الإطلاق، غير أنها ليست مستحيلة أيضاً.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,711,468,823
- الأمية: سيرة الكاتبة
- إذا كنت تحب
- الراهن العراقي: السياق الواقعي والأسئلة المحيّرة
- قراءة في رواية ( سانتا إيفيتا )
- إبريل قاسٍ
- -تمثّلات الحداثة- 4 الحداثة والمثاقفة.. الآداب والفنون والب ...
- تحت جرس زجاجي
- الإصبع الصغيرة
- -تمثّلات الحداثة- 3 المدينة والطبقة الوسطى ومشكلات التحديث
- بلاغة الجسد؛ السلطة، الثقافة، والعنف
- طفولة ناتالي ساروت
- تمثّلات الحداثة: 2 المثقفون والمجتمع والدولة، ومظاهر الاغترا ...
- قراءة في ( مراعي الصَبّار ) لفوزي كريم
- تمثّلات الحداثة: 1 النخب، وبناء الدولة العراقية الحديثة
- نساء بوكوفسكي
- سارتر في المرآة
- حتى نتجنب الكارثة ( 2 2 )
- الترنيمة الحزينة ( سابرجيون )
- حتى نتجنب الكارثة ( 1 2 )
- مثقف المدينة: بغداد السبعينات بين الشعر والمقاهي والحانات


المزيد.....




- القوات الأمريكية تكشف عن -اصطدام وشيك- مع دورية روسية في سور ...
- قوات تركية تستهدف مواقع للجيش السوري في إدلب
- تصنيف القتلة -الجنسيين- وفق مؤشرات خاصة
- طائرة -درون- ترصد من الجو الدمار في مدينة أريحا السورية
- الجيش السوري يحبط هجوما كبيرا نفذته مجموعات مسلحة شمال غرب س ...
- ميركل وماكرون يؤكدان لبوتين استعدادهما لعقد لقاء مشترك مع أر ...
- شاهد: بوتين في كل مكان في روسيا
- شاهد: لوحة جدارية في روما تضامنا مع الطالب باتريك جورج زكي ا ...
- فيروس كورونا: كيف تتسبب تسمية الأمراض في مشاكل دبلوماسية بين ...
- شاهد: لوحة جدارية في روما تضامنا مع الطالب باتريك جورج زكي ا ...


المزيد.....

- الاحتجاجات التشرينية في العراق: احتضار القديم واستعصاء الجدي ... / فارس كمال نظمي
- الليبرالية و الواقع العربي و إشكالية التحول الديمقراطي في ال ... / رياض طه شمسان
- غربة في احضان الوطن / عاصف حميد رجب
- هل تسقط حضارة غزو الفضاء بالارهاب ؟ / صلاح الدين محسن
- الإسلام جاء من بلاد الفرس ط2 / د. ياسين المصري
- خطاب حول الاستعمار - إيمي سيزير - ترجمة جمال الجلاصي / جمال الجلاصي
- حوار الحضارات في العلاقات العربية الصينية الخلفيات والأبعاد / مدهون ميمون
- عبعاطي - رواية / صلاح الدين محسن
- اشتياق الارواح / شيماء نجم عبد الله
- البرنامج السياسي للحزب / الحزب الشيوعي السوري - المكتب السياسي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سعد محمد رحيم - صراع الدولة والجماعات في العراق