أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - علي المدن - السلم أولاً















المزيد.....

السلم أولاً


علي المدن

الحوار المتمدن-العدد: 4791 - 2015 / 4 / 29 - 21:04
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


هل حقا أن الواقع الاجتماعي للمناطق الغربية من العراق مسألة شائكة عصية على الفهم؟ هل حقا أن محنة هذا الجزء من المجتمع العراقي هي أكبر أخطاء الدولة العراقية اليوم؟ هل فعلا أن غموضا "ماسونيا" هائلا يلف هذا الموضوع يحتم علينا أن نستعين بعقول "جبارة" في التحليل السياسي لنتأكد من حقيقة وأسباب ما يجري هناك؟
كلما فكرت بمسألة سياسية، يتراءى لي أنها، في العمق، مسألة تافهة! لا تحتاج في فهمها عقولا جبارة، ولا محللين بارعين، ولا حتى خبراء. وأغلب التعقيد الذي نصادفه في فهم الأحداث السياسية يعود، في الحقيقة، إلى نقص في معلوماتنا حول تلك الأحداث، أعني كواليس السياسيين وخلافاتهم. ولو كنا نعرف تلك الكواليس، وتلك الخلافات، فإن بوسع أقلّنا ذكاءً أن يعطي رأيه فيها. المسألة ليست فلسفة سياسية (مَن يحكم مَن؟ ولماذا؟) ... المسألة أننا أمام "أحداث" هي عبارة عن "وجه آخر" لخلافات، أو توافقات، بين أعضاء من داخل العملية السياسية. ولو كنا نعرف ما يتم الخلاف حوله، أو التوافق بشأنه، لكان كل واحد منا قادرا على تقييم تلك الأحداث.
البعض يريد أن يوحي أن عمق الأزمة في المناطق الغربية من العراق هي "أزمة حوار سياسي"، أو "أزمة ثقة"، أو "أزمة مشاركة وتمثيل حكومي"، أو "أزمة مخصصات وإعمار"، أو أزمة ضمانات" ... إلخ. وكل هذه الأسباب هي فعلا مشاكل يعاني منها سكان تلك المناطق. ولكن! أي منطقة من العراق لا تعاني من تلك المشاكل؟ هل سمعتم يوما أن بصْرياً أو كركوكياً أو نجفياً أو إربلياً أو أو .. راضٍ على الحكومة؟. وقومياً؟ أليس الجميع يعترض على أداء الحكومة ودستور الدولة؟ من منا يجهل اعتراضات الكرد والتركمان والسريان والكلدآشوريين ... إلخ؟ لا أحد في العراق على قناعة بوضعه بالقياس لما يرى أنه يستحقه، الجميع في سخطٍ وغليان وتذمر، والجميع محق في مطالبته بدولة المواطنة والقانون والرفاه. وحين تكون الدولة أقل من المستوى الذي يجب أن تكون عليه في دستورها والتزاماتها وأدائها، فإن الجميع مطالب بأن يرتفع بمستواه السياسي ليكون بمستوى الدولة التي يطالب بها. هكذا يتقاسم الجميع المشاكل ذاتها، ويحاكم بالمعايير ذاتها.
هذا واجب في السياسة وسلوك السياسيين، وهو واجب أيضا في الاجتماع وسلوك المواطنين.
السؤال هو: بأي صيغة يطالب أبناء تلك المناطق بحقوقهم؟ وأي خطاب وسلوك يستخدمون؟
في رأيي أن طيفا واسعا من الناس هناك هم ضحايا لمتخيَّل يغذي سلوكهم، هو أساسا متخيَّل ملتبِس، متخيَّل ضيق وغير عقلاني، لم يراجع فكريا بنحو نقدي. وهذا المتخيل له ثلاثة مكونات:
- مكوِّن إداري تاريخي، يرى إدارة البلد إرثا دينيا لطائفة.
- ومكوِّن سياسي قومي معاصر، هو عبارة عن أدبيات البعث.
- ومكوِّن ديني معاصر، هو عبارة عن أدبيات السلفية الجهادية.
هذا المتخيل المزيج من هذه المكونات الثلاثة، هو الملهم لخطابات وسلوك شريحة واسعة من المواطنين هناك، وهو لهذا السبب بالذات يمثّل أهم جذر للإشكالية الإجتماعية التي تلقي باسقاطاتها على واقعنا السياسي. هو متخيل مخيف ومرعب وتدميري متى عرفنا أن مكونه التاريخي عفى عليه الزمن. وأن مكونه القومي فاشي احتكاري استئثاري، الأشد قسوة وتخلفا وهمجية في التجربة السياسية المعاصرة عالميا. وأن مكونه الديني، ما هو إلا خلاصة لكل عصور الظلام الدينية الصراطية التي تنفي أي تعددية فكرية، وتستبيح كل هوية مغايرة، مهما كان شكلها ولونها.
إن أزمتنا اليوم ليست مجرد قائمة مطالب سياسية، أو اقتصادية، يمكننا أن نتفاوض بشأنها، ولا في حوار يجب علينا إتقان فنونه، ولا في مكاسب سياسية نبحث عن ضمانات موثوقة لتنفيذها، ولا في خطط تنموية عادلة يراد لها أن تشمل الجميع بدون تمييز، بل في سلوكنا العنيف الذي ننتهجه في فض خلافاتنا في تلك الملفات. المشكلة في تلك البنية الاجتماعية التي تغذي هذا السلوك وتحرض عليه. وما لم تفكك عناصر تلك البنية الذهنية التي يتشكل منها، ويعتاش عليها، متخيل هذه البنية الاجتماعية، فإن أي أمل بحلول للتسوية سيكون ضربا من المستحيل.
إن بعض مستوياتِ عناصرِ هذا المتخيل قد تتقاسمها، بنحو أو آخر، أوساط اجتماعية أخرى في العراق، كالاستحقاق القومي التاريخي الذي قد يحلم به بعض من يصفون أنفسهم بالسكان الأصليين للعراق، أو الفكر القومي لدى الكرد، أو الفكر الديني لدى الشيعة، ولكن هناك دائما ما يحد من غلواء هذه المكونات الذهنية، سواء من خلال الواقعية التاريخية، أو البراغماتية السياسية، أو الإذعان لفكرة "الإرجاء الديني" في المصير الأخروي. هذه "الكوابح" لتلك المتخيلات المرعبة، وإن كانت لا ترقى لمستوى تصورات الحداثة حول مفاهيم الدولة والسياسة والمجتمع، ولكنها نافعة على أية حال؛ لأنها لا تعصف بالسلم الأهلي للمجتمع.
فشلُ الساسة في بلد كالعراق، لا سيّما أولئك الساسة الذين ينحدرون من المناطق الساخنة، هو في عجزهم عن اجتثاث تلك الأفكار المتطرفة. لم يتبنوا خطة استراتيجية، ولا خطابا سياسيا حقيقيا، يفكك مكونات تلك الذهنية ويحد من غلوائها. لم يعيدوا تعريف المشاكل المتعلقة بالعدالة والمشاركة السياسية عبر الاندماج بالدولة ومواطنيها الآخرين، بل على العكس، جوبهت أخطاء بعض السياسيين في الحكومة، وهي أخطاء لن نقلل من شأنها بحال من الأحوال في شأن أي مواطن عراقي، بتصعيد من قبل ساسة تلك المناطق، حوّل سكانها إلى قنابل تنفجر واحدة تلو أخرى، في مشهد يصدم كل وعي أخلاقي في العالم، ويمزق كل بلد في العالم، ويهدر ثرواته ويفتت مجتمعه. لقد كان رهان السياسيين المؤثرين من أبناء تلك المناطق هو الأقل حكمة من بين كل الحركات المدنية والأحزاب السياسية الداعية لإستعادة الحقوق والعدالة والحريات في العالم. لماذا؟ لإن قاعدة أي عمل سياسي ناجح داخل بلد ما، تبدأ أولا، وقبل كل شيء، في الحفاظ على السلم الأهلي، وهو على العكس تماما مما اختاره هؤلاء الساسة في خطاباتهم وتصريحاتهم وعملهم. لقد ولدت المعارضة السياسية في العراق منذ أول يوم لتشكيل الدولة العراقية الحديثة، ولكن لم يسبق لها أن ارتكبت هذا القسط من الأخطاء الكارثية، وفي وقت واحد، في أي مرحلة من تاريخها. وحتى في تلك الأوقات التي أرغمت فيها المعارضة على العمل المسلح، فإننا لم نسمع بأن ترهيبا اجتماعيا واسعا، أو قتلا عاما، حظي بدعم وترحيب ومشاركة من المدنيين الذين تدعي المعارضة تمثيلهم، لا مع مقاتلي الأهوار ولا في جبال البيشمركة. وهي، أي المعارضة آنذاك، لم تفعل ذلك لسبب بسيط: لأنها تخشى أن تخسر تعاطف قاعدتها الجماهيرية. لقد كانت تلك القواعد ترى نفسها جزءا من كل، وتملك إيديولوجيا مؤسسة على يوتوبيا الدولة العادلة، مقايسسها للمعارك النبيلة واضحة، وخيارها في السلم الأهلي لا مساومة عليه. لقد رفع السلاح في وجه أجهزة الدولة القمعية، وفي خطوط التماس غالبا، ولم يمتد لمؤسسات الدولة الأخرى، كما لم يتورط فيه المدنيون بأي حال من الأحول. الشيء المقلق اليوم هو اختفاء بديهيات "المعارضة" في تاريخ الدولة العراقية الحديثة، وتورط الفاعلين الاجتماعيين المباشر في حفلات الإبادة المنظمة، والسير في طرق أبعد ما تكون عن العمل السياسي الناضج والتحرري.
إن أي حلٍّ لأزمة الدولة العراقية لا ينطلق من أولوية السلم لهو حل كاذب ومخادع ومتناقض، والتاريخ يحدثنا أنه لا يوجد شعب واحد في المعمورة رفض السلم وبقي متماسكا وموحداً. لا معنى لخطاب يطالب بضمانات، بمكاسب، بحوار مؤسس على الثقة، بعدالة، بحريات، بمشاركة ... في العمل السياسي، وهو منغمس في مناخ من الكراهية الدموية المستبيحة لكل ما هو مغاير .. إن أخطر ما واجهه العراق، دولة وشعبا، في تاريخه حتى اليوم، هو هذه الإرادة الشريرة ذات المكونات الثلاثة التي وصفانها سابقا وهي تتحول إلى مسلمات تلهم بعض أبناء هذا الوطن معنى الحقيقة والسلوك الصائب .. وحتى تستبدل تلك المسلمات بمسلمات تعترف بالسلم الأهلي كمنطلق لأي عمل سياسي، بل لأي عيش مشترك، فإن فرص البقاء على بلد موحَّد اسمه "العراق" في تضاؤل مستمر.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,518,581,002
- المغمور من تراث الصدر الفقهي والأصولي .. جذاذات أبحاث منتظرة
- ما يشبه بيانات القمة
- مأزق الإله الرسالي
- المسألة الدينية ومحطات الوعي الثلاث في الثقافة العراقية
- إدارة التوحش
- ما يستفزني
- بؤس الوجود الرمزي للمثقف
- نقد الممارسة الأيديولوجية عند ريمون رويَّه
- عذابات النص بين كاتبه ومترجمه ومتلقيه
- رسالة من الجماهير الغاضبة في البصرة
- التراث .. أداةً لتزييف الوعي
- بذرة التفلسف
- السياسة والأمل
- الرئيس فيلسوفا
- متى يكون السياسي فاشلا؟
- الأساطير المؤسسة للعمل السياسي في العراق: السياسة كحرفة
- هل يؤسس الإلحاد مذهبا إنسانيا في الحب؟ نقاشات تنموية في فضاء ...


المزيد.....




- بومبيو من جدة: هجوم أرامكو -عمل حربي إيراني- غير مسبوق
- الحوثيون يهددون: أبوظبي ودبي ضمن أهداف هجماتنا بالطائرات الم ...
- كيف ساعد GPS السعوديين في إثبات تورط إيران بهجوم أرامكو؟
- السعودية تتهم إيران بدعم هجوم أرامكو وتؤكد أن مصدره من -الشم ...
- الرياض تتهم طهران في الهجوم على -أرامكو-
- وزير التربية التونسي يقرر منع الهواتف الجوالة لدى التلاميذ ف ...
- وزير التربية التونسي يقرر منع الهواتف الجوالة لدى التلاميذ ف ...
- حفل تأبيني كبير للناشطة عائدة العبسي بتعز
- ليبيا.. لهذا رفض التبو مقترحا إماراتيا للتسوية
- رسائل حوثية بعد هجوم أرامكو.. تكذيب جديد للرواية السعودية وت ...


المزيد.....

- الدولة المدنية والدولة العلمانية والفرق بينهما / شابا أيوب شابا
- حول دور البروليتاريا المنحدرة من الريف في ثقافة المدن. -3- ا ... / فلاح علوان
- اقتصاد قطاع غزة تحت الحصار والانقسام الحلقة الرابعة: القطاع ... / غازي الصوراني
- إيران والخليج ..تحديات وعقبات / سامح عسكر
- رواية " المعتزِل الرهباني " / السعيد عبدالغني
- الردة في الإسلام / حسن خليل غريب
- انواع الشخصيات السردية / د. جعفر جمعة زبون علي
- الغاء الهوية المحلية في الرواية / د. جعفر جمعة زبون علي
- الابعاد الفلسفية في قصة حي بن يقظان / د. جعفر جمعة زبون علي
- مصطفى الهود/اعلام على ضفاف ديالى الجزء الأول / مصطفى الهود


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - علي المدن - السلم أولاً