أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - محمود شاهين - ألوهة المسيح وفلسفة الألوهة ( النص الكامل للكتاب )















المزيد.....



ألوهة المسيح وفلسفة الألوهة ( النص الكامل للكتاب )


محمود شاهين
(Mahmoud Shahin )


الحوار المتمدن-العدد: 4767 - 2015 / 4 / 3 - 03:01
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


ألوهة المسيح وفلسفة الألوهة
محمود شاهين
(1)
خير ما نبدأ به مقالنا هو الكلمة . الكلمة السحر . الكلمة الخالقة . الكلمة العقل .الكلمة الله . الكلمة المسيح . الكلمة اللوجوس :
1 في البدء كان الكلمة ، والكلمة كان عند الله، وكان الكلمة الله
( يو حنا 1/1)
وكما يقول البابا شنودة الثالث :
(ومن هنا كانت عبارة الكلمة تعنى عقل الله الناطق أو نطق الله العاقل. فهي تعنى العقل والنطق معًا. وهذا هو موضع الابن الثالوث القدوس. وطبيعي أن عقل الله لا ينفصل عن الله. والله وعقله كيان واحد.)
(ومادام المسيح هو عقل الله الناطق، إذن فهو الله، وإذن فهو أزلي، لأن عقل الله كائن في الله منذ الأزل. وإذن فهو غير مخلوق. لأن المخلوق لم يكن موجودًا منذ خلقه. ومحال أن نقول هذا عن الله. وهل يعقل أحد أن الله مر عليه وقت كان فيه بدون عقل!؟ ثم بعد ذلك خلق لنفسه عقلًا! وبأي عقل يخلق لنفسه عقلًا؟! إن فهم الثالوث يعرفنا أزليه الأقانيم الثلاثة. وأن أقنوم الكلمة من طبيعة الله ذاته، وكائن فيه منذ الأزل.)
( كتاب لاهوت المسيح . البابا شنودة الثالث . 2 هو اللوجوس ( الكلمة )
يا لهذه الكلمة كم ستحمل من معان بحيث لن يبق شيء إلا وشملته أو كانت مصدره ، حتى الخلق تم بها :
" 1-;---;--فِي الْبَدْءِ خَلَقَ اللهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ.‏2-;---;--وَكَانَتِ الأَرْضُ خَرِبَةً وَخَالِيَةً، وَعَلَى وَجْهِ الْغَمْرِ ظُلْمَةٌ، وَرُوحُ اللهِ يَرِفُّ عَلَى وَجْهِ الْمِيَاهِ.‏3-;---;--وَقَالَ اللهُ: "لِيَكُنْ نُورٌ"، فَكَانَ نُورٌ. " التكوين 1
والكلمة هنا هي " ليكن " الأمر الإلهي المخفف . ولن ننسى أنها الله نفسه ، تمشيا مع فلسفة الالوهة التي تفضل آباء الكنيسة بها.
سبق وأن كتبنا أكثر من مقال عن سفر التكوين وبينا التناقضات القائمة فيه . وأحببت أن ألفت الإنتباه هنا إلى أن الله خلق الإنسان مرتين :
26وقال الله: نعمل الإنسان على صورتنا كشبهنا، فيتسلطون على سمك البحر وعلى طير السماء وعلى البهائم، وعلى كل الأرض، وعلى جميع الدبابات التي تدب على الأرض
27 فخلق الله الإنسان على صورته. على صورة الله خلقه. ذكرا وأنثى خلقهم
28 وباركهم الله وقال لهم: أثمروا واكثروا واملأوا الأرض، وأخضعوها، وتسلطوا على سمك البحر وعلى طير السماء وعلى كل حيوان يدب على الأرض
( تكوين 1)
كان هذا في الإصحاح الأول . حيث خلق الله الإنسان على صورته . وخلق ذكرا وأنثى وباركهما وانتهى الأمر . وبالتأكيد خلقهما بالأمر الإلهي ( كن ) أو( ليكن )
واستراح الله في اليوم السابع :
2 وفرغ الله في اليوم السابع من عمله الذي عمل. فاستراح في اليوم السابع من جميع عمله الذي عمل
( تكوين 2/2 )
لكننا في هذا الإصحاح ( الثاني ) نجد خلقا لآدم وحواء وبطريقة مختلفة مما يعني أنهما ليسا الإنسانين الأولين اللذين خلقهما على صورته :
7 وجبل الرب الإله آدم ترابا من الأرض، ونفخ في أنفه نسمة حياة. فصار آدم نفسا حية
18 وقال الرب الإله: ليس جيدا أن يكون آدم وحده، فأصنع له معينا نظيره
21 فأوقع الرب الإله سباتا على آدم فنام، فأخذ واحدة من أضلاعه وملأ مكانها لحما
22 وبنى الرب الإله الضلع التي أخذها من آدم امرأة وأحضرها إلى آدم
(تكوين 2)
في الخلق الثاني لم يخلق الله بالأمر الإلهي ( كن ) فاضطر أن يجبل ترابا ( أي أن يصنع تمثالا من الطين ) وينفخ في أنفه نسمة الحياة . واضطر أن ينوم آدم ليأخذ ضلعا من أضلاعه ليخلق حواء . خالق الكون والكائنات بكلمة يتخلى عن الكلمة دون أن نعرف لماذا ويشرع العمل بيديه وينفخ بفمه ، مما يعني أن له يدين وفماً ، وبالتالي فإن شكله إنساني وخاصة أنه خلق الإنسانيين الأولين على صورته . وكان يمكننا أن نتقبل أن يكون الله شبيها بالإنسان لو أن الآباء الكنسيون لم يقولوا لنا أن الله لا يشبهه شيء وهو خارج الزمان والمكان ، دون أن يفكروا في أنهم وضعوا الله في العدم في هذه الحال :
(الأزلي، المتعالي، الثابت، المنزه عن الزمان والمكان ! تعني صفة الخلق أيضًا أن الله خلق الزمان والمكان، وهذا يؤدي حكمًا لكون الله هو الوحيد خارج نطاق الزمان والمكان.[16] ولكونه منزه عن الزمان فهو أزلي، لا بداية له)
( عن الموسوعة الحرة )
الكتابة والتأليف مسألة سهلة والتفلسف مسألة ممكنة وإن كانت أصعب ، خاصة حين تكون الكتابة والتفلسف موجهتين لبشر بدائيين بسطاء ، لم يكتمل وعيهم ، لنقص في معرفتهم ، فما بالنا إذا ما كانت المعرفة البشرية ناقصة حتى اليوم ، وإن حصل بعض البشر على نسبة عالية من المعرفة تؤهلهم لأن ينظروا بعين العقل ، لكل ما قدمه العقل البشري من اجتهادات معرفية .
ولن يغيب عن بالنا أنه حين شرع في كتابة العهد القديم ( التوراة ) بعد السبي البابلي أو في حدود زمنه واستمرت كتابته لعدة قرون ، وحين كتبت الأناجيل أواخر القرن الأول الميلادي واستمرت كتابتها لقرابة أربعة قرون ، كان العالم يعج بمئات الآلهة إن لم يكن بآلافها ، وبمئات المعتقدات في الخلق ، من كنعانية وبابلية وفرعونية وهندوسية وصينية وإفريقية مختلفة ،وأوروبية مختلفة ،وأمريكية مختلفة . واسطورة الخلق التوراتية كانت خاصة بالقبائل العبرانية ( بنواسرائيل اليهود ) التي استوطنت فلسطين . حتى في فلسطين نفسها كانت هناك آلهة أخرى ومعتقدات مختلفة ، فما بالكم ببلاد الشام كلها ( سوريا لبنان الأردن فلسطين )؟ّ! وا لمؤسف والمحزن والمفجع أن تخرج العقيدة المسيحية ومن ثم العقيدة الإسلامية من رحم هذه الأسطورة العبرانية .
إذن " في البدء كانت الكلمة " ولا نعرف بأي لغة نطقها الله بالعبرية أم بالآرامية أم باليونانية ام بالهيلوغروفية أم بالسومرية أم بالبابلية ، لم يخبرنا كتبة التوراة ، ولم يخبرونا عن ماهية لغة الله ،وبالتأكيد هو حسب فهمهم يعرف اللغات كلها حتى قبل أن يخترعها البشر .
بقي أن نتساءل إذا كان الكون علميا موجودا منذ حوالي 14 مليار عام ، وهذا أقل تقدير قدمه العلماء ، فلماذا تأخر الإله التوراتي كل هذا الزمن المديد ليخلق الكون والإنسان قبل قرابة ثمانية آلاف عام على أكثر تقدير ، ولن ننسى أن الإله التوراتي أغرق كل الأجيال البشرية من نسل آدم وحواء أو الإنسانيين الآخرين اللذين خلقهما على شاكلته ، كما أغرق الكائنات كلها ، في طوفان نوح ، ما عدا نوح وأولاده وزوجاتهم وما استطاعوا جمعه من كائنات . وقد أجمع المؤرخون على أن الطوفان حسب التوراة قد حدث حوالي 3000 عام ق.م. واحتاجت البشرية قرابة ألف عام لتنشيء حضارة من جديد ،فنصبح أمام حضارة بشرية بل وأمام بشرية عمرها قرابة أربعة آلاف عام وربما أكثر قليلا . فاي عقل بشري يمكنه أن يقتنع بهذا الكلام ؟!
. تعبت . استراحة . فما زال أمامنا الكثير مما سنقولة عن ألوهة المسيح وفلسفة الألوهة ، خاصة ونحن نجتهد قدر الإمكان أن نقدم فهما جديدا للألوهة لم يطرقه العقل البشري من قبل ، استنادا إلى فهمنا بأن الالوهة ليست إلا طاقة سارية في الخلق ، لم ترسل رسلا وانبياء وآلهة ،وليس لديها جنة ونار ، ولا تحاسب ولا تعاقب ، ولن تنزل شرائع وتشريعات ،ولا تتدخل في حياتنا خيرا أو شرا ، ولا تحتاج إلى عبادة ، ولا إلى كنائس ومساجد ومعابد ، بل تحتاج إلى خالقين يبنون الحضارة الإنسانية . وآمل من متابعي أن يكونوا قد عرفوا ذلك من كتاباتي وتوسعوا في فهمي .
وجزيل شكري لكل متابعي .
ألوهة المسيح وفلسفة الألوهة (2)
يا ليت المسيحية عزلت نفسها عن اسطورة الخلق التوراتية ،خاصة وأن يسوع المسيح جاء بمبادئ لا تخلو مما هو جديد على الفكر الإنساني في حينه . ويا ليت الإسلام فعل الأمر نفسه خاصة وأنه جاء ببعض المفاهيم الجديدة التي لم يعرفها المجتمع البشري من قبل ، انطلاقا من نزعات مادية غير مثالية تتعلق بحياة البشر ،وخاصة مفهومه للوجود الإلهي الذي لم يضعه خارج الزمان والمكان بل أوجده في الكون كله . وهذا ما لم يتنبه له معظم المفكرين الإسلاميين عدا ابن عربي وربما الجيلي الذين أنكرا وجود العدم بالمطلق، وسنأتي على ذلك في نهاية هذا البحث مع
أنه سبق وأن تطرقنا له .
حسب الفكرالمسيحي الكنسي الفلسفي الإجتهادي ( وهو فكرمحدث ويبدوأنه تأثر بالفكرالإسلامي ) أن ألوهة المسيح (الإبن) كانت موجودة ( كامنة ) في الكلمة ( اللوجوس ) منذ البدء مع الآب والروح القدس . مع أن تعبير "الروح القدس "بشكله المسيحي لم يظهر في التوراة ،فالوارد في التوراه هو روح أو روح الله دون قدس ، وفي مواقع ليست كثيرة جدا . وبالتأكيد دون ذكر للإله الأب كما هو في الفكر المسيحي .وبما أن الثلاثة :الأب والأبن والروح القدس ، يشكلون اقنوما واحدا هو الألوهة الواحدة التي لا تتجزأ ، فلا نعرف من الذي قرر أن يظهر الألوهة مجسدة في انسان يكون ابنا للإله يدعى يسوع المسيح ، (وبالتأكيد يفترض أن الإسم كان مقررا منذ الأزل وكامنا في الألوهة ) فهل هي الألوهة بكل مكوناتها هي التي قررت أن تظهر نفسها ، أم أنه الآب وقرر أن يظهر ابنه للبشرية ، أم أنه الروح القدس الذي اختار ذلك ؟
إذا اتبعنا الفكر المسيحي الأقرب إلى الصواب ، ستكون الألوهة بكل مقوماتها هي التي قررت ذلك . وفي هذه الحال سنجد أنفسنا أمام معضلة كبيرة ، إن لم يكن معضلات . سنتجاوز مسألة أنه كان للإله ابن من قبل ، وسنتجاوز مسألة الإنفصال عن الأقنوم الواحد الذي يشكل الألوهة ، بحيث تصبح الألوهة موجودة على الأرض وفي السماء . لنقف أمام المعضلة الأهم وهي : إذا كان الله ( المسيح) إلها أزليا ، فهل كان يحتاج أن يتم الحمل به من قبل أنثى بشرية ، ويحتاج إلى أن يولد كالبشر ، ويربى كالبشر ، ويشرد كالبشر، ويحتاج إلى ثمانية عشر عاما ليكبر، ويحتاج إلى اثني عشر عاما إضافيا لكي يستعيد ألوهيته ، أو يعلن عنها ؟ !!!! مع أنه كان قادرا على أن يفعل ذلك بلمح البصر وينهي الأمر بكلمه ، أو حتى دون كلمة ، لينزل من السماء ( مثلا ) في شخص انسان ويحلق في سماء اورشليم وبيت لحم ويخاطب الرومان واليهود والفلسطينيين ويعلن عن ألوهيته وينزل الخيرات عليهم بكلمة ، ويشفيهم من أمراضهم بكلمة ، وحينئذ ، سيسجد الرومان واليهود والفلسطينيون له ، ويعلنونه كإله للبشرية . وبالتأكيد ستقتنع البشرية كلها بألوهيته ،وتتخلى عن آلهتها ،وتتوقف عن إشغال عقلها في الوجود وخلق آلهة لا تحصى !!!!
إنها مشكلة العقل الإنساني الذي نحترم اجتهاده بالتأكيد ، لأنه لم يكن قادرا على التفكير في ما هو أعمق من ذلك ، وأكثر اقناعا. لكن يتوجب علينا أن لا نبقى أسرى لهذا الإجتهاد . وأن نسعى لمعرفة الخالق العظيم على حقيقته ، وأن نسعى بدورنا معه ، لإيجاد قيم الخير والعدل والجمال والمحبة ، التي لم ينجح أي دين على الإطلاق ، في تكريسها في المجتمعات الإنسانية ،والتي دونها تظل الحضارة ناقصة ،وناقصة كثيرا .
*************
ألوهة المسيح وفلسفة الألوهة (3)
وجدنا في ما سبق أن الإله أظهر نفسه للوجود ، أو أظهر ابنه بطريقة طبيعية وغير خارقة ، استغرقت ثلاثين عاما وهو ما يتناقض مع طبيعة الألوهة التي يفترض أنهاخلقت الكون والكائنات في ستة أيام فقط لا غير ، وأنزلت الكوارث بالمصريين بكلمة أو بضربة من عصا موسى وشقت البحر وأغرقت فرعون وجنوده بكلمة ،وحاربت مع اليهود بقيادة يوشع بن نون وهدمت أسوار أريحا ، لتدمربذلك معهم ثلاثين مملكة كنعانية ، ويبيدو سكانها ويستولوا على أراضيها . خوارق هذا الإله كثيرة وقدراته الخارقة كثيرة ، ومع ذلك نجده في أحيان كثيرة يمارس ما لا يتناسب مع قدراته الخارقة كإظهار ابنه الوحيد للملأ ، أو ليتبنى ابناً إنسانيا يجعل منه إلها . وقد سبق ورأينا ممارسات أخرى كثيرة لهذا الإله لا تتناسب وقدراته الخارقة . كخلق آدم وحواء ، والبحث عن آدم في الجنة دون أن يعرف مكان اختبائه، وترك سيف من اللهب يحرس الجنة بعد طرد آدم وحو اء منها ، مع أنه لم يكن فيها أحد يمكن أن يسرق ،ومصارعته ليعقوب كإنسان ليلا بكامله دون أن يعرفه ودون أن نعرف بدورنا لماذا ينزل الله ليصارع إنساناً ، فهل هو في حاجة إلى رياضة مثلا ؟ وتحديه لأيوب المحطم بقول ما معناه " إن كنت رجلاً قف أمامي " وغير ذلك كثير مما مر معنا في مقالات سابقة ومما لم نتطرق إليه أيضا .
والأهم من كل ذلك أن نجد هذا الإله لا يوظف قدراته الخارقة في نشر دينه وتعاليمه وشرائعه فيحتاج إلى رسل بشريين يمضون أعواما طوالا يجاهدون ويتعذبون ويشنون حروباً ، وتتصارع الشعوب في ما بينها ، مع أنه قادر على أن يفعل ذلك بمجرد كلمة . وما لا يقل أهمية عن ذلك هو خلق الإنسان الصالح لتسود قيم الخير والمحبة والعدالة والجمال العالم ، مع أنه قادر على أن يفعل ذلك بمجرد كلمة يقولها . فهل الخطأ في مفاهيم هذه الألوهة أم أنه في الله نفسه . رأينا معروف جيدا بأن الخطأ هو في الإنسان الذي اجتهد في تقديم هذه التصورات والمفاهيم للألوهة .
لنعد الآن إلى المسيح . الذي لم يشن حروبا كغيره من الرسل السابقين واللاحقين ، وكانت رسالته رسالة خير ومحبة .
لم يقتنع الرومان برسالة المسيح وقاموا بصلبه وقتله بأبشع طرق القتل . دون أن يتمكن من الدفاع عن نفسه ،ودون أن يتدخل أبوه الآب للدفاع عنه . فراح يهتف في لحظاته الأخيرة على الصليب :
46ونحو الساعة التاسعة صرخ يسوع بصوت عظيم قائلا: إيلي، إيلي، لما شبقتني؟ أي: إلهي ، إلهي، لماذا تركتني .
(متى 27)
صراخ المسيح هذا يشير إلى أن الله تخلى عنه وأنه لم يعد إلها . وإذا كانت الألوهة في ذاته فقد خرجت منه بأمر الآب الإلهي وليس بأمره، فلو لم تخرج لكان قادرا على تحمل العذاب وألم الصلب ولما صرخ متسائلا ، بل ولما ألقي القبض عليه لو شاء ، فما بالكم أن يصلب ؟ ولكنها خرجت . الأناجيل تشير إلى أن المسيح كان يعرف أنه سيلقى القبض عليه ويعرف من سيوشي به ( يهوذا ) ويعرف من سينكره عند صيحة الديك (بطرس ) بل ويذكر أن جميع تلاميذه سينكرونه:
31 حينئذ قال لهم يسوع : كلكم تشكون في في هذه الليلة، لأنه مكتوب: أني أضرب الراعي فتتبدد خراف الرعية ( متى 27)
ولكنه لم يكن يعرف أنه سيتعذب ويتألم إلى هذا الحد الفظيع ، وإن كان يدرك أنه سيصلب لأن العقوبة في زمنه كانت الجلد والصلب .
ماذا تقول الكنيسة المبجلة في هذه الحالات رغم أن الكنائس اختلفت فيما بينها حول هذه المسألة :
(فموته الروحي هو الذي عبر عنه بهذه العباره الهي الهي لما تركتني فهو متحد باللاهوت ولكن تفاعله مع اللاهوت توقف لانه المحرقه الان الذي يقدم ككفاره وبهذا ذاق الموت الروحي ايضا
وهو يستعد الي النزول الي الجحيم الذي اصعب ما في الجحيم هو البعد عن الله ، فبهذا نتاكد أن المسيح قال ذلك كنائب عن البشريه )
((عن موقع على النت ))
هناك تفاسير كثيرة ،وخلاصة معظم هذه التفاسير هي الإجماع على خروج الألوهة من الجسد لتبقى في اللاهوت ،ولكي يحس الجسد بالآلام والعذابات ليحمل الخطيئة عن البشرية !وبهذا يكون المسيح قد افتدى خطاياها .
لكن أية خطايا هذه التي حملها المسيح هل خطايا البشرية قبل الطوفان أم بعده؟إذا كانت خطايا ما قبل الطوفان فقد انتقم الله من البشرية وأغرقها بطوفانه . وإذا كانت خطيئة آدم وحواء بأكل ثمرة المعرفة التي لم يكن يريدها الله لخلقه كما لا يريد لهم الخلود ، فقد انتهيا من زمن بعيد وعاقبهما الله بطردهما من الجنة ولا يمكن للبشرية أن تحمل خطيئتهما لأنها لم تأكل معهما . وإذا كانت بشرية ما بعد الطوفان فهي لم ترتكب خطيئة الأكل كسابقيها ،وإذا كانت خطايا البشرية قاطبة قبل المسيح وبعده فلماذا أبقى الله على جهنم ليتوعدنا بها ، طالما أن المسيح افتدانا مهما ارتكبنا من خطايا ؟ !!!
كل هذا المسائل تدورفي فلك تصورات ومفاهيم الإنسان نفسه ، التي أوجدها الإنسان ولم توجدها آلهة ،رغم أن الله أوطاقة الخلق الإلهية السارية فينا هي مصدر كل ما نقوم به من تصورات سلبية أو ايجابية ، وكل ما نقوم به من أفعال وحركات وفكر ورؤية وسمع وحس وكل شيء ، هو بفعل طاقة الخلق هذه الموجودة في كل خلية في أجسادنا ، وبما يحيط بنا وبالكون كله . دون أن يكون هناك تحكم مباشر من قبل هذه الطاقة ( ولتكن الله ) في كل ما نفعله . ويمكن تصور دماغنا الذي أوجده الله لنفكر به كما نشاء ، دون أن يتحكم الله بتفكيرنا . وحسب هذا الفهم فإن الله هو مصدر كل ما نفعله ، ويمكن أن نعتبر( مجازا إن شئتم ) كل كلام هو كلام إلهي وكل كتاب هو كتاب إلهي ،فليس ثمة شيء خارج الفعل الإلهي ،ولهذاوضع ابن عربي الملحد ،والوثني ،والمسيحي ، والمسلم ، ضمن دائرة الإيمان :
لقد كنت قبل اليوم أنكر صاحبي .. إذا لم يكن ديني إلى دينه داني
لقد صارَ قلـبي قابلاً كلَ صُـورةٍ .. فـمرعىً لغـــــزلانٍ ودَيرٌ لرُهبـَــــانِ
ِوبيتٌ لأوثــانٍ وكعـــبةُ طـائـــفٍ .. وألـواحُ تـوراةٍ ومصـحفُ قــــــرآن
أديـنُ بدينِ الحــــبِ أنّى توجّـهـتْ .. ركـائـبهُ ، فالحبُّ ديـني وإيـمَاني”
محيي الدين بن عربي
وبهذا نفهم الآي القراني : وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى . ( الأنفال 17 ) كفعل إلهي . ولا شك أن هذا الفكر الإسلامي كان طفرة نوعية في الفكر البشري ، إضافة إلى أنه جرد مفهوم الذات الإلهية إلى أبعد حدود المطلق .
*****
ألوهة المسيح وفلسفة الألوهة(4)
(الأزلي، المتعالي، الثابت، المنزه عن الزمان والمكان(
( قول كنسي مر معنا)
القول أعلاه قول كنسي منقول عن النت . وكان يمكن تقبل الوجود الإلهي كأزلي ومتعال لو لم يكن ثابتا ومنزها عن الزمان والمكان . فماذا يعني ثابت ، لا يتحرك مثلا ، أم لا يتغير شكله ؟ ونرى أن مسألة الثبوت مرتبطة بالزمن ، والله خارج الزمن حسب رأي الكنيسة :
(تنزيه الله عن الزمان، يفيد أيَا بثبت الله، فإن كل ما هو خاضع للزمن، محكوم بالتغيير والتبديل والفساد، لأنها من خواص وطبيعة الزمن ذاته "مؤقت"، والألوهة منزهة عن الزمن، فهي ثابتة لا تقبل التغيير أو التحوير في طبيعتها أو الفساد في جوهرها، أو أي طارئ حادث أو حديث عليها.[18)
المصدر نفسه .
وهكذا نرى أن الله لو خضع للزمن لتعرض للتغيير والتبديل والفساد ، وبما أنه لا يخضع ، فهو ثابت . لكن ماذا إذا كان الله لا يتأثر بالزمن أصلا ؟! هل سنتقبل وجوده فيه أم لا ؟ّ! وهل يمكن أن يكون الزمن أقوى من الله فيهزمه ؟
المغالطة في هذا الكلام هي أن القائل يفترض أن الله يتأثر بالزمن وكأنه مادة ما ،وليست مشكلة أن يتصور أن الله مادة ، المشكلة أنه يتأثر بالزمن ! كما أنه يتجاهل وجود زمن إلهي يختلف عن الزمن الدنيوي،أوحتى أي زمن آخر ولو من حيث تأثيرة على المواد .فيتعامل مع الزمن بالمطلق ، وأن الله غير قادر على حماية نفسه منه أو التكيف معه رغم أنه إله ، لذلك هو خارج الزمن حتى السماوي منه الذي ورد في القرآن مثلا :
﴿-;---;--وَإِنَّ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ﴾-;---;-- (الحج 47)
تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ المعارج (4)
وهنا نلمس بوضوح أن الله في الإسلام ليس خارج الزمن .
وماذا عن الزمن النسبي الذي يختلف من كوكب إلى كوكب ، وماذا عن الزمن الفيزيائي ؟
كما أنه يفترض أن لله شكلا ما يمكن أن يؤثر عليه الزمن ، رغم أننا نكتشف في مقالات أخرى أن لا شكل لله لأن أحدا لا يعرف شكله ، فكيف عرف أن الزمن سيؤثر عليه طالما أنه لا يعرف شكله . وإمكانية أن يجدد الله نفسه ، أو أن يكون متجددا باستمرار مسألة غير واردة على الإطلاق عند عباقرة الكنيسة لأن الله ثابت لا يتغير ، رغم أنهم يعرفون كل شيء عن الله ّ! حتى أن بعضهم اعتبره نورا :
(وإن كان الله جوهره نور؛ فكما أن النور خاصيته الانتشار ويملأ المكان الذي يحل فيه دون أن يحده المكان. هكذا الله حلَّ بلاهوت كلمته في بطن العذراء مريم واتحد بجسد كامل منها دون أن يحد هذا الجسد لاهوته )
(موقع مسيحي )
والملاحظ هنا أن النور( الله ) موجود ضمن الزمان وحتى المكان أيضا الذي لم نأت عليه بعد ، فكيف يكون خارج الزمان والمكان ! ربما هي كلمته التي يرسلها من خارج الكون (العدم ) لتحيل الكائنات إلى ما يريده هو: شعلة نار ، أو عمود دخان ، أو رجلا ما ، أو جنينا في رحم أنثى أو جسدا مقدسا ،أو إلها في إنسان .
ترى ما ذا عن الأشكال البشرية وغير البشرية التي ظهر الله متجسدا فيها ،فهذه ليست في الزمان فحسب بل في المكان أيضا ، وهي أكثر من أن تحصر ، بدءاً من التجول في الجنة مرورا بمصارعة يعقوب وانتهاء بأعمدة الدخان والعليق وشعل النيران ... والأهم من كل ذلك يسوع المسيح ،الأقنوم الثالث الفاعل في الذات الإلهية .
ويحتار المرء حين نجد آباء الكنيسة يقولون :
أخيرًا فإن التنزيه عن الاسم والرسم يقود حكمًا للتنزيه عن الجسم، ينصّ الكتاب المقدس عن "ترائي" الله لبعض الأنبياء مثل موسى، غير أنه يوضح أنه عاين "شبه الرب"،[32] و"مجد الرب"،[33] ويجزم الكتاب "ما من أحد رأى الله قط"،[34] وينصّ سفر أشعياء الرؤيوي بأن الملائكة "تستر عينينها بأجنحتها خجلاً ووجلاً"،[35]
( ما من أحد رأى الله قط ) ومع ذلك يعرفون أنه نور ، وأنه خارج الزمان والمكان ، وأنه يستطيع أن يكون في أي مكان دون غيره ،وأن الملائكة (تستر عينيها خجلا ووجلا ) عند رؤيته !
إذن الملائكة وهي كائنات روحية في خدمة الله ، تراه ، لكنها تستر عينيها خجلا ووجلا عند رؤيته . ونحن إن تقبلنا الوجل لمهابة الله فقد لا نتقبل الخجل ، إذ يفترض أن يغمر السرور الملائكة ! هذا بعد أن أقنعنا أنفسنا بوجود ملائكة روحيين ، لا يمكن تصور اشكالهم ، فهم لغز إلهي آخر !
والملائكة هؤلاء يخدمون الله وهو جالس على العرش ، أي ضمن المكان والزمان وليس خارجهما ، وضمن المكان المحدد أيضا :
(تعلم المسيحية بأن الله قد خلق ملائكة لخدمته. هؤلاء الملائكة مخلوقات روحية خالصة، لها فهم ووعي وإرادة،[49] ولا جسم مادي لها ولا يُرون عادة، وقد تتخذ هيئة بشرية عند مكالمة خاصة للبشر لتنقل إرادة الله أو إحدى بشائره كما حصل مع أشعياء وحزقيال وزكريا ومريم العذراء.[50] مذكور في نصوص العهد القديم والعهد الجديد، تسبيح وتمجيد الملائكة الغير منقطع والغير نهائي لله، في المقابل فإن الملائكة الساقطون هم شياطين.[51] وإلى جانب الملائكة كأفراد هناك الملائكة كمجموعات أو «أجواق» كما يسميها التقليد اليهودي - المسيحي، مثل الساروفيم والكاروبيم. ويمكن طلب شفاعة الملائكة، لأن من أحد وظائفهم التشفع لأبرار الأرض.(52)
(المصدر االأول)
العرش والملائكة في السماوات وليس لأحد أن يعتقد أن في السماوات مكانا أو زمانا ، فهي خارج الزمان والمكان والجغرافيا،إنها مكان الخلود ، هكذا يقول لنا أب من الآباء ، ولا نعرف إذا يجوزلنا أن نطلق عليها مكان :
"، كما يقول اللاهوتي الكاثوليكي من أصل سوري هنري بولاد.[19] يطلق على هذا المفهوم بشكل خاص لقب "التعالي"، فالله متعالي عن المظاهر الكونية الماديّة والحسيّة، فطريقة الوجود الإلهي هي سر.[20] وغالبًا ما يميّز بين "السماء" و"السماوات"؛ فبينما الأولى تشير إلى موطن الغيوم والكواكب، فإن الثانية تشير إلى مقام الله بلفظ بشري، وهو الواقع في نطاق السر: "ما لم تره عين، ولم تسمع به أذن، ولا خطر على قلب بشر: ذلك ما أعدّه الله للذين يحبونه"؛[21] أمام هذا السر، يكتفى عادة بوصف السماوات بكونها "لا جغرافية"، وبأنها "حالة مكثفة من الطوبى" من جهة ثانية."
أوردت ما هو فائض عن المطلوب كما هي عادتي أحيانا ، لتوضيح ما لم يوضح لدى بعض القراء .
لم يخبرنا هذا اللاهوتي من أين له هذه المعلومات ؟ فهل أخبره الله ذو الوجود السري بها ؟
وربما لا يعرف هذا اللاهوتي أن كلمة ( الله ) وكل ما يقابلها من لغات البشرية ، هي كلمات أوجدها البشر ، للتعبير عما هو وراء الوجود ، الذي قد لا يعرف حتى الآن أن له اسماً .
ترى ماذا عن صعود يسوع المسيح وجلوسه إلى جانب الله ، فهل هما صعود وجلوس خارج الزمان والمكان ؟ وحين جلس المسيح هل تخلى عن شكله الإنساني واتخذ شكلا روحيا ؟ أو شكلا سريا لا نعرفه :
19 ثم إن الرب بعدما كلمهم ارتفع إلى السماء، وجلس عن يمين الله
(مرقس 16)
أمام هذه المتاهة من الغموض في تأويل الذات الإلهية المفترضة ، لم يجد الإنسان العادي أمامه غير تعاليم المسيح الدنيوية التي تهم معيشته ، فاتبعها وما زال يتبعها ، وترك ما لقيصر لقيصر وما للكنيسة لأربابها.
ومن الجدير بالذكر أن هناك مسيحيين لا يؤمنون بالخلق في ستة ايام ، ويؤمنون بالنشوء والإرتقاء .
**********************
ألوهة المسيح وفلسفة الألوهة (5)
*الألوهة المنزهة في العدم !!
الحديث في المسيحية عن الألوهة المنزهة والألوهة المجسدة هو أقرب ما يكون إلى الحديث عن طاقة سارية في الخلق وبمعنى ديني ( حقيقة ) حسب فهم ابن عربي . ،غير أنها( المسيحية ) تذهب بعيدا في الشطط حين تدخل التنزيه في العدم ، أي خارج الكون وخارج الوجود وهنا تكمن واحدة من أهم معضلاتها الفلسفية .
فالطاقة لا ترى غير أنها تتجسد بتحولها إلى مادة . والمادة ( الكائنات ) هي التي تقوم بدورها بفعل الفعل . وطاقة الخلق لم يستطع العقل البشري حتى الأن أن يعرف ماهيتها وجوهرها ، ولا حتى نوع المادة الناجمة عنها ، هي طاقة مجهولة تماما ، والمادة التي نجمت عنها في البدء مجهولة أيضا ، غير أن لهذه الطاقة قدرة على الخلق ، فكيف لعقل بشري أن يتصور وجودا لها في العدم . والعدم لا شيء على الإطلاق وهو ما ثبت عدم وجوده علميا ، خاصة وأن الكون متمدد وليس هناك شيء خارجه ،لا عدم ولا فراغ ، ولا شيء على الإطلاق ،حتى لو كان بحجم رأس دبوس .
والقول المسيحي (في البدء كان الكلمة والكلمة كان عند الله وكان الكلمة الله) يعيدنا
إلى ما قبل عملية الخلق ، أي إلى العدم حيث بدأ ت عملية الخلق من الصفر . المشكلة حتى الصفر لم يكن موجودا فهو تعبير رمزي حديث .المعنى المباشر لهذه الجملة هو : ألله كلمة وما يصدر عنه هوكلمة وما يتجسد به أو فيه هو كلمة ( المسيح ) . وثمة تأويلات كثيرة لهذه الجملة عند المسيحيين . والمشكلة ليست في التأويلات بالتأكيد فكل إنسان يمكن أن يجتهد ويؤول حسب وعيه . المشكلة التي يتجاهلها الجميع ، أن الكلمة نتاج نطق سابق عليها ، والنطق نتاج خلق انساني سابق عليه . وبذلك تكون الكلمة قد جاءت متأخرة جدا في عملية الخلق ، أي بعد أن حول الإنسان الصوت إلى نطق والنطق إلى لغة أوجدت الكلمة ،وهذه المسألة تمت في زمن قريب جدا من عمر الكون ، فأقدم اللغات المكتشفة كالسومرية ، لا يزيد عمرها على ستة آلاف عام . وبالتالي لم يكن هناك كلمة في البدء حتى لو كانت الكلمة ( كن ) فاللغة اخترعها الإنسان وليس الله ، والله لا يتحدث لغات !!وهذا لا يعني أن الإنسان لا يخترع اللغة بفعل طاقة الخلق السارية فيه . الله أعطانا الطاقة لنخلق بها ومما خلقه الإنسان كان اللغة ّ! ولاحظوا أنني قلت كان !!
لم يقع الفكرالإسلامي في هذه المشكلة والكثير من المشكلات الفلسفية وغير الفلسفية أيضا ، رغم أنه وقع في تخيلات توراتية ليست قليلة . فحين سئل النبي محمد أين كان الله قبل عملية الخلق قال :
" في عماء ما فوقه هواء و ما تحته هواء ، ثم خلق عرشه على الماء "
وللتوضيح أكثر نورد سند النص :
فيقول الطبري في تفسيره لقوله تعالى من سورة هود (( وكان عرشه على الماء )) :
حدثني المثنى ، قال : ثنا الحجاج ، قال : ثنا حماد ، عن يعلى بن عطاء ، عن وكيع بن حدس ، عن عمه أبي رزين العقيلي ، قال : قلت : يا رسول الله ، أين كان ربنا قبل أن يخلق السماوات و الأرض ؟ قال : " في عماء ما فوقه هواء و ما تحته هواء ، ثم خلق عرشه على الماء "
ونسبه أحمد شاكر في الحاشية تخريجا للترمذي و ابن ماجة وأحمد..))
وهكذا نجد أن النبي محمد بعبقريته قد تجاهل العدم تماما وجعل الله موجودا في السحاب بين الهواء . ونراه يلتقي مع الفكر التوراتي والبابلي بوجود العرش على الماء .( في البابلي تختلف المسألة قليلا بوجود الآلهة في الماء نفسه ):
•) في البدء كانت الألهه "نمو" ولا أحد معها, وهي المياه الأولى التي انبثق عنها كل شي)
وفي السومرية التي تتداخل مع البابلية :
حينما في العلى لم تكن هناك سماء
وفي الأسفل لم تذكر الأرض باسم
وأبسو الأولّي الذي ستولد منه جميع الآلهة
والوالدة «تيامات» التي ستلدهم جميعا
كانا يمزجان مياههما معا،
وإذ لم تكن المراعي مجتمعة ولا القصب منظورا
وإذ لم يكن قد ظهر أحد من الآلهة،
ولم يكن حظي باسم ولا مصير
إذ ذاك من أحشائهما خلقت الآلهة .
ولدى قبائل المايا في أمريكا :
في البداية كان هناك بحر مظلم و هاديء. في هذا البحر كانت الآلهة موجودة(
عند شعب دوغون الافريقي
(عند شعب دوغون (dogon) في دولة مالي بدأ الامر منذ البداية مع امما (Amma) الذي خلق النجوم من الطين ثم رماهم الى الاعلى. الشمس كانت كرة طينية ملتهبة تحيط بها حلقات من النحاس. القمر كان ايضا مثل الشمس ولكن الخالق حماه بالنار فترة اقصر مما فعل مع الشمس. الارض كانت ايضا قطعة من طين وكانت منطرحة على ظهرها، عندما رآها الله (Amma) قرر ان يضاجعها. ولكن فرجها انفتح وظهر منه بظرها مدورا ليتتطاول الى ان يصل الى وجه الله عز وجل، لذلك قام الله امما بقصه، ليكون التطهير الاول للمرأة.(
) المعلومات عن الموسوعة الحرة)
اكتفيت بهذا القدر من مطالع قصص الخلق التي تنكر وجود العدم ، وتبدأ الخلق من الماء والمادة بشكل عام .وأجمل الأساطير هي تلك الأخيرة التي بدأت جنسيا .
على نهج النبي محمد سار ابن عربي وتعمق كثيرا في فهم الخالق إلى أن وصل إلى الحقيقة المطلقة العظيمة بما ما معناه ( ما يسري في الكون من أعلاه إلى أدناه ليس إلا الحقيقة الإلهية ) وبمعنى معاصر . الطاقة ولا شيء غيرها .
ألوهية يسوع المسيح تاريخيا (6)
تعرضنا في مقالات سابقة إلى العديد من المفاهيم للألوهة في بعض العقائد البشرية المختلفة ، كالهندوسي والبوذي والتاوي والشنتوي ، والفرعوني ،والبابلي ،والسومري. كما تطرقنا إلى سفر التكوين التوراتي ، وسفينة نوح ، ومأساة أيوب ، غير أننا لم نتطرق إلى شخصية يسوع المسيح وألوهيته تاريخيا ، وإن كنا قد مررنا عليها مرورا حين تطلب الأمر ذلك .
لقد سبق وأن أشرنا إلى ظهور كثيرين من المشحاء ( الماشيح : الممسوح بالزيت المبارك ) 1 قبل قرابة قرنين من ظهور المسيح ،وبعد قرابة قرن من ظهوره ، ولم يتوقف ظهور هؤلاء إلا بعد أن قام الرومان بهدم القدس وتشتيت اليهود عام 70 م . و قلنا أن هؤلاء كانوا أقرب إلى دراويش ومشعوذي عصرنا ، وبعضهم يدعي أنه ولي ، أو مبارك من الله .وهو بالتأكيد المهدي المنتظر الذي بشرت به بعض اسفار التوراة ، لينقذ "خراف بني اسرائيل الضالة "حسب تعبير الإنجيل.
وبدأ ظهور الأناجيل الكثيرة في أواخر القرن الأول واستمر إلى أوائل القرن الرابع إلى أن تم حسم المسألة عام 325 ميلادية بعقد مجمع نيقية الذي أقر الأناجيل الأربعة التي تشكل ( قانون الإيمان القويم الأرثوذكسي ) 2، وشكل لجنة للبحث عن الأناجيل الأخرى وإتلافها .. غير أن بعض الأناجيل المختلفة ظلت قيد التداول بين الناس واكتشف بعضها أواسط القرن العشرين في ما عرف بمخطوطات نجع حمادي .
وما أن بدأت المسيحية بالإنتشار في القرنين الثاني والثالث الميلاديين حتى دب الصراع بين المسيحيين حول طبيعة المسيح ، فهل هو الله ، أو ابن الله ، أو مرسل من قبل الله ، أم تجل لإله في إنسان ، أو العكس ، وغير ذلك .. هذا الصراع أزهق أرواح الملايين من المسيحيين عبر التاريخ ، وإن توقف نسبيا لبضعة قرون حين هيمن المسلمون على أجزاء كبيرة من العالم وأعلنوا بدينهم أن المسيح نبي وليس إلها . لكن ما أن لملم المسلمون بقايا سلطانهم في الغرب الأندلسي واندحروا مهزومين ، حتى تجدد الصراع المسيحي .. وتعددت الطوائف التي كانت قد ظهرت من قبل .. ولم يحسم الأمر إلا بعزل الدين عن الدولة . وبهذا نهضت أوروبا بعد تخلصها من الدين كسلطة نافذة في المجتمع .
هذه مقدمة مختصرة لمقالي المفصل قليلا الذي سأبحث فيه ألوهية يسوع المسيح استنادا إلى مراجع تاريخية وبشكل خاص كتاب الدكتور يوسف زيدان ( اللاهوت العربي ) والفصل الثاني منه الخاص بألوهية المسيح والمعنون ( الحل المسيحي من الثيولوجيا إلى الكريستولوجيا ) أي من الألوهة إلى ألوهية المسيح !!
1+ 2 راجع يوسف زيدان المصدر السابق .
*ألوهية المسيح . مسحاء لا مسيح واحد .(7)
حين آلت أوضاع اليهود إلى التمزق والتشتت والصراعات البينية راحوا يحلمون
بمن يحقق لهم وعد الرب بامتلاك الأرض من النيل إلى الفرات ." وفي القرن الثاني ق.م سطعت بقوة فكرة يهودية تقول إن وعد الرب لن يتحقق إلا من خلال بطل يهودي أو نبي كريم يأتي ملتحفا برداء (المهدي المنتظر)أو حسبما أسموه هم : الماشيح ،وهي كلمة تعني حرفيا ، الممسوح بالزيت المبارك ،وهو الذي سيصير ملكا لليهود ،ومخلصا لهم مما هم فيه ، ومحققا وعد الرب الذي طال انتظاره " 1
وقبل المسيح " ظهر كثيرون من المتحمسين اليهود ، بل المغامرين وقطاع الطرق الذين ادعى كل واحد منهم أنه الماشيح ،فكان أحبار اليهود يختبرون من يظهر دعواه من هؤلاء ،وينظرون في علامات صدقه ، فيرونه في كل مرة كاذبا ، وعند ئذ يصرفونه عن دعواه بالحسنى وبالازدراء أو يروعونه تهديدا بالويل والثبور وعظائم الأمور، أو يسلمونه إذا لم ينصرف ولم يرتدع إلى السلطة الرومانية لتقرر العقاب المناسب له ،وهو عقاب كان عادة الإعدام صبرا على خشبة عالية ، بحيث يراه الآخرون من اليهود الحالمين أو المتحمسين أو المغامرين ، فينصرفون عن التفكير في الأمر ،ويصرفون عن خيالهم أمنياتهم المستحيلة بالخلاص ."2
" وحفلت النصوص الدينية في أواخر العهد القديم بنعي عميق للزمان الرديء ،وبتنبيهات حازمة إلى هؤلاء الذين يزعمون في أنفسهم كل حين أنهم البطل المخلص : الماشيح . فنرى مثلا في سفر ميخا أحد الأنبياء المتأخرين المعروفين ، بالأنبياء الصغار الإثني عشر ،وهو النبي المسمى في مستهل السفر ( ميخا المورشتي ) ينعى حال زمانه بكلمات ملتاعة " 2
وتأتي البشارات بالمخلص في أسفار الأنبياء الصغار لتترنم ابنة صهيون بالفرح والإبتهاج .نقرأ في سفر زكريا " ابتهجي جدا يا ابنة صهيون ، اهتفي يا بنت اورشليم ، هو ذا ملكك يأتي إليك ، هو عادل ومنصور ووديع ،وراكب على حمار ، وعلى جحش ابن أتان ،ويتكلم بالسلام للأمم ،وسلطانه من البحر للبحر، ومن النهر إلى أقاصي الأرض " ( زكريا 9: 9 ) 3
" وبحسب النسخة المعتمدة تنتهي أسفار الأنبياء الصغار والعهد القديم كله ،بالفقرة الأخيرة من سفر ملاخي ، وهي الفقرة المخبرة بأن المخلص ،الماشيح ، ملك اليهود إيليا ،هو في طريقه إلى الأرض التي ستقوم بعد ذلك قيامتها ، لأن الرب لم يزل على ( صفاته ) الأولى عنيفا ميالا للتدمير " 4
وهكذا جاء يسوع المسيح بعدما طال زمان الإنتظار اليهودي ..
" تحكي الروايات المسيحية المبكرة والمتأخرة أن أحبار اليهود اختبروا في المعبد الكبير باورشليم صحة الدعوة أو الدعوى التي جاء بها يسوع ( عيسى ) فنظروا أولا في نسب أمه ( مريم ) حتى يتأكدوا من أنه يهودي حقا ، لا متهود ، أي أنه مولود لأم يهودية ،ولما صح عندهم نسب الأم ، شككوا في صحة نسبه هو إلى أبيه يوسف النجار .. وضايقوه كثيرا .. ثم صرفوه بكلامهم عن دعواه ، فلم ينصرف ، وهددوه ، فلما لم يهتد ولم يرتد ، ولم يرتدع ، أسلموه للرومان فصلبوه " 5
يشير يوسف زيدان في كتابه ( اللاهوت العربي ) إلى أن ظهوريسوع ( عيسى) لم يكن آخر المطاف ، فقد ظهر بعده آخرون من اليهود والمتهودين الذين زعم كل واحد منهم أنه ( الماشيح ) " حكى لنا أشهر مؤرخي الكنيسة القدماء يوسابيوس القيصري ( 264- 340 م.) بعضا من هذه المحاولات اليهودية المتوالية التي نادت من بعد يسوع المسيح بمخلصين كذبة لم ينقطع ظهورهم إلا بعدما انهدم الهيكل ،منهم ثوداس المحتال الذي : قام مفتخرا بنفسه .. وقتل وجميع 2الذين انقادوا إليه تبددوا . روى يوسيفوس المؤرخ اليهودي عن هذا الرجل ، أنه لما كان فادوس واليا على اليهودية في حدود سنة 44 ميلادية ، قام شخص محتال يدعى ثوداس وأقنع جمهورا كبيرا جدا ، بأن يأخذوا ممتلكاتهم ويتبعوه إلى نهر الأردن ، لأنه قال أنه نبي ، وإن النهر سينشق بناء على أمره ،ويمهد لهم معبرا سهلا ، وبهذه الكلمات خدع الكثيرين ، غير أن فادوس لم يسمح لهم بالتمادي في حماقاتهم ، بل أرسل فرقة من الخيالة ضدهم ، فوقعوا بهم على غير انتظار ،وقتلوا منهم كثيرين ،وألقوا القبض على كثيرين منهم أحياء ، بينما أخذوا ثوداس نفسه أسيرا وقطعوا رأسه وحملوها إلى اورشليم " 6
وعلى المنوال ذاته ،ظهر المتنبي اليهودي المسمى عندهم ( النبي المصري الكذاب ) الذي جمع أتباعه على جبل الزيتون ليشهدوا وقوع نبوءته بسقوط أسوار أورشليم ودخولهم إليها بسلام آمنين . يقول يوسابيوس : " ظهر في الأرض محتال أوحى إلى الناس أن يؤمنوا به كنبي ،وجمع نحو ثلاثين ألفا ممن خدعهم وااقتادهم إلى البرية إلى جبل الزيتون ... ولكن فيلكس ( الحاكم ) سبق فعلم بهجومه وخرج لملاقاته بالفيالق الرومانية . حتى أن المصري هرب مع قليل من أتباعه لما نشبت المعركة ، ولكن الأغلبية هلكت أو أخذت أسرى " 7
" وفي السياق نفسه ظهر السامري ( سيمون الساحر ) وتلميذه ميناندرالعراف الذي كان سامريا ايضا ,أذاع أضاليله إلى مدى لا يقل عن معلمه سيمون ... وادعى أنه المخلص الذي أرسل من الدهور غير المنظورة لخلاص البشر .." 8
" هذه المحاولات الخلاصية المستمرة كانت تتم في إطار الديانة اليهودية وتطورها التاريخي الخاص ،وكان يسوع المسيح في بدء دعواه يقول ( لم أرسل إلا إلى خراف بيت اسرائيل الضالة) (متى 15ك4) 9
واجه المسيح ما واجه من اليهود ، "ونعتهم في غمرة ثورته بأولاد الأفاعي ،ودخل إلى الهيكل وقلب موائد الصيارفة وكراسي باعة الحمام وقال لهم " مكتوب : بيتي بيت للصلاة يدعى ، وأنتم جعلتموه مغارة لصوص " ( متى 21 : 13 ) " ولما أدرك المسيح أن اليهود ليسوا تربة صالحة للبشارة التي جاء بها ذهب عنهم ،واتجهت خطاه نحو ( الفداء الأعظم ) على خشبة الصليب ، فمات ثلاثة أيام - بحسب اعتقاد المسيحيين – ثم أمر بعد قيامته من الموت تلاميذه المعروفين في المصطلح المسيحي بالرسل ،وفي المصطلح الإسلامي بالحواريين ، أن يبشرواالأمم كلها بخلاص الإنسان ،وأن يمضوا إلى أنحاء المعمورة يكرزون ( يدعون يبشرون ) شرقا وغربا " وأن يعمدوا الأمم باسم الآب والإبن والروح القدس " 10
" ثم إن الرب بعدما كلمهم ارتفع إلى السماء وجلس عن يمين الله " متى : الفقرة الأخيرة .11
حسب هذه المقدمة ، يمكن أن يكون المسيح شخصية أنتجها المخيال الشعبي من مجموع المسحاء الذين ظهروا عبر قرون . فالوثائق التاريخية من خارج الأناجيل عن شخصية يسوع المسيح المفترض معدومة .
* انتشار المسيحية وبداية الصراعات حول طبيعة المسيح . ( 8)
" انتشرت المسيحية انتشارا واسعا خلال القرن الثاني للميلاد ، إذ كانت الأحوال العامة العالمية مناسبة لانتشارها في صياغاتها المختلفة ،وفي القرن الثالث للميلاد بدأ التمييز بينها وبين اليهودية كديانتين مختلفتين . وفي القرن الثالث الميلادي ذاته ، بدأ الخلاف بين المسيحيين أنفسهم حول ماهية المسيح وطبيعته ، هل هو بشر نبي جاء بالبشارة أم هو الله بذاته نزل إلى الأرض حينا ، ثم عاد ثانية إلى السماء ،وكانت بأيدي الناس آنذاك أناجيل كثيرة ، ولسوف يكون لهذه الأناجيل الكثيرة قبل اعتماد الأربعة المشهورة وإلغاء ما عداها ،انعكاس مباشر على ( الصورة الحقيقية ) للسيد المسيح في أذهان المؤمنين به . " 12
" وقد تم اعتماد الأناجيل الأربعة وملحقاتها المعروفة بأعمال الرسل ، في مجمع نيقية الذي انعقد سنة 325 ميلادية . ولدينا من هذه الفترة شاهد معاصر هو المؤرخ يوسابيوس القيصري المتوفي 340 ميلادية ، الذي يقول في كتابه بعد ذكر الأناجيل الأربعة وأعمال الرسل : "هذه هي الأسفار المقبولة ، أما الأسفار المتنازع عليها ، المعترف بها أيضا من الكثيرين بالرغم من هذا ، فمنها بين أيدينا الرسالة التي تسمى رسالة يعقوب ، ورسالة يهوذا ،وضمن الأسفار المرفوضة يجب أن يعتبر أعمال بولس ، وما يسمى بسفر الراعي ،ورؤيا بطرس ،يضاف إلى هذه ، رسالة برنابا التي لا تزال باقية ، وما يسمى تعاليم الرسل ، وإلى جانب هذا رؤيا يوحنا وإنجيل العبرانيين ، الذي يجد فيه لذة خاصة العبرانيون الذين قبلوا المسيح " 13
" وفي مرحلة تالية سوف يكون للتعبيرات المجازية الواردة في الأناجيل الأربعة المقبولة لدى المسيحيين ،كافة الأثر القوي في الجدل والإختلاف اللذين نشبا بين الكنائس حول جوهر المسيح وحقيقته ،وحول ماهيته وطبيعته ،وحول بشريته وألوهيته ( الناسوت واللاهوت ) ففي البدء انتشرت أناجيل كثيرة ، صار بعضها مشهورا حينا من الدهر ثم انطمس ، مثل انجيل المصريين ( ذي النسختين ، القبطية واليونانية ) وأناجيل الطفولة ،وإنجيل العذراء ،وكان بعضها منسوبا إلى تلاميذ المسيح ، لكنه يثير قلق الكنائس الكبرى ،مثل انجيل توما الذي تم اكتشافه مؤخرا منتصف القرن العشرين في مصر . والإنجيل الغنوصي المنسوب إلى يهوذا ( الإسخريوطي )الذي خان المسيح وأبلغ عنه ، أو هو الذي أطاع المسيح الذي أمره بأن يدل الرومان عليه ليقتلوه ،كي تكتمل الدائرة ويعود (الإبن ) إلى ( الآب) ويصعد الرب إلى السماء ."14
ويتطرق يوسف زيدان إلى أناجيل كثيرة أخرى ( عرفانية ) أو غنوصية غير انجيل يهوذا ،" ترسم صورة فلسفية للمسيح ،باعتباره وجودا خاصا ، أو حالة فريدة لكائن متأله ، يمكن عن طريق اتباعه والإقتداء به الوصول إلى الحقائق العليا بالتجرد عن ملذات الحياة والحسيات ،وهي الصورة النمطية التي كانت معروفة آنذاك للحكماء العرفانيين ( الغنوصيين ) الذين تطورت اتجاهاتهم الروحية بفضل الفلسفات الشرقية واليونانية ،كالفيثاغورية والأفلاطونية المحدثة ،وبفضل النزعات التصوفية التي كانت منتشرة بنواحي مصر ،وبأنحاء البلاد الواسعة المسماة بالهلال الخصيب ، أي الشام والعراق " 15
" عقب الإعتراف بالمسيحية واحدة من الديانات الرسمية للإمبراطورية الرومانية في مرسوم ميلانو الصادر سنة 313 م . .. كان لا بد من إرساء النظم . وتحديد الإعتبارت الكفيلة بالحفاظ على الديانة المسيحية لضمان استقرارها وبقائها وانتشارها ، وهو ماتم عمله بشكل تنظيمي عالمي (مسكوني ) في القرن الرابع الميلادي،خاصة في مجمع نيقية المسكوني الذي اجتمع فيه 318 أسقفا من أنحاء المسكونة ( حوض المتوسط والهلال الخصيب ) وتقرر فيه ما سوف يكون باسم قانون الإيمان ، وهو القانون الذي تعدل بعد ذلك واستكمل عدة مرات ،في مجامع كنسية تالية انعقدت بسبب ( الهرطقات ) متوالية الظهور ،ولكن الصيغة الأولى المشهورة باسم قانون الإيمان النيقي كانت تتضمن ما يلي :يسوع المسيح ابن الله الوحيد ، المولود من الآب قبل الدهور ، نور من نور ، إله حق من إله حق ، مولود غير مخلوق ، مساو للآب في الجوهر ، الذي به كان كل شيء ، الذي من أجلنا نحن البشر ، ومن أجل فلاحنا نزل من السماء ، وتجسد من الروح القدس ، ومن مريم العذراء ،وتأنس ، وصلب عنا على عهد بيلاطس البنطي ، وتألم ودفن وقام في اليوم الثالث " 16
" وكان من المنطقي أن ينتبه رجال الكنيسة آنذاك إلى خطورة الأناجيل الكثيرة المشوشة على قانون الإيمان القويم ( الأرثوذكسي ) الذي صيغ في مجمع نيقية المنعقد سنة 325 ميلادية ، فتشكلت بعد المجمع ببضع سنين ،وبالتحديد سنة 331 م.لجنة دينية دنيوية ( كنسية امبراطورية مهمتها التفتيش عن ،وإعدام الأناجيل الكثيرة الأخرى والإبقاء على : متى ، لوقا ،مرقس ، يوحنا ،وهي الأناجيل التي حفظت واعتني بها وتم تداولها على نطاق واسع ،مع الرسائل المسماة ( أعمال الرسل ) ، فكان من ذلك ما سوف يعرف باسم العهد الجديد تمييزا له ودلالة على استكماله العهد القديم المشتمل على أسفار التوراة الخمسة ، وأسفار أنبياء اليهود الكبار والصغار ، فيكون من مجموع ذلك كله ما نعرفه اليوم باسم ( الكتاب المقدس "17
" غير أن الأناجيل المخالفة المختلفة التي سميت لاحقا أبوكريفا ظلت باقية بأيدي الناس ،وانفلتت نسخ عديدة نجت من أفعال الزمان وأفاعيل الإنسان حتى ظهرت بعد قرون طوال . فمن ذلك مجموعة الأناجيل التي اكتشفت بمصر في منتصف القرن العشرين ، وهي المعروفة اليوم بمخطوطات نجع حمادي ، وقد رأيت بعيني مؤخرا ( الكلام ليوسف زيدان ) أناجيل قديمة ( أبو كريفية )مترجمة إلى اللغة العربية ! وهي مخطوطات قديمة يعود تاريخ نسخها إلى قرابة الخمسمائة عام ." 18 ( هامش ص 73 )
يرى يوسف زيدان أن " الإيمان المسيحي ينطلق أولا من المسيح ويستقر أخيرا عنده ، بل ترتبط الديانة كلها بالمسيح ابتداء من اسمها ( المسيحية (المشتق من اسمه في كل اللغات .وعلى العكس من حال المسلمين الذين ينزعجون من تسمية دينهم باسم نبيهم مثلما يفعل بعض المستشرقين حين يسمون الإسلام بالمحمدية .. ينزعج المسيحيون من تسمية ديانتهم باسم آخر غير المسيحية ، كالنصرانية ، أو ديانة الثالوث ." 19
" المهم بدأ انجيل متى الذي هو أول الأناجيل الأربعة ترتيبا وأقدم الأناجيل الإزائية بحسب أشهر الآراء ،بذكر ميلاد يسوع المسيح ( ابن داود ابن ابراهيم ) ونسبه ومعجزة مولده وطفولته وهروب يوسف النجار به إلى مصر هو وأمه ، لأن هيرودس ملك اليهودية مزمع أن يطلب الصبي المسيح ليهلكه ،مع أن هيرودس الملك مات قبل ميلاد المسيح بأربع سنوات . ثم يستكمل الإنجيل بحسب متى الرسول تفاصيل عودة المسيح إلى الناصرة ، ثم لقائه في الاردن بيوحنا المعمدان الذي جاء يكرز في برية اليهود قائلا : توبوا لأنه اقترب ملكوت السماوات " وعلى هذا النحو، يستكمل إنجيل متى سيرة المسيح ووقائع حياته ومعجزاته وأقواله وأحكامه التي وضعها للناس ،ومكر اليهود به خاصة الفريسيين منهم ،من دون أي إشارة إلى الإلهيات التي هي أصول كل دين ،وكأن المسألة برمتها هي ( المسيح ) لا الله ، وكأنه هو هو ! 20 "
ويختتم يوسف زيدان بحثه بالقول :" وعلى هذا النحو صار المسيح هو الديانة ذاتها ، فمن اسمه اشتق اسمها ،ومن مولده يبدأ كتابها ( الأناجيل ) ومن الإقرار بألوهيته يستهل قانون إيمانها الأول ،وشيئا فشيئا أصبح المسيح معادلا موضوعيا لله ،ثم غدا مع اجتهادات الآباء الأوائل ( الأرثوذكس ) هو الله الذي غاب ، وناب عنه المسيح .
ولأن كل ما هو إلهي ( ثيولوجي ) قد أمسى متعلقا بالمسيح ، أي صار كريستولوجيا ، فإن المشكلة الكبرى في اليهودية ،( صفات الله ) لم تعد مطروحة للنظر ، وإنما صار الإيمان القويم ( الأرثوذكسي ) إيمانا بالمسيح الذي هو الله . وصار التشكيك في ألوهيته التامة يعني الكفر بعينه ، أو هو بحسب الإصطلاح المسيحي : هرطقة .: 21
*نهاية بحث زيدان .
*إشارات المراجع كلها تعود للباحث والبحث نفسه دون أي تدخل مني .
ألوهة المسيح وفلسفة الألوهة (9)
تطرقنا في المقدمات السابقة إلى الأوضاع التي آلت إليها أحوال بني اسرائيل مع الإله يهوه ، الذي أصبح يميز بهذا الإسم عن مجموع الآلهة الوثنية الموجودة لدى شعوب المنطقة ، والتي كان يهوه يعترف بوجودها ، حتى أنه حين يتجسد في شخص إنسان ويصارع يعقوب ليلا بكامله دون أن يعرف من هو يقرر أن يطلق عليه اسم اسرائيل ، اي خادم الإله إيل ( الإله الكنعاني المعروف تاريخيا أن شعوب المنطقة عبدته ، إضافة إلى بعل ،وعناة ،وعشتاروت ،وغيرها من الآلهة)
وهناك من المؤرخين والباحثين الذين يفسرون كلمة اسرائيل ، ب جندي الله ،وعبد الله ، والأهم مصارع الله لأنه صارع الله طوال الليل وكسر(الله) حق فخذه .
راجع تكوين 32/24)
ويبدو أن يهوه أو كتبة التوراة يريدون بهذه التسمية أن يجعلوا من يهوه جامعا للآلهة كلها في طبيعته ، كما يفعل الإسرائليون اليوم ويعزون تراث المناطق العربية التي عاشوا فيها تراثا يهوديا ، من قرص الفلافل مرورا بالأكلة المغربية الجزائرية ( الكسكسي) وانتهاء بالأزياء الشعبية إلى حد أن مضيفات الطيران الإسرائيلي رحن يلبسن الزي الشعبي الفلسطيني على أنه زي اسرائيلي . والأدهى من ذلك أن يعزو بيغن بناء الأهرامات حين زار مصر إلى أجداده من بني اسرائيل !!
نحن في مجال عرض أحوال اليهود الذين أصبحوا في حاجة إلى إله بمفاهيم مناقضة لطبيعة يهوه العدوانية التدميرية المزاجية ، ولقد مررنا على مأساة أيوب ورأينا شكواه المفجعة من يهوه بعد أن أنزل المصائب بماله وعياله وجسده ، إلى حد راح أيوب ينعته بالظالم ويطلب إليه أن يرفع عصاه عن رأسه .ومأساة أيوب لا تشكل شيئا يذكرمقارنة بالمآسي التي أنزلها يهوه ببني اسرائيل والبشرية .
إذن كانت المنطقة مهيأة لظهور إله جديد بمفاهيم جديدة وخاصة بعد أن ظهر كثيرون يدعون أنهم المسيح المنتظر،وقتلوا أو صلبوا . وهكذا ظهر المسيح بمفاهيمه الإنسانية التي سادت لدى الملايين من البشر، وهي (المفاهيم ) التي كانت البشرية في حاجة إليها ، والتي أدت إلى هذا القبول وليس المسيح بشخصه كونه ابنا ليهوه أو إيل أو حتى كونه إلها أو ابن إله ، وهذا ما جعل الدين( المسيحي ) يرتبط باسمه وليس بالألوهة وهذا ( انسانية المفاهيم ، رغم تحفظنا على بعض ما جاء فيها حول المرأة والسرقة والمسالمة الفائضة عن ردات فعل الإنسان تجاه ما يواجهه من عدوانية ما ) في رأينا ما جعل المسيحية تنتشر في العالم رغم الصراعات التي عاشها المسيحيون فيما بينهم حول طبيعة المسيح .
لم تقدم لنا الأناجيل الأربعة شيئا يذكر عن طفولة المسيح ونشأته ، فكل حياته في مصر كانت مجهولة وحياته في فلسطين قبل الألوهة ( سن الثلاثين ) مجهولة أيضا, ما عدا واقعة زيارته للقدس في يوم الفصح وهو في سن الثانية عشرة .
أرفق هذه الإجابة المسيحية عن طفولة المسيح كما أخذتها عن موقع الموسوعة الحرة:
السؤال: ماذا حدث أثناء طفولة الرب يسوع؟

الجواب: فيما عدا ما جاء في لوقا 2: 41-52 لا يخبرنا الكتاب المقدس شيئاً عن حداثة يسوع. من هذه القصة يمكننا أن نعرف أشياء معينة عن طفولة يسوع. أولاً، كان إبناً لأبوين ملتزمين بممارسة الشعائر الدينية. فقد قام يوسف ومريم بالرحلة إلى أورشليم في وقت عيد الفصح من كل عام بحسب متطلبات ديانتهم. بالإضافة لهذا، أتوا معهم بإبنهم ذي الإثني عشرعاماً ليحتفل معهم بحضوره أول عيد إستعداداً للإحتفال بعيد بلوغه الثالث عشر حيث يحتفي الصبيان اليهود بوصولهم لسن الرجولة. هنا نرى صبي عادي في عائلة عادية بالنسبة لذاك الوقت.
نرى أيضاً في هذه القصة أن بقاء يسوع في الهيكل لم يكن عصياناً أو تمرداً بل كان نتيجة طبيعية لمعرفته أنه يجب أن يكون في ما لأبيه. تشهد قدرته على إدهاش معلمي الهيكل بحكمته ومعرفته عن قدرته غير العادية، بينما يظهر إنصاته للشيوخ وطرحه الأسئلة عليهم إحترامه الكامل لهم، فدور التلميذ كان مناسباً لطفل في عمره.

من وقت هذه الحادثة وحتى معموديته في عمر الثلاثين، فإن كل ما نعرفه عن شباب يسوع هو أنه ترك أورشليم وعاد إلى الناصرة مع أبويه وكان "مطيعاً لهما" (لوقا 2: 51). لقد قام بواجبه نحو والديه الأرضيين في طاعة للوصية الخامسة الضرورية لحفظ وصايا موسى وهو الدور الذي قام به بدلاً عنا. غير هذا فإن كل ما نعرفه هو أن "يَسُوعُ كَانَ يَتَقَدَّمُ فِي الْحِكْمَةِ وَالْقَامَةِ وَالنِّعْمَةِ عِنْدَ اللهِ وَالنَّاسِ" (لوقا 2: 52).
من الواضح أن هذا هو كل ما قصد الله أن نعرفه. توجد كتابات أخرى غير الكتاب المقدس كتبت في ذلك العصر تحتوي قصصاً عن شباب يسوع (مثل إنجيل توما). ولكن ما من سبيل لمعرفة صدق هذه الروايات من عدمه. لقد إختار الله ألا يقول لنا الكثير عن طفولة المسيح – لذلك علينا أن نثق أنه قد أمدنا بكل المعلومات التي نحتاج أن نعرفها.
وبحثت عن إنجيل توما لأرى ما ذا قال .
يوجد أكثر من انجيل منحول رفضته الكنيسة . وبعض هذه الأناجيل موجود على النت .
فيما يتعلق بإنجيل توما يتطرق إلى معجزات في طفولة مسيح وهو في سن الخامسة والسادسة ، كإحياء الموتى وتحلية الماء الآسن وخلق العصافير ، لكنه في المقابل يقوم بمعجزات لا تليق بإله كالقتل لأسباب واهية لا تدعو للقتل ، ولو أن الكنيسة اعترفت بها لشكلت عائقا آخر أمام انتشار المسيحية ، تذكرنا بيفاعة موسى حين وجد يهودي ومصري يقتتلان فقام بقتل المصري انتصارا لليهودي حتى دون أن يسأل عن المشكلة .. وفي انجيل توما نجد :
( 50/3ابن حنان الكاتب يفرق ماء البرك، فيلعنه المسيح ويجف ويموت:
ومر صبي هو ابن حنان الكاتب وكان يحمل فرع صفصاف، فشتت البرك وتدفق منها المياه. فالتفت يسوع وقال له: "أيها الشرير الأحمق ماذا فعلت برك المياه إليك حتى تفرغها؟ هوذا منذ الآن تجف مثل شجرة لا تنتج أوراقًا أو جذورًا أو أثمارًا". وفي الحال جف الصبي تمامًا أما يسوع فمضى إلى منزل يوسف. فحمل الوالدان الطفل وندبا شبابه وأتيا به إلى يوسف وقالا له: "أنظر ما فعله أبنك بابننا".)
ونجد :
( 50/5 – يسوع يلعن طفل ويموت لأنه ضربه بالحجر:
وبعد عدة أيام كان يسوع سائرا في وسط المدينة، فألقى صبي بحجر عليه، فأصابه في كتفه. فقال له يسوع: "أنك لن تسير في طريقك “. فسقط في التو ومات أيضا، )
لم أتطرق لولادة يسوع وما أحاط بها من معجزات ، لأنها معروفة كمعجزة إلهية ..
لم نعرف شيئا عن طفولة يسوع في مصر ، ولا نعرف أين تعلم ودرس ومن أين جاءته الحكمة ،وهل يعقل أنه لم يطلع على الديانات المصرية المشهورة جدا بتثليث الالوهة ، التي لم يكن تثليثها جديدا على الفكر المسيحي . فهل هي مجرد صدف أن يكون المسيح معجزة إلهية ولدت من مريم كما هو حورس معجزة إلهية ولدت من إيزيس ؟!لنصبح أمام ثالوث مقدس من : ايزيس حورس اوزيريس وفي المسيحية : الآب والابن والروح القدس !
في المصرية أوزيريس هو الأب والإله والأخ والزوج وإذا ما أضفنا إليه الوهية إيزيس تصبح الألوهة اعجازية في شخصه أكثر مما هي في يهوه والمسيح .. عدا مريم التي لم تحتل مكانة مقدسة مرموقة كما هي الحال مع ايزيس الإلهة الكبرى والأم الكبرى . جاء في الموسوعة الحرة :
كانت إيزيس أشهر الربات المصريات جميعا وكانت مثال الزوجة الوفية حتى بعد وفاة زوجها, والأم المخلصة لولدها. امتدت عبادة إيزيس في عهد البطالمة واليونان إلى ما بعد حدود مصر, وكان لها معابدها وكهنتها وأعيادها وأسرارها الدينية في كافة أنحاء العالم الروماني حيث صارت تمثل ربة الكون "أنا أم الطبيعة كلها, وسيدة جميع العناصر, ومنشأ الزمن وأصله, والربة العليا, أحكم ذرا السماء ونسمات البحر الخيرة وسكون الجحيم المقفر..."
وقد بجل المصريون القدماء إيزيس، واعتبروها الربة الحامية في كافة أنحاء مصر القديمة. ومثّلها الفنان المصري القديم في صورة الأم الحنون التي تحمل طفلها على حجرها وترضعه وتهتم به، ويعتقد بعض المؤرخين أن تماثيل إيزيس وهي ترضع حورس استوحاها الفنانون المسيحيون لتصوير العذراء مريم وابنها يسوع.
مفاهيم التثليث في الألوهة قديمة جدا قدم العقائد والديانات وكان بعض العرب الأولين يعبدون الشمس والقمر والزهرة ( الأم والأب والإبن )
ظهرت ألوهة المسيح وهو في سن الثلاثين . وخلال ثلاث سنوات نشر رسالته الإلهية ، وصلب وهو في سن الثالثة والثلاثين .
هناك مصادر تشيرإلى أنه صلب وهو في سن السابعة والثلاثين وجاء برسالته وهو في الرابعة والثلاثين . لم نأخذ بها .
كتبت الأناجيل كما أشرنا بعد رحيل المسيح بعقود وبعضها بقرون ولا يمكن اعتمادها كوثائق تاريخية صحيحة مائة في المائة . وكذلك لا يمكن التأكد من شخصية يسوع المسيح نفسه على ضوئها حسب الإحتمالات التالية :
1- بما أن مسيحين كثر قد ظهروا قبل المسيح وبعده ، وصلبوا أو قتلوا وكان لبعضهم جمهور كبير كذاك الذي كان معه ثلاثون ألفا وتطرقنا إليه .فهل المسيح هو أحد هؤلاء أم أنه شخصية مختلفة عنهم ؟!
2- ألا يمكن أن تكون شخصية يسوع المسيح شخصية بلورها الخيال الشعبي من مجموع الشخصيات المسيحية التي ظهرت ثم قام حكماء ممن عاصروا المرحلة
باستلهام هذا الفكروتطويره ونسبه إلى شخصية متخيلة اسمها يسوع المسيح . فالمهم هنا هو المفاهيم وليس الشخصية بحد ذاتها .
3- تظل إمكانية أن يكون يسوع المسيح هو ابن السيدة مريم ويوسف النجار ، إمكانية ممكنة أيضا وهي ما يمكن الجزم بها أكثر من غيرها من الإحتمالات
دون الأخذ بالمعجزة الإلهية إلا من باب الأسطورة ،كما سبقها من أساطير .
***
في المقالة القادمة سنتطرق إلى المفاهيم والتعاليم الإنسانية التي جاء بها المسيح والتي أدت إلى انتشار المسيحية .
ألوهة المسيح وفلسفة الالوهة (10)
مسيحية غير يهووية ومسيح نقيض موسى !!( ألوهية يسوع المسيح تاريخيا )
في البدء لا بد من التطرق إلى دراسات حديثة تناولت الكتاب المقدس وتطرقت إلى شخصية المسيح وقد سبق وأن تطرقنا باختصار لعدم تاريخية الكتاب المقدس بجزئية ، وذكرنا أن التوراة جاءت من جزيرة العرب واليمن حسب بعض هذه الدراسات ،وخاصة دراسات كمال الصليبي وفاضل الربيعي مؤخرا . فحسب الصليبي أن عيسى بن مريم الذي في القرآن ليس يسوع المسيح الذي في الأناجيل .وأن يسوع كان يبحث عن ملك آبائه من بني اسرائيل ويخطط لثورة على الرومان ولم يكن رجل دين أو نبي أو إله ! وقد جاء من جنوب الجزيرة العربية .وأن
عيسى بن مريم مات موتا عاديا في الجزيرة ودفن فيها .لم ينجح يسوع في إقامة ثورته فصلب .
يسوع كان متزوجا من مريم المجدلية .ولم يكن اسم أمه مريم وله أربعة أخوة وأخوات ( هؤلاء مذكورون في أحد الأناجيل)
وأن الذي حول يسوع إلى يسوع المسيح وإلى إله وابن إله هو بولس ( شاؤول ) الجندي اليهودي في الجيش الروماني الذي كان يلاحق أتباع يسوع للقضاء عليهم ،وبعد أن فشل قرر بمساعدة حنانيا اليهودي الدمشقي من تحويل رسالة المسيح من رسالة سياسية تبحث عن ملك إلى رسالة دينية لم يسمع بها أحد من قبل . فالمسيح لم يدع أنه إله أو ابن إله حتى في الأناجيل .
بدأ بولس عمله بعد عشرة أعوام من صلب المسيح . ونجح بحدود بعد قرابة خمسة عشر عاما ، لكن المسيحية لم تترسخ إلا بعد أن اعتنقها الأمبراطور الروماني قسطنطين في القرن الرابع الميلادي .
معلومات مهمة ومثيرة لمن يبحث عن الحقائق التاريخية ، والمعرفة الحقة البعيدة عن الغيبيات .
( للإستفاضة يمكن مراجعة كتابي كمال الصليبي ( البحث عن يسوع) ( والتوراة جاءت من جزيرة العرب )
* مسيح نقيض موسى !
سنتعامل مع نص وصل إلينا نسب إلى المسيح بغض النظر عن صحة النسب وتاريخيته الحقة .
لقد اقتضى تطور الواقع وتطور الفكر الديني الإجتماعي تجاوز ممارسات إله وأطروحات ديانة مرعليها أكثر من ألف ومائتي عام .
حتى النبي (ونقصد موسى) الذي نهت وصاياة عن القتل بدأ حياته بقتل مصري اقتتل مع يهودي :
11 وحدث في تلك الأيام لما كبر موسى أنه خرج إلى إخوته لينظر في أثقالهم، فرأى رجلا مصريا يضرب رجلا عبرانيا من إخوته 12 فالتفت إلى هنا وهناك ورأى أن ليس أحد، فقتل المصري وطمره في الرمل ( خروج 2)
وبدأ إلهه منزل الوصايا نفسها بإحلال الكوارث بالمصريين والبشر ، بحيث غدت الوصايا مفرغة من مضمونها ويعمل ما هو عكسها ،حتى بين اليهود أنفسهم الذين خصوا بهذه الوصايا دون غيرهم .
وهكذا ظهر إلى الوجود شاب نبيل مسالم ،يدعى يسوع المسيح ، حاملا رسالة محبة
وداعيا إلى أخوة بين البشر جميعا كونهم جميعا أبناء الله وليس هو وحده .ولو تأملنا في ماهية هذا الإله لوجدنا أنه ليس يهوة المدمر، بل الإله الكنعاني إيل ، بدليل أن المسيح يهتف في لحظاته الأخيرة على الصليب :
(إيلي، إيلي، لما شبقتني؟) أي: إلهي ، إيل، لماذا تركتني ؟ متى 27/46
ولو تأملنا أقوال وافعال المسيح لوجدنا أنها تتناقض بشكل كلي مع نزعة يهوة التدميرية ، ثم إن يهوه كان إلها خاصا باليهود وحدهم دون البشر ، أما رسالة المسيح فكانت موجهة إلى البشرية جمعاء . ولهذا نجزم أن أبوة المسيح ( حسب الأناجيل ) كانت من قبل إيل كإله عام وليس من قبل يهوه ، ما أدى إلى تخبط في الفكر الكنسي اضطر معه أن يجعل من يهوة إيلا أيضا ولم يفرق بين ألوهيتهما .مع أن الفرق شاسع جدا بين إله كنعاني عرف في المنطقة قبل قدوم اليهود ، وبين إله وفد مع اليهود أنفسهم أو اضطروا إلى اختراع اسم له ليميزوه عن الآلهة الكنعانية .هذا عدا النزعات التدميرية والعدوانية والعنصرية التي عرف بها يهوه ولم يعرف بها إيل .
لم يشهد تاريخ المسيح كما هو في الأناجيل الأربعة أنه ارتكب اثما مهما كان هذا الإثم ، لم يقتل ، لم يزن ، لم يسرق ، كان محبا ، نبيلا ، رحيما ، لم يسئ إلى أحد ، عاش فقيرا ، ورحل فقيرا ، كره المال وأوصى بالتصدق به على الفقراء والمحتاجين . عكس ما نراه في كنائس وكنسيي اليوم من بذخ وترف . وأقسى ما كان يتفوه به المسيح في حالات غضبه ، هو أن ينعت اليهود بالخراف الضالة أو أبناء الافاعي ، حتى وعد الخاطئين بنار جهنم لم يتردد كثيرا في تعاليمه .وإذا ما أضفنا إلى فضائله أعمال الخير التي قام بها بإشفاء آلاف المرضى ومن كافة الأمراض ، فإنه يكون بذلك جديرا بمحبة الناس ،بل وجديرا بالألوهة .
وقد آن الأوان لأن نتطرق لبعض هذه المفاهيم .دون أن يغيب عن بال القارئ أنني أتحدث عن نص بغض النظر عن مصداقيته وقناعتي به ، وخاصة فيما يتعلق بالجوانب الأسطورية منه . كالألوهة وإشفاء المرضى وغير ذلك .
يفتتح المسيح مخاطباته بهذا النشيد الجميل والمؤثر ،ولا شك أن خطابا على هذا المستوى من الرفعة في ذلك الزمن ، لهو خطاب عظيم :
3 طوبى للمساكين بالروح، لأن لهم ملكوت السماوات
4 طوبى للحزانى، لأنهم يتعزون
5 طوبى للودعاء، لأنهم يرثون الأرض
6 طوبى للجياع والعطاش إلى البر، لأنهم يشبعون
7 طوبى للرحماء، لأنهم يرحمون
8 طوبى للأنقياء القلب ، لأنهم يعاينون الله
9 طوبى لصانعي السلام ، لأنهم أبناء الله يدعون
10 طوبى للمطرودين من أجل البر، لأن لهم ملكوت السماوات
11 طوبى لكم إذا عيروكم وطردوكم وقالوا عليكم كل كلمة شريرة، من أجلي، كاذبين
12 افرحوا وتهللوا، لأن أجركم عظيم في السماوات، فإنهم هكذا طردوا الأنبياء الذين قبلكم
13 أنتم ملح الأرض، ولكن إن فسد الملح فبماذا يملح؟ لا يصلح بعد لشيء، إلا لأن يطرح خارجا ويداس من الناس
14 أنتم نور العالم. لا يمكن أن تخفى مدينة موضوعة على جبل
15 ولا يوقدون سراجا ويضعونه تحت المكيال، بل على المنارة فيضيء لجميع الذين في البيت
16 فليضئ نوركم هكذا قدام الناس، لكي يروا أعمالكم الحسنة، ويمجدوا أباكم الذي في السماوات (متى 5)
هل ثمة كلام أجمل من هذا الكلام . المساكين والحزانى والجياع والعطاش والمطرودين أبناء الله ،لهم ملكوت السموات ..
لم يمنح المسيح أرضا لليهود من النيل إلى الفرات ولم يفضلهم على غيرهم من البشر ، وعد الفقراء من البشرية بملكوت السموات . فما علاقة هذا الإله ( المسيح )
برب الحروب والكوارث المدمرة : يهوه ؟
( من الجدير بالذكر أن معظم الفلسطينيين المسلمين وأنا أحدهم يحبون المسيح ويعتبرونه فلسطينيا . وبالتأكيد هذه المسألة لا تدفعني إلى أن لا أرى التاريخ على حقيقته بقدر ما تتيح لي المعرفة التاريخية العلمية ذلك )
إن أكبر خطأ ارتكبته الكنيسة المسيحية . هو اعترافها بالديانة اليهودية دون أن يكون فيها ما هو يهووي ( نسبة إلى يهوه ) وأكبر خطأ ارتكبه الإسلام هو استناده إلى الديانة اليهودية بقدر كبير جدا، وإن كانت إحدى أكبر ثقافات ذلك العصر .
لنتابع تعاليم المسيح :
يتفانى يسوع ويسمو على الشر إلى حد لم يطبقه أحد فيما بعد إلا من كان بحجم يسوع نفسه وهو لم يوجد :
39 وأما أنا فأقول لكم : لا تقاوموا الشر، بل من لطمك على خدك الأيمن فحول له الآخر أيضا
40 ومن أراد أن يخاصمك ويأخذ ثوبك فاترك له الرداء أيضا
41 ومن سخرك ميلا واحدا فاذهب معه اثنين
42 من سألك فأعطه، ومن أراد أن يقترض منك فلا ترده
43 سمعتم أنه قيل: تحب قريبك وتبغض عدوك
44 وأما أنا فأقول لكم : أحبوا أعداءكم. باركوا لاعنيكم. أحسنوا إلى مبغضيكم، وصلوا لأجل الذين يسيئون إليكم ويطردونكم
45 لكي تكونوا أبناء أبيكم الذي في السماوات، فإنه يشرق شمسه على الأشرار والصالحين، ويمطر على الأبرار والظالمين
46 لأنه إن أحببتم الذين يحبونكم، فأي أجر لكم؟ أليس العشارون أيضا يفعلون ذلك
47 وإن سلمتم على إخوتكم فقط، فأي فضل تصنعون؟ أليس العشارون أيضا يفعلون هكذا
48 فكونوا أنتم كاملين كما أن أباكم الذي في السماوات هو كامل (متى 5)
تعاليم لو طبقتها البشرية لكان حالها أفضل مما هي عليه الآن .ومن الملاحظ أن المسيح يشير دائما إلى الأب الذي في السموات كأب للبشرية كلها ، مما قد يعني أن بنوته لهذا الأب هي بنوة مجازية أو بنوة مختارة من قبل الإله ،وليست بفعل جماع إلهي مع أنثى أو شيء من هذا القبيل
.).
يتابع المسيح تعاليمه الدنيوية إلى البشرية موجها خطابه إلى تلاميذه وإلى الجموع المستمعة إليه :
19 لا تكنزوا لكم كنوزا على الأرض حيث يفسد السوس والصدأ، وحيث ينقب السارقون ويسرقون
20 بل اكنزوا لكم كنوزا في السماء، حيث لا يفسد سوس ولا صدأ، وحيث لا ينقب سارقون ولا يسرقون
21 لأنه حيث يكون كنزك هناك يكون قلبك أيضا
22 سراج الجسد هو العين ، فإن كانت عينك بسيطة فجسدك كله يكون نيرا
23 وإن كانت عينك شريرة فجسدك كله يكون مظلما، فإن كان النور الذي فيك ظلاما فالظلام كم يكون
( متى 6)
وللأسف لم يعد أحد يكنز كنوزا في السماء . وأصبحت الدنيا وكنوزها هي غاية الجميع . الطيور وحدها هي التي لا تكنز وربما وحدها من يستحق ملكوت السماء :
26 انظروا إلى طيور السماء: إنها لا تزرع ولا تحصد ولا تجمع إلى مخازن، وأبوكم السماوي يقوتها. ألستم أنتم بالحري أفضل منها
) المصدر نفسه 6) لاحظوا التأكيد على الأب السماوي للبشرية كلها ( أبوكم السماوي )
ويطالب المسيح أن يرى الناس عيوبهم قبل أن يروا عيوب الآخرين :
1 لا تدينوا لكي لا تدانوا
2 لأنكم بالدينونة التي بها تدينون تدانون، وبالكيل الذي به تكيلون يكال لكم
3 ولماذا تنظر القذى الذي في عين أخيك، وأما الخشبة التي في عينك فلا تفطن لها
4 أم كيف تقول لأخيك: دعني أخرج القذى من عينك، وها الخشبة في عينك
5 يا مرائي، أخرج أولا الخشبة من عينك، وحينئذ تبصر جيدا أن تخرج القذى من عين أخيك
( المصدر نفسه 7)
تذكرني هذه المزامير ببيت الشعر الحديث القائل ( لو نظر الناس إلى عيبهم ما عاب إنسان على الناس ) فالبشرية ما تزال حتى يومنا هذا تستوحي وتستلهم أفكار المسيح
التي شكلت طفرة نوعية في تطور وتقدم الفكر الإنساني .
اغرورقت عيناي بالدموع حين قرأت هذا النشيد العظيم (اللاحق )، فأنا وللحق لا أستطيع أن أخرج من جلد الأديب لألبس جلد الباحث المحايد فقط ، وأدرك قوة وتأثير الأدب ( الكلمة ) في النفس وأدرك قبل الشروع في مراجعة الإنجيل أنني أمام نص أدبي عظيم لم يكتب قبله ما هو بمستواه على الإطلاق ، بغض النظر عن تأثره بما سبقه من نصوص ادبية دينية سومرية وبابلية وفرعونية وكنعانية وتوراتية (ملحمة أيوب ) التي شكلت طفرة نوعية في الأدب التراجيدي ، بحيث كان من المستحيل أن يأتي بعدها إلا ما هو أروع منها ، فكانت هذه الملحمة التراجيدية العظيمة عن يسوع المسيح :
28 تعالوا إلي يا جميع المتعبين والثقيلي الأحمال، وأنا أريحكم
29 احملوا نيري عليكم وتعلموا مني، لأني وديع ومتواضع القلب، فتجدوا راحة لنفوسكم
30 لأن نيري هين وحملي خفيف
( المصدر نفسه 11)
كان للمسيح أربعة أخوة (يعقوب، يوسف، سمعان، ويهوذا (متى 55:13) وأخوات غير معروف عددهن حسب الأناجيل . وكان يحترم ويجل أمه وأباه ( مريم العذراء ويوسف النجار ) غير أنه ومنذ أن بدأ رسالته راح ينظر إلى الجميع كإخوته :
46 وفيما هو يكلم الجموع إذا أمه وإخوته قد وقفوا خارجا طالبين أن يكلموه
47 فقال له واحد: هوذا أمك وإخوتك واقفون خارجا طالبين أن يكلموك
48 فأجاب وقال للقائل له: من هي أمي ومن هم إخوتي
49 ثم مد يده نحو تلاميذه وقال: ها أمي وإخوتي
50 لأن من يصنع مشيئة أبي الذي في السماوات هو أخي وأختي وأمي
( نفسه 12)
(وهذا ما ظهر في الإسلام فيما بعد باعتبار المؤمنين أخوة .)
وأوصى المسيح بالأبوين :
4 فإن الله أوصى قائلا : أكرم أباك وأمك، ومن يشتم أبا أو أما فليمت موتا
( متى 15)
( وهذا ما ظهر في الإسلام أيضا فيما بعد بحيث وضع الأبوين في مكانة عظيمة جدا )
وليست القذارة في عدم غسل الأيدي قبل الطعام بل في ما يخرج من القلب وينطق به اللسان :
1 حينئذ جاء إلى يسوع كتبة وفريسيون الذين من أورشليم قائلين
2 لماذا يتعدى تلاميذك تقليد الشيوخ، فإنهم لا يغسلون أيديهم حينما يأكلون خبزا
قال :
17 ألا تفهمون بعد أن كل ما يدخل الفم يمضي إلى الجوف ويندفع إلى المخرج
18 وأما ما يخرج من الفم فمن القلب يصدر، وذاك ينجس الإنسان
19 لأن من القلب تخرج أفكار شريرة: قتل، زنى، فسق، سرقة، شهادة زور، تجديف
20 هذه هي التي تنجس الإنسان. وأما الأكل بأيد غير مغسولة فلا ينجس الإنسان
( المصدر السابق )
وطالب المسيح تابعيه بأن لا يتبعوا أعمال الكتبة والفريسين لأنهم يقولون ما لا يفعلون :
4 فإنهم يحزمون أحمالا ثقيلة عسرة الحمل ويضعونها على أكتاف الناس، وهم لا يريدون أن يحركوها بإصبعهم
5 وكل أعمالهم يعملونها لكي تنظرهم الناس: فيعرضون عصائبهم ويعظمون أهداب ثيابهم
6 ويحبون المتكأ الأول في الولائم، والمجالس الأولى في المجامع
7 والتحيات في الأسواق ، وأن يدعوهم الناس: سيدي، سيدي
8 وأما أنتم فلا تدعوا سيدي، لأن معلمكم واحد المسيح، وأنتم جميعا إخوة
9 ولا تدعوا لكم أبا على الأرض، لأن أباكم واحد الذي في السماوات
10 ولا تدعوا معلمين، لأن معلمكم واحد المسيح
11 وأكبركم يكون خادما لكم
في الوقت الذي يدعو فيه إلى عدم مخاطبة الكتبة والفريسين كأسياد ومعلمين يدعو إلى التواضع بأن يكون أكبر تابعيه خادما لهم . ويتابع :
12 فمن يرفع نفسه يتضع ، ومن يضع نفسه يرتفع
ويتابع هجومه على الكتبة والفريسين :
13 لكن ويل لكم أيها الكتبة والفريسيون المراؤون لأنكم تغلقون ملكوت السماوات قدام الناس، فلا تدخلون أنتم ولا تدعون الداخلين يدخلون
14 ويل لكم أيها الكتبة والفريسيون المراؤون لأنكم تأكلون بيوت الأرامل، ولعلة تطيلون صلواتكم. لذلك تأخذون دينونة أعظم
15 ويل لكم أيها الكتبة والفريسيون المراؤون لأنكم تطوفون البحر والبر لتكسبوا دخيلا واحدا ، ومتى حصل تصنعونه ابنا لجهنم أكثر منكم مضاعفا .
( متى 23)
ألإنسان الكامل !!
أي انسان هذا الذي كان يسوع المسيح يسعى لأن يوجده بهذه التعاليم الموغلة
في التسامي والفضيلة . إنه الإنسان الكامل كما الأب الإله :
48 فكونوا أنتم كاملين كما أن أباكم الذي في السماوات هو كامل
( متى 5)
أجل الكامل كما الأب الإله ، أي أن يكون البشر بمستوى الألوهة نفسها ، أن يكونوا آلهة !! ولا أعرف إن كانت هذه محض صدفه أم أن كلام المسيح غرس في لا وعيي منذ أن قرأت الأناجيل أول مرة ، فأنا أدعو في فلسفتي إلى الإنسان الكامل ، انسان الفضيلة ، الذي لم يوجد بعد ، وربما ثمة اختلاف بيننا وهو أن الخالق عندي ما زال يسعى لخلق هذا الإنسان ،وأن عملية الخلق تكاملية بين الخالق والمخلوق ، فالخالق يخلق الإنسان والإنسان يبني الحضارة . وربما أيضا لم يغب هذا عن بال المسيح بدعوته الناس أن يسعوا إلى الكمال . فلا كمال دون حضارة . والحضارة ليست عمارات وشوارع وجسورومركبات ومدن فحسب. الحضارة قيم خير وعدالة وأخلاق وفضيلة ومحبة .
كان المسيح متشددا في المسألة الجنسية مع أنها مسألة حساسة وملحة وكثيرا ما يتصرف المرء بدوافع غريزية :
27 قد سمعتم أنه قيل للقدماء: لا تزن
28 وأما أنا فأقول لكم : إن كل من ينظر إلى امرأة ليشتهيها، فقد زنى بها في قلبه
29 فإن كانت عينك اليمنى تعثرك فاقلعها وألقها عنك، لأنه خير لك أن يهلك أحد أعضائك ولا يلقى جسدك كله في جهنم
( متى 5)
ومع ذلك نجده يتخذ موقفا انسانيا حين تغلبت رحمته على مبادئه ، فلم يشر حتى برجم الزانية :
3وقدم إليه الكتبة والفريسيون امرأة أمسكت في زنا . ولما أقاموها في الوسط
4 قالوا له : يا معلم ، هذه المرأة أمسكت وهي تزني في ذات الفعل
5 وموسى في الناموس أوصانا أن مثل هذه ترجم . فماذا تقول أنت
6 قالوا هذا ليجربوه ، لكي يكون لهم ما يشتكون به عليه . وأما يسوع فانحنى إلى أسفل وكان يكتب بإصبعه على الأرض
7 ولما استمروا يسألونه ، انتصب وقال لهم : من كان منكم بلا خطية فليرمها أولا بحجر
8 ثم انحنى أيضا إلى أسفل وكان يكتب على الأرض
9 وأما هم فلما سمعوا وكانت ضمائرهم تبكتهم ، خرجوا واحدا فواحدا ، مبتدئين من الشيوخ إلى الآخرين . وبقي يسوع وحده والمرأة واقفة في الوسط
10 فلما انتصب يسوع ولم ينظر أحدا سوى المرأة ، قال لها : يا امرأة ، أين هم أولئك المشتكون عليك ؟ أما دانك أحد
11 فقالت لا أحد ، يا سيد . فقال لها يسوع : ولا أنا أدينك . اذهبي ولا تخطئي أيضا
(يوحنا )
تحضرني الآن سيرة الأديب اليوناني الكبير نيكوس كازنتازاكي الذي أمضى عمره يبحث عن الله في الأديرة والكنائس وذهب إلى فلسطين وسيناء . في دير سانت كاترينا على ما أذكر سأل مسؤول الدير إن كان رأى الله في حياته وهو في هذه العزلة الصحراوية ، فأجابه الراهب بالنفي وأطلعه على سر يكشفه لأول مرة في حياته قائلا ما معناه أن المسيحية قتلت الجسد لصالح الروح . وحين عاد كازنتزاكي من رحلته ذهب واعتكف في دير على جبل آثوس ، وفيما كان نائما ذات ليلة جاء طباخ الدير وأيقظه من النوم ليقول له أنه رأى الله . نهض كازنتزاكي متلهفا فيما شرع الراهب يقص : قال ما معناه :أن مسؤول الدير أرسله ليجمع حصة الدير من غلال القمح من الفلاحين وعليه أن يساعدهم في الحصاد . حين وصل الراهب الحقل شاهد امرأة ترضع طفلا ، فنهرها لتحتشم وترضع طفلها في مكان مستتر . كان على الراهب أن يقيم مع الأسرة الفلاحة إلى أن ينتهي الحصاد وجمع الغلال . أفردوا له غرفة ينام فيها . وما أن استلقى على السرير حتى مثل نهد المرأة في خياله . وحاول عبثا أن ينسى النهد . وحين كان ينظر إلى المصباح كان يرى النهد فيه . حتى إطفاء المصباح لم يكن يجدي . جاءته المرأة بالطعام ،وحين عادت لتأخذ البقايا وجدت أنه لم يأكل . لم يعد قادرا على الأكل ، أصبح النهد شغله الشاغل .
قالت له المرأة ما معناه : إن لجسدك عليك حق كما لله عليك حق . وتراجعت
لتخرج من الغرفة ،وفيما كانت تستدير لتخرج من الباب ، فوجئت بالراهب يثب ويشدها من كتفيها إلى الوراء ويطرحها على السرير بعنف ويشرع في مضاجعتها . وهنا يقول الراهب لكازنتزاكي ما معناه : وفي ذلك الصباح شاهدت الله ،كان يقف فوق سريري !
وهكذا استطاع هذا الراهب أن يرى الله حين مارس ما يعتبر في العرف الديني خطيئة .
هناك مسائل أخرى تشدد فيها المسيح حرصا منه على إيجاد الإنسان الكامل :
30 وإن كانت يدك اليمنى تعثرك فاقطعها وألقها عنك، لأنه خير لك أن يهلك أحد أعضائك ولا يلقى جسدك كله في جهنم
وعلى الأغلب لا يقصد المسيح القطع الفعلي لليد . بل يقصد كف الأذى بها ، رغم التعبير الواضح بالقطع
( متى 5)
سأكتفي بهذا القدر من التعاليم المنسوبة إلى السيد المسيح ولن أتطرق للمعجزات التي قام بها وهي كثيرة جدا . وهذه الكثرة تجعل المرء يشك في مصداقيتها رغم معرفتي أن علم الباراسيكولوجي أثبت وجود ظواهر خارقة لدى بعض الناس تجعل بعضهم قادرين على إشفاء المرض .
وأدرك تماما لو أن معجزة واحدة خارقة أو أكثر لو حدثت أمام الحكام اليونانيين والشعب لاعترفوا بألوهيته ولما صلب ، ولما جرت كل هذه المعارك بين الكنائس حول طبيعته ، ولآمن الوثنيون جميعا ولما تم قتل بعضهم في الإسكندرية وغيرها على يد المسيحيين الأوائل كما حدث للفيلسوفة السكندرية هيباتيا أستاذة الفلسفة اليونانية التي قتلت بشكل وحشي سحلا في شوارع الإسكندرية حتى سلخ جلدها ومن ثم أحرقت .
ذكرنا أن الأناجيل لم تكتب في عهد المسيح بل بعد عقود وقرون ،وقد امتزج فيها الخيال الأدبي مع الواقع والتاريخ والفلسفة والحكمة والبلاغة ، ولا شك أن للأدب قوة وتأثيرا في النفس يجعلان من ثقافته بسيطة أن يقتنع بكل ما فيه ، فما بالكم بثقافة الإنسان قبل ألفي عام .
في كتابي ( غوايات شيطانية ) أصبح بطلي ( الأديب ) ابنا لله بعد أن اختاره الله . لكن أحدا لن يصدق ذلك .
وفي روايتي ( الملك لقمان ) جعلت الله يحيي الموتى للقمان ويحيل المحيط الجهنمي إلى مياه عذبة . وبالتأكيد لن يصدق أحد ذلك ، غير أن تأثيره في النفس سيكون كبيرا .
إن البشرية الآن في وضع يؤهلها ببساطة لأن تميز بين قوة الأدب والديني منه بشكل خاص ، وقوة العلم والمنطق والفلسفة .
يتبع من منظور صوفي لشخصية المسيح حسب النصوص التي وصلت إلينا .
ألوهة المسيح وفلسفة الألوهة (11)
*المسيح الصوفي والبطل التراجيدي
ماذا لو تعاملنا مع نصوص الأناجيل التي وصلت إلينا من منطلق أدبي فكري بغض النظر عمن
ألفها أو أنتجها ، وبغض النظر عن الشخصية التي تنسب إليها النصوص ( المسيح ) سواء إن كانت شخصية تاريخية أو متخيلة ، لا تخلو من ارهاصات واقعية حسب زمنها .
سننظر في هذه النصوص من جانب وجودي صوفي ومن جانب تراجيدي أيضا ، أفرزه العقل البشري حين عزا أقدار البشر إلى آلهة ، تجلى ذلك في أعمال أدبية خالدة كالأدب الإغريقي :اوديب الملك ، والسومري: ملحمة جلجامش ، وغير ذلك .. ورغم تطور هذا الأدب إلى ظروف اجتماعية لم يعد للآلهة دور فيها ، إلا أنه ظل محتفظا بتراجيديته لأن قدر أبطاله هو الموت في النهاية . ففي التراجيديا القديمة أنبأت العرافة أوديب أنه سيقتل أباه ويتزوج أمه حسب القدر الذي رسمته له الآلهة ، وحاول أن يهرب من قدره ،بل وهرب ، ولم يكن يعرف أنه يهرب في اتجاه قدره . ورغم أن هذه المعادلة لم تعد قائمة بهذه الصورة في الأدب إلا أنها حافظت على نوعها التراجيدي لتشمل كل من يقتل في سبيل قضية انسانية . أو لغاية نبيلة ، أو لمشكلة اجتماعية ،وخير من يمثل هذا الإتجاه في الأدب البشري وليم شكسبير ، وفي التاريخ الفلسطيني ( لا تتفاجأوا ) جوليات ( جليات ) ويسوع المسيح ، وفي التاريخ الحديث ،مئات الأبطال الفلسطينيين ، ومنهم : عز الدين القسام . عبد القدر الحسيني .. وأخيرا الشهيد ياسر عرفات . فجميع هؤلاء كانوا يعرفون أنهم سيقتلون أو قد يقتلون ، ولم يهربوا من قدرهم .. على ضوء هذا النهج سنقوم بتحليل ملحمة يسوع المسيح ، كبطل تراجيدي ، وما عناه بهذا الكلام المحير :
26 وفيما هم يأكلون أخذ يسوع الخبز، وبارك وكسر وأعطى التلاميذ وقال: خذوا كلوا. هذا هو جسدي
27 وأخذ الكأس وشكر وأعطاهم قائلا: اشربوا منها كلكم
28 لأن هذا هو دمي الذي للعهد الجديد الذي يسفك من أجل كثيرين لمغفرة الخطايا
( متى 26)
ولا أظن أن تحليلي سيتفق بشكل كامل مع تحليل الكنيسة إن لم يكن مختلفا تماما .
*****************
لن نطيل الحديث حول هذه المسألة .لقد حمل المسيح رسالة محبة للبشرية . رسالة تنشد العدل والخير والجمال . سعى إليها . وكرس نفسه لها ،وضحى بنفسه من أجلها . رسالة لا شك أنها تحمل رؤية متقدمة وسامية حسب ثقافة الزمن الذي عاش فيه .هذا ما قالته النصوص التي وصلت إلينا . بغض النظر عن كل ما قيل عنها ،وما قيل عن شخصية المسيح .والذين يعرفون منهجي ، يدركون أنني أتعامل مع أي نص مهما كان بمنطق موضوعي ، فمفردتا الضد بالمطلق والمع بالمطلق ليستا واردتين في قاموس منهجي . فليس هناك فكر إنساني إلا ويحمل قدرا من الإيجابية وبالتأكيد قدرا من السلبية ،ولا يظنن أحد أنني أستثني كلامي هذا . فلقد رددت كلمة اجتهاد أكثر من مرة .لست مغرورا ، ولست ممن يغلقون عقولهم على فكر جامد فيها . فما فكرت فيه قبل عشرين عاما مثلا يختلف كثيرا عما أفكر فيه اليوم . والحق أن كل فكر إنساني يحتاج إلى مراجعة في نهاية عمر كاتبه ،وهذا ما يتسنى إلا لقلة من البشر . ولذلك نجد أفكارا كثيرة تؤدي إلى صراعات بين البشر لوجود تناقضات فيها ، أو لوجود خلافات حول فهمها . وهذا ما جر ويجر وخاصة في الفكر الديني إلى حروب يذهب ضحيتها كثيرون ،وينشأ من جراء المفاهيم المختلفة حولها طوائف وجماعات متعددة . تتحارب في ما بينها ، ولنأخذ المسيحية والإسلام كأقرب مثالين من دياناتنا التي صدرناها للبشرية .
الذين تابعوا مقالاتي منذ قرابة أربعة أعوام وجدوا أنني أختلف مع ابن عربي في مسائل كثيرة وأتفق معه حول مذهب وحدة الوجود ، ومفهوم الحلول والإتحاد مع الذات الإلهية لإنسان بعينه
أوكائن بعينه ، الذي رفضه ابن عربي بشكل قطعي ونزه الذات الإلهية عن الوجود دون أن يلغي حقيقتها ( طاقتها ) السارية فيه . حتى أن ابن عربي نفسه ،وضع نفسه في مرتبة ثالثة تلي الذات الإلهية والذات المحمدية .واعتبر نفسه خاتما للولاية المحمدية ، ولم يعتبر نفسه متحدا مع الذات الإلهية ، فأرقى مقام وضع نفسه فيه حين اعتبر نفسه أحد حملة العرش الإلهي الأربعة !
ومؤلفات ابن عربي وكراساته هناك من يرى أنها تتجاوز ألخمسمائة رسالة وكتاب ، وحسب ما يذكر نصر حامد أبو زيد عن صاحب" فوات الوفيات "أن تفسير ابن عربي للقرآن المعروف باسم "التفسير الكبير" يقع في خمسة وتسعين مجلدا . ومعظم مؤلفات ابن عربي ما يزال مفقودا، وليس هناك باحث واحد ادعى أنه اطلع على جميع مؤلفاته أو حتى معظمها. ولا شك أن نصر حامد أبو زيد هو أفضل من اطلع على بعض مؤلفات ابن عربي وشرح فكره إلى الناس .
ولا يزال فهم ابن عربي كله شبه مستحيل . لأننا حقا أمام إنسان معجزة بكل معنى الكلمة .
نعود لملحمة المسيح . لا شك أن النصوص قدمت لنا انساناً عظيماً . عظيما في محبته . عظيما في تواضعه . عظيما في عدله (حين اضطر أن يطبقه في قصة العاهرة فلم يرمها أحد بحجر )عظيما في سلوكه وأخلاقه .عظيما في محبته وولائه لخالقه .من يتخيل إنسانا يغسل أرجل زملائه أو تلاميذه ، إلا إذا كان هذا الإنسان إنسانا غير عادي ،كأن يكون قديسا أو نبيا أو ملاكا أو حتى إلها .
( ثمة من أدانوا سلوك المسيح مع المرأة الكنعانية وغير ذلك ، لم أتوقف أمام هذه الآراء لأنها لا تشكل شيئا يذكر في سلوك المسيح ) إنسان سعى لرسالة إنسانية للبشرية في زمن كان يقتل فيه كل من يسعى لمخالفة الحكم الروماني. أي أنه كان يعرف أنه سيقتل ، وهذا هو الفدائي بعينه ، الذي يضحي بنفسه من أجل غاية نبيلة ، أو من أجل شعبه ، أو من أجل وطنه ، أو من أجل البشرية على غرار ما فعل هو . وبذلك يستحق أن يمنح لقب الفدائي ، بل والفدائي الأول في تاريخ البشرية .
والمسيح في الوقت نفسه بطل تراجيدي لأنه لم يهرب من قدره فداء للبشرية . وكان يدرك ذلك . وكان في مقدوره أن يختفي ويهرب ،لكنه لم يفعل . وواجه قدره . وهذا ما يقودنا إلى الجانب الأهم في شخص المسيح ،وهو المسيح المتصوف ، المسيح المتحد مع الذات الإلهيه ، المسيح الإله .
*******
ألوهة المسيح وفلسفة الألوهة (12)
* المسيح الصوفي .
لا حظنا في المقالة السابقة أنني اعتبرت المسيح بطلا تراجيديا رغم أنه لم يحاول الهروب من قدره كالأبطال التراجيديين الذين يسعون للهروب من قدرهم الذي رسمته لهم الآلهة ، ولا ينجحون . ( اوديب مثلا ) فالمسيح واجه قدره واحتمله بشجاعة منقطعة النظير وسار فيه إلى نهايته .
تحليل ملحمة المسيح مسألة ليست سهلة على الإطلاق للنسيج الميثولوجي الذي نسج حول قصته كحمل من عذراء دون زوج بكلمة من الله ، وهو حمل يشبه حمل إيزيس بحورس دون زوج ، رغم الإختلافات في الروايات التاريخية في قصة حمل إيزيس بحورس. كما أنه ابن إله وإله مثل حورس ..وإذا ما أخذنا بالروايات الأخرى كالرواية الإسلامية التي تقول إن المسيح نبي وليس إلها أو ابنا لله ، وأنه لم يصلب ولم يقتل بل شبه لهم به . والروايات التي تدعي التاريخية التي تقول أن المسيح إنسان عادي حاول استعادة ملك داود ، سنجد أنفسنا أمام متاهة . لذا ليس أمامنا إلا التعامل مع النص الذي بين أيدينا كما أسلفنا، ونغض الطرف عن كل ما نسج حوله أو قيل عنه. وهذا دون شك هو منهجنا . التعامل مع النص من داخله وليس من خارجه . وخارجه هذه لا نقترب منها إلا بما يخدم منهجنا ، كتساؤلنا من قبل أن في مقدور الخالق أن يأتي بمعجزات وظواهر خارقة جدا تجعل ليس الرومان واليهود والكنعانيين يؤمنون به ،بل والبشرية كلها ،وخلال لحظات ، كأن يحلق في الفضاء مثلا . ويشفي المرضى من الفضاء . ويدلي برسالته إلى البشرية من الفضاء .ولو كنت أنا إلها وأردت البشرية حاليا أن تؤمن بي لجمدت الحركة في العالم جوا وبرا وبحرا، وسيطرت بكلمة مني على كافة أجهزة البث الفضائي والأرضي وكل ما له علاقة بالإتصالات ، وبثثت رسالتي للبشرية بكافة لغات العالم ،وعلى لسان حوريات وملائكيات يخلب جمالهن العقول ، ولأريت البشرية صورا لجنتي وناري ، هذا إذا أردت أن يكون لدي جنة ونار ، بل ولربما جعلتهما يحلقان في الفضاء لتراهما البشرية .وأتحدى بعد ذلك أن يبقى واحد في الكون لن يؤمن بي، وربما يصلي لي في اليوم عشر مرات ، مع أنني لو كنت إلها لما طلبت من أحد أن يصلي لي ، ولما عاقبت أحدا على الإطلاق ! فالحساب والعقاب تشريعات مناطة بالبشر وليس بآلهة ... لكن يبدو أن الله وفي كل الأزمنة السابقة ولغاية اليوم ، لم يكن قادرا على صنع معجزات خارقة كخلق الكون والكائنات في ستة أيام ، وهي المعجزة التي لم يقتنع بها إلا من آمن بالديانات السماوية والغيبيات . لذلك تجنبت كل ما هو ميثولوجي في ملحمة المسيح وتعاملت مع الجانب الإنساني فيها . فعبر الكتابة يمكن لمؤلف أن يتخيل إلها خلق كونا بكلمه ودمره بكلمه ، وثمة بشر يمكنهم أن يصدقوا ذلك ، ويعبدوا هذا الإله رغم أنهم لم يروا فعله ، بل قرأوه فقط أو سمعوا عنه بعد أجيال ، أو سمعوا حكيما أو نبيا يتحدث عنه كحقيقة مطلقة . وهكذا يتناقل الدين بالوراثة ، فحتى الابن الذي يولد
في أسرة تعبد الشيطان سيجد نفسه تلقائيا تابعا لهذا الدين ، معتبرا إياه حقيقة مطلقة ليست قابلة للشك ، مع أنه لم ير الشيطان في حياته ولن يراه . ولا تختلف الديانات السماوية في فهمها وتوارث دينها عن هذا الفهم ، وكم من إنسان دمره تخيل وجود الجن والشياطين في حياته اليومية . وإلى أن تدرك البشرية أنها ترتكب جرائم فظيعة بحشو عقول الأبناء بالشياطين والجن وعذاب جهنم الفظيع يكون ملايين قد قضوا نتيجة لهذا المعتقد .
تأمُّل الوجود الذي قاد إلى الدين فالتصوف بدأ منذ بدء الخليقة إلى أن ترسخ وتأصل في ديانات الهند والصين في حدود القرن الخامس ق.م. وقد لا تخلو ديانات بابل وأشوروكنعان ومصر القديمة من شكل ما من أشكال التصوف . وليس غريبا على شخص كيسوع المسيح ينحدر من أسرة مقدسة وينتسب إليها أن ينهج نهجا صوفيا بعد تأمل عميق في الوجود ، والإطلاع على كتب العهد القديم والتبحر فيها ، والتعرف على سير المسحاء السابقين .،.والعبادات الكنعانية التي كانت سائدة في عصره .. إلى أن قاده تأمله للتقرب من الله ، ليرى نفسه في نهاية الأمر
متحدا معه ، فشرع في إعلان رسالته ونشرها بعزيمة وشجاعة المؤمن الحق .
انطلاقا من وجهة النظر هذه ( الإتحاد بالذات الإلهية ) يمكن تفهم ما يشير من أحاديث المسيح إلى أنه الله أو ابن الله ، دون أن يقول ذلك بشكل مباشر وصريح كأن يقول ( أنا الله ) أو ( أنا هو الله ) كما أنه كان يرى البشر جميعا أبناء لله وليس هو فحسب حتى أن ترتيلة الصلاة التي أمر بها تبدأ بالإشارة إلى أبوة الله للبشرجميعا ،وهذا يعني أنهم جميعا أخوة ،وأن المسيح نفسه أخوهم :
9 فصلوا أنتم هكذا: أبانا الذي في السماوات، ليتقدس اسمك
10 ليأت ملكوتك. لتكن مشيئتك كما في السماء كذلك على الأرض
11 خبزنا كفافنا أعطنا اليوم
12 واغفر لنا ذنوبنا كما نغفر نحن أيضا للمذنبين إلينا
13 ولا تدخلنا في تجربة ، لكن نجنا من الشرير. لأن لك الملك، والقوة، والمجد، إلى الأبد. آمين
لا شك أن التعبير يحمل قدرا ما من المجازية ولا يقصد به المعنى الحرفي المباشر ، ومع ذلك لا يمكن تجاهله ، كون البشر لا يحملون هذا القدر من الإتحاد بالذات الإلهية ، الذي يتمتع به المسيح .
كان المسيح يحب أبويه ويجلهما ولم ينكر أبوتهما على الإطلاق حتى بعد أن أشهر رسالته للملأ .
وفيما لو تناولنا الأمر من زاوية الخلق ، كون البشر من خلق الله كما هو المسيح ، فإن تقبل مسألة أخوة البشر وابوة الله لهم مسألة واقعية جدا .وإذا ما تناولنا الأمر من منطلق مذهبي وجودي واحد ، حسب مذهب ابن عربي في وحدة الوجود ، وكون الوجود الحقيقي هو لله وحده ،وما البشر والوجود كله إلا تمظهرا للذات الإلهية ، فإنه يمكن اعتبار الجميع ألله وليس المسيح وحده !!!!
وحسب هذا الفهم يمكننا أن نفهم قول المسيح :
26 وفيما هم يأكلون أخذ يسوع الخبز، وبارك وكسر وأعطى التلاميذ وقال: خذوا كلوا. هذا هو جسدي
27 وأخذ الكأس وشكر وأعطاهم قائلا: اشربوا منها كلكم
28 لأن هذا هو دمي الذي للعهد الجديد الذي يسفك من أجل كثيرين لمغفرة الخطايا
( متى 26)
فالخبز والنبيذ هنا ليسا خارج التمظهر الإلهي ، عدا أنهما كمواد يشتركان مع جسد المسيح والبشر جميعا في المواد التي وجدا منها .
وقد يتساءل أحد ما : هل كان المسيح يحمل هذه الرؤية الفلسفية للوجود ،وأن وجوده لا ينفصل عن أي وجود آخر حتى لو كان في المريخ أو في الأكوان غير المنظورة للبشرية ؟ أقول : ولماذا لا طالما أن الخلق كله لخالق واحد ،وهذا ما لم يكن صعبا على المسيح أن يدركه ، ولو بحدود نسبية مقبولة .
وهنا نقترب أو حتى نصل إلى ما هو أعقد ، لماذا تألم المسيح على الصليب ولماذا صرخ صراخا عظيما ،ولماذا بدا وكأنه يلوم الله ويعاتبه متسائلا ، لماذا تركه وتخلى عنه ؟ فهل خرجت الألوهة منه كما يقول بعض رجال الكنيسة ،لكي يحس بالألم البشري ،ويكون فداؤه حقيقيا ! ؟!
بالتأكيد لا .. وهنا لا بد من العودة إلى ما تقوم عليه فلسفتي وهي أن الخالق العظيم ،ورغم كل عظمته ،وعظمة خلقه ، لم يبلغ الكمال المطلق في الخلق حتى الآن ، وما تزال عملية الخلق عنده مستمرة لبلوغ هذا الكمال المطلق ، والقدرة على الفعل المطلق ، الذي تخيله العقل البشري منذ البدء بأن الله قادر على أن يقول لأمر ما (كن) فيكون !!
هذه الحقيقة التي لا يستطيع العقل البشري مجرد تصورها فكيف أن يتقبلها ، لاعتقاده أن الله قادر على كل شيء مهما كان . فلا يجد غير الله يستنجد به في المحن التي يواجهها ، كما كان الشباب السوريون يهتفون له في أوج محنتهم ( يا الله ما إلنا غيرك يا الله ) دون أن يدركوا أن الله بدوره قد يكون يتمزق ألما لفجيعة السوريين ، ليس لأنهم سوريون وينزفون دما فحسب ، بل لأن الدماء التي تنزف هي دماء الله ، والأجساد التي تنتهك وتذبح هي أجساد الله ، والله غير قادر أن يتدخل بشكل مباشر لإنقاذهم أو إنقاذ نفسه بتعبير أدق ، وكان يأمل من الآخرين الأقوياء أن يتدخلوا لإنقاذهم ، أو لإنقاذ الله ، أبينا الذي في السموات الذي يذبح في سوريا على أيدي القتلة .
******
في روايتي ( الملك لقمان ) التي كتبتها عام 1994 . وصدرت عن دار نينوى في دمشق 2009 ، يأتي لقمان إلى موضع للتعذيب وتقديم القرابين البشرية لله أقامه طغاة على كوكب في السماء . لم يحتمل لقمان هول ما كان يجري فراح يخاطب الله تذاهنا . ليجيبه الله بما لم يكن يتوقعه . سأورد المشهد كاملا :
(وانتقل الملك لقمان إلى أنساق المذابح حيث تُنحر وتذبح القرابين، وكم كان المشهد مرّوعاً للملك لقمان، فقد كانت الجثث تتكدّس على المذابح وتتبعثر من حولها في أشكالٍ عشوائيّة. جثث أطفال من أعمار مختلفة، وجثث فتيات، وجثث شباب، وجثث شيوخ وجثث نساء، بعضها عارٍ وبعضها شبه عار، وأحواض تفيض بالدّماء حول المذابح، وأناس ينتظرون بوجوه شاحبة بائسة تخيم عليها أشباح الموت.
أطبق الملك لقمان بيديه على رأسه شابكاً أصابعه فوقه، مُخفياً وجهه خلف مرفقيه، جاهداً بكُلِّ قوّته ليمنع صرخة هائلة من الإفلات منه، وما لبث أن رفع رأسه إلى السَّماء فارجاً مرفقيه قليلاً، ليتيح إلى عينيه الرؤية وكأنّه يأمل مشاهدة الله، وراح يصرخ في أعماق نفسه دون أن يعرف أحد ما يدور في بطينته، سوى الملكة نور السَّماء:
لِمَ، لِما! لماذا يا إلهي تجعل كُلَّ هذا يحدث، لِمَ تتيح لكُلِّ هذه الدّماء أن تنزف، ولكُلِّ هذه الأرواح أن تقضي، بكم قلبٍ سأحتمل كُلَّ هذه العذابات والآلام، وأنت لم تمنحني سوى قلبٍ واحدٍ ضعيف؟
وأنزل الملك رأسه وهو يُطبق بيديه عليه ويتنفّس بتسارع وعمق لعلّه يسيطر على نفسه. غير أنّ جسده كان يتلوّى وكأنّه أصيب بمغص شديد، فسارعت الملكة إلى مواساته، فيما شرع صوت هائل يهتف في دخليته:
كل هذه الجثث جسدي يا لقمان، وكل هذه الدماء العائمة دمائي، وكُلُّ الأجساد المصلوبة والملقاة في القبور والتي أحرقت جسدي، كل حنجرة قطعت هي حنجرتي، وكل حلقوم نُحر هو حلقومي، وكل قطرة دم سالت هي من دمائي، وكل عين فُقئَتَ هي من عيوني، وكل روح قضت هي روحي، فكم من الدّماء التي سالت عبر ملايين السّنين من دمي، وكم من الأرواح التي أزهقت من روحي، وكم من العيون التي فُقئت من عيوني وكم من الأعناق التي قطعت من عنقي، وكم من القلوب التي توقّف نبضها من قلبي؟! لو أنّك عشت مقدار ذرّة من آلامي يا لقمان، لمتّ ألف ألف ألف بليون مَرّة، فهل تراني كنت قادراً على منع حدوث كل هذا لي ولم أمنعه؟ هل تراني كنت قادراً على وقف نزيف جسدي ووقفت متفرّجاً عليه؟ هل تراني كنت قادراً على صَدّ الرّماح المنطلقة نحو جسدي ولم أصدّها؟ أم تراني كنت أنعم بمواضيكم وهي تقطّعني إلى أشلاء؟ ورصاصكم وهو يخترق صدري، وقنابلكم وصواريخكم وهي تحيلني إلى رماد وركام؟
وتوقف الصوت ليرفع الملك لقمان رأسه المتفجّر المضطرب، ويدور حول نفسه فاغراً فاه مشدوهاً مرسِلاً نظراته إلى الفضاء وهو ما يزال يشبك يديه خلف رأسه، ليهتف متسائلاً بحيرة وذهول مُفجّراً الصوت الذي طالما حبسه في دخيلته:
لا! أهذا أنت حقاً؟ هل كان هذا صوتك؟ وهل أنت من كنت توحي إليَّ بالكلام الذي قلته للناس؟ هل هذه الدّماءُ دماؤك، وهذه الأجساد جسدك؟ هل كنت في حاجة إليّ بقدر ما أنا في حاجة إليك، وكنت تبحث عنّي كما أبحث عنك، فعثرت عليّ قبل أن أعثر عليك؟! أجبني؟ أجبني؟ هل يُعقل أن تكون ضعيفاً بقدر ما أنتَ قوي؟ وأن تقدر على كُلّ شيء ولا تقدر على شيء؟ هل يُعقل أن تموت بقدر ما تحيا، وأن تتألم بقدر ما تحب؟! لا! لا! مستحيل! ساعدوني، أعينوني، ساعدوني،أعينوني، أعيدوا الحياة إلى الله وكفاكم تمزيقاً لجسده وتقطيعاً لأشلائه وطعناً لسويداء قلبه، وإثارة لأحزانه وآلامه (!!
كانت هذه حال لقمان حين صدمته الحقيقة التي لم يكن يدركها جيدا ، وبالقدر نفسه كانت صدمة المسيح حين وجد أنه كإله غير قادر على منع الألم عن نفسه ، فصرخ صرخته العظيمة : إيلي، إيلي، لما شبقتني؟ أي: إلهي ، إلهي، لماذا تركتني
)متى 27(
لم يكن المسيح يدرك أن ألوهة الأب فيه هي التي تصلب دون أن يقدرهو أو الأب على ايقاف هذا الألم .فقد كان يعتقد أنه باتحاده بالذات الإلهية سيكون قادرا على كبح آلام التعذيب والصلب .
يروى عن الحلاج أنه احتمل آلام صلبه وتقطيع أوصاله ولم يكن يردد إلا كلمة " أحد أحد "خلال ذلك . ويروى عن متصوف آخر أنه طلب قطع رجله لداء فيها وهو يصلي كي لا يحس بالألم ، ورويت قصصا مشابهة لمتصوفين ،غير أنني لم أقتنع تماما بهذه القصص . يمكن أن تكون حملت قدرا من الصدق في تحمل بعض الألم ، لكن ليس الألم كله .
في حال قصة الملك لقمان وحال المسيح ، لا نعرف إلى أي مدى تشعر الذات الإلهية المنزهة ، بالألم الذي يتعرض له الآخرون ، الذين يشكلون جزءا من ذاتها المتجلية ،فالذات المنزهة ليست إلا كلمة مجردة أوجدها البشر ) الله (للتعبير عن القدرة الكامنة وراء الخلق أو فيه ، وليس هناك تنزيه غيرها ، حتى أننا لا نعرف ما إذا كان الله ينزه نفسه بها أو بغيرها أو حتى يوظف مفردة لغوية لتنزيه ذاته عن الوجود !!
إذن لم تخرج الألوهة من جسد المسيح كما تصور بعض اللاهوتيين بل بقيت فيه وذبحت أو صلبت معه .. لتذهب معه في اتحاده بالذات الكلية ( المطلق الأزلي – الله – الطاقة الخالقة( الكائن في كل مكان بما فيه الجدث الذي ووري جثمان المسيح فيه ، ليبعث فيما بعد في خلق أكثر كمالا وتحملا للآلام والعذابات إن وجدت في حينه . وليس بالضرورة أن يكون البعث القادم هو يسوع المسيح نفسه ، بل مادة جسده التي تفاعلت مع مواد الطبيعة ، لينتج عنها طاقة خلاقة ، تبعث خلقا جديدا أرقى وأكثر كمالا .
لقد شكلت ملحمة المسيح أول ملحمة تراجيدية صوفية أبدعها العقل البشري منذ أن وجد . قدمت للبشرية رؤية خلاقة للخلق والخالق ( حسب زمنها ) انطلاقا من رسالتها الداعية إلى المحبة وبلوغ الكمال الإلهي ورؤية البشر جميعا كأخوة وأبناء لله .
نهاية رؤيتنا لملحمة المسيح .
محمود شاهين
18 – 9 – 2014
) التاريخ حسب تعديلات أخيرة أجريت على النص)





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,562,066,061
- شاهينيات (98) داود يصبح ملكا على اسرائيل ويتزوج من عشرات الن ...
- شاهينيات (97) الفلسطينيون يجيرون داود ويقتلون شاول وأولاده ا ...
- شاهينيات ( 96) شاول يزوج داود ابنته مقابل قتله مائتي فلسطيني ...
- شاهينيات ( 96) في الخلق والخالق !
- شاهينيات (95) داود يقتل المحارب الفلسطيني جليات بحجر من مقلا ...
- في حقوق الكاتب العربي !
- شاهينيات (94) طول شاول يكمن بما فوق كتفيه فقط !!
- شاهينيات فصل (93)ِ الفلسطينيون يستولون على تابوت عهد الرب !
- رسالة خاصة إلى الروائي الصديق ابراهيم نصر الله !
- أحبتي وأصدقائي
- جنى الحسن : أجيال التصالح والحب في - طابق - 99!!
- شاهينيات (92) داود من نسل مشترك مؤابي اسرائيلي !*(1027) سفر ...
- شاهينيات(91) في الخالق والخلق ! * ( 1026) تكامل الخلق بين ال ...
- عشاء قط متسول !!
- ملل. قرف . ضجر . جنون .
- شاهينيات الفصل (90) اعثر على الله في قلبك فقد تكون إلها وأنت ...
- شاهينيات (89) (1024) حروب طاحنة بين بني اسرائيل ومقتل عشرات ...
- شاهينيات (88) دليلة الغزاوية تقص شعر شمشون !(1023) شمشون يهد ...
- شاهينيات (87) (1022 ) حروب طاحنة وأهوال وحرق مدن !
- شاهينيات (86) (1021) بنو اسرائيل يحرقون القدس ويرتدون كثيرا ...


المزيد.....




- مديرة مدرسة إسلامية غير مسجلة في بريطانيا تتحدى السلطات وتوا ...
- الفاتيكان يبتكر مسبحة صلاة إلكترونية بصليب ذكي
- الأردن يدين الانتهاكات الإسرائيلية في المسجد الأقصى
- ما هي أبعاد تبني تنظيم -الدولة الإسلامية- إطلاق سراح عدد من ...
- التعايش الديني في مصر الإسلامية.. مخطوطة تظهر شراء راهبين لع ...
- المنح التعليمية بالحضارة الإسلامية.. موسيقي يرعى العلماء ومس ...
- أيتام تنظيم الدولة الإسلامية يواجهون مصيرا مجهولا
- منظمة التعاون الإسلامي تُدين اقتحام المسجد الأقصى المبارك
- -قناصة في الكنائس وأنفاق-... بماذا فوجئت القوات التركية عند ...
- مسيحيون يتظاهرون احتجاجا على غلق كنائس بالجزائر


المزيد.....

- ماملكت أيمانكم / مها محمد علي التيناوي
- السلطة السياسية، نهاية اللاهوت السياسي حسب بول ريكور / زهير الخويلدي
- الفلسفة في تجربتي الأدبية / محمود شاهين
- مشكلة الحديث عند المسلمين / محمد وجدي
- كتاب ( عدو الله / أعداء الله ) فى لمحة قرآنية وتاريخية / أحمد صبحى منصور
- التدين الشعبي و بناء الهوية الدينية / الفرفار العياشي
- ديكارت في مواجهة الإخوان / سامح عسكر
- الاسلام الوهابى وتراث العفاريت / هشام حتاته
- قراءات في كتاب رأس المال. اطلالة على مفهوم القيمة / عيسى ربضي
- ما هي السلفية الوهابية ؟ وما الفرق بينها وبين الإسلام ؟ عرض ... / إسلام بحيري


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - محمود شاهين - ألوهة المسيح وفلسفة الألوهة ( النص الكامل للكتاب )