أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - قراءات في عالم الكتب و المطبوعات - عماد حياوي المبارك - قوم الآنسة (بك كي)















المزيد.....

قوم الآنسة (بك كي)


عماد حياوي المبارك
(Emad Hayawi)


الحوار المتمدن-العدد: 4687 - 2015 / 1 / 10 - 19:52
المحور: قراءات في عالم الكتب و المطبوعات
    


((قوم الآنسة بكـ كي))

حين زاملنا العمال المصريين وعشنا معهم عن قرب في الثمانينات، أستغربنا للعبارات والكلمات النابية التي يستخدمونها فيما بينهم، فلم يصادف أننا سمعناها من قبل، ونحن الذين نقول بأننا ومن خلال شاشة التلفاز قد خبرنا لغتهم العامية الدارجة.
كل اللغات ومنها العربية، تتفنن في عبرات السب والشتم، وهي لغة مساعدة ـ فيما يبدو ـ لا يمكن التعرف عليها إلا من خلال معايشة المجتمع من داخله، ونحن العرب أصحاب لسان سليط ينقط أشد ما تتحمله حروف اللغة من ألفاظ بذيئة لم بألفها مستشرق أو دارساً لها إلا إذا خالطنا.

لا التاريخ ولا الجغرافية يتحدثان عن مآثر سيئة للخنزير ضد البشرية والإنسانية، فلم ينقل مرض الطاعون يوماً ولم يحدث أن أفترس أو حتى (نطح) أحداً، والأمراض التي ينقلها لنا سواءً خالطناه أو اقتدنا عليه، هي نفسها التي تنتقل عن طريق بقية حيوانات اللحوم الحمراء الداجنة مع فروق بسيطة، وليس ثمة ما يميزه عن سائر الحيوانات، سوى مناصبتنا العداء له وقذفه بكل صفات النجاسة والخباثة.
الخنزير ـ حقيقةً ـ مجرد حيوان خلقهُ الله كبقية خلقهِ، لكن هناك من البشر الذين يشغلون اليوم ثلث أركان الأرض، هم مَن يبيت له الضغينة والعداء الشديد، منها بلداننا العربية، فهل سمعتم أو عرفتم أسوء وأقذر من كلمة (خنزير)، وهل أكثر تحقيراً أن ننادي أحداً... بالخنزير؟
× × ×

قبل فترة اطلعت على بحث لصحفي معروف بجرأة الطرح أسمه (نضال الربضي)، يتحدث فيه عن الخنزير، ما له وما عليه.
ولم أعرف هل أن الموضوع أصلاً كان قد نُشر على صحيفة أم فقط على صفحات الانترنيت، وطرحه في الواقع قد دعاني للتساؤل، هل وصلت الجرأة (بنضال) الخوض في الدفاع عن الخنازير دون الخوف من المسؤولية أو المساءلة أو حتى الخِشية على موقعه الوظيفي؟

أما ما دفعني بالعودة إليه وأتمعن فيه وأقرر الاسترسال بالحديث عنه، هو مشاهدتي قبل أيام في أحد الأسواق هنا بهولندا لطفلة تحمل لعبة (سوفت) أي من القماش للآنسة الشقراء (بكـ كي)، وهي متعلقة بها لدرجة أنها تحتضنها بكلتي يديها وتقوم بشمها بقوة.

همتُ بخيالي وتذكرتُ الوسادة والشرشف وبعض اللعب التي نتمسك بها ولا نفارقها ولو دقيقة في صِغرنا، جميعنا كان له رفيقاً يلازمه كظله حتى بمنامه، وحين جاء وقت تحررنا من البيت وانطلاقنا بمفردنا لرياض الأطفال، عانينا لفراقه وبقائه في البيت لوحده، فرفقة كهذه تستمر أحياناً لعمر أكبر برغم أننا نبدأ ندرك بأنها مجرد لعبة لا أكثر.

برغم أن الخنزير حيوان (قمام) مثل الماعز والدجاج، له منخار قوي يمكن بواسطته تقليب الأرض بحثاُ عن الجذور والديدان، لكن تُصنع على شاكلته دمى وعرائس لها أشكالاً وألواناً جذابة للطفل، ورسومه نشاهدها مطبوعة على الكراريس وعلى حيطان رياض الأطفال وفي الأفلام المتحركة (الكارتون) وبعض ألعاب الطفل الألكترونية المحببة...

ومَن منا لا يتذكر مسلسل استعراض الدمى الأمريكي (موبيت شو) وهو يستضيف عمالقة السينما والغناء في أحاديث خفيفة الظل مع الدمى، وكيف تقوم الخنزيرة (آنسة بكـ كي) Miss Piggy بمطاردة الضفدع (كيرمت) من شدة وَلعها به.
ولا أعلم هل أن (بكـ كي) أسم (دلع) وتصغير مُشتق من كلمة خنزير (بك)، مثلما نطلق بالعربية: أرنوب على الأرنب وهيوشي على (الهايشة) ودبدوب...

https://www.google.nl/webhp?sourceid=chrome-instant&ion=1&espv=2&ie=UTF-8#q=muppet+show
(موبيت شو، استعراض الدمى)

ولأن الخنازير حيوانات (مربربة) مليئة الجسم ذات رأس كبير ورقبة وأرجل قصيرة، يُصنع حصّالات تماثلها، وأتذكر أنه كان لكل منا نحن الأخوة حصّالة (قاصة) بلون مختلف مصنوعة من البلاستك القاسي على شكل خنزير، تعلقنا بها جداً لدرجة أنها لمّا امتلأت بالنقود، عزّ علينا أن نفتحها برغم فضولنا لمعرفة ما فيها من (حلال)...
× × ×

اليوم في أوربا، تُربى الخنزير في البيوت حالها حال الكلاب والأرانب والقطط، ولا تبرحها مطلقاً، يعشقها الأطفال للحد الذي تـُـشاركهم المنام، كونها حيوانات داجنة أليفة وديعة مسالمة ودودة لأبعد الحدود، كما أنها تتعود حالها حال الكلاب والقطط، بأن لا تتغوط بالداخل ولا تلوث نفسها بالطين طالما جسمها ليس بحاجة لذلك.
إذاً ليس الخنزير حيواناً يستحق أن نمقته بدواعٍ شتى، حاله حال الغراب، الذي لا يحبه العرب، يكرهون لونه وصوته ويعتبروه مصدر شؤم، مع أنه يعتبر وديعاً ومحبوب في أوربا واليابان كأحد الطيور المستأنسة والمسالمة التي تحب العيش بين الناس أو بالقرب منهم فتأكل كل ما يأكلوه، أي أنها رفيقة للبشر وتحبهم، لكنها المسكينة لا تعلم بأن محبتها... من طرف واحد !

الغراب من الحيوانات الذكية التي يمكنها أن تعمل خطوات متتالية للحصول على غذاءها مثلما يفعل القرد، فهي ـ مثلاً ـ حين تنضج أثمار الجوز وتبدأ بالتساقط من الأشجار، تنقض على الثمرة حين ينفتح غلافها الأخضر الطري، فتقوم بالتقاط الجزء القاسي الذي يحتضن اللب وتطير به باحثة عن أرض صلبة لتقذفه من علو شاهق، فيتهشم وتحضي بأكلة لذيذة، وأحياناً تبذل جهداً أضافياً فتلتقط حجراً بمنقارها لتضرب به (الجوزة) في محاولة لفتح غلافها الصلب، التجارب يقوم بها العلماء اليوم لدفعها القيام بعدة إجراءات متتابعة...

وبعيداً عن الغربان وإعجابي بجدها واجتهادها وعدم تشاؤمي منها، دعونا نعود لما كتبه (نضال) عن الخنزير، وتبنـّـيه نوع من الدفاع عن هذا الحيوان (المكروه) ببلادنا، ولنعمل (هدنة) قصيرة مع هذا الحيوان لغاية الانتهاء من هذه المساهمة دون التوجس منه بحكم ثقافتنا المتوارثة ومحيط تربيتنا.
سأتناول البحث بطريقتي الخاصة، متوخياً جانب الحياد، مُستقياً غالبية المعلومات من الأخ (نضال) لكن بطريقتي الخاصة.
لنتحدث بهدوء ونتساءل: هل ظـُلِمَ وغُبِنَ الخنزير في بلداننا العربية... أم أنه محظوظاً كونه أصبح بعيداً عن سكاكين المجازر؟
وهل من أسباب لتحريم لحم الخنزير لدى بعض الديانات السماوية، اليهود والإسلام؟

اليهود يُحرّمون استهلاكه ويعتبرونه ضمن الحيوانات والطيور التي لا يُسمح بأكلها، أما الإسلام فيعتبره الحيوان الوحيد المحرم أكله كما خص كتابهم المقدس ذلك، بينما لم ينهِ عن أكل كافة لحوم الحيوانات الأخرى، عدا ما جاء في بعض الأحاديث النبوية الشريفة بتجنب استهلاك لحوم بعض الحيوانات من ذوات الأنياب كالكلاب والقطط والأسود والنمور والدببة وغيرها...
ولأن النهي عن (أكل) الخنزير ورد صراحةً لدى المسلمين بمرجعهم الرئيس، فقد أمتنعوا وابتعدوا عن هذا الحيوان لدرجة عدم تربيته أو لمسه واستخدام حليبه وعصاراته وحتى جلده وصمامات قلبه !
× × ×

لنقف على أسباب تحريم لحم الخنزير، حقائق وإشاعات وتخيلات وفتاوى، ولنبدأ بالتاريخ، ماذا يقول بحق هذا الحيوان ... المكروه البريء؟
لم يحدثنا التاريخ قبل نشوء الأديان شيئاً عن عدم أكل لحم الخنزير وحدهُ دون بقية الحيوانات، وكل ما حصلنا عليه أن الفراعنة قد حرّموا مشاركته طقوسهم الدينية مثلما حرّموا ختان الصبيان، ثم وصلنا أن اليهود قد حرموه وجاء الإسلام ونحى نفس المنحى دون ذكر السبب.

مسألة بدء نشوء الديانة اليهودية في كنف الفراعنة، يعطينا مبرراً لنهج المتدينين الأوائل من اليهود ذلك تجنباً لردة فعل سلبية من المجتمع ضدهم.
لكن الديانة اليهودية ذهبت أكثر فحرمت أكل الحيوان ذي المخالب، وحللت أكل الحيوان ذي الظلف شريطة أن لا يجتر كالحصان والحمار والجمل، أو غير شاق له كالأرنب، وعليه فما تبقى لهم... الغنم والماعز والبقر والغزلان ومن لف لفها.
ويحرم اليهود كذلك، أكل الطيور الجارحة (آكلة اللحم) كالبوم والعقاب والنسر والصقر، ويحرم الحيوان البحري لو لم يكن له زُعنفة، لماذا ؟؟

تحاول الأديان الابتعاد عن أكل الحيوانات آكلات اللحوم ما أمكن، ربما لأمان تربية الحيوانات العشبية وسهولة اصطيادها...
لكن هذا ليس كل شيء والحجة ضعيفة، فلو كان ذلك سبباً في تحريم حيوانات معينة في دين سماوي كاليهود، لماذا حُرّمَ الأرنب وهو آكل عشب، اقتصادي بتربيته ويتكاثر بسرعة وكل ما يحتاجه، جحور في الأرض وحماية.
ولماذا يحرمون الحيوانات المجترة كالجمال، فما الضرر في اجترار الطعام، وهل من خطر على صحة اليهودي في ذلك علمياً؟
ولماذا حرام أكل الجمبري لأنه من السابحات ليس من ذوات حرشفة أو زعنفة، هل من أسباب يا دين اليهود، أو حتى سبب واحد؟

لا توجد حكمة ذكرتها الأديان صراحة، ولا من سبب منطقي، صحي أو اجتماعي أو بيئي أو طبيعي أستند عليه الدين بتحريم حيوان وتحليل آخر، سوى تبريرات واجتهادات تذهب بحظ بعض الحيوانات العاثر لتحليل أكلها !
ولو كانت هنالك أسباب تُحرم أكل طائر أو سابح أو راجل من الحيوانات، لِمَ لا تـُحرّم نباتات إذاً وتـُـذكر صراحةً، أليس بعضها يقتاد على حشرات أو يتغذى على روث ومخلفات الحيوان، فحلال أكل زرع ينمو على براز حيوان، في وقت لا يحق أكل لحم الحيوان نفسه !
وإن كنا نناقش الدين اليهودي لكثرة مُحرماته، فيمكننا عن الإسلام حصر الموضوع بحيوان واحد هو الخنزير، وسنأتي على ذلك بتركيز أكثر، فالقرآن الكريم ـ كما ذكرنا ـ حرّم كما التوراة لكنه حلل ما حرم التوراة، والاثنين كلام الله سبحانه، لماذا (الله) يحلل بدين ما يحرمه بآخر؟
والدين المسيحي يُحلله وتقوم أوربا بأكله.

لنـُخرج إذاً الخنزير من (قفص التربية) لدى المسيحيون ونضعه في (قفص الاتهام) أمام اليهود والإسلام، ولندخل بمحاكمة علنية بين فقهاء الدين من جهة، ونمنح الخنزير (لساناً) في الدفاع عن نفسه...

فقهاء الدين: يحتوي لحمك على ديدان تتسبب بأمراض خطرة.
الخنزير: جميع الخراف والماعز والأبقار تُشاركني حَمل نفس الأمراض بالضبط، وحليبنا يحمل نفس البكتريا، ولو تكون تربيتنا بأماكن نظيفة معقمة، ولو يُغلى حليبنا جيداً ويُبستر، ولو يتم ذبحَنا تحت إشراف طبي، ويُطبخ لحمنا بصورة تامة، فلا مجال لبقاء الديدان والميكروبات، ولا صحة لمقاومة أي مخلوق درجة غليان الماء مهما تكيّس أو تكيّف... تجنبوا الجنون إذاً ولا تأكلوا لحوم البقر !

الفقيه : أنت حيوان قذر.
الخنزير: أنا لست بقذارة بعض الحيوانات والطيور التي تأكلونها، المسألة أنني لا أمتلك غدد تفرز العرق، أتمرّغ بالطين لتبريد جسمي حالي حال كثير من الحيوانات كالتماسيح وفرسان النهر والأفيال وغيرها، على فكرة فاني لا أتبرز إلا في زاوية منعزلة وليس بمكان أقوم بالأكل فيه كما يفعل غيري، لأني كما يقول علمائكم من الحيوانات الذكية، الدجاجة السائبة قذرة وتقتاد على القُمامة، وأنتم تعشقون لحمها.

الفقيه : أنت لا تغار على أنثاك !
هو: هذا كلام تافه ولا يستحق الرد، من السخافة الحديث عن الأخلاق لدى الحيوانات، ففيهم من ينكح أخته دون اكتراث، وهي شريعة الله زرعها فيهم للمحافظة على النوع، نحن لا نتعامل مع الصفات، كالأنوثة والرجولة والخيانة والغدر، ولو كنا نمتلكها، لتخلينا عن سيئها وحافظنا على حسِنها أكثر منكم.
ألم تأكلون الخروف وهو يتزوج جملة إناث، وتأكلون الإناث التي تذهب بنفس الوقت تتزاوج مع غيره، فهل ذكورهم فاسدة وهل إناثهم بغايا في عرفكم ؟
الديك والأسد يتزوجان بجملة دجاجات ولبوات، ثم يتركانهن لغيرهما طالما غلباهما في الصراع على موقع الأشجع بين الذكور، فيصطففن خلف الذكر الجديد أياً كان، ليس برغبة منهن، بل هذه لعبة الحياة، فهل الذكر الذي يتخلى مُكرهاً عن إناثه مذنباً أم الأنثى التي تُغيّر ذكَرها تصبح ساقطة وخائنة؟ عاقبوها إذا واقطعوا رأسها قبل أن تلد لقيطاً، لتنقرض الخراف والدجاج من الوجود ولتجوعوا!

هم: من يأكل لحمكم لم يَعُد يغار على زوجته.
الإجابة: كم أنتم تافهين، لأن كل رجالكم سيكونون (ديوكين) ويتخلونَ عن زوجاتهم للخصم بمجرد خسارة جولة في نزال.
لو يكسب البشر سلوك الحيوان الذي يأكله، لِمَ لا يكتسب أشياء أخرى؟ ينبت لكم الريش والصوف، ستصبحون أضحوكة، وربما سترغبون ـ أيها الرجال ـ لو أكلتم لحم الخروف في مضاجعة نعجة!

... ويُنهي الخنزير مرافعته العلنية: مثلما أنتم خلقكم الله بشر، قانونكم قانون بشر، لنا نحن أيضاً قواعد وأنظمة، من يقتل منا مخلوقاً آخراً، لا يقتله لأجل التسلية أو الغدر ولا من أجل تغذية الصراعات بأسلحة فتاكة صنعتموها بأنفسكم لا يسلم منها حيوان في أرض أو بحر، نحن نقتل بعضنا بأسلحة خلقها الله لنا من أجل ديمومة الحياة والتوازن في الطبيعة.
فلو لم تأكل الدببة القطبية البيضاء أسماك السلمون خلال هجرتها عكس التيار، لكَثرت الأسماك وقل غذائها وضاقت بها أعالي الأنهار، في وقت سيجوع الدب ويموت لأنه لا يستطع تخزين طبقات من الشحم تُغذيه وتقيه برد شتاء قُطبي طويل... ومع هذا فإنكم وبصيدكم الجائر لأسماك السلمون، تهددون الدب القطبي بالانقراض.
× × ×

نعود الآن إلى فهم حقيقة (كره) الخنزير، لحمه وسلوكه، لماذا؟
العلم وبجميع طبقاته وفروعه، لم يضع إجابة ولو واحدة لذلك، وهو لا يدخل ـ كعادته ـ بأي نقاش عقيم مع الدين، وإلا سنعود لغابر الأزمان وقصة نشأة الكون وخلقْ الله له كما يقول الدين أو ديناميكية تكوينه التي يبحث العلم عن تفاصيلها بكل جدية.

العالَم يستعين اليوم بالخنزير في استبدال صمامات قلوبنا، فتشريح قلبه هو الأقرب لقلبنا الذي يكظم غيظاً له لدرجة مقتهِ، والأنسولين يُستخرج من معدة الخنزير، كما يُنصح رجال الإطفاء بشي لحم الخنزير كي يمكنهم تمييز رائحة لحم البشر المشوي في عمليات الإنقاذ، لأن رائحة شي لحمه هي الأقرب لرائحة لحم الإنسان المصاب لتوهِ بحروق شديدة.

من هذه النافذة، يمكننا أن نتوصل لأحد أهم أسباب أن الإنسان ومنذ فجر السلالات حين هجر حياة الغابة وأنفتح على التمدن والعيش بالمدينة، أراد أن ينسى أنه كان يوماً يأكل لحم أخيه، ولما كانت رائحة شي لحم الخنزير تُعيده لأن يتذكر أسلافه من آكلة لحوم البشر، فأبتعد حينذاك عن لحم الخنزير مُبشراً الأجيال اللاحقة بأنه قد دخل عصراً جديداً.
وسنكون قريبين من هذه النقطة أيضاً، فأن معتقدات بعض الشعوب تُفضّل عدم ذبح الخنازير، لأن صراخها عند الذبح تقترب من صوت صراخ الطفل، فيعيدهم ذلك لمشهد التضحية بالأبناء في بعض الحضارات إرضاءً للآلهة، تلك اللحظات العصيبة التي يعيشها الآباء حين يُقدّمون أبنائهم قرباناً فيتصارخون أمامهم من شدة الخوف أو الألم !

إذاً مجرد الرجوع لأفكار ومعتقدات ورواسب الماضي، والعودة لسلوك أقوام كانت لا تعرف التحضر بعد، تُعد بعض أسباب معاداة هذا الحيوان، ونحن إذ نتجنب التعامل معه، ـ أؤكد التعامل معه ـ إنما نرث تركة أسلافنا الثقيلة.
ومع أن أطباءنا وفقهائنا ومثقفينا قد أجمعوا على أن الخنزير يبعث على النفور ويتحلى بكل ما هو سيء، لكن لم يصدر عن أمثالهم في بلد أوربي أو أمريكي ما يؤيد أياً مما ذهبوا إليه، بدليل أن تربيته واستهلاكه مستمر، كما أن صحتهم وأخلاقهم و(رجولتهم) هي أيضاً مازالت بأحسن ما يرام !

بعيداً عن رأي الأديان أو التخندق مع أو ضد الخنزير، فإن الشعور بالذنب لقاء سلوك إسلافنا الذين حللوا ما نحرمه اليوم، لا يعني أننا يجب أن نحرم ما حللوه، ولو فعلنا ذلك، فهو أمر لا يعفِنا من ذنوب نقترفها الآن بحق بعضنا وبحق كل ما ينمو ويعيش على الكرة الأرضية الجريحة.

فمجرد هذا التكاثر المجنون في أعداد البشر، وتضاعف عددنا عدة مرات خلال قرن واحد من الزمان، إرضاءً لشهوة الشركات العملاقة ببيعنا سلعها الاستهلاكية بهدف التربح، هو بحد ذاته جريمة يجب أن نـُحاسب أنفسنا عليها.
فما مبرر أن يتكاثر كل زوجي بشر بعشرة أضعافهم ؟
وهل من رادع لهذا الشعور الحيواني بالرغبة بالتكاثر ؟

وهل من عقوبة لشيخ مُسن يسكن كوخاً يسيطر عليه بالقوة، وينجب تسعة بنات من زوجته، ليتزوج بأخرى ويعاود المحاولة الحيوانية عسى أن يزرع في رحمها الولد المنشود، ألم يستوجب محاسبته وهو على أبواب قبره؟ ولمن سيبقينَ بناته من بعده، وماذا سيحصل لهن في الغد القريب سوى أن يصبحن لقمة سائغة للمجهول؟ وكيف أرتضى والد (العروس) الشابة الضحية وكيف أقنع ضميره بتزويجها لهذا الشيخ المتخلف المفلس؟؟
لو يتسنى لنا إحقاق الحق، علينا إخراج الخنزير ووضع هذين الرجلين في القفص بدلاً عنه، فمشهدهما يبقى يتكرر في بلدان تُحرم أكل الخنزير، بينما لا تسعى لـ (مكافحة) هذه السلوكيات.

ألَم يكن من الأفضل لو نتجه لسن قوانين صارمة تحد من تكاثرنا على حساب صحة الأرض وحيواناتها ومواردها، بدلاً من التزامنا عِداء وتحقير حيوان، لننتبه نحن بنو البشر لأنفسنا، ما لنا وما علينا، وأن يعِظ الإنسان أخيه الإنسان في ما هو خير البشرية، ليس أن يبحث بأمور تافهة، كالذي (حارَ) في الإجابة عن سؤال واحد، بعد أن (خَبِرَ) على ما يبدو كل مفاصل الحياة وحلّ مشاكلها...
ـ هل حلال أن يأكل السمكة التي تموت في الماء خلال اصطيادها؟

أنا شخصياً أتناولها دون انتظار فتوى تحليل ذلك من تحريمه!

عماد حياوي المبارك





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,554,102,015
- قضية أمن دولة!
- مجرد كلام قادسية الذبان
- صرخة الحبانية
- شمسنا الغالية
- دعوة سياحية
- غضب سانت هيلنز
- هل تخلع (أنتركتيكا) ثوبها الأبيض؟
- سيفن فل يُشهرْ
- جرذ... جرذين... جرذان
- عقول من تراب
- طوكيو تحت الصدمة
- وصيّة البابا البطران
- طليان
- صغيرة على الحب
- هدم زبناء
- حياة متألقة ووفاة هادئة
- الورث الذي سأتركه
- أغضب ... كما تشاء
- المايسترو
- الرجل الذي يعرف قدر نفسه


المزيد.....




- سفن حربية روسية تطلق صواريخ كاليبر المجنحة في البحر الأبيض ا ...
- الجيش السوري يدخل -تل تمر- مقتربا حتى 20 كم من الحدود التركي ...
- الاحتفالات تعم تونس بعد ترجيح استطلاعات رأي فوز قيس سعيد في ...
- قيس سعيّد رئيسا جديدا لتونس بعد فوزه بأكثر من 75% على منافس ...
- مع توسع العملية التركية.. الوحدات الكردية تفتح مناطقها لقوات ...
- غارات ليلية لسلاح الجو السوري والروسي تدمر 3 مقرات للنصرة بر ...
- قيس سعيّد رئيسا جديدا لتونس بعد فوزه بأكثر من 75% على منافس ...
- العملية التركية في سوريا: الأكراد يتوصلون لاتفاق مع الجيش ال ...
- كيف تواجه التهاب الحلق لدى طفلك؟
- الانتخابات الرئاسية التونسية... الشعب اختار رئيسه الجديد بعد ...


المزيد.....

- دستور العراق / محمد سلمان حسن
- دستور الشعب العراقي دليل عمل الامتين العربية والكردية / منشو ... / محمد سلمان حسن
- ‎⁨المعجم الكامل للكلمات العراقية نسخة نهائية ... / ليث رؤوف حسن
- عرض كتاب بول باران - بول سويزي -رأس المال الاحتكاري-* / نايف سلوم
- نظرات في كتب معاصرة - الكتاب الأول / كاظم حبيب
- قراءة في كتاب - دروس في الألسنية العامة / أحمد عمر النائلي
- كارل ماركس و الدين : قراءات في كتاب الدين و العلمانية في سيا ... / كمال طيرشي
- مراجعة في كتاب: المجمل في فلسفة الفن لكروتشه بقلم الباحث كما ... / كمال طيرشي
- الزمن الموحش- دراسة نقدية / نايف سلوم
- قراءة -المفتش العام- ل غوغول / نايف سلوم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قراءات في عالم الكتب و المطبوعات - عماد حياوي المبارك - قوم الآنسة (بك كي)