أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبد الله عنتار - منزلنا الريفي (62)















المزيد.....

منزلنا الريفي (62)


عبد الله عنتار

الحوار المتمدن-العدد: 4608 - 2014 / 10 / 19 - 20:54
المحور: الادب والفن
    


سفرياتي خلال الطفولة

لا عهد لي بالطفولة، لكن كل ما أراه هو أحداث بعيدة فقدت أثرها مع توالي الأيام، فخلال الطفولة لم يكن هناك وعي بالطفولة، ولكن كان هناك حلم الطفولة من أجل تجاوز الطفولة، عندئذ سنكبر ونغادر الطفولة، لو كان هناك وعي بالطفولة لسجلنا كل أحداثها، ورفضنا رفضا تاما أن يمضي كل ذلك الشغف إلى العلم والحياة والمعرفة، غير أن الوعي كان سيقضي على هذا الإقبال في تلقائيته وعفويته، ألم يقل هذا الفيلسوف شوبنهاور ؟ بلى ! فالوعي هو مصدر تعاسة الإنسان، فالأفضل له أن يغيب وعيه لكي يكون سعيدا، حينئذ سيصل إلى النيرفانا، أي إلى السعادة التامة، ولكن كيف يمكن للإنسان أن يستشعر سعادته أو شقاءه في غياب الوعي؟ إن هذا السؤال غاب عن هذا الفيلسوف على اعتبار أن الإنسان هو مقياس كل شيء، فهو الذي يقيس قبحه وجماله، وشره وخيره، ومن ثمة فالإنسان – الطفل هو الذي يقيس طفولته بأحداثها وأفعالها، صحيح أن الوعي غائب في هذه المرحلة، ولكن الذاكرة تشتغل، فهي تسجل كل الأحداث، وتدون كل الفصول، إنها تعكس نظرة إلى الذات، همسة إلى العالم مشكلة صرخة الوجود بكل حرقة وعنفوان، فقدرنا هو أن نوجد، ونواجه آفة العالم وتغوله باللغة، بالصراخ، بالكلمات، بالأشياء ...
1- في طريقي إلى الطاحونة
كنا رحلا، استوطنا في الضفة اليسرى للوادي، خلال الصباح، كنا نتوجه بالأغنام صوب الحصيدات، وفي الزوال نأخذها إلى الوادي، عندئذ يمكننا السباحة، بعدها نعود أدراجنا إلى العشات، فنتناول وجبة للغداء، فننام برهة، ثم نعود إلى المرعى، هذا هو منهجنا الرعوي خلال العزيب، لكن يكتنف هذا المنهج عدة أحلام كأن نصبح صحافيين، أو أساتذة، أو محامين ..كنا نحلم، وبين براثن الفاقة كنا نأمل آمالا بعيدة، كثيرة هي حالات الإحباط، فخالي عبد السلام كان ينظر إلينا دائما كرعاة للمستقبل، فهذا هو قدرنا وينبغي أن نستسلم له، أما السفر بعيدا في عالم الحلم لا يبدو في نظره سوى هراء، فكان يقول لي دائما : (يا ولدي ! أنصحك ألا تفكر بعيدا، فالذي يفكر بعيدا يصاب بالجنون)، ورغم ذلك كنت أحلم، أحلم كمدرس للأغنام، كنت أرتبها كما يرتب المعلم التلاميذ، كانت هناك النعاج المجتهدة والنعاج الكسولة، لهذا كنت أفصلها وأتعامل مع كل عينة بطريقة خاصة، فأكن لكل واحدة احتراما خاصا مادامت تحترم القواعد المعمول بها في الرعي، كأن تخرج في الصباح من الزريبة بانتظام، وتتوجه إلى المرعى، وألا تداهم الحقول المحترزة، وأن تتيح لي اللعب مع رفاقي كرة القدم أو حابة أو غمالة أو الغميضة، أو التحرش بالفتيات، أو قراءة كتاب معين، أو متابعة مباراة على أمواج الإذاعة...
رغم ما قاله خالي عبد السلام، فإن هناك بعض الشيوخ يحلمون، لكن أحلامهم قريبة شأنهم في ذلك شأن بعض الأطفال، فخالي المكي كان يفكر دائما في بقرته السوداء من أجل أن تلد له عجلا في غضون رمضان، أما الراعي شعيبة فدائما يفكر في كبشه، إنه يريده أن يصبح كبشا سمينا من أجل أن يبيعه بثمن غال خلال عيد الأضحى، كلهم يحلمون، حتى حنان تلك الفتاة الرشيقة تحلم أن أكون زوجا لها، تريد أن نكون زوجين لما نكبر، بينما فتيحة ترى نفسها دائما فوق العمارية، والجموع تصفق من حولها، لكن في حلمها يغيب فارس الأحلام، في الرعي، أثناء لحظات الصمت التي تعتلجه، يبزغ الحلم بين شفا الروتين والسكون المتوحش، فطالما كنت أحلم، غير أن حلمي كان بعيدا، كنت أريد أن أخرج، أن أرحل بعيدا، صحيح أن الرعي هو ديدني، هو الهيام في الأفق، لكن الرعي في غياب حنان يضيق ككهف مظلم، كنت أرى نفسي محشورا في سجن أرضي عميق، فحنان كانت تحضر، بيد أن غيابها أكثر من حضورها، فيبقى حضورها هو بلسم الوجود، هو كوة النور في الظلام الدامس .
ذات مرة، رافقت أمي إلى الطاحونة، أذكر أنه الخريف عمر في رحلتنا هذه، وحفيف الأشجار حلق على مسامعنا، أول مرة أخرج من بني كرزاز، أقتحم لجة أرض أخرى برموزها وأسمائها. كانت حوافر الحمير ترن على مسامعنا كزخات المطر، وعلى طريق الثلاثاء الزيايدة عثرت على كاري، رأيته من بعيد، فحلمت كثيرا، حلمت أنني سأصبح صيادا يطارد الطيور كما سأهدد به الرعاة. وأنتقم من الخرفان المتمردة، ها أنا أصبحت رجلا كاملا، يمكنني بواسطة هذه الأداة أن أصبح عنصرا مهما داخل جماعة الرعاة، لا أحد سيحتقرني، أو يجبرني على رعي أغنامه رغما عني. لا أحد !
الكاري هو تلك الأداة التي تتكون من جلد مربوط بشكل جيد مع خشبة متفرعة إلى قسمين، بواسطتها سأصبح شخصا آخرا، فإذا أراد الشخص أن يتغير عليه أن يركب المجهول، لقد خرجت من بوتقتي، وسرت صوب عالم آخر، هذا العالم هو الطاحونة بضجيجها المقرع للآذان، وفي فحوى ركوبي عثرت على كاري، هكذا كنت أحلم، وكان بطل الحلم هو طفلي.
2- لماذا الوادي لا يأخذني معه ؟
في أتون الصيف، في كنف الأسرة، بين لحظات الاغتراب، ومشيا خلف القطعان، كان الطوق يحرسني من كل الواجهات، وتلفني الحقول، لم أكن أجد أي طريق يأخذني إلى هناك، فقط يأخذني إلى هنا، تلوح جميلة في البعيد، لكن الأشواك مزروعة في كل السبل، هكذا يسربل الخيال بعيدا، فأنام بين الحصيدة تاركا هيامي يسرح في الأفق.
كانت كرزاز تقطع حياتها في صمت مطبق، فجأة التمعت عاصفة هوجاء، قذفت الصخر والبشر والزرع، وقادته نحو العدم، نمت بين أحضانها، فقبلتني، وكنت أنا شجرة الحياة .
3- الحي الصفيحي
أذكر جيدا ذلك الحي الصفيحي، لأنني لم أعش فيه لحظات قليلة، بل عشت أتراحه وأفراحه، لقد حصل هذا في الطفولة الغابرة، أما ويكفيني ترددي الدائم عليه ؟؟ إنني أتذكر تلك البراكات المتراصة، والأكواخ المتراكمة، ومياه الصرف الصحي التي تجوب الشوارع، فحينما يهطل المطر تجرف المياه كل شيء، فيبكي الأطفال، وتترنح النسوة، ويتذمر الشيوخ، أما في الصيف، فالحرارة المفرطة تحول الأكواخ إلى حمام مفعم بالنتانة، بينما الذباب يشيد أوكاره مع ميلاد الحي، فأصبحت لسعته عادية كلسعة التهميش الممنهجة من طرف النظام المخزني القائم.
يبقى الحي الصفيحي منطمرا في ذاكرتي، لأنه جزء من كينونتي، فالأكواخ مشيدة في ذاكرتي شأنها في شأن الأفراد، فهذا حليم ابن خالتي في عامه الرابع عشر يجر برويطته محملة ببراميل وقارورات فارغة، وكلما تحركت إلا وأحدثت صوتا يفرقع الآذان (غيط...غيط...). كنت أسير خلفه كذيله، لم يكن يكلمني، كان يرفض مجيئي معه، وخاصة عندما سقطت في البركة المائية المجاورة للسقاية. منذ ترددي على الحي الصفيحي لم أعاين حليم ضاحكا، بل كان متشائما على الدوام، كان يرى نفسه كذبابة واعية انفصلت عن قطيع الذباب المدجن، لقد تركه والده السكير يواجه وحشية العالم، فكان يكره نفسه وحياته، بل حتى نعاله البلاستيكية الممزقة. أثناء ذهابنا إلى السقاية، كان حليم آلة صماء، كنت أسأله، فلم يكن يجبني، كان يريد أن أكتشف العالم لوحدي، أن أتألم كما تألم هو منذ أربعة عشر عاما، غير أن سؤالا بقي ماثلا أمامي : لماذا هؤلاء الناس يعيشون في هذه القاذورات ؟ أو ليس من حقهم أن يعيشوا في تلك العمارات المجاورة للبحر ؟؟ سكت حليم، وعند وصولنا صعدت فوق السقاية، فعرفت نفسي أنني قريب من قصور وفيلات الرباط .

عبد الله عنتار/ 19 أكتوبر 2014/ المحمدية – المغرب





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,359,627,004
- منزلنا الريفي (61)
- منزلنا الريفي (60)
- شمس الخريف
- كئيب الروح والحياة
- منزلنا الريفي (59)
- زهرة الناي
- منزلنا الريفي (58)
- منزلنا الريفي (57)
- رحلة إلى فضالات ...غبن يرتدي معطف الاستحمار
- منزلنا الريفي (56)
- رحلة إلى بوزنيقة ...رحلة بين أحضان الرعاع
- على شاطئ الموت
- دموعي من دموع غايا *
- أحلامي المقصوصة - قصيدة شاعر كرزازي مجهول
- منزلنا الريفي (55)
- رحلة بطعم الهدر
- قريتي العائمة
- أولى المحاولات
- رحلتي أنا و زيزو : بحث عن المواطنة الضائعة
- هارب من المنفى


المزيد.....




- جوني ديب: كنت ضحية لاعتداءات أمبر هيرد خلال زواجنا
- الروائية العمانية جوخة الحارثي.. أول شخصية عربية تفوز بجائزة ...
- في محاولة لوقف الانفجار.. اجتماع عاجل لحكماء البام
- جوخة الحارثي أول شخصية عربية تفوز بجائزة انترناشيونال مان بو ...
- -سيدات القمر- للعمانية جوخة الحارثي تفوز بـ -مان بوكر الدولي ...
- العثماني: الحكومة ستواصل تنزيل مختلف الأوراش الإصلاحية الهاد ...
- العثماني: التعليم قطاع حيوي ومدخل أساسي للإصلاح
- 3 جوائز فضية لـ RT، و-تعلم الروسية مع ناستيا- يحصل على البرو ...
- المخرج المغربي علاء الدين الجم يدشن تظاهرة أسبوع النقاد في م ...
- جون ويك في صدارة إيرادات السينما الأمريكية


المزيد.....

- النقابات المهنية على ضوء اليوم الوطني للمسرح !! / نجيب طلال
- الاعمال الكاملة للدكتور عبد الرزاق محيي الدين ج1 / محمد علي محيي الدين
- بلادٌ ليست كالبلاد / عبد الباقي يوسف
- أثر الوسائط المتعددة في تعليم الفنون / عبدالله احمد التميمي
- مقاربة بين مسرحيات سترندبيرغ وأبسن / صباح هرمز الشاني
- سِيامَند وخَجـي / عبد الباقي يوسف
- الزوجة آخر من تعلم / علي ديوان
- عديقي اليهودي . رواية . / محمود شاهين
- الحبالصة / محمود الفرعوني
- لبنانيون في المنسى / عادل صوما


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبد الله عنتار - منزلنا الريفي (62)