أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - عبد المجيد إسماعيل الشهاوي - علوم الإنسان والأديان



علوم الإنسان والأديان


عبد المجيد إسماعيل الشهاوي

الحوار المتمدن-العدد: 4516 - 2014 / 7 / 18 - 00:45
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


يقول علم نشأة الإنسان، الأنثروبولوجيا، أن نشأة الإنسان قد سبقت بآلاف السنين نشأة الأديان. فإذا كان كذلك، يكون الإنسان هو منشئ أو خالق الأديان، أو أن تكون الأديان حقيقة عرضية غير حتمية مترتبة على النشأة البشرية السابقة وبالنتيجة المنشئة لها. في المقابل يدعي علم اللاهوت، الفقه، أن العكس هو الصحيح: أن الأديان قد سبقت وجود الإنسان على الأرض، بل حتى قد سبقت الوجود الكوني كله لما بقيت طي المشيئة الإلهية في اللوح المحفوظ قبل ما لا يحصى من السنين من خلق السموات والأرض.

في جانب جوهري منه الدين يرادف ’الغيب‘، الذي يعني كل ما تعجز وسائل العلم لدى البشر عن كشف أسبابه وغاية وجوده. مثل هذا الوضع حيث لا تستطيع الوسائل المعرفية لدى البشر أن تقف بدرجة معقولة ونافعة عملياً على أسباب ما تتعرض له في حياتها من ظواهر كونية وإنسانية متنوعة ومتغيرة قد يستحق تسمية أخرى- ’الجهل‘. فإذا كان كذلك، يكون الغيب هو كل ما تقف أمامه وسائل العلم البشرية عاجزة وعديمة الحيلة ودون تقديم إجابة شافية، مثل حقائق الموت والحياة والغاية النهائية من دوران الكون...الخ. لكن، من ناحية أخرى، أن يكون الغيب جهل لا يعني أن يكون كل جهل غيب لأن هناك دائماً أشياء كثيرة يجهلها الإنسان ولا يعلم أنه جاهل بها، لأن وسائل إدراكه لم تصل إلى معرفة وجودها بعد. هكذا الدين يقوم في جوهره على الغيب، والغيب جهل، لكن في الوقت نفسه ليس كل جهل جدير بأن يكون غيباً. وثمة حلقة ناقصة لا تزال.

النبي. هو هذا الشخص الذي يدعي بوسيلة أو بأخرى علمه بما قد عجز الآخرون عن معرفة أسبابه وغاياته. وهنا لا يشكل محتوى ادعاءاته، من حيث صدقها أو كذبها، أهمية تذكر؛ إنما الأهمية الأكبر تتركز على قدرة هذا المدعي، بوسيلة أو بأخرى، على أن يكسب تصديق (إيمان) هؤلاء الآخرون بصحه ما يدعيه. هنا يكمن الفارق الجوهري الحاسم بين العلماء والأنبياء، حيث ينصرف عمل أدوات الإثبات والتكذيب إلى محتوى ادعاءات الأوائل بينما ينصرف إلى شخوص الآخرين دون ادعاءاتهم؛ فإذا استطاع رجال الدين بوسيلة أو بأخرى أن يكسبوا ثقة الآخرين في شخصوهم سوف يكسبون بالنتيجة ثقتهم (إيمانهم) في صدق ادعاءاتهم بالمعرفة، بوسيلة أو بأخرى، بما قد غاب عن علم المؤمنين أو ما لا يزالون يجهلون أسبابه وغاياته. ولأن بؤرة تركيز هذه العلاقة الشخصانية تنصب على شخصية المدعي ذاته أكثر منها على محتوى ادعاءاته، كانت النتيجة دائماً لا تفضي إلى كسب أي علم جديد بأسباب الظواهر المغيبة أو المجهلة على الإنسان بقدر ما تفضي إلى مزيد من الإيمان- وضع ثقة عمياء في شخوص الأنبياء والفقهاء وادعاءاتهم حول شخوص وظواهر غيبية قد استعصت معرفتها على وسائل الإنسان، دون الالتفات إلى صدق أو كذب هذه الادعاءات في حد ذاتها وبمعزل عن مدعييها.

هكذا الدين يعتمد على الغيب، والغيب جهل حتى لو لم يكن كل جهل غيباً، ورجل الدين هو هذا الذي يزعم العلم بأسرار هذا الغيب أو الجهل عبر كسب تصديق الآخرين لشخصه دون إثبات لصدق مضمون ادعاءاته. وكذلك العلم يستهدف الغيب والجهل لكن بأدوات مختلفة. العلم، عكس الدين، يجعل ادعاءاته حول ما لا يزال مغيباً أو مجهلاً عن معرفة الإنسان هي ذاتها بؤرة تركيزه وموضع إثبات التصديق أو التكذيب، لا شخوص العلماء أنفسهم. لذلك بينما يتخذ الدين من العبادة الإيمانية وسيلة أساسية في معالجته للغيب والجهل، يتبع العلم المنهجية الموضوعية التي يستطيع كل مختص أو مهتم آخر إعادة إجرائها والتحقق بنفسه من مدى صدقها أو كذبها، باستقلال كامل عن شخصية واضعها.

إذا كان الأمر كذلك، فقد يجوز القول أن العلم والدين هما مثل تضاديات الليل والنهار، الحياة والموت، الموجب والسالب، النيترون والبروتون...الخ، وجهان لعملة واحدة ونفس العملة- الحياة. هما في حالة صراع ديالكتيكي دائم الحركة وتغير النسب؛ فكلما زاد رجال العلم من التحدي بتعرية مساحات أكثر من الغيب والجهل- حيز النفوذ التقليدي للدين- أتت استجابة رجال الدين أخيراً بعد طول مقاومة وعناد بنقل منطقة النفوذ إلى أرض أخرى لا تزال غائبة ومجهولة عن الخريطة العلمية، لينتقل إليها الصراع مجدداً حتى يرحل آخر الفقهاء بحثاً عن أرض بكر لا تزال خصب بالغيب والجهل. وهكذا سوف يستمر الصراع قائماً طالما بقيت مساحات كبيرة من عقل الإنسان وكونه تغطيها ظلمة الغيب والجهل ويقف أمامها العلم عاجزاً عن تقديم إجابة شافية؛ أو قد يكون الدين، في إساءته استغلال الغيب وجهل الآخرين، هو ذاته تحدياً محفزاً لنشاط العلم.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,470,639,841
- تبضيع الأنثى
- لعبة الثعبان والفأر
- سويسرا الشرق؟!
- جمهورية كردستان الديمقراطية
- آفاق الديمقراطية في البيئة الصراعية العربية
- العلمانية في الإسلام
- هل صليت على النبي اليوم؟
- المرأة والأقليات العربية بين التحرير والتمكين
- ديمقراطية التوحيد الإسلامية
- جدلية الوحي والتاريخ (10)
- جدلية الوحي والتاريخ (9)
- جدلية الوحي والتاريخ (8)
- جدلية الوحي والتاريخ (7)
- جدلية الوحي والتاريخ (6)
- جدلية الوحي والتاريخ (5)
- جدلية الوحي والتاريخ (4)
- جدلية الوحي والتاريخ (3)
- جدلية الوحي والتاريخ (2)
- جدلية الوحي والتاريخ (1)
- العقل الفقهي وتنصيص الواقع


المزيد.....






المزيد.....

- التربية والمجتمع / إميل دوركهايم - ترجمة علي أسعد وطفة
- العلاج بالفلسفة / مصطفي النشار
- مجلة الحرية العدد 3 / محمد الهلالي وآخرون
- كتاب الفيلسوف بن رشد / عاطف العراقي
- راهنية العقلانية في المقاولة الحديثة / عمر عمور
- التطور الفلسفي لمفهوم الأخلاق وراهنيته في مجتمعاتنا العربية / غازي الصوراني
- مفهوم المجتمع المدني : بين هيجل وماركس / الفرفار العياشي
- الصورة والخيال / سعود سالم
- في مفهوم التواصل .. او اشكال التفاعل بين مكونات المادة والطب ... / حميد باجو
- فلسفة مبسطة: تعريفات فلسفية / نبيل عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - عبد المجيد إسماعيل الشهاوي - علوم الإنسان والأديان