أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - بيرم ناجي - راشد الغنوشي و -النموذج التركي-: حقيقة الاسلام الاخواني التونسي.















المزيد.....



راشد الغنوشي و -النموذج التركي-: حقيقة الاسلام الاخواني التونسي.


بيرم ناجي

الحوار المتمدن-العدد: 4444 - 2014 / 5 / 5 - 20:11
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    



مقدمة:

ان النموذج هو عادة مثال ايجابي .وهو مثال يسعى الناس إلى تقليده لما فيه من مصلحة الارتقاء بالواقع على هدي ذلك النموذج الذي يفترض أن يكون أفضل منه. و قد يكون النموذج رؤية نظرية لم تجرب بعد لا غير يسعى الى تحقيقها و سحب الواقع باتجاهها مثلما قد يكون مثالا واقعيا في مكان آخر أو زمان آخر يرجى العمل على هديه. وكثيرا ما تعاد عبارة إن الإسلاميين التونسيين بقيادة حركة النهضة وزعيمها راشد الغنوشي يسيرون بتونس على خطى "النموذج التركي".
فهل هنالك حقا نموذج تركي يستحق النسج على منواله بالنسبة إلى التونسيين – بل والعرب المسلمين عموما؟
وهل نحن سائرون باتجاهه مع الإسلاميين التونسيين فعلا؟

إن هذا السؤال الذي يطرحه البعض في الداخل و الخارج و يراهنون عليه كثيرا عن حسن أو سوء نية و عن أمل أو عن وهم يحتاج إلى توضيح لسببين:
الأول نظري: و يتعلق بطبيعة الحركة الاسلامية التونسية اذ يعتبر بعض الباحثين ان الاسلام السياسي كله بصدد التحول باتجاه النموذج التركي بحيث يسقط برامجه القديمة و يتحول الى تيار ديني متبرجز ومحافظ يشبه الديمقراطية المسيحية الألمانية.
الثاني سياسي عملي: اذ سيكون للجانب الأول انعكاس على الوضعيى الساسية برمتها و على مستقبل تونس خاصة اذا عاد الاسلاميون الى السلطة.

لهذا السبب فانه من الضروري أولا الاطلالة على "النموذج الأصلي" للحركة الاسلامية و تحديدها لطبيعتها السياسية ثم المرور الى مسألة "النموذج التركي".


أولا: راشد الغنوشي و"النموذج الاسلامي" الأصلي.

ان النموذج الأصلي الذي يسعى راشد الغنوشي و الاسلاميون الى تحقيقه ليس "النموذج التركي " في الأساسس بل هو نموذج آخر:انه النموذج الاسلامي الاصولي الذي طالما لوحت به الحركة الاسلامية التقليدية. أما "النموذج التركي" فهو مستحدث في السنوات الأخيرة و لاحق للتجربة التركية لحزب العدالة و التنمية و معبر عن بعض تحولات في الحركة الاسلامية العربية سنرى حدودها مع الغنوشي. و " النوذج التركي" يشبه ايضا " النموذج الماليزي" الذي لا يهتم العرب به كثيرا ربما لابتعاده عنا و لخصوصيات اخرى فيه.
قلنا ان النموذج الأصلي هو النموذج الآسلامي الاصولي و ليس التركي. و تكفي عودة الى كتابات راشد الغنوشي القديمة لتبين ذلك.نجد هذا الأمر مثلا في مقالته " قادة الحركة الاسلامية المعاصرو-البنا-المودودي-الخميني" الذي صدر في مجلة المعرفة –تونس- العدد4،السنة الخامسة،بتاريخ 1/4/1979 و يوجد مضمنا في كتابه "مقالات" الصادر في طبعته الثانية عن مطبعة تونس/قرطاج ،1988وذلك في الصفحات87/105.
أول ما نجد في هذا المقال هو تعريفه للحركة الاسلامية باعتبارها تتميز بما يسميه " فهمها الشمولي في نظرتها للاسلام و موقفها الحركي في اقامة مجتمع اسلامي على اساس هذا التصور الشامل عن طريق اقامة تنظيم يعمل على انشاء دولة اسلامية .و هذا المفهوم ينطبق أكثر ما ينطبق على ثلاث اتجاهات كبرى:الاخوان المسلمون،الجماعة الاسلامية في باكستان وحركة الامام الخميني في ايران..." (ص 91) ثم يحلل الغنوشي ما يعتبره خصائص مشتركة للحركات الاسلامية وهي:

1-"فكرة الشمول في الاسلام "...فهو دين و دولة و عقيدة و حضارة... بما يعن الرفض لتام للعلمنة الحديثة

2-"العمل على تكوين دولة اسلامية" و تطبيق "الحاكمية الاسلامية" و ينقل مصطلح المودودي/ قطب في ذلك و يعود الى حسن البنا القائل انه "ما لم تقم هذه الدولة فالمسلمون جميعا آثمون" ( المؤتمر الخامس للاخوان) ...بما يعني الرففض الاستراتيجي للدولة الديمقراطية الحديثة.

3-"اعتبار المسلمين...كيانا واحدا "...بما يشبه التصور الحنبلي الجديد للوهابية الراغبة في التوحيد فوق المذاهب الاسلامية بما يعني ضرب الروابط الوطنية و القومية العربية و ممارسة القمع تجاه الأقليات الاسلامية غير السنية خاصة.

4-"الاهتمام بالقضية الوطنية "انطلاقا من تصور "الأمة الاسلامية" ضد الوطنية و القومية "الشعوبية" بما يعني تحويل المسائل الوطنية و القومية الى مسائل دينية –مذهبية مما يدمر الحركات الوطنية و القومية.

5-"الاهتمام بالقضية الاقتصادية و الاجتماعية" و عدم الاكتفاء بالوعظ ...بما يعني تشويه كل الحركات الاجتماعية العمالية و النقابية و النسوية و غيرها وصبغها بطلاء ديني

6- "التحرر من ثقافة الغرب" ...الرأسمالي و الشيوعي ...بما يعني عداء كل ما أتت به الحداثة و ما بعدها و معاداة اليسار العالمي...

7-"الاعتقاد في كمال الاسلام و قابليته للتحقيق "...الشامل بما يؤسس لنظام شمولي وفق رؤية الاخوان المسلمين له.

8-"السلفية"...بالعودة الى السلف "الصالح" على الطريقة الوهابية و بالتالي رفض كل ماهو تجديد و اصلاح لا يتناسق مع السلف الاخواني

9-"التوكل على الله"...المتدخل في حكة التاريخ و هو الذي يرسل كل مائة عام من يصلح للأمة دينها... بما يعني استغلال الشعور الديني في العمل السياسي و تقديس "العلماء" بحجة انهم " ورثة الأنبياء" و سطوتهم على الحركة السياسية

10-"الشعبية"... و كا ن المقصود "الثورية الشعبية"و ليس النخبوية ... و ذلك يؤدي الى "شعبوية" دينية تحول الحركة الشعبية عن مسار الوطنية و الحداثة و الديمقراطية و التقدم باتجاه آخر...أصبح يتم "انتخابيا"...

11-"التنظيم" ...السياسي ( اضافة الى الدعوي و غيره) ... بل و العسكري ان لزم الأمرعلى طريقة" النظام الخاص" لحسن البنا... ( انظر الصفحات:91/98)

ان المتأمل في تعريف الغنوشي "القديم" للحركة الاسلامية يدرك معنى كونها حركة سياسية أصولية فكرا وسلفية مرجعا و "وطنية اسلامية" من صنف خاص و لكن يجعل منها حركة محافظة و تقليدية الى درجة الرجعية و المعاداة للحداثة في المستويات السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية لأن نموذجها الحديث كان في الأصل الحركة الوهابية –السعودية التي كان الغنوشي يتبناها ولا يقف منها أي موقف نقدي تماما كما يحاول أن يوهم اليوم أحيانا بعد اشتداد الخلاف مع التيار السلفي.

( راجع مقالتينا :"حركة النهضة الاسلامية التونسية :دراسة نقدية" على الرابط التالي: http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=320544

و "الحركة الاسلامية حركة وطنية محافظة...على الرابط:

http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=328396



ثانيا: "النموذج التركي"

كيف أصبحت تركيا العدالة و التنمية "نموذجا"؟ و بأي معنى؟

لو رجعنا الى كتاب الغنوشي الأخير " الديمقراطية و حقوق الانسان في الاسلام" (الدار العربية للعلوم ناشرون ومركز الجزيرة للدراسات.2012) لوجدنا تحولا نسبيا في فكر الغنوشي باتجاه ما أصبح يعرف "الاسلام الوسطي" الاخواني في تمايز مع اتجاهين فكريين:
-التيار "التيوقراطي" الشيعي
-التيار العلماني – اللائكي

كما يحاول هذا "الاسلام الوسطي" التمايز مع اتجاهين سسياسيين- تنظيميين هما:
-التيار السلفي/التحريري (حزب التحرير الاسلامي) شديد "التطرف و الغلو".
-التيار الاسلامي/ العلماني –اللائكي التركي شديد "المرونة".

يظهر هذا التوجه "الجديد" عند الغنوشي بمجرد قراءة الفصل الأول من الكتاب المعنون " مبادئ الحكم و السلطة في الاسلام" ( ص/ص 9/25) - بالنسبة الى التمايز مع الثيوقراطية و العلمانية فكريا حيث يبتعد عن مديح الخميني باتجاه التيار الاصلاحي الشيعي و عن فكرة "الحاكمية الالهية" باتجاه "الديمقراطية الاسلامي".
كما يظهر هذا التوجه في "الملاحق" الدرجة في آخر الكتاب حيث مقالان عن "التجربة التركية" ( ص/ص 279/294) وحيث يتخذ الغنوشي موقفا مزدوجا من التجربة التركية مؤكدا انه لا مجال لنجاح أردوغان عربي و لا لتكرار التجربة التركية في الوطن العربي و لكن داعيا الى الاستفادة من التجربة و خاتما بملاحظة على غاية من الأهمية سنعود اليها في النهاية لا حقا.

ما هو موقف الغنوشي من التجربة التركية اذن؟

يمكن تلخيصه في مايلي: الظروف الخاصة بتركيا انتجت تجربة اسلامية تركية خاصة حيث يعتبر وجود الدولة الديمقراطية العلمانية- اللائكية سابق تاريخيا للحركة الاسلامية المعاصرة التي وجدت نفسها مضطرة - لممارسة السياسة و الحكم- الى التأقلم مع ما سبقها من نظام سياسي قوي ومستقر تاريخيا.

يعرف الغنوشي طبعا ان العلمانية –اللائكية التركية هي علمانية قومية تركية و استبدادية .و من" الغريب"- و هو ما يخفيه الاسلاميون عن أنصارهم- أن حزب "النظام الوطني" حزب نجم الدين أربكان الأول – أب الأحزاب الاسلامية الحديثة التركية- كان في تحالف حكومي مع الحزب الجمهوري الشعبي –حزب أتاتورك- و ذلك في تجربتين من الائتلاف الحكومي انطلاقا من سنة 1973. و حزب أربكان تحول فيما بعد وغير أسماءه "حزب الخلاص الوطني... - الى ان تم حله و عوضه منذ سنوات حزب العدالة و التنمية الأردوغاني.
ولكن الغنوشي يعرف ان هذا الحزب الأخير مشارك في أسوأ جوانب التجربة التركية التي هي الدكتاتورية العسكرية القومية – خاصة تجاه الأكراد و الأرمن و العرب في اسكندرونة و غيرهم- و الارتهان الى الحلف الأطلسي و البلدان الغربية - و خاصة الولايات المتحدة -و كذلك العلاقات التاريخية مع اسرائيل.

ان اللائكية في تركيا وجدت مع كمال أتاتورك و حزبه و قد أصبحت تركيا رسميا "جمهورية ديمقراطية لائكية" سنة 1928 بينما ليست الدولة التونسية دولة علمانية-لا ئكية الى اليوم.

ان حركة النهضة تتبجح أحيانا بأنها ستحقق الايجابي من النموذج التركي- بل وتقول أحيانا ان الأتراك استفادوا من فكر الغنوشي – و لكنها ترفض العلمانية- اللائكية ( و خاصة مبدأ الفصل بين الدولة و الدين الذي هو ميزة التجربة التركية الأساسية بل و الايجابية الوحيدة – نسبيا) و الغنوشي يعرف ان الدراسات الحديثة عن تركيا تؤكد أن اقرار مبدأ اللائكية- الفصل الشكلي الرسمي بين المؤسسة السياسية و المؤسسة الدينية- لا يرتبط بتطور كبير بالعلمانية – الفصل بين الدين و السياسة و غيرها- في الميدانين الاجتماعي و الثقافي . كما يعرف ان المجتمع التركي لا يزال أقرب الى المحافظة و التقليدية من بلدان أخرى -ليست لائكية شكليا و لكنها متعلمنة كثيرا- مثل بلدان شمال أروبا التي تعلن الدول فيها البروتستانتية –الكالفينية ديانة رسمية للدولة و لكنها أكثر علمنة ليس فقط من تركيا بل حتى من بلدان مثل الولايات المتحدة التي لا يزال الدين يلعب فيها دورا كبيرا في المستويين الاجتماعي و الثقافي.

واذا كانت الحركة الاسلامية التركية تقبل بالعلمانية –اللائكية المدسترة من خلال الفصل الثاني من الدستور التركي و المحمية من قبل النسيج الاجتماعي و السياسي و العسكري التركي فان تونس لا تعرف اللائكية - و ان تعلمنت نسبيا بعد الاستقلال. و حركة النهضة الاسلامية التونسية تعرف نفسها الى حد الآن بأنها تنظيم سياسي – ديني ينشط انطلاقا من الفهم الشمولي للاسلام – كما يبينه نص "الرؤية الفكرية و المنهج الأصولي" و كذلك " البيان التأسيسي" للاتجاه الاسلامي" الذين لم تراجعهما النهضة الى الآن- بهدف تأسيس دولة اسلامية قائمة على الشريعة الاسلامية و ذلك ربطا بين الاسلام كعقيدة وحياة و كدين و دولة و كمعتقدات و عبادات و كدين و علم و عقيدة و حضارة و غيرها من الثنائيات .
ان هذا الأمر يجعل الحركة الإسلامية التونسية ترفض العلمانية جملة و تفصيلا بما فيها اللائكية طبعا – وهي الفصل الشكلي السياسي كما قلنا بين المؤسستين السياسية و الدينية-. كما يجعلها ترفض اعتبار منظو مة حقوق الانسان الدولية الكونية مرجع الدولة الديمقراطية الحديثة معوضة اياها بقراءتها الخاصة لما يسمى "حقوق الانسان الاسلامية" بحيث يصبح مقياس شرعية الحكم الأول هو الشريعة-كما يفهمها الاسلاميون- و ليس حقوق الانسان الكونية. وتصبح الشرعية الشعبية الديمقراطية هي " الشورى" مرجعا ثانيا ولكن مشروطا بالأول فتتحول بذلك الى وسيلة سياسية للبحث عن تطبيق الشريعة بواسطة الأغلبية الشعبية.
ان هذه الطريقة في النظر – كما يوضحها الغنوشي في الفصل الأول من " الديمقراطية و حقوق الانسان في الاسلام" هي ظاهريا ديمقراطية لكنها فعليا تعبر عن تصور أداتي للدولة و للديمقراطية كوسيلتين لتطبيق الشريعة لا غير لأن منظومة القيم التي ستوجه الدولة ليست منظومة القيم الحقوقية الانسانية الكونية بل منظومة عقائدية اسلامية. وطالما ان هذه المنظومة تنطلق من فكرة "شمولية الاسلام" فان الدولة ستتدخل في عقيدة الناس و اقتصادهم و سياستهم واجتماعهم وفق تصور الحزب الإسلامي الذي يسيطر عليها بالعنف أو بالانتخابات. ولكن اذا كانت الطرقة الانتخابية تبدو سلمية كطريقة انتقال فان احتكار الدولة للعنف المادي و قدرتها على ممارسته هو والعنف الرمزي سوف يعطي الدولة "الاسلامية الديمقراطية" لا حقا كل ما تريد لتطبيق نظام شمولي انطلاقا من شمولية نظرتها الى الاسلام.
و هكذا فان كل حركة اسلامية تنطلق من تصور شمولي للاسلام وتريده ان يصبح تصور الدولة تميل حتما الى النظام غير الديمقراطي و هي ليست حركة ديمقراطية الا أداتيا لأنها تعتبر الانتخابات وسيلة للوصول الى الحكم و المناخ الديمقراطي جوا ملائما لاقناع الأغلبية بأن تسلم أمرها الى حاكم سيتدخل في كل شؤون حياتها الخاصة و العامة باسم شمولية الاسلام.

ان اعتماد حركة النهضة المتواصل على نص" الرؤية الفكرية و المنهج الأصولي" و مواصلة تمسكها ببيانها التأسيسي لسنة 1981 يدل على انها حزب عقائدي ديني- سياسي و ليست حزبا سياسيا ديمقراطيا بعد .و على ان هدفها الاستراتيجي ليس الديمقراطية المدنية القائمة على حقوق الانسان الكونية بل الدولة الاسلامية القائمة على الشريعة كما تفهمها هي و تحاول فقط عبر عملية " البريكولاج" خلطها بالديمقراطية.انه من غير الممكن أن يكون حزب ما يدعو الى "الدولة الاسلامية" و يدعي في الآن نفسه انه حزب ديمقراطي حديث. ان "الديمقراطية الاسلامية" هي عملية تلفيق لا غير طالما لم يسقط الحزب الاسلامي شعار الدولة الدينية من برامجه .و لعل التجربة الايرانية أكبر دليل على ذلك اذ ان وجود انتخابات رئاسية و تشريعية هنالك لا يمنع من اعتبار ايران دولة غير ديمقراطية بالمعنى الحديث للكلمة لأن السيطرة فيها لرجال الدين بقيادة المرشد الأعلى الذي يطبق فكرة "ولاية الفقيه" الشيعية. و ان الخصوصية الشيعية هنا لا تمنع من وجود قواسم مشتركة ليس في اقترابها الخصوصي من "الثيوقراطية" و لكن في سيطرة رجال الدين على الحكم و رفض العلمانية و اللائكية المطلق و هو ما تشترك فيه كل الحركات الاسلامية سنية كانت أم شيعية.

لهذا فان "الجمهورية الديمقراطية المدنية" التي تم التنصيص عليها في الدستور التونسي المصادق عليه في 26 جانفي 2014 ليست سوى حلا سياسيا وسطا بالنسبة لحركة النهضة الاسلامية لسبب بسيط و هو انها تبقي على دين رسمي للدولة و على وزارة الشؤون الدينية – الاسلامية فقط - و على شرط الاسلام للترشح لرئاسة الجمهورية و على ادراج التعليم الديني ضمن التعليم العمومي و على المزج بين القانون الشرعي الاسلامي و القانون الوضعي ... و كل ذلك يساعد على الابقاء على جزء من الطابع الديني للدولة التونسية و يسمح لا حقا بتحويلها الى" دولة اسلامية".
ان "الجمهورية الديقراطية المدنية" شكلت حلا وسطا بين الاسلاميين و " المعتدلين" ظاهريا و العلمانيين غير اللائكيين التونسيين . انها و ان كانت مكسبا تاريخيا تقدميا تحقق بالضغط على حزب النهضة الاسلامي ضد احتمال أسلمة الدولة من قبله تبقى ضعيفة و لها خيط عودة "- و ان كان ضعيفا الآن- الى "الديمقراطية الاسلامية" النهضوية الاسلامية . و من المهم هنا التذكير ان حزب النهضة لم يقبل بها الا عبر صراع مرير طيلة مرحلة كتابة الدستور التونسي و لعل المقارنة بين نسخة أفريل 2013 و 26 ديسمبر 2013 تؤكد ذلك. هذا طبعا اضافة الى الصراعات الأخرى حول قانون الأوقاف و قانون المساجد و قوانين أخرى و محاولة الاسلاميين تقنين " المجلس الاسلامي الأعلى" و اعطائه وجودا مستقلا عن وزارة الشؤون الدينية و كلها كانت محاولات فشلت لأسلمة الدولة في ظل موازين قوى قريبة من التعادل داخليا و ضغوط خارجية لا تخفى على أحد.
ان ما قد يهدد بتحويل "الجمهورية الديمقراطية المدنية "التونسية الى دولة دينية اسلامية هو تمكن حركة النهضة- أو غيرها من الاسلاميين- من الحكم منفردة أو بصفة أغلبية. فاذا كان الحزب الحاكم عقائديا و أصوليا اسلاميا و ليس جمهوريا ديمقراطيا فانه سيعمل على المزيد من أسلمة المجتمع و الدولة ولو بالتدريج و حسب موازين القوى. ان سيطرة حزب ديني عقائدي على السلط التشريعية و التنفيذية و القضائية سيمكنه حتما من تغيير شكل الدولة و لو على مراحل .ووحدها الأحزاب غير العقائدية هي من يعتبر الديمقراطية شكلا أفضل للحكم و ليست فقط مرحلة تكتيكية من اجل استراتيجيا أخرى دكتاتورية اسلامية أو قومية أو يسارية أو وطنية "ليبيرالية".

ما هو موقف الغنوشي الحقيقي من "النموذج التركي" اذن؟

يمكن ملاحظته من خلال أمرين:
الأول: عندما دعا رجب طيب أردوغان العرب الى تبني العلمانية كان رد الغنوشي واضحا. أجاب " ان موقف اردوغان يخصه وحده...و تونس ليست مضطرة لتكون علمانية.تونس نظامها جمهوري و لغتها العربية و دينها الاسلام."و أن تونس ليست مضطرة للاعتراف باسرائيل و هي لا ترى في تركيا نموذجا و حيدا لأن هنالك نماذج أخرى للحداثة مثل النموذج الأمريكي و الأوروبي و ...لكن تونس ستتحرك في "فضائها العربي".
http://www.babnet.net/cadredetail-45395.aspانظر :

الثاني: و هو أكثر دلالة نتبينه في آخر فقرة من مقال راشد الغنوشي حول التجربة التركية في كتابه " الديمقراطية و حقوق الانسان في الاسلام" حيث ورد ما يلي:
"ان التجربة التركية وليدة ظروف خاصة، فلا تصلح نموذجا،فقد انتجتها ضرورات قاهرة، والضرورات تقدر بقدرها،ضرورات حملت الاسلاميين بعد تجارب مريرة على أن يعلنوا تمسكهم بعكس ما تمليه عليهم عقيدتهم القاضية بأن الاسلام ليس عقيدة وحسب و انما منهاج حياة.
ان السلطة اذا كانت في كل الأحوال مفسدة ،فهي في ظل وضع كهذا أدعى الى الفساد، ثم انه اذا أمكن أن يروج قدر من العلمانية في شعوب اسلامية غير عربية فالطريق مسدود هنا بفعل اللغة العربية التي لم تتعلمن و هي غير قابلة لذلك.
و مع ذلك تظل تجربة الحركة الاسلامية في تركيا هامة جدا في تليين صخرتي: الدولة القومية و العلمانية بما يستعيد اللحمة الوطنية المتشظية، وبما يتيح للمجتمع المدني أن يتنفس تمركزا حول قيمة الحرية و التنمية سبيلا للتطبيق الاسلامي المعاصر.
و في ظل الحرية لن يلبث "الاسلام التركي" في زمن تصاعد الصحوة أن يلتحم بالموج الاسلامي المتلاطم و يندمج الجميع في نهر الاسلام العظيم الذي ينهل من نبع صاف غير قابل للتشوية ولا التحريف." ( ص 294)

يمكن تلخيص موقف الغنوشي اذن م النموذج التركي كما يلي:

النموذج التركي يندرج ضمن باب "الضرورات التي اباحت المحظورات" و لكنه يساعد على"التطبيق الاسلامي المعاصر" بشروط تبيئة طريقة التصرف مع الضرورات المحلية والعربية و الدولية.
الضرورات فرضت على الاسلاميين الأتراك التعامل مع اسرائيل و القبول بالعلمانية و الديمقراطية و الغنوشي يحاول أن يتجنب ذلك قدر الامكان و لكن ليس من باب النقد اليساري للنموذج التركي بل من باب نقدها من اليمين كما يلي:

- يدعي رفض التطبيع مع اسرائيل و يمنع تثبيت منع ذلك التطبيع في الدستور التونسي رضوخا للضرورات الأمريكية و الأوروبية.

- ينقد احادية الاقتباس بالنموذج التركي للانفتاح على النماذج الأمريكية و الأوروبية مما يسهل القبول بالضرورات الأمريكية و الأوروبية.

- ينقد الدولة القومية التركية ليس من باب اقرار تركيا متعددة القوميات ( خاصة بالاعتراف بحقوق الأكراد القومية) بل من أجل " استعادة اللحمة الوطنية المتشظية" بما يعني اللحمة الاسلامية التركية المعادية للحقوق القومية لغير الأتراك.

- ينقد التجربة العلمانية التركية ليس لتجنب استبدادها و تحويلها الى علمانية-لائكية ديمقراطية بل برفضها بالمطلق بحجة ان العرب –بما في ذلك لغتم- لا يقبلون ذلك و بحجة شمولية الاسلام ،أي ان الاسلام "عقيدة و منهاج حياة".

و النتيجة مزدوجة:

- أولا: اعتبار الاسلام التركي "فاسدا" و اعتراه التشويه و التحريف بسبب قبوله بالضرورات التركية.

- ثانيا: دعوته الاسلام التركي أن " يلتحم بالموج الاسلامي المتلاطم و يندمج الجميع في نهر الاسلام العظيم الذي ينهل من نبع صاف غير قابل للتشوية ولا التحريف."
بعبارة أخرى يدعو الغنوشي الاسلاميين الأتراك الى الالتحام بالاسلام العربي الاخواني الذي لا يزال محافظا و تقليديا و لم يتحول حتى الى ما يشبه "الاسلام التركي" فما بالك بالديمقراطية المسيحية الألمانية أو غيرها.

و هكذا يمكن الاستنتاج ان مسألة " التطبيق الاسلامي المعاصر" التركي التي يمكن الاستفادة منها حسب الغنوشي فتقتصر على أمرين:

- استغلال الديمقراطية و الانتخابات لتحضير العودة التدريجية الى "الاسلام الشمولي" غير المشوه و غير المحرف.

-الاستفادة من التبادل الاقتصادي مع الأتراك والقطريين و غيرهم لتمكين الحكومات الاسلامية الاخوانية العربية من الاستقرار في الظروف العالمية والاقليمية تحضيرا للالتقاء اللاحق مع الاسلاميين الأتراك و غيرهم في العودة الى "النموج الأصلي" الأول و لكن بطريقة تدريجية و سلمية انتخابية بداية بعد أن انتهى عصر " الثورات الاسلامية".

خاتمة :

لن يكون لنقد الحركة الاسلامية من معنى اذا مارسته الأحزاب العقائدية الدكتاتورية الأخرى القومية و اليسارية و الليبيرالية التي ترفض أحيانا فصل السلط(حتى نظريا) و تمارس سياسة الحزب الواحد و ترفض التداول على السلطة ( و بعضها يرفض الأحزاب أصلا) وتعتبر الديمقراطية مرحلة ايجابية و لكن انتقالية فقط من أجل تحقيق استراتيجيات أخرى .
ان كل هذه الحركات تشترك مع الحركة الاسلامية في معاداتها للديمقراطية و ان قبلت مثلها اللعبة الانتخابية واختلفت برامجها الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية عنها اختلافا كبيرا . لكن الاشتراك في اعتبار الديمقراطية تكتيكا للمرور الى استراتيجيا أخرى يجعلها تقدم خدمة – ولو غير مقصودة- للحركة الاسلامية نفسها مع ان هذه الأخيرة هي صاحبة أكثر البرامج السياسية – الاجتماعية يمينية ومحافظة و تقليدية في المجتمع العربي-الاسلامي حتى لو تقاطعت اقتصاديا مع "الليبيراليين" مثلا.
لكن تبقى الحركة الاسلامية الأصولية-السلفية فكريا و المحافظة -التقليدية سياسيا من أخطر الحركات السياسية على المشروع الوطني/ القومي الحداثي والديمقراطي لأنها تتميز بخمسة خصائص رجعية كارثية على الحداثة و الديمقراطية و العلمانية اضافة على علاقاتها المشبوهة بالقوى الدولية و الاقليمية من باب ظاهره" الضرورات" و باطنه التقاطعات السسياسية والتاريخية في مواجهة التحديث الوطني/القومي الديمقراطي والمستقل:
- سياسيا: تغليب الحاكمية الالهية السماوية على حكم الشعب الأرضي الديمقراطي و الشريعة على القانون الوضعي و على اعلانات حقوق الانسان الكونية.
-اقتصاديا: تفضيل اقتصاد راسمالي محافظ و تقليدي يميل الى ما يشبه"اسلوب انتاج راسمالي آسيوي" يحافظ على بنى تقليدية عديدة اقتصاديا و اجتماعيا.
- اجتماعيا:رفض الحداثة الاجتماعية و الفردية مقابل تصور تقليدي عن مفهوم الاجتماع الديني المتعارض مع مبادئ المواطنة الديمقراطية يفتح كل مجالات التمييز على اساس الدين و المذهب و بين النساء و الرجال...
-ثقافيا:رفض الثقافة العلمية و الفلسفية و الفنية ...الحديثة و المتعلمنة و تغليب شكل تقليدي من الثقافة الدينية المعادية لأهم النظريات الفلسفية و العلمية و الممارسات الابداعية الفنية...
تنظيميا: اعتماد طرق تنظيمية تقليدية وفق تصور"الجماعة " المتميزة بالطابع التسلطي/ الكاريزمي للقائد مما يمكنها من قدرة تعبوية و حركية غير عادية...





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,559,754,524
- تونس و-الانقاذ من الانقاذ-: نحو جبهة و طنية جمهورية ديمقراطي ...
- الجبهة الشعبية التونسية -مبادرة الشهداء -: حان وقت التقييم و ...
- تونس -ما بعد- النهضة : نقاط من أجل التقييم ومن أجل خارطة طري ...
- تونس و العلبة السوداء التاريخية للمسلمين:الدستور التونسي الج ...
- رسالة الى المسلمين
- -القرآن و العلم الحديث:لا معجزة و لا تطابق .-- تقديم أولي لك ...
- الثقافي و السياسي و بؤس الايديولوجيا : اليسارالماركسي نموذجا ...
- مهمة عاجلة - حول الثورجية اليسراوية في تونس اليوم -.
- الدولة و الثورة و الفوضى في تونس .
- تونس و الدرس المصري : قبل فوات الأوان.
- الائتلاف الوطني للانقاذ في تونس :من الانقاذ الى انقاذ الانقا ...
- من-الجبهة الشعبية- الى -الجبهة الديمقراطية المتحدة- في تونس.
- رسالة مفتوحة ثانية الى الرفيق حمة الهمامي: أسئلة حول المفاهي ...
- رسالة مفتوحة الى الرفيق حمة الهمامي
- شكري بلعيد : وصية شخصية
- تونس : في الجبهة الديمقراطية المتحدة ضد التطرف الاسلاموي .
- راشد الغنوشي واغتيال شكري بلعيد: بيان النفاق و تبيين الشقاق.
- حكاية تونسية ...الى نيروز و ندى بلعيد.
- تونس : من - مؤتمرالانقاذ الوطني- الى- جبهة الانقاذ الديمقراط ...
- اغتيال الثورة التونسية و مسؤولية الديمقراطيين الانقاذية .


المزيد.....




- المنح التعليمية بالحضارة الإسلامية.. موسيقي يرعى العلماء ومس ...
- أيتام تنظيم الدولة الإسلامية يواجهون مصيرا مجهولا
- منظمة التعاون الإسلامي تُدين اقتحام المسجد الأقصى المبارك
- -قناصة في الكنائس وأنفاق-... بماذا فوجئت القوات التركية عند ...
- مسيحيون يتظاهرون احتجاجا على غلق كنائس بالجزائر
- عضو مجلس الإفتاء بدبي: الثراء الفقهي المنقول منهل لا ينضب لك ...
- مفتي الأردن: علماء الشريعة الإسلامية وضعوا علوماً وقواعد مست ...
- رحلة لاستكشاف عالم سري أسفل كاتدرائية شهيرة
- كيف يعود أطفال تنظيم الدولة الإسلامية إلى بلدانهم؟
- 611 مستوطنا يتزعمهم وزير إسرائيلي يقتحمون المسجد الأقصى


المزيد.....

- ماملكت أيمانكم / مها محمد علي التيناوي
- السلطة السياسية، نهاية اللاهوت السياسي حسب بول ريكور / زهير الخويلدي
- الفلسفة في تجربتي الأدبية / محمود شاهين
- مشكلة الحديث عند المسلمين / محمد وجدي
- كتاب ( عدو الله / أعداء الله ) فى لمحة قرآنية وتاريخية / أحمد صبحى منصور
- التدين الشعبي و بناء الهوية الدينية / الفرفار العياشي
- ديكارت في مواجهة الإخوان / سامح عسكر
- الاسلام الوهابى وتراث العفاريت / هشام حتاته
- قراءات في كتاب رأس المال. اطلالة على مفهوم القيمة / عيسى ربضي
- ما هي السلفية الوهابية ؟ وما الفرق بينها وبين الإسلام ؟ عرض ... / إسلام بحيري


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - بيرم ناجي - راشد الغنوشي و -النموذج التركي-: حقيقة الاسلام الاخواني التونسي.