أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الثورات والانتفاضات الجماهيرية - نزار حمود - رسالة إلى أخي الثائر السوري ... 5















المزيد.....



رسالة إلى أخي الثائر السوري ... 5


نزار حمود

الحوار المتمدن-العدد: 4373 - 2014 / 2 / 22 - 17:41
المحور: الثورات والانتفاضات الجماهيرية
    



الفصل الخامس
(والأخير)


الليل



الشيخوخة



ظهرت أول علائم المرض بشكل ماكر ٍ مخادع ٍ للغاية !

سقطة ٌ في الحمام.
تعثرت قدمك بالسجادة الصغيرة وأنت تهم بالتقاط المنشفة. أمرٌ أكثر من اعتيادي يومي كررتـَه آلاف المرات ...
إذا ً ... كانت سقطة
تشعر بوجع حاد واخز على مستوى الورك ...
بدأتِ الفحوصات الطبية بعد ساعتين من الانتظار في قاعة إسعاف المشفى القريب. فترة انتظار معقولة نسبياً. طبيب الإسعاف كان ممتازا ً ومهذبا ً للغاية.
(نعم ... أمرٌ وارد ٌ تماما ً أن تقع على طبيب كهذا !)
يسألك :
" لقد كسرت َعظم الفحذ يا جدي. كسرٌ متداخل لكنه غير خطير أبدا ً. إنه أمر ٌ شائع الحدوث. لا يبدو لي أن هناك حاجة لإجراء عمل جراحي. لكني سأطلب مداخلة أحد الجراحين في المشفى.
إسمح لي أولا ً أن أسألك َ السؤال التالي:
هل شعرت َ بتوعك ٍ ما ... قبل السقطة أو أثناءها أو بعدها؟ أم لم تشعر بأي شيء من هذا القبيل؟ من المهم أن أعرف ذلك كي أتابع الفحوص والتحاليل".
يعود بك سؤال الطبيب هذا إلى بعض الألعاب العائلية التي كان يجب على اللاعب بها أن يختار من بين عدة احتمالات. وبناء ً على خياره هذا تنهال عليه مجموعة من الكوارث جملةً وتفصيلا ...
بالفعل ... كان الأمر على ما أعتقد مشابهاً لذلك ...
توعكٍ غريب ؟؟؟

- في الواقع كان الأمر مشابهاً،على ما أعتقد، لنوع ٍ من فقدان الوعي المترافق مع غياب إحساس استمر لفترة قصيرة جدا ً من الزمن ...
تعثرت قدماي بسجادة الحمام !
التهاب المفاصل ينخر في جسمي كما تعرف. حركاتي باتت تتطلب مني "تركيزا ً" مهما ً و"تحملا ً" خاصاً لم أكن مضطرا ً للقيام به فيما سبق ...

" أفهم ذلك تماما ً لكن أعتقد أنه يتوجب علينا أن نتعمق بعض الشيء بالفحوصات، خاصة بعد أن وجدتُ بعد الفحص العصبي أن هناك بعض الإشارات التي تتطلب أخذ صورة بالمرنان المغناطيسي وحتما ً إجراء بزل قطني"

- ما هي هذه الإشارات التي تتكلم عنها يا دكتور ؟

"هناك نوع ٌ من الخدر في يدك اليمنى. نوع ٌ من التنميل إن شئت. كما أني لاحظت تناقصاً في القوة العضلية للذراع الأيسر وكنت َ قد ذكرت َ لي تعرضك لأوجاع رأس منذ فترة زمنية لا بأس بها مع إقياءات شبه تلقائية. كل ذلك يوجهني لتشخيص معين لكني بحاجة ٍ للمزيد من الفحوصات كي أتأكد ...


قضيت َ يومين كاملين في إحدى المشافي الخاصة. وقد تكفلت ابنتك، بسخائها المعهود، بدفع كل التكاليف (ابنتك ... الناجية الوحيدة من بين أولادك كلهم).
لم يتأخر صدور الحكم النهائي بحقك ...
لم يبقَ لك في هذه الحياة ...
سوى بضعة أسابيع فقط !!!
ربما شهر واحد أو اثنان ؟

لم تتقصد قسوة القدر هذه أن تكدرك ... لا بل ربما على العكس تماما ً. إنها نهاية ٌ كريمة سريعة دون عذاب ٍ طويل ودون أن تزعج ابنتك الوحيدة أو أياً من الأحبة الآخرين حولك.
أليست هذه نهاية جيدة ؟

هل هناك من أمر طبيعي أكثر من موت إنسان عجوز ؟

إذا ً فليكن ذلك بأسرع ما يمكن !!!

السؤال الوحيد الذي كان يقض مضجعك في شيخوختك الحالية والذي أصبح أكثر إلحاحا ً الآن بعد أن عرفت بقرب نهايتك الحتمية ... كان سؤالا ً من النوع ما وراء الطبيعي : ما هو الدين الأفضل أو بالأحرى ... ما هو الدين الأنسب الذي يروق أكثر للإله ؟
الدين الذي تـُفضل اجتياز عتبة الموت به ومن خلاله ؟
أنت ... الرجل العادي ...
في بلد عادي للغاية ... كما كان يطيب لك أن تسمي سوريا

هناك في مدينتك رجل ٌ واحد يستطيع أن يعطيك الجواب الشافي على هكذا سؤال ...



حكيم ٌ عجوز ٌ مسيحي ٌ يعيش في واحد من أحياء المدينة القديمة يدعونه الأخ إبراهيم ليسينغ. إنه فيلسوف ٌ لم يمنعه عدم حصوله على شهادات المدارس والجامعات من أن يشتهر بحكمته وأن يعترف بحكمته جميع الناس من كثرهم فقرا ً إلى أكثرهم غنى ...

كان الجميع يلجأ إليه لاستشارته بشأن كل القضايا الإشكالية المستترة والظاهرة. فلم تكن أحكامه قابلة للنقاش والجدال، لأنها كانت تنطق بـ "الحق " دائماً، الأمر الذي كان يروق للجميع دون استئناء يـُذكر ...

وهكذا... ذهبت َ للقائه كي تطرح عليه سؤالك آملا ً في أن تجد لديه الجواب الذي سيضمن لك الموت بسلام ... بسلام وتناغم مع العالم الخارجي ومعك أنت نفسك من الداخل.



أردت َ، بعد أداء التحية اللائقة ودون أية إطالة، أن تدخلَ في صلب الموضوع مباشرة ...

- إذا ً يا سيد ابراهيم ... بقي لي القليل من الوقت في هذه الحياة، وأنا هنا اليوم كي أسألك: ما هو الدين الأفضل الذي يتوجب على المرء أن يموتَ تحت جناحه ؟

- آه ... تستطيع يا عزيزي أن تدعوني بالأخ لو أردت. الجميع يخاطبني بهذا الشكل هنا. أجاب الأخ إبراهيم مبتسما ً بطيبة ٍ عـُرف بها، وهو ما كان يريح كل من يحادثه ويتكلم معه.

ثم قال بجدية واضحة :
- إنه سؤال صعب يا أخي. إنه واحد ٌ من تلك الأسئلة الصعبة التي ما فتئت تعذب الناس منذ سحيق الزمن وحتى يومنا هذا.
لن أراوغ في الجواب على سؤالك، لكني سأقص عليك قصة ً كانت قد قــُصَّت علي في الماضي. كان عمري يناهز الأربعين وكنت في مواجهة جادة مع الموت عندما قام أبي رحمه الله باستدعاء رجل عجوز ٍ حكيم ٍ يهودي إلى منزلنا. كان اسمه ناثان. ربما كنت قد سمعت به أنت أيضا ً؟

تهز رأسك علامة النفي

- لا ... لم تسمع به ؟
- لا يفاجئني هذا الأمر في الواقع ... فمنذ أن غادر اليهود البلد لم نعد نريد أن نسمع أي ذكرٍ لهم ...

- لكني لم آتِ إليك لأسمع قصصا ً يا أخ إبراهيم!!

جاوبتـَه بنزق ٍ وشبه انزعاج ...

- صحيح ... لكن وقبل كل شيء ... قل لي: لماذا أتيت لتراني أنا المسيحي في حين أن لدى المسلمين مراجعهم الدينية الخاصة بهم التي لا يرتضون عنها بديلا ؟ لم لجأت َ لمسيحي ٍ مثلي كي يجيبك على هذا السؤال الهام للغاية ؟

لم تتمالك نفسك من أن تجيبه مباشرة :

- وأنت ! لم َ لمْ يتردد أبوك عندما استدعى اليهودي الذي تكلمت عنه في حين أن لدى المسيحيين كما المسلمين تماما ً مراجعهم الدينية التي لا يرتضون عنها بديلا ...

نظر إليك إبراهيم بنوع من المرح المتفهم لما تقول ... ثم قال :

- صحيح ! كان أبي مستنيرا ً منفتحا ً على كل المشارب الروحية وما كان استدعاء العجوز اليهودي يزعجه بالمرة ....
لطالما كان العجوز ناثان واحدا ً من القلة النادرة من الرجال الذين جسدوا القدوة َ للجميع باستقامتهم وشجاعتهم وحكمتهم تحت الظروف المختلفة وفي كل المجالات. لقد كان لأبي بطبيعة الحال أفكاره الإيمانية المسيحية. بل إنه كان مسـيحيا ً مؤمنا ً للغاية، رحمه الله، لكنه أمام خطورة حالتي الصحية والموت الذي كان يتربص بي الدوائر ارتأى أن يعطيني فرصة الاستماع لكلمة حكيم المدينة ناثان. أما كونه يهوديا ً فلم يكن يشكل أي عائق ٍ بالنسبة له. لا بل على العكس، كان هذا الأمر يشكل نوعا ً ما نقطةً في صالحه فاليهودية هي أولى الديانات التوحيدية المعروفة وكتابها هو المرجع الأهم، سلبا ً أم إيجابا ً، للديانتين اللاحقتين أي للمسيحية والإسلام. المسيح نفسه كان يهوديا ً. إذاً... لهذه الأسباب كلها لم يكن استدعاء هذا اليهودي المستقيم والمتجرد والنزيه أمام ابنه المحتضر يشكل بالنسبة إليه أي إزعاج أو ارتباك ...
إذاً ... لم تقل لي بعد ... وأنت ... لماذا لجأت َ لمسيحي عجوز مثلي ؟
هل لديك ... شك؟ لا أعتقد أن قصتك مشابهة لقصتي. وأبوك ... لا بد وأنه قد انتقل إلى العالم الآخر نظرا ً لعمرك الآن ... أليس كذلك ؟

- بالفعل يا أخ إبراهيم. في الواقع أنا مسلم ... لكن إسلامي خاص نوعا ً ما ...

- ماذا تقصد بهذا الكلام يا أخي ؟ جاوب الأخ إبراهيم ملقيا ً عليك نظرة ً أبوية محبة ومتعاطفة ...

- أقصد أني نشأت دون أن أتلقى أية تربية دينية من قبل أهلي. كانت المناقب التي رباني عليها أبي، رحمه الله وأسكنه فسيح جنانه، هي الشرف والاستقامة أولا ً وقبل كل شيء. ثم وبعمر متقدم جدا ً فهمت أني مسلم ليبيرالي ... الأمر الذي لم يغير شيئا ً من تصرفاتي على صعيد حياتي الروحية أو اليومية الاعتيادية ...

المأساة التي لغمت وفجرت الوطن السوري. الحقد والاقتتال وشلالات الدم التي سالت خلال سنوات الحرب الأهلية الأخيرة كل هؤلاء الرجال الذين كانوا يصيحون " الله أكبر" وهم يرتكبون أشنع الفظائع ويقتلون المسلمين الآخرين ... الذين كانوا بدورهم يتلفظون بنفس الكلمات قبل أن ينتقلوا للعالم الآخر. شهداء بالنسبة لجماعتهم وكلاب ضالة أو فطائس بالنسبة لأعدائهم !!!
كل هذا ... بذرَ الشك َ في نفسي بالفعل. وما زال هذا الشك يسكنني حتى اليوم.
أعتقد أن الشك راودك مثلي تماما ً بعد سنوات الرعب التي عشناها أيام الحرب الأهلية التي ...
لم أكن لأجد أفضل منك، أنت الرجل المشهود لك بالحكمة والاستقامة، كي يجيبني على السؤال الذي أواجهه اليوم ... قبل وصولي الساعة الأخيرة
ما هو الدين الذي يجب أن نموت عليه؟ أو إن شئت ... ما هو الدين الأفضل والأكثر قبولا ً لدى الخالق الباري ؟

لا بد وأنك ستقول لي إنه الدين المسيحي لأنك مسيحي، ولأن جواب الحكيم ناثان الذي لم توفر صفة إيجابية إلا ومنحته إياها، لم يكن كافيا ً كي يجعلك تغير معتقدك وتتحول لمصدر روحاني آخر. كنت َ مسيحيا ً قبل أن يستدعيه والدك المتوفى وبقيت مسيحيا ً بعد أن عرفت َ جوابه ...
هل علي أن أفهم أن المسيحية هي الدين الحق عند الله عز وجل وأننا يجب أن نموت على هذا الدين كي نصل للخلاص الأبدي ؟

لم يجب الأخ إبراهيم مباشرة ... بل كان غائبا ً نوعا ً ما. غارقا ً في تأملاته وذكرياته البعيدة ...
وبعد فترة صمت تهيأ لك أنها طويلة للغاية ... قال بصوت ٍ متهدج ٍ واضح التأثر بصدق وشفافية ما قلته ...

- يا أخي ... الله موجود بقربك، بغضِّ النظر عمَّا أنت عليه ... من أين أتيت وإلى أين ستذهب. إنه في كل مكان وهو لا يعير اهتماما ً كبيرا ً لدين أجدادك عندما تحل ساعة الحساب الأخير.

القاعدة الأساسية تنطبق على كل البشر. إنها القاعدة أو القانون الوحيد العادل الذي لا يولي أي اعتبار لهويتك أو للون بشرتك

Omnes Vulnerant, Ultima necat ...
أليس كذلك ؟
(كلها تجرح ... لكن الأخيرة تقتل !) إذا أردنا الحديث عن الساعات ...

لكن ... استمع أولا ً لهذه القصة وبعد ذلك بإمكانك أن تعطيني رأيك الخاص. رأيك الشخصي مهم للغاية بالنسبة لله. كما هو الحال بالنسبة لكل البشر على هذه الأرض.
لا أطلب منك إلا بعضا ً من الصبر. قال العجوز إبراهيم بلطف ولكن بشكل ٍ فهمت َ منه أن لا مناص من أن تستمع لقصة العجوز ناثان ... إذا أردت َ فعلا ً معرفة الجواب على سؤالك ... ما قد يساعدك على الرحيل بسلام بعد ذلك.

بدأ الأخ إبراهيم حديثه بسلاسة ٍ وصوت ٍ صاف ٍ صادق.
كان بإمكانك بين الفينة والأخرى رؤية دمعة تسيل على خده الذي جعدته يد السنين.

- إليك ما قصه علي العجوز ناثان. إنها قصة الخواتم الثلاثة ... هل تعرفها ؟

أجبت َ بالنفي وأنت تشعر الآن بنوع من الفضول لمعرفة هذه القصة وبخاصة لمعرفة ما قد يضيفه شخص يهودي لمثل هذا النقاش الهام للغاية. فلقد تعلمت منذ نعومة أظافرك أن اليهود أناس ٌ مخادعون لا يجب أن لا نثق بهم أبدا ً ...

بدأ الأخ إبراهيم بقصته :

حدث في قديم الزمان في الشرق، أن عاش رجل ٌ كان يمتلك خاتما ً ذا قيمة استثنائية لا تقدر بثمن حصل َ عليه هبة ً من شخص غالٍ للغاية على قلبه.
حجر الخاتم كان من الأوبال البديع الذي كانت تلعب به آلاف الألوان والانعكاسات الضوئية. كان هذا الخاتم يمنح صاحبه، المؤمن بقدراته، هبة َ أن يحبه الله والبشر.
لم يكن مدهشا ً إذا ً أن يضع هذا الرجل خاتـَمه بإصبعه باستمرار وأن يقرر المحافظة عليه للأبد إرثا ً لعائلته تتوارثه جيلا ً بعد آخر.
قام الرجل بإعطاء الخاتم لأكثر أولاده قربا ً ومحبة ً إلى قلبه وطلب منه أن يقوم بنفس الفعل وأن يعطي الخاتم لأكثر أولاده محبة لقلبه وهكذا دواليك. وبهذا الشكل يغدو الابن المحبوب حامل الخاتم، بغض النظر عن ترتيب الولادة، أكان البكر أم لا ... هو الزعيم الأول في المنزل ...
وكان أن أخذ الخاتم يتنقل من أيادي الآباء إلى أيادي الأبناء إلى أن وصل أخيرا ً إلى أب ٍ لأولاد ثلاثة كانوا يطيعونه بشكل متساو ٍ بحيث لم يستطع أن يحب َ واحدا ً منهم أكثر من البقية.
أخذ يتردد بين أن يعطيه لهذا أو ذاك أو للثالث. وكان كلما اجتمع بأحدهم بعيدا ً عن أخويه ... اعتقد َ بأن هذا الإبن بالذات هو الجدير بهذه التركة الثمينة. إلى أن انتهى به ضعفه الإنساني لأن يعد َ الثلاثة ... كلاً على حدة بالخاتم!
ودارت الأيام ... إلى أن أزفت ساعته الأخيرة ووقع الأب في حيرة من أمره. عز عليه للغاية أن يكون سببا ً في حزن إبنين من أبناءه الأحبة ... الذين كانوا يثقون جميعا ً بكلامه.
ما العمل ؟
أرسل سرا ً لإحضار أحد الصاغة المهرة وطلب منه أن يصنع خاتمين مشابهين للخاتم الأصلي على أن لا يألو هذا الصائغ أي جهد أو مال في سبيل أن تكون الخواتم الثلاثة متطابقة تماما ً. ولقد نجح الصائغ في مهمته أيما نجاح لدرجة أنه عندما أتى بالخواتم الثلاثة للأب ... لم يستطع هذا الأخير أن يعرف أيا ً منها كان الأصلي وأيا ً منها هو المزيف.
بعجلة وفرح ... قام الأب باستدعاء أولاده الثلاثة كلا ً على حدة. أعطى كلا ً بركته وخاتمه ... ثم مات!

بعد وفاة الأب مباشرة عاد كل من الأبناء الثلاثة للمنزل مزينا ً إصبعه بالخاتم، وأخذوا جميعا ً يطالبون بترؤس البيت...
وبدأ السجال والجدال وتبادل التهم. كان من المستحيل إثبات: أي من هذه الخواتم الثلاثة هو الأصلي...

تماما ً كما هو من المستحيل اليوم بالنسبة لنا أن نثبت أي من المعتقدات الدينية هو الأفضل !!!

هنا ... لم تتمالك نفسك من أن تقول وبسرعة للأخ إبراهيم:

- لكن الأديان الثلاثة مختلفة جدا ً عن بعضها حتى على صعيد اللباس والطعام والشراب! وهي بذلك تختلف تماما ً عن خواتم الحكيم ناثان المتشابهة لدرجة التطابق!!!

تابع الأخ إبراهيم كلامه غير آبه باستغرابك ومداخلتك المعترضة:

... معك حق ... لكنها جميعا ً متطابقة على صعيد المنطق والعقل. كلها قائمة على التاريخ المكتوب أو المنسوخ ولا يجب أن نصدق التاريخ بالاستناد حصريا ً على الكلمة.
بل فقط على الإيمان ؟
أليس كذلك ؟
إذاً ... من هو الأقل قبولا ً للتشكيك بمصداقيته على صعيد الكلمة والإيمان ؟
إنهم أهلـُنا ... أليس كذلك ؟
الذين أعطونا بدل الدليل الواحد ... عشرات الأدلة على محبتهم لنا. أليس كذلك ؟
الذين لم يخذلونا مرة ً واحدة إلا عندما كان هذا الخذلان في مصلحتنا ولصالحنا ...
كيف لي أن أشكك بصدق آبائي وأجدادي وأصدق الآخرين وكيف لك أن تصدق الآخرين أكثر من آبائك وأجدادك ...
والعكس صحيح !
هل أستطيع أن أطلب منك أن تتهم أجدادك بالكذب لمجرد أن كلامهم لا يتوافق مع ما قاله أجدادي؟ ينطبق هذا الأمرعلى المسيحيين واليهود والمسلمين دون الخوض في تفاصيل المذاهب والطوائف: الشيعة والسنة والعلويين والدروز والبروتستانت والكاثوليك والأرثوذوكس والفريسيين والصدوقيين والأسينيين والزيلوت إلخ ...

ألست َ معي في ذلك ؟

أردت َ الجواب ... لكنك لم تجد ما تقوله أمام هذا السيل من الحجج والبراهين. معه حق الأخ إبراهيم!
لذت إذا ً بالصمت ...
ولأول مرة بدأت تشعر بالاهتمام الشديد بهذه القصة.
بدأت تتشوق لمعرفة خاتمتها !

تابع الأخ إبراهيم حديثه :

ولكن ... لنعد لخواتمنا الثلاثة ...
لجأ الأخوة الثلاثة للقضاء. وأقسم كل منهم للقاضي أنه هو من يمتلك الخاتم الحقيقي وأنه كان قد حصل عليه مباشرة من يد الأب بالذات. وهو ما كان صحيحا ً بالفعل بعد أن كان كل منهم قـد حصل من الأب أيضا ً على وعد ٍ بأن يتمتع في يوم ٍ من الأيام بخصال وميزات الخاتم كلها. كل ذلك كان صحيحا ً!
لم يستطع أي من الأبناء الثلاثة أن يتهم َ الأب بالكذب. وعوضا ً عن أن يتركوا مثل هذه الشبهات السيئة تحوم حوله ... هو الأب الحنون الطيب ... قام كل منهم باتهام أخويه بالسرقة. ومع أن كلا ً منهم كان ميالا ً لتصديق النوايا الطيبة لأخويه إلا أنه كان يقسم أنه سيعمل ما في وسعه لمعرفة الجناة الخونة والانتقام منهم أصولا ً.

- سارعت أنت لتطرح السؤال البدهي ... وماذا بعد ؟ ماذا قال القاضي ؟

قال القاضي: "سوف أطردكم جميعا ً الواحد تلو الآخر ما لم تـُحضروا لي ... إلى هنا ... وفورا ً أباكم". هل تظنون أني متفرغ لحل الأحاجي والألغاز؟ أو ربما كنتم تعتقدون أن الخاتم الحقيقي سينطق ربما ؟

ثم فجأة ...

كما لو أنه تذكر شيئا ً مهما ً للغاية لم يكن قد انتبه إليه منذ البداية قال:

لكن ... انتظروا !! خطرت لي فكرة الآن قد تساعدنا في إحقاق العدل في هذه القضية. سمعتكم تقولون إن هذا الخاتم السحري يمنح الحب لصاحبه ويجعله مقربا ً من الله والناس.
إذا ً الأمر سهل فعلا ً وستتحقق العدالة بأسرع مما كنت أتوقع

إليكم ما سيحسم الموقف ! لأن الخواتم لا تستطيع القيام بذلك !

هل لي أن أعرف من منكم المفضل والمحبوب من قبل الاثنين الآخرين ؟
قولوا لي ! ما لكم سكتم ؟
هل قدرة الخواتم محصورة في الماضي فقط ؟
هل يتوقف سحر الخاتم في الحاضر ؟
كل واحد منكم لا يحب إلا نفسه أليس كذلك ؟
إذا ً ... أنتم جميعا ً مخادعون ومخدوعون في نفس الوقت! الخواتم الثلاثة زائفة. يجب أن نعترف أن الخاتم الحقيقي قد ضاع. وكي يخفي أبوكم الحقيقة أو كي يعوضكم عن هذه الخسارة، قام بصناعة ثلاثة خواتم عوضا ً عن الأصلي.
وبالنتيجة، تابع القاضي، ما عليكم إلا المغادرة فورا ً إذا لم تكونوا مستعدين لسماع وتنفيذ نصيحتي!

- يا إلهي ... صرخت َ متعطشا ً لسماع بقية القصة ...

تابع الأخ إبراهيم ... وشعرت َ من خلال التغيرات الصغيرة في صوته أنه كان سعيدا ً للغاية باستحواذه على كامل انتباهك واهتمامك بهذه القصة التي لم تعرها أي اهتمام في البداية.

بارتباك ٍ واضح ... سأل الأولاد الثلاثة القاضي َ عن النصيحة / الحكم ...
فما كان منه إلا أن قال ...
نصيحتي لكم هي التالية :
خذوا الأمر كما هو تماما ً. إذا كان كل واحد منكم قـد حصل على الخاتم من يد أبيه مباشرة ... فلا بد أن يكون خاتمه هو الحقيقي.
ربما لم يرغب أبوكم في أن يرىَ طاغية ً في منزله بسبب هذا الخاتم؟
من الواضح أنه أحبكم جميعا ً ... وبالتساوي ... كونه لم يقبل بأن يقمع اثنين منكم لصالح واحد فقط !!
ابذلوا جميعا ً ما في وسعكم لتفادي الأفكار والأحكام المسبقة! وليحرص كل منكم على إظهار قدرة وقوة الخاتم الذي بيده! ليساهم هو بنفسه في إظهار هذه القدرة السحرية من خلال تحمله للآخر ولطفه ومحاسن أفعاله وأخلاقه. وليتق الله في كل ما يفعل! ما سيؤدي لأن تظهر قدرة الخاتم في أولادكم وأحفادكم على مر الدهور والأزمان.
عندها ... سأدعوكم للمثول أمامي بعد ألف ألف عام !!
أمامي في قاعة المحكمة هذه. كي يقوم قاض آخر أكثر حكمة مني بإبلاغكم الحكمَ الأخير في هذه القضية!
انصرفوا الآن ...
هكذا تكلم الحكيم المتواضع.


عدتَ للمنزل مترنحا ً. تعب ٌ غريب ٌ اجتاح جسمك وروحك. لقد منحك جواب الأخ إبراهيم السلام َ كما منحك شعور َ امتلاك الجواب الوحيد الحقيقي في هذا العالم الذي يفيض أحيانا ً بتفاهة وغباء بني البشر.

عـدت للرتابة اليومية وانتظار النهاية الحتمية ... نهايتك.





هناك تقنية معروفة كانت قد أثبتت فعاليتها لدى السجناء الذين لا يمتلكون إلا مساحة صغيرة جدا ً للحركة وفائضاً من الوقت كي يتعذبوا جراء ذلك. المشكلة كانت على الشكل التالي:
كيف نقاوم مرور الزمن دون أن نصاب بالجنون. أن نفقد ملكاتنا العقلية بالكامل. علما ً بأن الجنون قد يكون نعمة ً إلهية ثمينة في لحظة من اللحظات. وأنت تعرف ذلك جيداً، أليس كذلك ؟
لحل هذه المعضلة هناك تقنية بسيطة لكنها صعبة التطبيق. تنفيذها يتطلب سيطرة كاملة على النفس وهو ما يمكن للسجين أن يحصل عليه تدريجيا ً وشيئا ً فشيئا ً خلال فترة سجنه ...
يقوم السجين بتطبيق هذه التقنية وهو واع تماما ً إلى أن الأمل بحد ذاته، هو مصدر للألم وأن هدفه كسجين هو ... أن يتألم َ بالحد الأدنى ما أمكن ذلك، ليترك مهمة تعذيبه للسجان والجلاد !

لا بد من المقاومة لأطول مدة ممكنة ... مع أن هذا الأمر من اختصاص العناية الإلهية. لأن كلمة "طويلاً" قد تعني أشياء متناقضة تماما ً. كأن تكون يوما ً واحدا ً تحت التعذيب الشديد أو عاما ً كاملا ً تحت التعذيب المتوسط أو بضعة سنوات عندما يقتصر التعذيب على الحد الأدنى المتمثل بالحرمان من الحرية.

لقد تعلمت َ هذه التقنية من مصدرين مختلفين كلاهما محترم بالنسبة لك ... أي من مخطوطين لكاتبين يعتبران من المراجع الرئيسية في عالم الأدب.

- رومان غاري (1) في كتابه "جذور السماء" ...
وهي رائعة من روائع الأدب العالمي. لقد حصل هذا الكاتب على جائزة غونكور الفرنسية بسبب هذا الكتاب. لم تعد تذكر السنة بالظبط. لا بد أن ذلك كان قد حصل في خمسينيات القرن الماضي.
ترى هل تـُرجم هذا الكتاب للعربي؟ لا تعرف ... لكن لم يعد لذلك أية أهمية الآن !


- المصدر الثاني هو كتاب خورخي لويس بورخيس (2) "التاريخ العالمي للعار" الذي يعرض فيه أهم السُـبُل لإخافة وإرهاب أقسى الجلادين ضراوة وقسوة!

أسمح ُ لنفسي هنا بأن أقول لك َ بكل صراحة ووضوح ودون أية رغبة ٍ من جانبي في إهانتك أو جرح إحساسك ... إن حالتك يا عزيزي السوري، التي أتابعها منذ فترة طويلة للغاية، أكثر خطورة "بقليل" من حالة السجين العادي! إن لم أقل إنها أكثر خطورة بكثير من حالة السجين العادي.
يبدو ذلك طبيعيا ً بعد أن نعرف أن ...

جلادك من نوع خاص. سادي ٌ لا يشق له غبار. لن تجد له مثيلا ً في أقسى أفلام وروايات الرعب!

إنه يهتم بأدق التفاصيل وأصغر الأمور وأتفهها كي يحول حياتك لجحيم ٍ لا يطاق. كي يحول حياة كل من يقع تحت يديه لجحيم لا يطاق.
وكي تكتمل الصورة لا بد أن نذكر أنك أنت نفسك مصاب ٌ بمتلازمة استوكهولم الذي يجعلك تشكر الجلاد وتطري عليه كلما ازدادت قسوة العذابات التي يعرضك لها !!!

أنت سجين جسدك نفسه الذي تحول شيئا ً فشيئا ً لكتلة ٍ خاملة قاصرة. مجرد "شيء" آخذ ٍ في التعغن ومتمرد ٍ على تنفيذ أوامرك. لقد بدأت تقرحات الجلد تظهر في أكثر من مكان من جسمك كما أخذت عضلاتك وأوتارها ترتخي وتنفلت كونها لم تعد تعمل...


لم يعد جسدك يستجيب لأوامرك ... لم يعد يرغب في الوقوف. لم يعد يقوم بأعمال نظافته الاعتيادية. فقدَ القدرة على الطعام والشراب لوحده. بات محتاجا ً للمعونة في كل لحظة. أنت محظوظ كون ابنتك إلى جانبك. ابنتك الناجية الوحيدة من الأحداث المأساوية التي ضربت بلدك... سوريا.
لقد أعطيت َ كل شيء للبلد وهاهي ابنتك ترد لك جزءاً مما كان يجب أن يعطيك إياه هذا البلد الذي أحببته وما زلت تحبه أكثر من حياتك نفسها...
تقول لنفسك ... إنك لست أفضل من مئات الآلاف من البشر الذين قتلهم الطاغية والذين كنت تتمنى لو أنك قضيت َ معهم وبينهم.
الموت الذي لم يرغب بك في تلك الأيام ... تراه اليوم هنا ... يطالب بك ... يطالب بما هو له ومن حقه للقيام بالرحيل الأخير.

إنها رحلة الكائن (أنت) إلى الكائن (الأزلي) ... كما كان يحب أن يقول أفلوطين ...

أخذت مواضيع أحاديثك تقتصر على ...
" ماذا سنأكل اليوم ؟"
" هل تريد أن أعطيك المبولة ؟"
" هل تريد أن أنزع أسنانك وأن أنظفها ؟"
" هل ترغب بسماع السيدة فيروز أم السيدة أم كلثوم أم الأستاذ عبد الوهاب ؟ ليس هناك أفضل من هذه الأسماء منذ سبعين سنة ..."
باتت حياتك اليومية تقتصر على هذا ...
لماذا الاستمرار بها إذا ً ؟
إنها مجرد عذاب متواصل منذ أن التزمت َ السرير ...
قال لك الطبيب إنك مصاب بورم في الدماغ
ثم كان انحدارك نحو جحيم الشلل بطيئا ً بما فيه الكفاية
أخيرا ً ...
بعد عدة أسابيع ستموت ...
ترى ...
هل يتسلى الرب بعذاباتنا ؟
سألت َ نفسك هذا السؤال مرات عديدة ...
نعم ...
كان الجواب دائماً: "نعم" ... لا بد من أن عذاباتنا قبل الموت تسليه
أو ربما كان يتعمد إرهاقك بالهموم والآلام المتصاعدة حتى يأتي طلبُ الموت منك أنت وتقول إنك قد مللت من هذا العذاب، وإنك تطلب أن تنتهي من هذه الحياة بأقصى سرعة ممكنة !

تستعيد التسلسل الزمني لأحداث مرضك ...

بدأ كل شيء بعرض ٍ عصبي ٍ مفاجئ أجبر ابنتك على إدخالك المشفى لبضعة أيام ...
ماسحٌ ومرنان ٌ مغناطيسي وبزل ٌ قطني ... إلى آخر ما هنالك من الفحوصات الطبية. لا بد هنا من القول إن الأطباء في سوريا ممتازون وأن الكثير منهم قد حصل على شهاداته من جامعات أوروبا الغربية والولايات المتحدة الأمريكية.
ممتازون ...
لكن تنقصهم المعدات عالية التقنية اللازمة للقيام بالعمل كما يجب
تنقصهم إمكانية العناية بالمرضى في البيوت...
مثال ٌ بسيط على ذلك ؟
كي تجد سرير مشفى جيد يمكن وضعه في البيت ... كان لا بد من الاتصال بدمشق العاصمة ...
كي تجد فراشا ً وثيرا ً مضادا ً للخشكريشات كما يدعونها أو جروح السرير كان لا بد من التحلي بالصبر الجميل لإفهام التاجر الضرورة الكامنة وراء مثل هذا الاختراع النادر ...
الكرسي المتنقل ذو العجلات : كان من المستحيل أن تجد كرسيا ً متنقلا ً جيدا ً جديرا ً بحمل هذا الاسم!
العجلات الصغيرة التي جــُهز بها كرسيك الحالي تجعل مهمة تحريكه و دفعه بالاتجاه المطلوب صعبة ً للغاية ...
كان لا بد من الاتصال مرة أخرى بدمشق كي تستطيع معرفة إن كان ممكنا ً شراء كرسي "حقيقي" ذي عجلات في سوريا !
سوريا ... بلد ٌ كبير ومهم. يمتلك المقدرة على شراء الطائرات المقاتلة والدبابات الروسية بقيمة مليارات الدولارات لكنه غير قادر على صناعة كرسي متنقل جيد ذي عجلات لمواطنيه المعاقين !
كذلك... كان من المستحيل تأمين طاولة طعام قابلة للطي خاصة بمرضى السرير !!!
لقد عملت ابنتك ما بوسعها لتأمين مثل هذه الطاولة من فرنسا... البلد العدو الرأسمالي الإمبريالي !!!

عندما أبليت من عارضك العصبي الأول الذي شكل أول ضربة وجهها الرب لك... شعرت بأن استقلاليتك اليومية قد تناقصت للنصف ...
أجبرك تناقص قدرتك على الحركة على أن تحد من تنقلاتك ومن احتياجاتك كذلك ...
لكن لم يكتف ِ الرب بمثل هذه الانتصارات "الضئيلة" ...
بعد عدة أيام تعرضت لحادث دماغي وعائي جديد ودخلت في غيبوبة أودت بك لغرفة العناية الفائقة والانعاش المتدرج ووجدت نفسك مرة أخرى أمام نقص جديد في قدرتك على الحركة. لكنك حافظت على صفاء الذهن والقدرة على التفكير السليم ...
الضربة الثالثة أتت بعد عدة أسابيع فقدت بعدها كليا ً القدرة َ على الحركة ...
أصبحت بحاجة تامة للآخر كي تقضي حاجاتك الأولية ...



من الصعب على السجين "العادي" أن يطبق الطرق المنصوص عليها أعلاه في أعمال المؤلـِفـَين المذكورَين أعلاه. أما بالنسبة لك فالموضوع يغدو أكثر صعوبة وأكبر مشقة ...

لكن هل لديك أي خيار آخر ؟؟؟

كلا !

إذا ً ؟



تعيش اليوم آخر مراحل حياتك
آخر مراحل وجودك على هذا الكوكب
لقد شاهدت َ وتعلمت َ ونسيت َ الكثير من الأمور ...

Vulnerant Omnes, ultima necat
النهاية تقترب


النهاية قريبة للغاية !!
لقد حماك الله طوال سني حياتك البائسة. كانت عملية القلب المفتوح التي أجريتها في الماضي والتي أجراها جراح متميز ٌ فعلاً... ناجحة للغاية. لكنك بالكاد تتذكر ذلك...
لقد حماك الله كي يرميك لاحقا ً بسهامه الحادة التي ستجعلك تنزل رويدا ً رويدا ً، بلا رحمة، حتى مستوى الأرض.
كنت َ كمن يطيع أمرا ً كان قد صدر لك من أعماق الأرض: الرمال المتحركة عديمة الشفقة. الانحدار الذي لا مندوحة منه. نهاية حياة تعسة وحتمية. الشيخوخة مشابهة لغرق السفينة وها أنت اليوم تلبي نداء أعماق المياه الباردة!

" سوف تختفي كل النجوم من عتم الليل
وسيختفي الليل أيضا ً
سأموت ... وسيموت معي كل هذا العالم الصعب
سأمحي الأهرامات والميداليات والقارات والوجوه
سأمحي تراكمات الماضي
سأحول الماضي غبارا ً... والغبارَ غبارا ً
سأتأمل غروب الشمس الأخير
سأصغي لشدو العصفور الأخير
لن أترك العدم لأح "
ج. ل. بورج



أن تموت ؟ هل هناك أمر ٌ أكثر طبيعية من ذلك ؟

لم نعترض يوما ً على ولادتنا التي سمحت لنا بالحياة ..!!

لكن أن "نحيا" ... يعني أيضا ً أن "نموت" !!
من الطبيعي للغاية أن نغادر هذا العالم وأن نذهب... لا أعرف إلى أين ؟
أو ربما ... نعم ... أعرف ... كي أتحول طعاما ً للديدان أو لأصبح رمادا ً في وعاء !

وبعد ؟

لا أحد يعرف ... لم يعد أحد من هناك ليخبر عما حصل معه ...

حسنا ً ...
هناك المسيح الذي عاد بعد ثلاثة أيام ... لكن لا يؤمن كل البشر بصحة روايته !
لا بل إن الغالبية العظمى منهم لا تصدق هذه الرواية ...

إذا ً .. هل الله موجود أم غير موجود ؟
هل هناك حياة بعد الموت أم لا توجد حياة بعد الموت ؟

لقد أقض هذان السؤالان مضاجع الناس على مر العصور ...
ألم يؤرقاك أنت أيضا ً ؟
في الحقيقة ... من العبث أن نبحث عن جواب لهما
كلا ...
لا أجوبة للأسئلة الغبية ! بل إن الأمر لا يستحق مجرد التفكير به !!
فلنفكر في أمر ٍ آخر ...

نحن من يتحرك للقاء الموت وليس العكس !

إنه فن عكس الصورة: ليس الموت من يزورنا مشرعا ً منجله القاطع.

Ars Longa, Vita brevis !!!
الفن مديد والحياة قصيرة ...

لا ... لن تقول لي إن الحياة قصيرة

إنها طويلة بما يكفي كي يستطيع كل واحد منا، وبالأخص أنت، أن يقوم بما يجب عليه القيام به.

ثم إن السوريين يذهبون اليوم أكثر من غيرهم بكثير لملاقاة آلة الموت القاطعة المتمثلة ربما بكرسي التعذيب حتى الموت! أو تلك التي تأخذ شكلَ بندقية ٍ آلية ٍ تلفظ رشقة من رصاص كافية تماما ً لتصفية إنسان ٍ كان يتفوه سرا ً وبشكل غير قابل للصفح والمسامحة بكلمة "حرية"!!!

لا شيء يوقف هؤلاء الجلاوزة المأجورين. السادة ك(3). إنهم عقائديون مؤدلجون يقتلون دونما أي تردد أو تفكير...
الآن ... خارج كل دوامة القتل هذه ... ستقوم أنت َ بزيارة الموت. أنت تعرف ذلك. تشعر بضعف حركاتك وفقد الطاقة المتزايد.

لقد قدمت دم أولادك ثمنا ً للنصر ... النصر الحقيقي الذي لم تنله سوريا في معركتها ضد الطاغية.

للأسف، لقد سارت الأمور على غير ما ينبغي، على الرغم من البداية الواعدة ... الواعدة للغاية. لم تكن قوة الطاغية هي التي جعلته ينتصر ... بل ضعف وتشرذم الرجال الذين كانوا يحاربونه.
باختصار ...
لقد تقاتلوا فيما بينهم لبيع جلد الدب قبل أن يصيدوه.


تتحرك من السرير ... للسرير. كما تقول أغنية جاك بريل(4) الشهيرة ...

أصبحت سجين هذا الجسد. لكنك مازلت تحتفظ بعقل صاح ٍ بما يكفي لتبيِّن أن نهاية الرحلة باتت وشيكة للغاية ...
يا للتعاسة
نعم ... لكنك لا تخاف الموت. لقد مضى عليك سنوات وأنت تتحضر للقائه. لا بد وأن بعضا ً من الدم المصري الفرعوني كان يجري في عروقك أليس كذلك.

كانوا يمضون حياتهم في التفكير وتخيل وتشخيص ذواتهم بعد الموت. كانوا يضعون الغذاء والسلاح ووسائل النقل في مراقدهم الأخيرة. لم يكن المتوفى يفتقد لأي شيء...
طبعا ً ... الأمر مختلف بالنسبة لك اليوم.
في قبر متناهي الصغر بالنسبة للأهرامات المصرية لن يكون بإمكانك أن تضع حتى سلة صغيرة من الفواكه المجففة.
ثم ... ما الفائدة من ذلك ؟
حتى وأنت على قيد الحياة ... لم يعد بإمكانك أن تأكل حبة فاكهة صغيرة دون أن تقطعها وتطحنها وتعطيها لك السيدة المساعدة المنزلية التي وظفتها ابنتك ... أو ابنتك بنفسها.
فما بالك إذا ً وأنت ميت مدفون تحت ستة أقدام من التراب تأكلك الديدان مجردا ً حتى من طقم أسنانك.
فلقد انكسر الفك عندما سقط بالأمس مع الكأس الذي كان يحتويه!
هو الآن في التصليح ... ولا يبدو أنه سيرجع سالما ً من زيارته للمخبري قبل زيارة الموت لك.
في نفس الوقت ...
تعترف أمام نفسك أنك بت عاجزا ً تقريبا ً عن ابتلاع أي وجبة طعام
يحملك كل هذا الموقف المهزلة للابتسام ...

هذا كل شيء ما زلت تستطيع فعله دون تفكير !

نعم ... بكل تأكيد ... سترحل ...

الموت الرحيم ؟
لقاء 5000 دولار تستطيع تلقي جرعة قاتلة في سويسرا تجعلك ترحل مرتاحا ً للغاية عن هذا العالم ...

لكن... تقول لنفسك وأنت تبتسم بصدق وعفوية
نحن لسنا في سويسرا !!!

لابد من الموت في سوريا وبأسرع ما يمكن ...

ثم يعود السؤال الذي كان يقلقك في الأيام القليلة الماضية للظهور مرة أخرى ...

" ماذا سأترك لأولادي من بعدي ؟ "


يا إلهي ...

لكن ...

لكنهم ماتوا !!

لقد ذهبوا ... ذهبوا ... ذهبوا !

من حسن الحظ أن ابنتك مازالت إلى جانبك
بدونها ...
لم تكن حتى لتجرؤ أن تفكر بما كان سيحصل لك ...

ثم تقول لنفسك قبل أن تنام :

لا بد أني كنت قد مت منذ فترة طويلة

وليكن ...

لن تكون خسارة ً كبيرة ً بكل الأحوال ...





هناك شجرة

هناك شجرة ... ألتصقُ بها
في غابة سان آرمان الصغيرة
أمسكك ِ ... تلتصقينَ بها
أختبئ ... دورك ِ يا أميرة

هناك شجرة .. تطير حمامة
في غابة سان آرمان الصغيرة
حيث دوائر رقصاتنا المجنونة
تطير حمامة، تطير ... على النسائم العليلة

فوق الشجرة يطير عصفور
يتابع الطيران ... هاهو الربيع
وها هي سنواتنا الخمس عشرة
في غابة سان آرمان الصغيرة

تحت الشجرة ... دون كلام
تهدهدينني في حضنـِك
طار الثوب ُ
وطارت معه أحلام الطفولة

لكن ... وفي يوم ٍ مجنون
بعيدا ً عن غابة سان آرمان الصغيرة
وبعيدا ً عن زمان المدرسة
رحلت ُ ... طرت ُ... طرت إلى الآفاق البعيدة

مرحبا ً يا شجرتي الجميلة
عدت لك ... بقلب محب سعيد
تحت أغصانك المنحنية
أجد أحلام الطفولة

هناك شجرة ... إذا مت
أرجوكم ... مددوني تحتها بلطف
ولتكن ملاذي الأخير
في غابة سان آرمان الصغيرة

لتكن ملاذي الأخير
في غابة سان آرمان الصغيرة

هناك شجرة .. تطير حمامة
قلبي يطير
الحمامة تطير وتطير
هناك شجرة ... الحمامة تطير

====================================================
الحواشي :
1- رومان غاري 1914 - 1980 : اسمه الحقيقي هو رومان كاتسيف. كاتب فرنسي وهو الكاتب الفرنسي الوحيد الذي حصل على جائزة غونكور مرتين في حياته. الأولى باسمه الحقيقي في العام 1956 أما الثانية ففي العام 1975 تحت الاسم المستعار إميل آجار. المترجم
2- جورج لويس بورج 1899 - 1986 (خورخي لويس بورخيس). كاتب أرجنتيني له أعمال هامة في النثر والشعر والرواية. واحد ٌ من الأعلام الكلاسيكية في القرن العشرين. المترجم
3- السادة ك. الذين ينفذون أوامر الطاغية دون أي وازع من ضمير وتحت ذريعة أنهم مجرد مأمورين ينفذون الأوامر الواردة من السلطة العليا. راجع الفصل السابق. المترجم
4- جاك بريل 1929 - 1978 شاعر ومغنٍّ وممثل ومخرج بلجيكيي. المترجم





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,428,605,350
- رسالة إلى أخي الثائر السوري ... 4
- رسالة إلى أخي الثائر السوري ... 3 - الجزء الثاني
- رسالة إلى أخي الثائر السوري ... 3 - الجزء الأول
- رسالة إلى أخي الثائر السوري ... 2
- رسالة إلى أخي الثائر السوري ...
- أن جنيف أو أن لا جنيف. هل هذا هو السؤال ؟
- الأقلية والأكثريات
- أما زال النصر ممكنا ً ؟
- سوريا بين مطرقة الظلم وسندان الظلام
- القبيلة ...
- الطائفية بين العَرَض ِ والمرض !
- صديقي الذكي !
- الضرب والتقسيم على الوتر السوري
- لعيون علي ...
- ... المؤامرة مرة ً أخرى
- رسالة إلى السيد حسن نصر الله المحترم ...
- عندما أ ُكِل َ الثور الأبيض
- أناديكم ... هل تسمعون !!
- سوريا مابعد الطوفان
- هجرة الأسماء إلى المعاني


المزيد.....




- شاهد: اشتباكات بين الشرطة ومتظاهرين يطالبون بإسقاط حاكم بورت ...
- بيان الكتابة الوطنية للنهج الديمقراطي
- فيديو.. مسيرة احتجاجية على الحدود بين المغرب والجزائر لإعادة ...
- اباسيدي عز الدين// شهداء غشت ..
- «الديمقراطية» تنعي الراحل الكبير بسام الشكعة
- اجتماع لبناني فلسطيني في مقر الاتحاد الوطني للنقابات أعلن ع ...
- أنا فلسطيني... لو تعرفون من أنا
- “الأهالي” تنشر وبالصور ..أمانة القاهرة بحزب التجمع تنظم احتف ...
- قضية للمناقشة: بين هنتجتون و تشومسكي
- بلاغ صحفي حول اليوم الاحتفالي بالذكرى 73 لتقديم الحزب الشيوع ...


المزيد.....

- من البرولتاريا إلى البرونتاريا رهانات التغيير الثقافي / محمد الداهي
- الجزائر الأزمة ورهان الحرية / نورالدين خنيش
- الحراك الشعبي في اليمن / عدلي عبد القوي العبسي
- أخي تشي / خوان مارتين جيفارا
- الرد على تحديات المستقبل من خلال قراءة غرامشي لماركس / زهير الخويلدي
- الشيعة العراقية السكانية وعرقنةُ الصراع السياسي: مقاربة لدين ... / فارس كمال نظمي
- أزمة اليسار المصرى و البحث عن إستراتيجية / عمرو إمام عمر
- في الجدل الاجتماعي والقانوني بين عقل الدولة وضمير الشعب / زهير الخويلدي
- توطيد دولة الحق، سنوات الرصاص، عمل الذاكرة وحقوق الإنسان - م ... / امال الحسين
- الماركسية هل مازالت تصلح ؟ ( 2 ) / عمرو إمام عمر


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الثورات والانتفاضات الجماهيرية - نزار حمود - رسالة إلى أخي الثائر السوري ... 5