|
|
فتاة لليلة واحدة
زين اليوسف
مُدوِّنة عربية
(Zeina Al-omar)
الحوار المتمدن-العدد: 4368 - 2014 / 2 / 17 - 07:49
المحور:
الادب والفن
كانت ليلة طويلة..ليلة كانت أقصى أمانيَّ فيها هو صوت ينتشلني من ذاتي و يغرقني في ذاته..أنها من تلك الليالي التي تبدأ بقلب متناثر كذرات الغبار..ليلة تبحث فيها عن أجزاء قلبك المتناثر و تحاول إعادة تجميعها و لصقها لعله يعمل من جديد..لا لن أقول أنها كانت ليلة قاسية..فهي من تلك الليالي التي تبدأ بأن تكف فيها عن الشعور بأي شيء..فقلبك يتوقف عن الشعور و هو ما يخيف أكثر مما لو كان يتألم..فعندما تتألم فأنت تكون حينها واثقاً أنه ما زال هناك و لكن عندما يتوقف عن الشعور بأي شيء حينها ترتعب من فقدانك للروح التي تسكنه..فهل غادرت روحك قلبك للأبد و ولت هاربة و لن تعود إليه أبداً؟؟..هل ستمر عليَّ الليالي هكذا و أنا عالق في حالة اللا شعور؟؟..حينها سأبتهل إلى الله لكي يهبني الألم و حينها ستكون هذه أغرب ما أقوم به من صلوات.
لم أفعلها يوماً..فلقد كنت أعتبر اصطياد الفتيات عبر الهاتف عملاً سخيفاً لا يليق بي أن أقوم به..أو لعلني لم أفعلها لأني كنت أجد أنها هناك تنتظرني دوماً لأصغي إليها فلم أبحث عن الإصغاء لسواها!!..و لكني كنت خائفاً من قضاء الليلة لوحدي..كنت أريد من ينفيني بعيداً عن ذاتي فلا "أجدني" في انتظاري عندما أحاول النوم لتذكرني بفقدانها..كنت أريد أي رفيق..و لكني لم أكن أريد رفيق يعرفني..يتحدث طويلاً عن حدوث ما توقعه طوال الوقت..لا أريد رفيق يعظني و يتخذ معي هواية الوعَّاظ في وصف الجحيم الذي ينتظرني بعد ابتعادها عني و لا أريده أيضاً أن يصف الجنة التي كانت من قبلها و كنت خارج أبوابها و لكنها الآن ستكون لي!!.
لعل لهذا السبب لم أتردد كثيراً عندما اخترت رقماً عشوائياً و أنا آمل أن تجيب فتاة..أي فتاة..فقط لكي أتحدث لأنثى تنتمي لعشيرتها و أسألها حاقداً:"هل تتألمون عندما تلقون بنا على قارعة الطريق أم أنكم تعتبرونه حادثاً مؤسفاً يستمر في ذهنكم لبضع لحظات قبل أن يتوارى أو يسقط من ذاكرتكم؟؟"..حينما أجابت لم تنهرني أو حتى تقاومني و كأنها كانت تنتظر مثلي أي صوت في تلك الساعة..أو ربما كانت تنتظرني أنا..كانت تتحدث و كأنها تستكمل محادثة سابقة بيننا!!..تحدثنا كثيراً..عشقت دفيء صوتها..كنت أشعر بألمي ينحسر أمام مد دفيء صوتها..لم أكن أبغي إلا أن تستمر في الحديث لكي تغتال أفكاري قبل وصولها إلي..كنت أصغي إليها و هي تتحدث في كل شيء..كانت تتحدث و كأنها خارجة من معتقل الصمت لسنوات من توها..و كنت كأني ألهث وراءها محاولاً التقاط عباراتها قبل أن تفلت مني فتشعر أني لا أكترث حقاً للإصغاء إليها..تحدثنا في كل شيء في السياسة ثم في الأدب ثم في تأثير الإعلام علينا حتى أننا تحدثنا عن جرائم الشرف في الأردن!!..لم تكن تتحدث و كأنها تقارف إثماً..بل أنها حدثتني أيضاً عن الشخص الذي تحبه و ما الذي تحبه فيه و ما الذي تكرهه!!..أرعبتني أريحيتها في الحديث و خفت أن أكتشف بعد دقائق أنها تعرفني شخصياً و لهذا لا تكترث كثيراً لما تقوله أمامي..تحدثنا في كل شيء إلا أننا لم نقترب في حديثنا من الحب..و لا أعلم لماذا؟؟..ربما لعِلمنا أن كلانا لا يبحث عنه في تلك المكالمة فلماذا نمارس اللعب المُتوقع؟؟.
لم أحاول أن أدعي جاذبية رجولية لا أملكها و لم أحاول أن أقتنصها لعلاقة عاطفية عابرة و لم تريني أي اهتمام بأي علاقة أياً كان نوعها بقدر اهتمامها بالحديث فقط..و كأنها كانت تنتظرني طوال سنوات لكي تتحدث..فتقفز من موضوع لآخر بلا فاصل لألتقط أنفاسي أثنائه..لم أكن أقاطعها و هي تتحدث فلم أكن أريد أن أفقد لحظات كانت تدوخني فيها بسرعة تدفق أفكارها و ذلك الصوت الذي لم أكتفي من إدمان تقلبه..فهو في لحظة دافيء و في لحظة يتلاعب بي و في لحظة أخرى أشعر بأنه حزين و للحظة أقتنصه سعيداً ليخدعني فيصبح ماجناً و عندما أبدأ أتيقن أنه صوت يمتهن المجون أتفاجأ به يتحول في لحظة لأطهر الأصوات و أرقها!!..هل دوماً تتلون أصواتنا في عدة ساعات بكل هذه المشاعر دون أن ندركها فقط لأننا لم نكن "نصغي" إليها!!.
كانت تضحك لدعاباتي الساخرة بشكل عفوي و كأنها تعرفني منذ سنوات و لكني في ذات الوقت لم أستطع أن أشعر تجاهها بالشعور التقليدي بأنها فتاة تفتقد إلى الأخلاق أو حتى التدين الكافي..فلم أكن في قرارة نفسي أشعر بأنها تقارف خطيئةً ما..فأنا أريد من ينتزعني من ذاتي في هذه الليلة و هي ترغب في الحديث و التحرر من حالة الصمت التي تمارسها تقريباً طوال اليوم كما يبدو..أنها علاقة بسيطة و لا تحتمل أن أضع على كاهلها أي عبء شرقي يسوقني إليه تفكيري الآثم.
عندما بدأت ضحكاتها تتلاشى مع قرب نهاية المكالمة اختفت البهجة من روحي..فحاولت أن أطيل المكالمة بأي طريقة لعلي أتمكن من صوتها فأجعل ضحكتها تستمر و لو لعدة دقائق إضافية فقط لكي أشعر بأني ما زلت -رغم كل هذا اللا شيء الذي يملأني- قادراً على منح الآخرين سعادة و لو مؤقتة..فلا توجد سعادة دائمة في الدنيا لكي أسعى إليها واهباً إياها لنفسي أو للآخرين.
سألتني قبل أن تغادرني:"هل نشعر بالبهجة بعد أن نكون نزعنا عن الأشياء رونقها و طُهرها؟؟"..حينها أجبتها:"لعلنا نزيدها طُهراً و لعلنا نزيدها قُبحاً..و لكننا في نهاية الأمر نجعلها كما تحب أن تراها أرواحنا أو أرواحهم"..و لا أعلم حينها هل راقها أني منحتها حرية الاختيار بين الطُهر و القُبح أم كانت تُفضل أن أختار أنا نيابة عنها؟؟.
حينها أردت أن أسألها:"هل تمتهن هي الدفء أم أن قلبي المتوقف عن العمل كان بحاجتها لكي يشعر بنبضاته من جديد و لو للحظات؟؟"..و لكني كالعادة جبُنت..كنت لا أريد أن تعلن عن نهاية المكالمة لأني أعلم أني لن أجد حينها من يمتهن الحديث مثلها و يحترف انتزاع اللا شيء بلا مجهود يذكر..و لكني كنت أحمق فقد منحهن الرب ذلك الأمر من دوننا فقط ليريني أني رغم كل جبروتي كرجل في مجتمع يمنحني كل السلطات فيه فأنه سيكون دائماً هناك أنثى تُميتني و أنثى تحييني فأسبح بحمدهن و لا أكفر بهن.
عندما صادفت صوتها كنت أتوق لأن أجد أي أنثى فقط لكي تصغي إليَّ و لكني معها قضيت الليلة دون أن أتحدث كما فعلت بالإصغاء إليها في أغلب الوقت..ذلك الأمر منحني ما كنت أتوق بحثاً عنه و لكني كنت أبتعد عنه هارباً في ذات الوقت!!..هل تحدثنا مرة أخرى؟؟..ليلة طويلة كانت..و لكنها كانت ليلة واحدة فقط..و كانت لها تكفي.
#زين_اليوسف (هاشتاغ)
Zeina_Al-omar#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
الكاتب-ة لايسمح
بالتعليق على هذا
الموضوع
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
لهو رباني -قصة-
-
الشهر الذي اُنزل فيه النفاق
-
شيخ الخصيان – 5
-
شيخ الخصيان - 4
-
شيخ الخصيان – 3
-
شيخ الخصيان – 2
-
شيخ الخصيان - 1
-
بنت الشيخ
-
باسندوة ماشفش حاجة
-
لماذا زين جوزيف؟؟
-
غير طبيعية؟؟..طبيعية جداً؟؟
-
كل شيءٍ هاديء في الضالع
-
تتزوجها؟؟
-
كل عامٍ و محمد بلا نسب
-
التحرش الجنسي في اليمن
-
قُبلة يهوذا
-
دستور و مثلَّية و سرير – 2
-
دستور و مثلَّية و سرير - 1
-
لا عذراوات في بلدي
-
لو كان الله رجلاً
المزيد.....
-
عراقجي: بالتوازي مع المسار السياسي ستجتمع الفرق الفنية في ا
...
-
العاشر من رمضان.. مكة بين الحزن والفتح والجيش الإسرائيلي يُق
...
-
فرنسا: من هي كاترين بيغار خليفة رشيدة داتي على رأس وزارة الث
...
-
فوز فيلم -The Ties That Bind Us- للمخرجة كارين تاركيه بجائزة
...
-
شطرنج تحت الخيمة
-
مخالب القرش الأبيض
-
سِفْرُ الشَّتَاتِ
-
عراقجي: أحرزنا تقدّمًا جيدًا في المفاوضات والمرحلة الفنية تن
...
-
حكاية مسجد.. -شمس منتصف الليل- أول مسجد في القطب الشمالي
-
ليلةُ -سيمفونية الملكة- في رويال ألبرت هول
المزيد.....
-
كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين
/ ياسر جابر الجمَّال
-
اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو
...
/ السيد حافظ
-
أحافير شاب يحتضر
/ المستنير الحازمي
-
جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات
/ حسين جداونه
-
نزيف أُسَري
/ عبد الباقي يوسف
-
مرايا المعاني
/ د. خالد زغريت
-
مسرحية : النفساني
/ معتز نادر
-
تشريح الذات: كانَ شتاءَ الشحّ
/ دلور ميقري
-
ذاكرة لا تصافح أحداً. حكايات وذكريات الكاتب السيد حافظ الجزء
...
/ ياسر جابر الجمَّال
المزيد.....
|