أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - محمد زكريا توفيق - من نحن – الدين والتدين















المزيد.....

من نحن – الدين والتدين


محمد زكريا توفيق

الحوار المتمدن-العدد: 4365 - 2014 / 2 / 14 - 06:19
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


من نحن – الدين والتدين
بقم: محمد زكريا توفيق

عندما ننظر في المرآة، نرى شيئا لا يراه غيرنا من الأحياء. نرى أنفسنا. الوعي بالنفس، والوعي بالذات، بما كانت، وبما تكون، وبما يمكن أن تكون في المستقبل، شئ يخص الإنسان وحده. الإنسان هو الوحيد من بين الكائنات، الذي يدرك أنه ميت لا محالة. ولو كنتم في بروج مشيدة. ميت ولو بعد حين.

لكن، هذه الذات التي نراها في المرآة، ما هي؟ من أين أتت إلى هنا؟ وأين تذهب بعد الموت؟ وكيف ننقذها وننجوا بها من العدم؟ فهل هي مادة من مواد الأرض المعروفة، مثل ملح الطعام أو تراب الأرض؟ جاءت كنتيجة من تفاعلات الطبيعة. أم محض شئ روحاني هبط من السماء؟ أم مزيج بين هذا وذاك؟

في عام 1967م، مرضت بالحساسية فتاة من كاليفورنيا، ريني باسارو، عمرها 16 سنة. ذهبت إلى الطبيب بعد أن تورم وجهها وجسدها. أعطاها الطبيب الحقن اللازمة، لكن الفتاة لم تستجب للعلاج. هذه قصتها، كما روتها الفتاة بنفسها:

"بعد أن ذهبت في الصباح إلى الطبيب وأعطاني الحقن اللازمة، عدت إلى منزلي. أثناء تناولي وجبة العشاء، بدأ علقي يتورم، ولم أعد أستطيع التنفس. أخذتني والدتي وبعض الجيران بسرعة الشارع، لنقلي إلى المستشفى. كنت فاقدة الوعي، لا أتنفس.

بدأت الناس تتزاحم حولي في الشارع. لكنني كنت مدركة بوجود الناس حولي، بالرغم من كوني لا أتنفس. كانوا يرددون: تنفسي يا ريني، تنفسي. وكنت مدركة أنهم وضعوا خرطوم الأكسوجين في فمي، وأخذوا يدفعوه دفعا داخل حلقومي.

كنت مدركة أنني سوف أموت. وكنت أجاهد لكي أبقى على قيد الحياة وأظل متيقظة. ثم وصلت إلى النقطة التي لم تعد فيها المجاهدة للبقاء، أفضل من الموت. لذلك استسلمت لقدري. وكنت مدركة أن الدماء قد توقفت في شراييني.

بعد ذلك، شعرت أنني قد خرجت من جسدي وكنت على بعد قدمين منه، وعلى ارتفاع ثلاثة أقدام في الهواء. كنت مجرد عين ترى 360 درجة حولها. كنت أعرف أن الجسد الملقى في الشارع هو جسدي. وكان رجل الإسعاف يصرخ قائلا: يا إلهي، لقد فقدناها.

لم أكن أشعر بمرور الزمن. بدأت في التحرك إلى أعلى كما لو كنت قمرا صناعيا. وكنت أستطيع رؤية مسافات ومساحات أكبر وأكبر. حتى أمكنني رؤية الكرة الأرضية كلها. تركت الأرض، واتجهت إلى مصدر ضوئي يأتي من نفق بعيد. عبرت هذا النفق، فوجد مكانا مظلما غير مرتب، مزدحم وملئ بالأشياء الأخرى.

كنت أتخوف من أن أصبح وحيدة في هذا المكان. لكنني وجدت خالي المتوفي. الوحيد من أقاربي الذي كنت أعرفه قبل أن يموت. رحب بي، لكنه كان متحيرا لوجودي في هذا المكان.

أتذكر في هذا المكان، الضوء والحركة والموسيقى. نعم، لقد رأيت حياتي تمر أمامي كشريط السينما. لقد رأيت كل حدث مهم لي في الماضي بوضوح. ورأيت نتيجة أفعالي وتأثيرها في الآخرين.

كنت كمن طرد من مكان ما، وذهب إلى مكان آخر، مكون من الأنوار. الناس هناك كانوا سعداء بوصولي، وكانوا ينادونني لكي ألحق بهم. وكنت أجري نحوهم بسعادة وحرية مطلقة.

لكن قبل أن أعبر المسافة بيني وبينهم، سمعت صوتا يقول: لم يحن الوقت بعد. مع هذا، وجدت نفسي أهبط قوس قذح من الضوء، ثم نفق إلى الأرض.

بعد ذلك، سمعت صوت فرقعة هائلة، ورأيت جسدي الملقى مرة ثانية. وهو مرفوع من على الأرض وممد على نقالة الإسعاف، ورأيته وهو ينقل إلى عربة الإسعاف. شعرت بحزن وخيبة أمل. إذ يبدو أنني محكوم على بالحياة.

لم أكن على قيد الحياة في هذه اللحظة. لقد كنت متوفية "إكلنيكيا". لقد كنت ميتة عندما وضعوني في عربة الإسعاف وأسرعوا بي إلى المستشفى. عندما سأل الطبيب رجلي الإسعاف عن حالتي. أجابا بأنني "ميتة عند الوصول".

منذ متى؟ منذ مدة طويلة. لا نظن أنك سوف تحاول إعادتها للحياة. بعد ذلك، كنت أرقد على منضدة وأنا مغطاة بملاية، بينما كان الدكتور يغسل يديه بعد أن فقد الأمل.

طبيبي الخاص، هرول مسرعا إلى المستشفى. سأل بلهفة، أين هي؟ قال دكتور المستشفى، ها هي ، "ميتة عند الوصول". لكن طبيبي الخاص، أمر ب 6 حقن إدرينالين. بعد الحقنة الثالثة أو الرابعة، استطاع أن يرجعني إلى الحياة مرة ثانية."

هل قصة مثل هذه، تدل على أن النفس خالدة وهناك حياة بعد الموت؟ ليس هناك شيئا في كيمياء المخ، يفسر الطفو في الهواء مثل العين، والرؤية ب 360 درجة. والسفر إلى مدينة الضياء لمقابلة الخال المتوفي منذ مدة طويلة.

العلم لا يفسر مثل هذه الأشياء. موضوع الحياة بعد الموت، هو سلاح الأديان الناجع، في جذب الأتباع والمريدين بالبلايين. كل ما يأمله العلم في هذا الخصوص، هو علاج مرض عضال، أو مد عمر الإنسان الافتراضي عدة سنوات.

بالرغم من أن العلم، لا يستطيع أن يفيدنا كثيرا في موضوع الحياة بعد الموت. إلا أنه يستطيع أن يدلي بدلوه، في مواضيع شبيهة بموضوع الفتاة السابق ذكره. ويعطينا تفسيرا بعيدا عن الدين لما حدث لها.

أول شئ ملفت للنظر، هو أن ما حدث للفتاة، حدث لآلاف الناس قبلها، ومروا بتجارب مشابهة لما مرت به. وأصبحت ظاهرة معروفة باسم "تجربة الاقتراب من الموت"، (NDE).

الدكتور "مايكل سابوم"، الأستاذ في جامعة إموري، قام بدراسة 116 حالة مرضية مشرفة على الموت. وجد الدكتور "سابوم" أن 40% من هذه الحالات، قد مرت بما يعرف ب"تجربة الإقتراب من الموت". كيف كان التطابق؟ مذهل.

وجد الدكتور "ريموند إيه مودي"، أن هؤلاء المرضى، يمرون تقريبا بنفس التجربة. يسمعون الطبيب وآخرين وهم يعلنون وفاتهم. يشعرون براحة وسلام كبيرين. يسمعون ضوضاء وأصواتا عالية.

يشعرون أنهم يعبرون نفقا طويلا. وأنهم يخرجون من أجسادهم. يقابلون أرواحا أخرى، أقارب أو أصدقاء توفوا من قبل. ثم يرون النور في نهاية النفق. يرون مدينة النور.

بعد ذلك، ينقذون ويعودون إلى الحياة كشخص آخر. يحاولون إخبار الآخرين بتجربتهم، لكن لا أحد يصدقهم. هذه التجربة تؤثر في حياتهم بعمق. وتجعلهم شديدي الإيمان بالحياة بعد الموت.

يقول الدكتور "سابوم" وآخرين، أن اتفاق هؤلاء المرضى على نفس التفاصيل التي يمرون بها، يدل على أنها ليست مجرد هلوسات. ما نحن نشاهده، هو في الواقع شئ يحدث فعلا. عندما يقولون أنهم يطيرون في الهواء، فهذا لا يمكن أن يكون حلما. ولابد أنهم كانوا يطيرون في الهواء فعلا.

لكن العلم يقول، بأن الوعي مرتبط بالجسد. عندما يذهب الجسد، يذهب معه كل شئ. أما الدكتور "رولاند بوتشيتي" من جامعة دالهوزي، فيسخر من تجربة العودة للحياة من عالم الأموات. الميت، هو الشخص الذي شبع موت، والذي لا يمكن إحياؤه ثانية. الناس مثل الفتاة "ريني"، الذين عادوا من الموت، في الواقع هم لم يموتوا بالمرة.

هناك تفسيران لظاهر "تجربة الاقتراب من الموت". تفسير للعقل الواعي، وآخر للعقل الباطن. التفسير الأول يقول، بأن مركز الأعصاب في المخ، يحفز النيرونات المتصلة بأعصاب العين فيجعل الشخص يرى، حتى لو كان في غرفة مظلمة.

التفسير الآخر ، كما يقول الدكتور "أدريان فيروردت" من جامعة دوق، أن الإحساس بأن الشخص يترك جسده، هو نوع من دفاع الجسم الميكانيكي للتخلص من الألم.

ماذا عن تجربة الإنسان الأولى عند الولادة. الضوء في نهاية النفق، والمرور في النفق، ثم الخروج إلى مدينة النور؟ ثم سماع أول صوت والضجيج والصخب؟ هل من الممكن، أن تكون أول ما تسجله ذكرتنا عند الولادة، هو آخر ما نتذكره عند "تجربة الإقتراب من الموت"؟

لكي نعرف حقا من نحن، علينا أن نلقي نظرة على موضوع الدين. لقد عبد الناس الشمس والقمر والأرض والتماثيل والأفكار، وعبدوا أيضا غيرهم من الناس. ولكي نعرف ما هو الدين، عينا أن نذهب إلى مدينة، لعب الدين فيها دورا خطيرا، قديما وحديثا، وهي مدينة القدس.

ها هنا ظهر الفكر الديني الذي شكل نصف سكان الكرة الأرضية. اسمها القدس، وبها أشياء كثيرة مقدسة. هي قاعدة الصعود إلى السماء في الديانات السماوية الثلاث.

اليهود، يبكون أمام الحائط المتبقي من هيكل سليمان، حائط المبكى. وهنا جبل المعبد في القدس القديمة الذي به، كما يعتقد اليهود، قدم النبي ابراهيم قربانه للرب. وهنا كلم النبي داود الرب، وهنا عاقب الرب اليهود.

على بعد ميلين، توجد كنيسة القيامة، أقدس أماكن الديانة المسيحية. في ربوعها، كان يعيش السيد المسيح. يمشي في شوارعها، صلب وصعد إلى السماء بالقرب منها. بعد ثلاثة قرون، أعلن الامبراطور قسطنطين، بعد اعتناقه المسيحية، أن القدس هي مدينته ودينة المسيحيين.

بعد قسطنطين بأربعة قرون، حكم المسلمون المدينة. مسجد قبة الصخرة وغيره من المساجد، تم بناؤها بجوار معابد اليهود وكنائس المسيحيين. مجمع عمائر، كلها تدعوا إلى عبادة نفس الرب الواحد. حيث الطريق إلى السماء مفتوح على مصراعيه.

هنا صعد النبي محمد إلى السماء، بالقرب من المكان الذي صعد منه المسيح إلى السماء. هي ثالث المدن قداسة، بعد مكة والمدينة. لذلك هي مدينة المسلمين أيضا، كما هي مدينة المسيحيين ومدينة اليهود.

بسبب الاعتقاد أن مدينة القدس، هي قاعدة الانطلاق إلى السماء، مثل قاعدة انطلاق الصواريخ في كيب كانافيرال بالولايات المتحدة. لذلك قامت الحروب الطاحنة بين هذه الأديان الثلاثة. كل يطلب السيطرة على قاعدة الصواريخ هذه.

مدينة القدس، تم احتلالها وتحريرها، ثم احتلالها وتحريرها، في سلسلة لا تنتهي، أكثر من أي مدينة أخرى على وجه البسيطة. أريقت في سبيل ذلك، بحور من الدماء، وأزهقت نحو هذا الهدف النبيل أرواح ملايين المؤمنين والمساكين والمخدوعين والمغيبين عقليا.

لا يسعنا إلا أن نعترف، مهما كان إيماننا وعقيدتنا، بأن تجاربنا العقائدية وحروبنا الدينية، شئ مخز يدعوا للشفقة والرثاء. لكن في نفس الوقت، أنتجت هذه التجارب والإيمان العميق، كل الفنون.

المسرح والأوبرا والموسيقى الكلاسيكية والعمارة الرائعة في أوروبا والشرق. معبد الكرنك والدير البحري والكنائس والكاثيدرائيات والمساجد العظيمة، مسجد السلطان حسن والرفاعي، على سبيل المثال لا الحصر. وفوق ذلك، قيم التسامح والتكافل، إلخ.

لكن الأديان والتعصب لها، أعطتنا أيضا الحروب الصليبية ومحاكم التفتيش وحرق العلماء والفلاسفة والمفكرين، وتعذيب وحرق الساحرات، وفرق الخناقين والحشاشين، وقرية جيم جونس في أمريكا الوسطى، والخوميني وابن لادن والقاعدة، والإخوان والسلفيين.

ماذا يعني كل هذا؟ وكيف نفسر دعوة الأديان إلى الحب والعدل والتسامح، مع الإيمان بالخرافات والطقوس التي لا يقبلها عقل. وماذا نقول لمباركة رجل الدين للإرهابي، وهو يستعد لتفجير نفسه، أو للجيش الذي يتقدم لإبادة جيش آخر يعبد نفس الرب، لا لشئ سوى أنه يختلف معه في طقوس العبادة. وهل الدين شئ موروث لا غنى لنا عنه؟

يقول "سيجماند فرويد" بصراحة إن الدين ما هو إلا مرض عقلي انتشر مثل الوباء بين بني البشر. الدين هو مجرد أحلام مريضة تقصيك عن الواقع. وتجعلك تعيش في أوهام من اللخبطة والهلوسة.

إن فرويد يصرخ من قلبه قائلا: إصحوا. أفيقوا. إكبروا. انسوا حكايات أمنا الغولة والهبل والتخاريف المريضة. لا توجد هناك جنة أو نار. ولا ملائكة أو شياطين. كن شجاعا واقبل ما يقوله العلم. اترك وصية الدين الحادية عشر، التي تقول: لا تفكر.

العلوم، كما يقول فرويد، هي الأمل الوحيد لمعرفة الحقيقة. كان فرويد واثقا من أن تقدم العلوم، كفيل بكشف عورة الأديان وتبيان زيفها. فالدين ما هو إلا مرض عصابي يصيب المخ فيجعل صاحبه متعصبا غير قادر على التفكير ومستعدا لقتل نفسه.

لكن فريد كان متسرعا في تنبؤه بأن العلم سوف ينتصر على الدين. في الواقع، العكس هو الصحيح. لقد انتشرت الأديان والتدين وازدهرت، وخصوصا في بلادنا. ولم تعد هناك في مصر امرأة غير محجبة أو منقبة. والإخوان والسلفيون بدأوا يظهرون مثل الجراد المنتشر من تحت الرماد في زمن مرسي وحكم الإخوان البائس.

في الولايات المتحدة عام 1952م، كان ثلاثة أرباع السكان يعتبرون أن الدين شئ هام في حياتهم. في عام 1978م، انخفضت النسبة إلى 52%. لكن النسبة بدأت ترتفع بغد ذلك عاما بعد عام.

في عام 1978م، كانت نسبة الشباب الذي يقرأ الإنجيل 27%. ارتفعت في عام 1981م إلى 41%. الذين صوتوا ل"بوش الابن" هو المتدينون الأمريكان. مساعدة الأمريكان لإسرائيل، سببها ديني، لا سياسي. لأن قيام دولة إسرائيل الكبرى، تعجل بقدوم المسيح.

لكن، ما قول العلماء في هذه الظاهرة؟ ولماذ نخلع عقولنا مع أحذيتنا على أبواب المساجد؟ ولماذا ينزل كلام الشيخ بردا وسلاما على النفوس الحائرة القلقة؟ ولماذا لا نجرؤ على فتح هذه الغرفة المرصودة بالذات في هذا القصر المسحور ، بينما باقي الحجرات مباحة بدون قيد ولا شرط؟

تعالوا معي نذهب إلى عالم المخ المشهور "دكتور أرنولد شيبيل"، لكي نستشيره ونأخذ رأيه في هذا الموضوع المحير. أبحاث الرجل عن كيف يعمل المخ، قد تعطينا بصيصا من الضوء، يساعدنا على الإجابة على هذا السؤال.

الفص الصدغي من المخ، (Temporal lobe)، هو قسم من القشرة المخية التي توجد أسفل نصفي الكرة المخية في دماغ الثدييات.
من وظائف الفصين الصدغيين: الاشتراك في حفظ الذاكرة البصرية, معالجة المدخلات الحسية, فهم اللغة, تخزين الذكريات الجديدة, والعواطف, واستيعاب المعاني.

المخ يعمل بشيئين: الكيمياء والكهرباء. في الواقع، مخ الإنسان به كهرباء تكفي لصعق فيل. وهذا ما يفعله سمك الثعبان الكهربائي الموجود في أنهار أمريكا الجنوبية. فهو يجمع كهرباء المخ، ويصعق بها فريسته.

الفص الصدغي من مخ الإنسان يعمل بالكهرباء أيضا. أثناء العمليات الجراحية في المخ، مجرد لمس الفص الصدغي بالكهرباء، يجل المريض يهلوس ويرى هالات من النور غير موجودة. ويعرضه لما يشبه الأحلام ويستدعي ذكريات ماضية.

أي خلل أو تدمير لأجزاء من الفص الصدغي، ينتج عنه تغير في الشخصية والطريقة التي يتعامل بها المريض مع العالم الخارجي. التدين الشديد والميل للتصوف، ربما يكون سببه، زيادة غير عادية في كهربة المخ وخصوصا في جزئي الفص الصدغي.

ماذا لو وجد العلماء أن الأنبياء الذين تلقوا الوحي وخاطبوا الرب، كان ذلك بسبب هلوسة دماغية ، بسبب خلل في اتصال الفصين الصدغيين بجزء آخر في المخ اسمه اللوزة الدماغية (amygdala). وما سيكون تأثير ذلك على الأديان المبنية على عقيدة الوحي؟ يقول شيبيل، أنا لا أستطيع الإجابة على هذا السؤال.

لا يزال أمال العلم مشوار طويل، لكي يثبت أن الديانات الكبرى، مبنية على سلسلة خلل عقلي، يفسر بأنه تدخل إلهي من السماء، لإنقاذ البشر. لكن أبحاث مثل أبحاث الدكتور شيبيل، قد تساعدنا على فهم التعصب الشديد الديني، وأفعال المتعصبين المتناقضة، بين الخير في لحظة وقتل الأبرياء في اللحظة التالية.

إننا نريد أن نعرف، كيف يجرؤ الصليبيون على قتل النساء والأطفال باسم نصرة المسيح والديانة المسيحية. وكيف يفعل نفس الشئ اليهود مع الفلسطينيين، والمسلمين مع بعضهم البعض، بالرغم من وجود البسملة على لسان كل مسلم والتي تقول "بسم الله الرحمن الرحيم". فأين الرحمة هنا؟

التدين والنفاق يسيران جنبا إلى جنب إلى السحل والقتل. المتعصب دينيا، لا يقتل بسبب إيمانه. وإنما يبحث عن نشوة ذهنية مثل النشوة الذهنية التي يحصل عليها مدمن المخدرات. "مزاج عالى" و"عمل دماغ". جماعة الحشاشين الشيعة الإسماعيلية، كانوا يقومون بالتحشيش قبل الجهاد والقتل في سبيل الله.

إذا كانت هذه الأبحاث تقول أن الوحي ومخاطبة الرب والصعود إلى السماء، كلها أشياء يمكن تفسيرها كيميائيا وإعادة تكرارها في المعامل، فهل يمكن إقناع الناس بذلك، أم أنهم سوف يستمرون في التدين ؟ الإجابة أنهم سوف يستمرون في التدين. يبدو أننا كلما بعدنا عن الجهل والخرافات التي تبنى عليها الأديان، كلما زادت حاجتنا للتدين.

يبقى السؤال، هل الدين أم التعصب هو المشكلة. وماذا نفعل في مواجهة جند الله المغيبون عن الوعي، والمستعدون لقتل أنفسهم وقتل كل ما هو جميل في حياتنا؟ وهل نحن حقا في حاجة إلى الدين والتدين؟ وهل يمكن أن نعيش بدونه؟

هل يمكن تطهيره من التعصب والكراهية وضيق الأفق، وتحويله إلى مصدر إلهام للفنون والعلوم والقيم النبيلة؟ أم أن هذا شئ من رابع المستحيلات؟ وما علينا إلا أن نقبله بخيره وشره، أو نرفضه كلية بإباء وشمم.

كان لي زميل في العمل أمريكي الجنسية. نصفه هندي أحمر والنصف الآخر ألماني. سألته يوما عن المسيح، وهل هو يؤمن حقا بأن المسيح ابن إله أم مجرد نبي؟ فصمت برهة قصيرة ثم قال:

"هذا لا يهمني في شئ. وهما أمران يتساويان عندي. المهم الرسالة التي يقدمها لي، لا طبيعته وحياته." فهل يمكن أن نغض الطرف عن طبيعة الأديان وكنهها؟ نهمل مساوئها وعيوبها، ونهتم بأفضل ما فيها؟ مجرد تساؤل؟
zakaria@att.net














كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,636,369,566
- قصة المماليك – الظاهر بيبرس (3 / 3)
- قصة المماليك – الظاهر بيبرس (2 / 3)
- قصة المماليك – الظاهر بيبرس (1 / 2)
- قصة الموسيقى الغربية – فرانز شوبرت
- قصة المماليك – شجر الدر - قطز
- قصة المماليك – خلفية تاريخية
- قصة الموسيقى الغربية – فيبر، آخر العظماء السبعة
- كليوباترا بنت الزمار
- تاريخ البطالمة الأوائل–عصر النهضة
- التاريخ المصري القديم - نزل الستار وفقدت مصر استقلالها
- التاريخ المصري القديم - الأسرتان 20-21
- بيتهوفن - عبقري الموسيقى الأصم
- رمسيس الثاني، فرعون موسى
- قصة الموسيقى الغربية – موزارت
- قصة الموسيقى الغربية – هايدن ، أبو السيمفونية الحديثة
- قصة الموسيقى الغربية – جلوك
- التاريخ المصري القديم - توت عنخ أمون
- التاريخ المصري القديم - إخناتون إمام الموحدين
- التاريخ المصري القديم - تحتمس الثالث
- التاريخ المصري القديم - العصر الذهبي


المزيد.....




- بعد فشل دعوة الخروج بمليونية في مصر.. كيف يعيش محمد علي بإسب ...
- -لعنة- مطار برلين الجديد هل توشك على الانتهاء باعلان افتتاحه ...
- ظريف يلفت إلى اعتراف أمريكي مفاجئ يتعلق بأنشطة إيران الصاروخ ...
- مسؤول: واشنطن تعتزم إرسال آلاف الجنود إلى الشرق الأوسط لردع ...
- مقتل 3 جنود أمريكيين في حادثة تحطم مروحية في غرب الولايات ال ...
- مسؤول: واشنطن تعتزم إرسال آلاف الجنود إلى الشرق الأوسط لردع ...
- مقتل 3 جنود أمريكيين في حادثة تحطم مروحية في غرب الولايات ال ...
- منتهى أمارة.. الفلسطينية التي هزمت الاحتلال
- نواب عن ذي قار يدعون وزارة الدفاع لتقديم اعتذار رسمي لابناء ...
- نواب: الحكومة المستقيلة اهدرت تريليونات الدنانير مع الاقليم ...


المزيد.....

- مستقبل اللغات / صلاح الدين محسن
- ألدكتور إميل توما وتاريخ الشعوب العربية -توطيد العلاقات الاج ... / سعيد مضيه
- نقد الاقتصاد السياسي، الطبعة السادسة / محمد عادل زكى
- التاريخ المقارن / محسن ريري
- ملكيه الأرض فى القرن الثامن عشر على ضوء مشاهدات علماء الحملة ... / سعيد العليمى
- إملشيل، الذاكرة الجماعية / باسو وجبور، لحسن ايت الفقيه
- أوراق في الاستشراق / عبد الكريم بولعيون
- إشكالية الخطاب وأبعاده التداولية في التراث العربي واللسانيات ... / زهير عزيز
- سلسلة وثائق من الشرق الادنى القديم(1): القوائم الملكية والتا ... / د. اسامة عدنان يحيى
- التجذر بدل الاقتلاع عند سيمون فايل / زهير الخويلدي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - محمد زكريا توفيق - من نحن – الدين والتدين