أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - فرهاد عزيز - الأم الخيمة والعويل














المزيد.....

الأم الخيمة والعويل


فرهاد عزيز

الحوار المتمدن-العدد: 4321 - 2013 / 12 / 30 - 23:53
المحور: الادب والفن
    


الأم الخيمة والعويل
11

بالذات هنا صرت أخاف على أمي ، لأنها فعلا تعرفت قليلا ، وجمد كيانها ومالت الى الخلف لتسقط سقطة مريبة ، جامدة الفكين ، مغلقة العينين ، متخشبة دون حراك ، ارتبكت وصرخت ، ووضعت راسي على صدرها وعلى فمها وانفها لاسمع دقات قلبها وزفيرها . وكانت دقات القلب بطيئة وتنفسها هادئ وبطئ ، واذا بخالتي تركض باتجاهي لتهدئني وهي تحمل الماء ، كي ترش قليلا على وجه امي ، وقالت هاتني بغطاء وقليلا من القولونيا ان كان عندك ، واسرعت ملبيا طلب خالتي ، ساعدتها لتعديل رأس امي ووضعه باتجاه صحيح ووضعت عليها الغطاء وقالت .
ـ دعها وشأنها ياولدي ، ستنهض فيما بعد عندما تصحو ، ولا تخف هي عادتها في الاغماء ، والآن هي في رحلتها الى العالم الآخر ، ساعدني لتعديل وضعها وتمديدها باتجاه القبلة ، حيث هي كانت تريد ذلك دائما ، لأنها ان رحلت نهائيا معنى ذلك لا تعود بعد واختارت هي الرحلة الابدية واطمئن يابني ان ارادت ان تعود فهي التي تختار ، وليس لنا اية حيلة او وسيلة لارجاعها، ورويدا رويدا تجمع ساكني البيت صغارهم وكبارهم وبعض الجيران لنحيط بامي وهي مسجاة بيننا تحت الغطاء . نترقبها بالبكاء والحزن يحيط بنا كلنا وكنا نخشى الصراخ والعويل لكننا في خوف عميق من فقدانها ، وزادت توسلاتنا لرب السماء ان يعيدها الينا . وتخيلت قريتنا وبأن امي مسجاة هناك وبأن الارض انشقت من تحت امي وانبثق نور اخضر من الاسفل وسقطت امي وكأن هناك ايادي تسحبها باتجاه الاعماق السحيقة الخضراء المشعة ، الى حيث عالم آخر سفلي وصرنا نحن الاخريين نطير خلفها نمد ايادينا محاولين الامساك بها ، نحاول سحبها باتجاه الاعلى ، والايدي تسحبها باتجاه الاسفل ، سمعت العويل والصراخ ، والكل يركض باتجاه بيتنا ، سمعت عويل بنات اوى ونباح الكلاب ، وبان الاشجار تميل وتصفق بعضها وبان النهر الوحيد في قريتنا استدار وسا ر يجري بعكس الاتجاه ، وبأن الغربان السوداء تجمعت مجموعات وفي حلقات دائرية تحوم حول باحة بيتنا الطيني ، وفجأة احمرت السماء وعواصف التراب الرملية الحمراء تضرب كل صوب لدرجة صرنا نقي انفسنا متجمدين ملتفين حول بعضنا ، ناسين امي تنزل لوحدها ، تلاقفتها الايادي باتجاه الاسفل ، وصرخت باعلى صوتي اماه انقذيني ، انتبهت الى احتضان خالتي لي حيث وجدتني مرتعشا من الخوف متعرقا .
عرفت فيما بعد بان امي اعتادت هذه الحالة وكانت كلما تعود من رحلتها هذه تتحدث عن تفاصيل الرحلة ، يحيطون بها ويستأنسون بسردها ذاك . ولم اكن مطمئنا لحالتها ، رغم تأكيدات خالتي ، لكنها طلبت مني ان كنت اريد خدمة امي والمساهمة في التعجيل بعودتها الينا ، علي بقراءة القرآن وبالذات سورة الكهف
تناولت القرأن وبدأت التجويد
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي انزل الكتاب على عبده ولم يجعل له عوجا ، قيما لينذ ر باسا شديدا من لدنه ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات ان لهم اجرا حسنا ،........ اذ اوى الفتية الى الكهف فقالوا ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من امرنا رشدا ، فضربنا على اذانهم في الكهف سنين عداد ا ، ثم بعثناهم لنعلم اي الحزبين احصى لما لبثوا امدا ، ...... فانطلقا حتى اذا لقيا غلاما فقتله قال اقتلت نفسا زكية بغير نفس لقد جئت شيئا نكرا ،... وبقيت اقرأ مجودا وبانتهاء السورة بدأت الحركة تدب في جسد امي وحين قلت صدق الله العظيم ، فتحت امي عينيها بهدوء وهي تنظر في وجوهنا وابتسمت وهي تنظر الى نظرة حملت معاني كثيرة ، وبقينا كلنا مهليين فرحين بانها عادت الينا ، وقالت :
ـ اخترتك معي في رحلتي هذه ولم اتركك وحيدا هناك بل عدت بك الى هنا وسط اهلك ، ولولا وجودك معي لأخترت الاقامة هناك .
كنت انا مرتبكا من كل مايحدث وخفت ان اسألها اين هناك يااماه؟ بل ولم اشأ ان اعود بها الى تكملة قصة حبها خوفا عليها ، لانني صرت اخشى ان تختار الرحيل ونبقى لوحشتنا . لانني تذكرت فجأة مقولة جدتي التي كانت تكرر علي باستمرار ، بأن الام خيمة والاب عمودها ومسندها ، ان مات الاب تبقى الخيمة تغطى الاخريين تحتها من العائلة ، لكن موت الام يعني ان تصبح العائلة عرضة للريح والعواصف والامطار.

بغداد
اواخر كانون الثاني 2013





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,470,199,226
- الحب في رعاية زوار الفجر
- حب ، وحب في زمن صعب
- الثالوث جنس مقدس 8
- صاحبة الصوت هنا
- امي والله
- الصوت حاجة هنا وهناك
- ايهما ال(هنا) .. ام ال (هناك) ارحم
- أين الخلل ، فينا أم منا
- الحياة لمن يستحقها
- نكسة الاتحاد الوطني في الانتخابات وللمرة الثانية مسئولية من ...
- ديمقراطية رحم المجتمع
- هل يتمكمن العراق ، ان يتحول الى مشروع حضاري ، لدولة مواطنة ، ...
- الدولة الطائفية المسيسة والدروع البشرية
- الفيليون قضية دولة العراق بعد قرارالمحكمة
- الفيليون ليسوا ملفا على الرف
- الدولة والدين
- اسئلة بين سطور الخبر
- العائدون لكن دون اشلاء
- تفعيل عمل الجالية العراقية المشترك في الدنمارك مهمةاحزاب ام ...
- اربعينية فنان الشعب الكردي الراحل محمد جه زا


المزيد.....




- كان فنانا ورياضيا.. المواهب الخمس المذهلة للإنسان البدائي
- لأول مرة.. حيوانات في عروض السيرك بغزة
- -ولاد رزق 2-.. هل تنجح أفلام -الأكشن- دائما؟
- فوز رواية -لا صديق سوى الجبال- للكاتب بهروز بوجاني
- شاهد: معرض من نوع آخر في فينيسيا ... لوحات فنية تنتظر زائريه ...
- إليسا تعلن اعتزال صناعة الموسيقى -الشبيهة بالمافيا-
- الأدب العربي ناطقًا بالإسبانية.. العدد صفر من مجلة بانيبال ي ...
- حصون عُمان وقلاعها.. تحف معمارية وشواهد تاريخية
- قداس بكنيسة صهيون.. الفنان كمال بلاطة يوارى الثرى بالقدس
- للحفاظ على اللغة العربية... حملة مغربية ضد إقرار اللغة الفرن ...


المزيد.....

- -مسرح المجتمع ومجتمع المسرح-، بحث حول علاقة السياق الاجتماعي ... / غوث زرقي
- المنحى الفلسفي في شعر البريكان / ياسر جاسم قاسم
- عناقيد الأدب : يوميات الحرب والمقاومة / أحمد جرادات
- ديوان ربابنة الجحيم الشاطحون / السعيد عبدالغني
- ديوان علم الانعزال ، أنتيكات الغرائبية / السعيد عبدالغني
- استعادة المادة، الفن والاقتصادات العاطفية / عزة زين
- سيكولوجيا فنون الأداء / كلين ولسون
- المسرح في بريطانيا / رياض عصمت
- الدادائية والسريالية - مقدمة قصيرة جدًا / ديفيد هوبكنز
- هواجس عادية عن يناير غير عادى سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - فرهاد عزيز - الأم الخيمة والعويل