أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أماني فؤاد - أنا ..أنت ..وهو ..مناورة الضمائر في سردية -الأنثي في مناورة - للروائي محمد جلال















المزيد.....

أنا ..أنت ..وهو ..مناورة الضمائر في سردية -الأنثي في مناورة - للروائي محمد جلال


أماني فؤاد

الحوار المتمدن-العدد: 4288 - 2013 / 11 / 27 - 07:17
المحور: الادب والفن
    


أنا .. أنت .. هو .. مناورة الضمائر
فى سردية الأنثى فى مناورة"( )

نشر نص الأنثى فى مناورة عام 1971م ومعه انتقل الروائى محمد جلال إلى مرحلة أخرى فى الكتابة يصفها النقاد "بتيار الوعى" بعد أن جاءت أعماله الأولى معبرة عن الواقعية كما فى "حارة الطيب" و"القضبان" و"الرصيف" و"الوهم" و"الكهف".
يعتمد نص "الأنثى فى مناورة" على استبطان الذات من خلال سردية تتكئ على المونولوج، وفيه تحكى "سهى" الشخصية الرئيسية بالعمل تاريخ أسرتها المفجع، بعد أن مات أخيها غدراً، حين رحل عنها ليأخذ بثأرهم، بعد استيلاء الآخرين على أرضهم، إثر وفاة رب العائلة ورجلها، وتدفع الأم إبنها لأن يأخذ بالثأر وتموت قبل أن يهم بتنفيذ رغبتها، لكن يبقى أثر الأم فى حياة ابنتها حين تتذكر "سهى" حث أمها الدؤوب بأن تحترم إرادتها، وأن لا يفرض عليها ما ينتقص منها، تعيش سهى قصة حب فى شبابها مع "كرم" ولا تتوج بالتحقق بعد أن يغادرها ويسافر دون علمها، تتزوج ممن اختارته عائلتها دون حب حقيقى، ثم تتعرف على المحامى "تامر" وترى فيه العدالة التى ستأخذ بثأرها لأخيها، وبرغم حب "سهى" الحقيقى لتامر تظل اللوحات فى المعرض الذى أقامته تحمل ظلالاً متكررة من ذكرى حبها لكرم، فيأخذ "تامر" ذلك ذريعة ليهجر هذه العلاقة، ويتهمها بالخيانة، وهنا يصل الصراع لذروته بنفس سهى، فتتخبط فى عشوائية بين ذكريات الماضى والرغبة فى الانتقام من تامر، وبالفعل تأتيها اللحظة عندما يعود لها "تامر" مستعطفاً إياها فترفض فى رعونة وتشير إلى الانزواء والعمر الذى مضى.

فوضى المشاعر والضمائر:
ويزخر نص الأنثى فى مناورة بمعرض من المشاعر المضطربة والمتناقضة والمحتشدة، تبرز وتتصارع كلها مرة واحدة، دون مبررات منطقية قوية؛ ولذا يشعر المتلقى إنه إزاء نص سمته التكلف لا ينساب فى تلقائية، كأن تقول سهى "لن أجد قطرة حنان أسكبها على حنانك المعطاء، ويبقى حنانك وحيداً هزيلاً رغم نضارته، كنت واهمة يا تامر، فى أعماقى بئر من الحنان، أعترف سقطت أمطارى" ص528.
هكذا دوماً تناقضات مباشرة متعجلة، تحولات مفاجئة دون تمهيد أو مقدمات. تتآزر هذه الإحساسات المتباينة والمتوالية والمتغايرة فى ذات اللحظة مع معرض من الضمائر المتحولة التى تكتظ بها الأساليب والصياغات الكتابية بالنص، يضاعف من الإحساس بالتكلف تحول الضمير من مخاطب إلى متكلم إلى غائب فى حركة متحررة مطلقة تخلق تصدعات أو فراغات، وعلى القارئ أن يجتهد معها ليفهم تشكلها على هذا النحو.
وتتطلب تقنية الفلاش باك ضرورة التركيز عند قراءة النص، فهناك دائماً استرجاعات زمنية مباغتة، أعتمد عليها السرد فى تقاطعات مع لحظات أو أحداث الحكاية المعاصرة، ولقد أوجدت هذه التقنية أندياحاً فى الترتيب الزمنى فالماضى والمضارع والمستقبل يتجاورا دون غضاضة، لكن دون انسيابية أيضاً، ولقد خلَّق ذلك اندياحاً آخر فى الحضور والغياب، فالموتى تستحضرهم السردية من خلال أحلام اليقظة أو الأحلام التى تتابع على البطلة، وفيها تتم حوارات متخيلة تجعل الغياب أو الموت فى منطقة ضبابية تقترب من الحياة أو الحضور.
ويعد لجوء الكاتب لهذه المنطقة الضبابية توفيق فى التشكيل السردى؛ لتناسبها مع طبيعة التجربة التى مرت بها "سهى" من موت أخيها وأمها واستحضارهم فى لحظات فقد متوترة من تجربتها القاسية التى تعيشها مع "تامر" ومع محبيها السابقين، الذين لم تكتمل تجاربها معهم، ما ينبغى أن أشير إليه إن هذه التقنيات وما بدا من توفيق بها يظل توفيقاً عصياً لا مرونة فيه.
وتستل سهى من ذاتها أخرى وتصنع بينها وبين هذه الأخرى مسافة ما أو مساحة تجعلها تحاورها وتحادثها، تشتبك معها إما بسبب الوحدة التى تعانيها فى حياتها، وبعد تجربة الحب بينها وبين التى شابها الشك، أو لحلم يخاتلها لحب قديم مجهض لرجل ارتبطت به ثم اختفى من حياتها تقول سهى ".. وتوقف ليعيد توازنه، ووجدت نفس تدفع باب العربة بكل صراخها، وتجرى وتجرى وتجرى.. فى الصباح "تأكدت أن سكين الجزار.." ص578 لنا أن نلاحظ وجدت نفسى، ثم مباشرة تدفع باب العربة. تعبر هذه الصياغات الأسلوبية للضمائر لمدى الانفصالات فى الشخصية الواحدة والتى تحيا وتتصارع فى ذات سهى، ولذا لنا أن نتخيل حجم الصراع بل أحياناً الجحيم والقلق والحيرة التى تحيا فيها هذه الشخصية، تقول لذاتها وهى تعلق على قدر عطاءها لتامر "ولكنى يا سهى أغرقته فى بحر من العطاء" ص535.
وفى ظنى أن الروائى تخير هذه الضمائر والأزمنة الإنفصالية فى الجملة الواحدة ليدلل على انفصالات الذات، والمسافات التى أقيمت فى نفوس الأفراد ذاتهم فى مرحلة تاريخية فى حياة مصر، عانت فيها من الانفصال بين الواقع والحلم بعد النكسة سنة 1967م، وبعد انهيارات القومية والزعامة وغيرها من شعارات، كما أن هذه الصدوع تمثل المجتمع وعاداته وما يفرضه على أفراده، ما نؤمن به وندرك صحته وحقيقته شئ، والواقع شئ آخر تفرضه موروثات ترسخت بنفوس الأفراد وتكوينهم النفسى والعقلى، بما يتناسب مع ثقافة تنتصر للذكورة وتجعلها مسيطرة، لها الحق فى أن تهب أو تمنع أو تحاكم بقسوة، لها الحق أن تستمر أو أن تغادر الأنثى وتتركها دون نقاش، باعتبارها متاع، هذه الانفصالات والانقسامات تعبر عن شخوص الرواية، خاصة شخصية "سهى" فمن خلالها ومن خلال سرد تحكيه يعتمد على منولوج داخلى مضطرب ترى عوالم هذه الشخوص. يقول لها "تامر" متكئاً على ثقافة ذكورية بحتة: "لا أشرب من ماء شرب منه غيرى" ص562 وهو بصدد إنهاء العلاقة. كما تعبر هذه الإضطرابات والانقسامات والغربة عن مرحلة فى تاريخ مصر خاصة إذا أخذنا فى الحسبان لحظة كتابة الرواية عام 1971م.
الأمر الثانى الذى أوجد بعض الإعاقة فى انسيابية القراءة أنسنة كثير من المشاعر والقيم والأشياء التى تقيم معها البطلة "سهى" كثير من الحوارات، وما يضاعف من ورطة منظومة الضمائر فى النص أن الأشياء أو المعانى تتشكل كائنات شاخصة أمام سهى ذات أبعاد مادية تحاورها، فتبدو الجمل وأساليب الصياغة مجازية الخطاب ومراوغة للمتلقى، وحين ينضم تشخيص هذه المجردات والأشياء مع هذا المعرض من الضمائر المتنوعة، تدير السلاسة رأسها من الصفحات وتغادر النص، تقول سهى "عادت حكايتى مع يقظتى، مهجورة من حبيبها، تريد أن تستولى علىَّ. بدت حكايتى من بعدى كالشبح، خفت من شبحى وهو يقترب منى، لهثت وراء صورة تامر مع المرأة المتهتكة، جاءت متأخرة بعض الوقت، استعنت بها حتى أطرد شبحى" ص556، أو قولها بعد أن تخيلت صديقتها منال رجلاً وتخيلتها ترتدى حلة تامر، شعرت بخجلى من ضحكتى، دفنت ضحكتى بين شفتى، أعدت لها الرداء، وتناولت حلة تامر الأنيقة، مددت يدى، أعيد خصلة شعر لها خرجت عن نظامها"، وهى ترتدى الرداء، حملقت فى وجهى فى دهشة من يدى التى عادت من منتصف الطريق" ص 557 يتضافر مع تشخيص المجردات وهذه التراكيب المجازية أن القارئ فى بعض المواضع كالنص السابق لا يحدد هل المحكى واقع فى خيال الشخصية الساردة فقط أم أنه يحدث فى الواقع، النص لا تمييز محدد فيه لهذه المناطق، هل تنضوى تحت الخيال أم الحقيقة؟ أعود وأذكر أن تلك الضبابية قد ترجع إلى توقيت كتابة الرواية واللحظات الحرجة فى عمر الإنسان المصرى، وتاريخ وطنه.
ينضم إلى هذا الحشد من تنوع الضمائر مخاطبة الساردة لمجموعة من القراء المفترضين، تقول وهى تحكى عن ذكرى سمير "ذكراه يا أصدقائى بين يدى! هل يتركنى طائر الأحزان؟! قولوا له يتركنى، لم يعد فى مآقى سهى ما تسكبه، يقولون إن الحزن يطهر النفس وأنا أريد أن أتطهر، إنى ذاهبة لألقى رجلى تامر" ص527، يتخير الروائى لسرديته أن تكسر الحاجز الوهمى بين المحكى والمتلقى، لذا جعلها تخاطب مجموعة من القراء، أو تتخيل أنها تؤدى دور على خشبة مسرح، وتخاطب مجموعة من المشاهدين أو النظار وتحادثهم "إنى ذاهبة لألقى رجلى تامر" وكأن المعاش لعبة قدرية لا منطق لها سواء على المستوى الإجتماعى أو السياسى أو الإنسانى.
يحشد الروائى التقنيات المختلفة والمتنوعة لنصه، ويوفق أحياناً فى خلط هذا المزيج، لكن يجانبه التوفيق فى أحيان أخرى عندما يفقد نصه تلقائيته وكأننا نبحر فى نهر يعوق إنسيابيته بعض الصخور الحادة.
ولو افترضت أن شخوص هذا العمل ينعمون بأبعاد رمزية بهدف إضافة مستويات فكرية قد تهب النص فرصة التأويل لأبعاد سياسية أو اجتماعية، وتنأى به عن انغلاق النص على تجربة ذاتية مضطربة وغير منطقية، فنقول على سبيل المثال اعتماداً على أن النص قد كتب فى مرحلة حرجة من التاريخ المصرى بعد نكسة 1967م أن هذه الأرض المغتصبة من الأسرة هى الأراضى المصرية التى استولت عليها إسرائيل بعد الحرب، وأن حرص الأم على أن يأخذ ولدها سمير بالثأر من مغتصبى أرضهم هى رغبة فى عودة الحقوق إلى أصحابها، حتى وإن فقدت الأم ولدها، أو أن "سهى" رمز لإرادة الحياة لا الموت، رمز للأمل والحب الذى يدفع بالإنسان دوماً إلى احتمال الحياة ومآسيها، أو أن "تامر" قد يمثل سطوة الموروثات والتقاليد والأعباء النفسية التى تحمَّلها المجتمعات لأفرادها وطرق التنشئة الموروثة وما يستقر بها من تقاليد.
لو صنعنا ذلك لجاز لكن بتعمل وتكلف شديد، قد يصلح أن نفترض تلك الرموز لكن يظل هناك خلل فى بنية أجزاء أخرى من رمزية النص، ويبقى النص يعانى تشرذماً وارتباكاً فى آليات صياغاته.
هذا وقد وجهت تساؤلا إلى نفسى بعد قراءتى للنص هل يعبر الإضطراب والتناقض والانتقالات المفاجأة التى تعانى منها شخصية "سهى" عن مرحلة ما بعد النكسة التى عانتها مصر؟ بعد تمعن استبعدت هذا الخاطر فالصراع الذى عاشته سهى بعيد عن صراع الوطن فى تلك المرحلة، وإن كان سمير يمثل أبناء الشعب فهل يمكن تناسيهم؟ ومن يمثل "تامر" من حكام مصر أو قيمها وتاريخها، وهل "كرم" أحد زعماء مصر الذي كان يمثل حلماً هوى وانكسر بعد زعامة زائفة؟ أناقش افتراضاً مع القراء لرغبتى فى أن أستنطق أبعاد تأويلية لهذا العمل الروائى، ويبدو أنها رغبة شابها نوعاً من التزيد.
بزوغ إرادة المرأة فى الأنثى فى مناورة"
تتجلى إحدى ميزات النص فى أن يقدم الكاتب "محمد جلال" امرأة وهى تقف وقفة حقيقية مع ذاتها لتقرر دون ادعاءات أو اتكاء على مثاليات أنها تنتصر للحياة والحب، للإنخراط فى علاقتها بتامر التى تهبها الحياة والأمل، وتنحى جانباً ما قد يدعوها للحزن والتأثر وبحار من الدماء التى لا تنتهى، من جراء عادة اجتماعية مقيتة يجسدها "الثأر" تقول "ولكنك تحبين تامراً أكثر مما تحبين حزنك" 531، وأن يقدمها الروائى وهى تقف مرة أخرى فى مواجهة "سمير" أخيها لترفض ما ترسخ لها امرأة أخرى هى أمها لتفند فكر الأم الحارسة للثقافة التقليدية الذكورية، وفيها تعد المرأة - فى المجتمع القبلى - خادمة لها وإن فقدت من أجلها أغلى وأعز ما تملك وهى حياة وحيدها إبنها سمير، فالمرأة فى المجتمع المحافظ وتقاليده تقدم نموذجاً صارخاً وفارقاً لثقافة البدو التى هبطت على مصر، ولم تكن تلك العادات من مقوماتها الثقافية التاريخية، فالثأر فى الثقافة البدوية ليس انتقاماً للفرد وإعلاء من شأن قيمة الإنسانية قدر ما يمثل قيمة تعويضية لكمية من الدم المفقود من القبيلة ولذا نلاحظ أن الثأر لا يأخذ غالباً ممن ارتكب الحادثة، قد يكون الثار من الإبن أو الأخ، فتعويض كمية الدم هنا تعلى قيمة كمية قبلية تعصبية، وليس قيمة إنسانية رفيعة، كما نلاحظ أيضاً أنه ليس للمرأة فى هذه الثقافة البدوية الذكورية قيمة ولا ثأراً وكأنها كائن من الدرجة الأدنى والأحط شأناً.
تقول "سهى" لـ "سمير" لحظة شعورها برحيله عنها، وفى استدعاء حلمى حوارى مع أخيها:
- والصراع العنيف الذى لا أدرى له سبباً!
- وحملت شرفة على أحسن ما ينبغى أن يحمل!
- لم أكن مسئولاً عن عداوة لا إرادة لى فيها!
- طالما جف ريقى لتعى هذا.
- ولكنى وجدت نفسى سوقاً لمصيرى!
يصور "محمد جلال" من خلال شخصية سهى تطوراً اهتزازياً فى فكر المرأة العصرية، سعى إلى الفكر التقدمى لم يصل إلى حد الرسوخ أو اليقين لكنه يمثل انتقاله لا تزال قيم المجتمع وتقاليده تؤثر فيها بدرجة أو أخرى، فهى فى حالة حائرة، ولذا تأتى أيضاً أساليب التعبير عنها فى مستوى من الإضطراب والتداخل والتناقض.
تبرز صورة المرأة فى نص "الإنثى فى مناورة" فى إيهاب من تبتغى إعادة صياغة ذاتها فهى ليست على الدوام مفعولاً بها، فى مجتمع يريد لها، ولا يعير اهتماماً لإرادتها هى، تقف سهى لتعلن رغم حبها لتامر أنها لن تكون صريعة أوهامه وأنها لن تعود لعلاقة اتهمت فيها بالخيانة افتراءاً، ولذا تقف لتعلن رفضها العودة إلى تامر بادعاءها أمامه أنها خائنة، برغم عدم حدوث هذا على المستوى المادى والواقعى، وبرغم رفضها لأن تنجرف فى علاقة حسية مع حبيبها القديم "كرم" بعد رجوعه من سفرته تقول متذكرة نصائح أمها "إياك أن تندفعى بلا إرادة تبقين طوال حياتك معذبة بهذه اللحظة المهانة ... الموت أهون لك من أن يتمزق داخلك وتعيش ... وتعيش كالموتى! قاومى قاومى يا ابنتى الغالية.. المقاومة هى الحياة.. ماذا أقاوم يا أماه؟ نفسى .. تامر.. أم الجالس بجوارى.. وتهالكت.. ليس فى مقدورى المقاومة! هل تصدقين يا أماه.. إن شاه منساقة لذبحها، مكبلة بالأغلال، تتحكم فى مصيرها، وتدفع سكين الجزار العنيد عن عنقها،... صرخت صرخة شاه تساق إلى مذبحها.. ووجدت نفسى تدفع باب العربة بكل صراخها وتجرى" ص578.
تقف سهى وتمارس الرفض على مستويات متعددة كما أوضحت، وتتجلى هنا إحدى ميزات النص فى تصوير التطور الإهتزازى فى فكر المرأة المصرية وعدم وصولها فى لحظة كتابة العمل إلى يقين أو أرض صلبة للوقوف فوقها.
(1) تقف سهى وقفة حقيقية مع نفسها لتقرر أنها تنتصر للحياة والحب والأمل لا الموت والحزن والثأر.
(2) تفند سهى فكر الأم الحارسة للثقافة الذكورية التقليدية فتدفع إبنها للثأر فتنتصر سهى للحياة وإن كان بنوع من التردد وتدعوا أخيها للبقاء لا الثأر والموت.
(3) ترفض سهى أن تصبح صريعة نظرة تراها فى جسديتها فقط، يتجلى ذلك فى علاقتها بكرم وما كان يمكن أن يحدث فيها.
(4) ترفض سهى أن تتهم بالخيانة فى علاقتها بتامر وهى علاقة محورية وصادقة بحياتها.
(5) يصعب عليها أن يعدها الرجل محطة من حقه أن يقرر بشأنها دون إرادتها، فترفض تلك العلاقة لشكها فيه ومدى إخلاصه لها، ولشكها فى نوازعها الداخلية ورغباتها المكبوتة، فلقد ظنت أنها مارست الخيانة على المستوى النفسى.
من هنا نستطيع أن نتسع بمفهوم المناورة الذى يشكل أحد مفردات العنوان ليتجاوز التجربة العاطفية فى حياة سهى إلى تجربة الحياة بصفة عامة، حياة امرأة فى هذا المجتمع فى تاريخ كتابة النص والتى أتصور أنها لم تتغير كثيراً حتى لحظتنا الآنية. وتتفاوت التكوينات الأسلوبية فى سردية "الأنثى فى مناورة" للروائى محمد جلال فتأتى المعانى لتومض لوهلة ثم لا تلبث أن تمحو ذاتها أو تنفيها، هذه الصياغات تتسق وتعبر عن شخصية ذات تكوين نفس خاص، تمر بتجربة حب مثلت ركن ركين من حياة الشخصية ثم لا تلبث أن تتهاوى وينخز فيها الشك، فتقول الراوية معبرة عن حالها "تبدد الظلام، لم يتبدد، شحبت الأشياء، لم تشحب، طلع الصباح، لم يطلع، وقف الأبيض فى محاذاة الأسود، تنساب الموسيقى كما لا تنساب، لا، لا تنساب الموسيقى، دم الميت لم يجف، نعشة مازال فى عينى.." ص55.
يستمر الواقع وتمر والحياة بدورتها الطبيعية، لكن حياة الشخصية هى ما تتوقف عن حال الصيرورة الخارجية، ومن هنا يعلو التأثير وقع الصراع على نفس الشخصية وكان من الممكن – فيما أرى – أن تبدو تلك الصياغات أرشق وأكثر تلقائية لو أنها تخلت عن مسحة من الأداء المسرحى المفتعل أو المتشنج الذى يشوبها، مثل قول الكاتب فى التفات مسرحى "لا، لا تنساب الموسيقى، دم الميت لم يجف" أو قوله على لسان منال صديقة سهى "حتى تجئ الخضرة، ستجئ الخضرة حتماً يا سهى.. الربيع آت!" ص560، هذه التكرارات وبهذه الصياغات الحكيمة يذكرنا بالأداء المسرحى فى بواكيره، ويتكرر هذا التزيد والانفعالات القصوى لشخصيات يصلون بالأشياء والمعانى والمشاعر إلى أقصاها، فى صورة لا تعبر عن الحياة فى وقائعها وأحداثها العادية والمتوالية التى تتابع كل يوم على الأفراد، مثل ما قفز فجأة فى ذهن "سهى" من كراهية شديدة لـ "منال" حين تذكرها أن الربيع، ربيع العلاقات سيمر على علاقتها بتامر مرة أخرى 560، أو علاقة سهى بكرم ورد فعلها بعد أن ركبت معه السيارة، أو رفضها لاعتذار تامر عن شكه فيها، كلها أمور تنبئ عن حالة من التشنج تتملك الشخوص وتصيبها بالإضطراب والوصول إلى الدرجات القصوى من الإنفعال والتطرف فيه، وإن عدنا بهذه الشخصيات إلى لحظتها التاريخية ربما قد نجد بعض المبررات لرسم الشخوص





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,715,051,778
- التقنيات السردية المتجاورة في رواية -حرمتان ومحرم- للروائي - ...
- تكسر الدلالات اليقينية في ديوان - هو تقريبا متأكد - للشاعر أ ...
- الرؤية والتشكيل في رواية -سلام - للروائي هاني النقشبندي
- هل النقد الأدبي علم ؟
- - بلاد أضيق من الحب - عرض مسرحي مأخوذ عن نص - سعد الله ونوس ...
- دعوة من اللا تاريخ ..- قصة قصيرة -
- تقاطعات قصيدة النثر في ديوان -الكتابة فوق الجدران- للشاعر -ع ...
- الشعرية والألعاب السردية في ديوان -تفكيك السعادة- للشاعر -مؤ ...
- جدلية الانفصال والاتصال في المجموعة القصصية -سوق الجمعة - لل ...
- ومضات ثقافية ..2013 م
- كفى ..شهر زاد!؟
- أن تخط اسمه كاملا..- قصة قصيرة-
- - أدهم يحي - قصة قصيرة
- بعد وقت ..
- مصر وقانون التظاهر
- مكرونة فيوتشيني
- قطعة ..من الشيفون الكناري
- سرد المنفلت في مجموعة -عفاريت الراديو- لمحمد خير
- يوسف الشاروني ..الخصوصية المصرية
- محددات المشهد المصري قبل 30 يونيو 2013 م


المزيد.....




- جدل حول زيارة شخصيات من الحراك الجزائري لعلي بلحاج
- هل تتصدى السينما لمساعي -دفن- فيلم خاشقجي؟
- الأديب العالمي ألبرتو مانغويل: لا أحد يتألم اليوم مثل الشعب ...
- -دار الخرطوم جنوب-.. ذاكرة الموسيقى السودانية
- نزار البركة: سياسات الحكومة غير شعبية
- اداء سريع للورشات الفنية لاعادة طريق حلب دمشق كما كان قبل ال ...
- الفنان الشهير ألفا بلوندي يتزوج على -الطريقة الإسلامية-
- بالضربة الفنية القاضية... فيوري يجرد وايلدر من لقب الوزن الث ...
- محمد رمضان يعلن توقفه عن الغناء في مصر... فيديو
- الجسمي ينقذ أحلام من موقف محرج أمام الآلاف! (فيديو)


المزيد.....

- أناشيد القهر والحداد / Aissa HADDAD
- ماتريوشكا / علي مراد
- الدراما التلفزيونية / هشام بن الشاوي
- سوريانا وسهىوأنا - : على وهج الذاكرة / عيسى بن ضيف الله حداد
- أمسيات ضبابية / عبير سلام القيسي
- حروف من الشرق / عدنان رضوان
- شبح الأمراض النادرة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- ديوان النفي المطلق / السعيد عبدالغني
- ديوان الحضرة / السعيد عبدالغني
- ديوان الحاوى المفقود / السعيد عبدالغني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أماني فؤاد - أنا ..أنت ..وهو ..مناورة الضمائر في سردية -الأنثي في مناورة - للروائي محمد جلال