أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سعيد العليمى - الثورة والثورة المضادة فى افريقيا - من أرشيف حزب العمال الشيوعى المصرى















المزيد.....



الثورة والثورة المضادة فى افريقيا - من أرشيف حزب العمال الشيوعى المصرى


سعيد العليمى

الحوار المتمدن-العدد: 4273 - 2013 / 11 / 12 - 15:54
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


نشر هذا المقال فى مجلة الشيوعى المصرى – العدد 33الصادر فى يوليو – تموز 1977
أفريقيا : الثورة والثورة المضاده
تطرح العواصف الثورية الراهنة فى أفريقيا ، وبما اثارته من ردود افعال القوى المضاده للثورة على الصعيد العالمي والعربى والافريقي ، ضرورة ان تحدد الحركة الشيوعية المصرية والقوى الوطنيه الديمقراطيه موقفا منها . وذلك يفترضه ترابط العملية الثورية فى النطاق الافريقى – العربي ، وتآخى الطبقات الحاكمه وتحالفها من أجل خنق الثوره فى بلدانها وفى البلدان المحيطه بها ، تحسبا للمخاطر المحتمله التى يؤدى اليها وجود نظام ثوري .. فالمصالح الطبقية لا تعرف الحدود الجغرافية ، وقد فجرت الاحداث الافريقية التى المت بعديد من بلدان القاره،خاصة مع بدايات العام الحالى ، فجرت مطامح القوى الثوريه فى ان تواصل نقدها بالسلاح ، سواء كانت حركة تناضل من اجل السلطة ، او كانت قد حازت هذه السلطة بالفعل ، وتناضل من أجل تثبيتها والاحتفاظ بها ، فى وجه القوى الامبريالية والرجعية مجتمعه ، وبما تثيره القوى الاخيره من مشاكل بإقامتها حلفا رجعيا عالميا امبرياليا ، وأفريقيا وعربيا ، للرد على هذه العاصفه الثوريه التى تجنح وفقا لاوضاعها الخاصة ولأهدافها الى اقامة سلطاتها الديمقراطية الثوريه والاشتراكية.
لقد استنفرت هذه الاحداث كل الاطراف وتمركزت حول عديد من البؤر الافريقية الاكثر التهابا بما تحمله من مخاض ثورى ، وعلى الجانب الآخر من المخاوف الرجعية . وحظى نظام موبوتو فى زائير التابع للاستعمار الغربي باهتمام القوى الثوريه والرجعية على السواء ، بأطرافه المتداخله بمصالح الدول الامبريالية التى تدخل بعضها على نحو مباشر لحمايتها ، لحسابها ، من أجل النظام الامبريالي العالمى فى مجموعه (فرنسا وبلجيكا) وبالتدخل غير المباشر بالامداد والاموال مع مباركة الامبرياليات الاخرى التى تدخلت مباشرة ؛ وهو موقف الولايات المتحدة الامريكية . أو بعض البلدان العربيه التى قامت بأقذر ادوارها كعصا للقمع الامبريالي (المغرب ومصر) ..كل ذلك من أجل الحفاظ على المصالح الامبريالية واستمرار هيمنتها على القارة الافريقية ، واثبات الولاء للمخطط الامريكي فى افريقيا ، واخيرا للدفاع عن مصالحها الطبقية الاستغلاليه التى تتناقض مع وجود أفريقيا ثوريه ، تهيئ شروطا مواتيه لحصارها من الخارج بتغيير موازين القوى ، وبانعكاسات ذلك على الحركة الشيوعية داخل بلدانها ، وهناك من ناحية اخرى المعسكر الاشتراكي – عدا الصين - الاتحاد السوفيتى ،كوبا ، المانيا الشرقيه، الذى يقف موقف الدعم والمسانده المباشرة من منطلق ثوري أممى ، لتدعيم القوى الثورية فى وجه القوى الرجعيه والمحافظه ، أيا ما كانت ثغراته .
لكن الاحداث الزائيريه ليست سوى حلقة واحدة ، ابرزتها شروط تتعلق بأوضاع زائير ، فهناك بؤر أخرى متفجرة، مراكز للعواصف الثورية ...فى جنوب أفريقيا وروديسيا ، وجنوب غرب افريقيا ، أي أنظمة القهر التى تتخذ اشد المظاهر عنصرية ورجعية فى ممارسة سيطرتها ، وهناك الوضع الخاص للنظام الاثيوبي بميراثه الامبراطورى الثقيل ، ومشاكل الثوره الاثيوبيه واسلوب حلها لقضية القوميات المقهوره ، وما يترتب على ذلك من علاقات خاصة معينه مع الثوره الاريتريه ، ذات الفصائل والاجنحه المتعدده التى تعبر عن طبقات وايديولوجيات متناقضه ، والخلاف بين الصومال واثيوبيا حول اقليم اوجادين الذى ينتمى تاريخيا الى الصومال رغم انتماء النظامين المعلن لايديولوجيه (ماركسيه) واحده ولمعسكر اشتراكي واحد. المنافذ البحريه واهميتها لاثيوبيا (باعتبارها دولة غير بحريه) اقتصاديا واستراتيجيا ..جيبوتى واعلان استقلالها وتنازع القوى المختلفه عليها بطبيعتها القبليه، بأهميتها الاستراتيجيه الحاكمه لمنافذ البحر الاحمر ، بارتباطاتها المحتمله بهذه الدوله او تلك ، بهذا المعسكر او ذاك . تدخل الرجعيه السعودية ودول الامارات ، من أجل حصار الجناح الثوري او تفتيت بعض القوى الثورية من داخلها ، بتغليب الجناح المحافظ على الجناح الثوري الراديكالي ،مثل الموقف من الثوره الاريتريه المتمثل فى تدعيم جبهة التحرير الاريتريه والمجلس الوطني ، او البعثة الخارجيه، لتقليص النفوذ العسكري والسياسي للجبهه الشعبيه لتحرير اريتريا التى تنتهج خطا ماركسيا فى نضالها ، مع التضامن السودانى المصري فى ذلك ، بل وباشتراط السودان لوحدة الفصائل الارتيريه دون أي أساس ، مبدئى ، من أجل دعمها والسماح لها بانطلاق من الحدود السودانيه . محاولة احتواء الصومال (سيادبري) وجيبوتي بتقديم المعونات والمساعدات الاقتصادية ولادماجهما فى السياق الامبريالي- الرجعى حفاظا على أمن البحر الاحمر واغلاقه فى وجه المعسكر الاشتراكي... ثم – وهذا أهم – لحماية الشاطئ الآسيوي العربي من هبوب الرياح الثورية الافريقية.
ان دور السعودية قد بدأ يتجاوز حماية المصالح الامبرياليه فى شبه الجزيرة العربية والعالم العربي عموما ، لينقل اقدامه على أرض القارة الافريقية متضامنا مع الانظمه العربية – الافريقية التابعه كمصر والسودان والمغرب ، ما تروجه الدوائر الامبرياليه وابواقها حول طبيعة دعم المعسكر الاشتراكي للانظمة المعادية للامبريالية فى افريقيا ، او لحركات التحرر المناضله من أجل السلطه . وتفسيره بكونه سياسه امبرياليه اشتراكية تتزود فى الواقع من ترسانة الخط الانتهازي اليساري للحزب الشيوعي الصيني بواحده من أخطر أطروحاته لانها تقدم غطاءا "اشتراكيا" ملائما للقوى المعادية للثوره - كوبا ومساندتها الاممية لحركات التحرر الافريقيه وتميز هذه المساندة عن ادعاءات "تصدير الثوره". التاكتيكات الامبرياليه وتنوعها والتصريحات المنافقة لبعض المسئولين الامريكيين حول عدم خطر بضعة الآف قليله من الشيوعيين مادامت هناك حرية تجارة...ثم انتهاج خط التدخل المباشر او مباركته وتأييده . وفى أوروبا عقد الصلات مع بعض الاحزاب الشيوعيه الاوروبيه لتعميق"استقلاليتها" عن موسكو ، بتدعيم نهجها التحريفي الاوروبى المتكيف مع اوضاعها القومية ولا دماجها فى سياق مجتمعاتها الامبرياليه - رغم ان التحريفيه السوفياتيه لم تتخل عن اطروحاتها .
موقف النظام الحاكم فى مصر مما يجرى على أرض القارة الافريقيه ولحساب من يتدخل موضوعيا وما هي الآفاق المحتمله لمواصلة هذا التدخل... فاذا كان النظام المصري قد بدأ واحدة من خطواته فلم يبدأها من فراغ ، حين تدخل فى زائير ، وقبلها فى السودان لصالح الانظمة التابعه فى كلا البلدين ، بحكم ترابط سياسته الداخليه والخارجية النابع من مصالحه الطبقيه وشبكة العلاقات الجديده التى نسجها مع النفوذ الاستعماري الغربي .
كل هذه الامثله السابقه والقضايا والمشاكل يطرحها بقوة طاغية واقع القارة الافريقيه ، التى أصبحت بؤرة من بؤر العواصف الثورية الملتهبه فى العالم ، خاصة بعد هزيمة الامبرياليه فى فيتنام وانتصار عديد من حركات التحرر في جنوب شرق آسيا ، مما يتيح القول بانتقال مركز الصراع بين الثوره والثوره المضاده الى افريقيا .
ونتيجة لترابط قضايا الثوره العربية مع القوى الافريقيه الذى يستمد وجوده من قيام انظمة عربيه - افريقيه فى آن واحد ، من الدور التضامنى القمعى الذى تلعبه هذه الانظمه التابعه تجاه شعوبها مشتركه ، محركه قواتها صوب السودان ، او زائير، من أجل التصفيه المسلحه للنضالات الشعبيه ، وفى اطار حماية المصالح الامبرياليه ومصالحها الخاصه كطبقات استغلاليه مسيطره ، ولوحدة المصالح المشتركه للقوى الثوريه فى القضاء على الهيمنه الامبرياليه والانظمه التابعه لها ، من اجل اقامه انظمة ديموقراطية واشتراكية – كل ذلك يتطلب منا نحن الثوريين مفهوما واضحا عما يدور فى القاره الآن – طبيعة السياسات الامبرياليه واستراتيجياتها الراهنه فى افريقيا , دور المعسكر الاشتراكى ،الاتحاد السوفيتى ، كوبا ،المانياالشرقيه، وكيف يتطور هذا الدور حتى يصبح سياسه أمميه ثوريه متماسكه، التضامن الطبقي بين البرجوازيات والرجعيات العربيه والطبقات الحاكمه الافريقيه ، وما يتطلبه ذلك من القوى الثوريه . دور الشيوعيين المصريين فى شل عصا القمع الساداتى ازاء حركات التحرر الوطنى والقوى الوطنيه الديموقراطية والشيوعيه.
ان الواضح من خلال الوقائع والأحداث الحاليه ، هو أن القوى الامبرياليه وتوابعها على الصعيد العالمى والافريقي والعربي تجاهد من أجل أن تخلف الثوره الوطنيه الديمقراطية والاشتراكية وعدها على ارض القاره السمراء...وتنقش بحروف بارزه على راياتها شعارات العداء وتطرح ضرورة التصدى "للفيروس الثورى " اينما اتى ، حفاظا على المصالح الكليه للنظام الرأسمالي فى مجموعة ، وعلى مصالح الطبقات والفئات الاستغلالية الحاكمه ، وقطع الطريق على تأثير الانتصارات الشعبيه التى احرزت فى القاره ، بعد تصفيه الاستعمار البرتغالي بما كان له من نتائج حاسمه فى تغيير موازين القوى داخل افريقيا . فالامبرياليه وتوابعها تدرك ان "الدومينو" الأسيوى يمكن ان يجد له طبعه افريقيه ايضا ، وترابط مصالح الطبقات الاستغلالية الحاكمه مع الامبرياليه ، يقدم السبب الاساسى لواقع هذا التلاحم الطبقي الاقوى..فالدفاع عن المصالح الطبقية للبرجوازيه البيروقراطية الحاكمه فى مصر تبدأ حدوده من زائير والحدود المشتركه بين اثيوبيا والسودان . والمغرب يخشي حصار الثوره فى الداخل – الحركه الشيوعيه المغربيه , والبوليزاريو - ويجند قواته لمواجهة حركه التحرر الكونغولي ... والسودان بنظام النميري التابع والقمعى يتضامن مع الاتجاهات المحافظه فى الثورة الاريتريه ،من أجل تقليص نفوذ ووزن الاتجاه الثورى الماركسي ، وحتى تسقط مكاسب الاستقلال فى فم الطبقات الاستغلاليه التى تترابط بحكم طبيعتها مع الامبرياليه ... ولاسقاط النظام الاثيوبي الذى تتكالب عليه الآن كل القوى الامبرياليه والرجعيه العربيه والافريقيه ، ومحاولة جذب الجميع للدخول فى شبكة النفوذ الاستعماري الغربي . موبوتو يشيد بالنخوه المغربيه وبالكرم الساداتى والاثنين تشيدبهما البلدان الامبريالية . ان اممية الطبقات الحاكمة تبرر أممية الثوره .
تبدو القاره الافريقيه الآن وكأنها توشك أن تكون أهم بؤر الصراع على الصعيد الدولى . حيث تتجاذبها عشرات التناقضات صانعه لوحة معقده متشابكة من تداخل الاطراف والمصالح والقوى والأهداف ، مقربة بين تلك الاطراف وحينما تتداخل تنفصم لتعود للالتحام .. فحلفاء الامس هم أعداء اليوم واحيانا العكس صحيح .
افريقيا...خريطة معقده متشابكه اطرافها ؛ المعسكر الامبريالي بقيادة الولايات المتحدة الامريكية ، والمعسكر الاشتراكي بقيادة الاتحاد السوفيتى – مع تميز دور الصين الذى يقدم تبريرا بمعنى ما للمعسكر الاول – الانظمة الافريقيه التى ترتبط بواحد من المعسكرين الاولين الكبيرين بدرجة أو بأخرى ، الأطراف المتصارعه داخل المعسكر الواحد .... الانظمه التابعة تبعية كامله للمعسكر الامبريالي وتمثل واحدا من امتداداته على الارض الافريقيه ؛ وانظمه احرزت استقلالها السياسي وتنجز استقلالها الاقتصادي فى معارك الصدام الثورى الديمقراطي ضد الامبرياليه بأفق التوجه لبناء مجتمع اشتراكي . وأخيرا انظمه مصالح طبقاتها وفئاتها الحاكمه مذاهب اشتراكيه قومية الطراز ، كلافته مناسبه للتعميه على واقع استقلالها الطبقي وارتباطها بالامبرياليه عبر صيغ التبعيه الجديدة . ورغم هذا التداخل تظل هناك حقيقه وجود معسكرين كبيرين ، معسكر الثوره الوطنية الديمقراطيه والاشتراكيه ،ومعسكر القوى الامبريالية ومعها كافةالقوى الرجعية .
وهذان المعسكران بأطرافهما العالميه والافريقيه والعربيه يتصارعان على ارض افريقيا ... فلم يعد اليسار الشيوعي شبحا يحوم داخل القاره باحثا عن أنظمه تابعه استغلاليه يجرب محاولة اسقاطها – فالشبح الثورى يختلف عن الاشباح الدانمركيه - بل غدا واقعة تجسدت فى حركات تحرر شعبيه انتصرت واقامت دولها الخاصه .
وواجبها الآن ان تدعم اوضاعها الداخليه والاتفصل بين استمرارها الثورى ، وبين طبيعه البلدان الأفريقيه بانظمتها الحاكمه المحيطه بها ، فان لم يتغير ميزان القوى داخل القارة الافريقيه - من التوازن حتى يميل لصالح القوى الثوريه – فإمكانات الرده والثوره المضاده ماتزال قائمه . فى الوقت الراهن تقف افريقيا الثوريه فى وجه افريقيا المحافظه والرجعيه ومآل صراعهما هو الذى سيحدد المستقبل .
لقد كان منطقيا ان تخلف الثورة فى افريقيا وعدها الاول . ففى أعقاب حصول العديد من البلدان الافريقيه على استقلالها السياسي فى الستينيات . وقعت اغلبها مره اخرى فى شباك التبعيه الجديده للامبرياليه حيث تم الحفاظ على نفس المصالح ولكن بأشكال وأساليب غير مباشره . بل ومن جانب المتروبول الأصلي أى البلد الاستعمارى الام التى انتزعت استقلالها منه ، وفى بعض البلدان الاخرى تكونت طبقات افريقية حاكمه ذات طابع بورجوازى والتقت مصالحها الفعليه مع الامبرياليه وان رفعت رايه الوطنيه بل والاشتراكيه . وفى بلدان اخرى – تتميز عن الاخيره - كانت الاشتراكيات قومية الطراز لافته اكثر منها محتوى فعلى ، رغم ان هذه الانظمه قد خاضت معارك صداميه مع الامبرياليه الى هذا الحد أو ذاك ، الا ان استقلالها كان مليئا بالثغرات على الصعيدين الاقتصادى والسياسي ، فهى لم تغير من بنية نظامها الاقتصادى المكمل للسوق الرأسمالي العالمى ، ولم تقم بتدمير جهاز الدوله الاستعمارى القديم بل احتفظت به كاملا ، وقد كان الارض التى تنبت عليها المؤامرات الانقلابيه ذات الصله بالدول الامبرياليه ، الجيش والشرطه والبيروقراطيه ، وتضافر ذاك مع نظام للحكم قمعى معادى للحريات الديمقراطيه ، حيث أعاق الجماهير الشعبيه عن التطور ،خاصة مع مصادرة حقها فى اقامة تنظيماتها السياسيه، والتشبث بصيغة الحزب الواحد الذى كان الاداه السياسه المعبره عن بيروقراطيه جديده لم تجد مجالا للنمو بحكم الانقلابات التى اجهضت تطورها المقبل ، وتبدو غانا فى ظل حكم كوامي نكروما مثالا نموذجيا لهذا الطراز من البلدان . وتباينت تاكتيكات الامبرياليه فى اعقاب حصول البلدان الافريقيه على استقلالها السياسي وفقا لظروف الزمان والمكان بكل ما يحمل من معنى تاريخي ، اى من خصائص معينه ، ومن طابع معين لموازين القوى العالميه والافريقيه والمحليه ، فمنذ الستينيات التى شهدت ذروة التحرر السياسي من النفوذ الاستعمارى-حتى انه فى عام 1960 وحده حصلت 17 دولة على استقلالها – هناك رصيد من اشكال سلوك مناهضه للثوره ... والذى تميز بالحصار الاقتصادى ، والتدخل المباشر واثاره الانقلابات العسكريه أو تحريض دول لنكون اداة لاستعادة النفوذ الامبريالي القديم وذلك لإبقاء افريقيا منطقة للنفوذ الغربي ومحاصرة نفوذ الحركات الاستقلاليه ، ايا ما كانت ثغراتها ومنطقها وآفاقها ... وبالآحرى فى مواجهة التعاظم المحتمل للحركات الوطنيه الديمقراطيه الجذريه والاشتراكيه . ان هذا الميراث لحركات محدودة الآفاق بطابعها المعادى للامبرياليه مع ثغراته التى شكلت نقاط اختراق له يمكن بخبراته ودروسه ربما فى اللحظه الراهنه اكثر من اى وقت مضى أن يرشدنا لانه ميراث قادر على اناره الطريق الافريقي للثوره بسلبياته , لا على صعيد افريقيا فحسب،بل على صعيد العالم الثالث كله ، وربما كانت الاساليب والتاكتيكات الامبرياليه فى اسقاط الانظمه الوطنيه تجد تعبيرها الاوضح فى اندونيسيا وغانا ومصر ،وكيفما كان شكل "الاسقاط" بانقلاب عسكرى او بتدخل عسكرى خارجي يهئ الشروط لتغيير المسار الوطنى المعادى للامبرياليه عبر عمليات الانضاج للشروط السياسيه والاقتصادية الداخليه والخارجيه كما هو الامر مع مصر على سبيل المثال . ان الثوره تتمثل الآن فى تلك الانظمه التى تتبنى الماركسية اللينينية وفى الحركات التى تناضل على هديها ، فاذا ما تم تمثل خبرات ودروس الثوره المضاده بتاكتيكاتها المختلفه ، واذا ما حلت على نحو صائب القضايا والمشاكل والعقبات التى تواجه القوى الثوريه ... فان الثوره الافريقيه لن تخلف وعدها على صعيد القاره وفى مستقبل غير بعيد .
بعد انجاز الاستقلال السياسي فى الستينيات ، بدأت موجه الثوره المضاده فى الارتداد ، وقادتها بصفة رئيسيه الولايات المتحده الامريكيه - مع البلدان الاستعماريه القديمه المتنافسه فى افريقيا – ودشنت ذلك بالتدخل الاستعمارى فى الكونغو تحت رايه الامم المتحده ضد النظام الوطنى الكونغولي ، وقائده باتريس لومومبا ، وتصاعد مد هذه الموجه المضاده للثوره فى عام 1965 حيث بدأت سلسله متتابعه من الانقلابات العسكريه، فى بوروندى18 اكتوبر ، وفى الونغو ليوبلد فيل بقيادة الجنرال موبوتو- صديق وحليف النظام الساداتى الان ، وفى داهومى بقيادة الجنرال سوجلو ، وفى بداية عام 1966 سقطت فى خلال 15 يوما ثلاث جمهوريات : وسط افريقيا ،نيجيريا ، وفولتا العليا ، على يد الجنرالات الذين تربوا فى صفوف الجيوش الاستعماريه القديمه ... ثم تكللت هذه الانقلابات بانقلاب الجنرال انكزا فى غانا على نظام نكروما .حيث مثل هذا الاخير هدفا اساسيا من أهداف الامبرياليه سعت دائما الى اسقاطه ، وحانت اللحظه المواتيه بعد ان رتبت الاوضاع فى البلدان المحيطه به بمجئ حكومات عسكريه انقلابيه ، تمثل قواعد اكثر حزما تجاه الانظمه المعاديه للاستعمار ، بهدف الوثوب على الانظمه الوطنيه الى هذا الحد او ذاك بعد محاصرة تأثيرها واسقاطها .
ورغم ان بعض الانقلابات العسكريه قد كانت موجهه ضد الانظمه الوطنيه ، الا ان بعضها الآخر كان يعكس الصراعات بين الامبرياليات الغربيه المتنافسه على مصادر الثروه والنفوذ السياسي ، رغم التقائها جميعا حين تهدد مصالحها الجماعيه اية بوادر ثوريه حقيقيه . فاذا كانت الولايات المتحده الامريكية تمارس نفوذها الامبريالي على بلدان امريكا اللاتينيه منفرده من الناحيه الاساسيه نظرا للروابط التاريخيه بين كل من امريكا الشماليه والجنوبية وحلول الاولى محل الاستعمار القديم فى القرن الماضى ، وللتقارب الجغرافي بين كل منهما وللثروات التي يتم نهبها...الا ان وضع الولايات المتحده الامريكية يختلف فى افريقيا ، فهى لم تكن من الدول الاستعماريه القديمه فيها (مثل بريطانيا، وفرنسا، بلجيكا، ايطاليا، والبرتغال .....) لكنها أضحت فى أعقاب الحرب العالميه الثانيه الامبرياليه ذات الوزن والنفوذ الاقوى وقائده المعسكر الرأسمالي بلا منازع ، وسعت الى الحلول فى كل مكان محل الامبراطوريات الاستعماريه القديمه التى تداعت وكانت الفرص امامها افضل ما تكون بعد منح الاستقلال السياسي للبلدان الافريقيه. خاصه وان دورها الاستعمارى مجهول فى افريقيا . ورغم النفوذ الامبريالي الامريكي الاقوى الا ان تصارع الامبرياليات داخل افريقيا يهدف لاكتساب او احكام النفوذ الاقتصادى والسياسي والعسكري على هذا البلد او ذاك لحساب هذه الدوله الامبرياليه او تلك. ويبدو اثر هذه التناقضات بين البلدان الامبريالية على عدم استقرار بعض الانظمه فى افريقيا رغم موالاتها للامبرياليه عامة ، بتوالى الانقلابات العسكريه. والامبرياليه لا تتورع عن اى اسلوب لحمايه مصالحها الاقتصاديه والسياسيه ، فهى تكرس سياسة التمييز العنصري فى بعض البدان – جنوب افريقيا وروديسيا- رغم الادانات اللفظيه المتكرره ، والى تجنيد المرتزقه البيض لمناهضة حركات التحرر الافريقيه , ممارسة الضغوط الاقتصاديه , وتصدير الثوره المضاده عبر الانقلابات العسكريه , وحصار الدول الوطنيه , والحركات التحرريه بالأحلاف والقواعد العسكريه, وممارسه الضغوط بالمعونات المشروطه , والمعاهدات غير المتكافئه وقد استهدفت هذه الاساليب منفرده ، ومجتمعه اعاده ادماح البلدان الافريقيه التى حصلت على استقلالها السياسي فى سياق الشبكه الامبرياليه بعد نسف الانظمة المعادية لها بقدر او بآخر ،من الداخل او الخارج . وقد لعبت الانقلابات العسكريه التى مولتها المخابرات الامريكية دورا اساسيا فى تغيير الخريطه السياسيه للعالم الثالث- لا فى افريقيا فحسب – فإذا كنا نستطيع ان نورد مثالى كونغو لومومبا وغانا نكروما ، فهناك ايضا اندونيسا سوكارنو ، حيث توفرت امكانيات الانقلاب من الداخل فى بعضها ، بينما حدث فى بلد كمصر عبر العدوان الخارجى المسلح عام 1967 عن طريق اسرائيل الذى انتج ثماره بالانقلاب السلمي الذى تم بنفس السلطه الطبقيه التى اقامت شبكه جديدة ، من العلاقات مع القوى الامبرياليه والرجعيه العربيه والتى تتهيىء للاعتراف الرسمى باسرائيل بعد اعترافها الفعلى ، والتى تقوم بدور مناهض للثوره فى المنطقه العربيه والافريقيه ، فحيث لا تستطيع الامبرياليه ان تتدخل على نحو مباشر فانها تهيء شروطه وتدفع رفاقها من نفس المعسكر ، او تحرك واحدا او اكثر من حلفاءها... وفى افريقيا عملت امريكا على ان تربطها بالاستعمار الغربى ، فاضافه الى نفوذها الاقتصادي والسياسي ، كانت تدفع اسرائيل لعقد الاتفاقيات مع بعض البلدان الافريقيه، لتدريب جيوشها ، واستخدامها كقواعد عسكريه وتلعب نفس الدور الامبرياليات التى يعاد احياؤها من جديد ، كالامبرياليه الالمانيه ، حيث تقدم هذه الخبراء والسلاح والمرتزقه لمواجهة حركات التحرر الساعيه لاحراز الاستقلال ، ولمواجهة الانظمه المعاديه للامبرياليه . لقد كان هدف الانقلابات التى حدثت بدءاً من عام 1960-1961 فى الكونغو وتصاعدت فى غانا واندونيسيا ،1965 - 1966 هو اعادة صياغة العالم الثالث وادخاله فى اطار النفوذ الامبريالي باجهاض الانظمه التى سعت الى اقامة استقلال اقتصادى نسبى ، ورفضت التبعيه الجديده .
ولم يكن حصول بعض البلدان الافريقيه على استقلالها السياسي ، يعنى من الناحية الواقعيه تحررها الفعلى من قبضة النفوذ الامبريالي ببعض او بكل مظاهرة : الاقتصاديه والسياسيه والعسكريه والثقافيه .فمكان التبعيه الاستعماريه القديمه،بالاستغلال المباشر وبجيوش الاحتلال،ظهرت الاحلاف والمعاهدات والاتفاقيات الاقتصاديه والمعونات العسكريه والمستشارين ...الخ وكان الاساس الاقتصادى للتبعيه هو الابقاء على ذات الهيكل الاقتصادى الاحادى الجانب ، المشوه ،غير المتوازن المكمل لاقتصاد العالم الرأسمالى ، وبقائه موردا رخيصا للمواد الاوليه،وكسوق ملائم للسلع الغربيه ، وكمصدر رخيص للقوى العامله .ولقد التفت مصالح الطبقات الحاكمه التى انحدرت من أصول ما قبل الرأسماليه - اقطاعية وقبليه وكومبرادوريه وبرجوازيه تجاريه وموظفين .. وانصهرت جميعا فى بوتقه طفيليه حلت محل المستعمر القديم . واصبحت وظيفتها القيام بدور السند الاساسى للامبرياليه ووسيطه فى الاستغلال المشترك لشعوبها ،حيث تحظى بفتات الاستغلال الامبريالي .ومن نافل القول التأكيد على ان الهدف الاساسى للقوى الامبرياليه فى افريقيا هو نهب ثرواتها ، فهذه الثروات ، اضافه الى الموقع الاستراتيجي للقاره باطلال بعض أقسامها على المحيطات والمنافذ البحريه الاستراتيجيه وطرق التجاره العالميه وكنقطة فى الاستراتيجيه الامبرياليه ضد نفوذ وتأثير المعسكر الاشتراكي – تشكل الاسباب الجوهريه لاصرار القوى الغربيه على الاحتفاظ بهذه القاره فى قبضتها .
ورغم ان موجه الاستقلال السياسي قد آلت الى ما آلت اليه ،اي بوقوعها فى اطار النفوذ الامبريالي فى اعقاب الستينيات وببقاء بعضها اصلا فى هذا الاطار ، الا ان الثوره الافريقيه الآن – رغم ان الامبرياليه تكتل قواها وحلفاءها وتوابعها من أجل الاستمرار فى السيطره على موارد القاره ونهبها واحكام قبضتها السياسيه والعسكريه عليها واجهاض ثوراتها الوطنيه الديموقراطية والاشتراكيه المتمثله فى عديد من حركات التحرر التى انتصرت او التى فى طريقها للانتصار – قد انتقلت منذ تحرر انجولا وموزمبيق وغينيا بيساو والكونغو برازافيل وبروز الاتجاه (الاشتراكى) الراهن للنظام الاثيوبى بعد حسم اتجاه المجلس العسكرى الحاكم وبعد الإطاحه بالاجنحة اليمينية داخله ، وبعد قيام نظام وطنى فى الصومال يتجه وفقا لاعلاناته الى الاشتراكيه ، ومع وجود حركات التحرر التى تقوم بالنضال المسلح فى جنوب افريقيا وروديسيا وجنوب غرب افريقيا...الخ نقول ان الثوره الافريقيه قد انتقلت الى محور اعلى من زاويه اوضاعها وآفاق ثوراتها . وهذا المحور يجد اساسه فى افلاس الامبرياليه لمساندتها اكثر الانظمه عفونه وفسادا فى مواجهة القوى الشعبيه التى تدرك اكثر فأكثر ترابط مصالح طبقاتها الحاكمه بالمصالح الاستعماريه وضرورة الاطاحه بهذا النير المزدوج . وبمصائر الانظمه التى لم تنجز استقلالها كاملا وعادت الامبرياليه وركائزها المحليه عداءً نسبيا ، وباعتمادها لمذاهب اشتراكية قوميه لا تعبر عن مصالح الطبقات الكادحه ، وبرفضها اطلاق الحريات الديمقراطية واصرارها على ممارسه حكم ديكتاتوري - هذه الانظمه التى تم الانقلاب عليها من داخلها وعادت الى الحظيره الاستعمارية .لأنها مثلت طبقات وفئات اجتماعية استغلاليه جديده , لم تكن حاسمه وجذريه فى عدائها للامبرياليه او فى إقامه استقلالها السياسي والاقتصادى او فى التعبير عن احتياجات الطبقات الشعبيه الكادحه. لقد آلت انواع الاستقلال سواء كان السياسي الشكلى او الاستقلال الاقتصادى النسبي الى العودة مجددا للارتباط بالنفوذ الغربى ، وقد هزمت ثورات "منتصف الطريق" على يد التدخل العسكرى او انقلابات الجيش الداخليه او عبر الضغوط العسكريه التى انتجت انقلابات سلميه من اعلى ، والتى استندت على نخب برجوازيه او بيروقراطيه ، رفعت راية الاشتراكيات القومية الطراز ، ذات المحتوى البرجوازى ، او البورجوازى الصغير من الناحيه الاساسيه .
ان واقع القاره الافريقيه الراهن قد بدأ على الصعيد العملى يتجاوز النظام الامبريالي والبلدان الدائرة فى فلكه والقوى التى وقفت فى منتصف الطريق ، ويتجاوز خاصه مختلف الطبقات الافريقيه الحاكمه التى سقطت فى فمها كل مكاسب الاستقلال السياسي فى الستينيات بعد حلولها محل الاستعمار الاجنبي المباشر . لقد انتقل النضال ضد الامبرياليه من محور الحلف "القبلى" الاقطاعى ، البرجوازي الحاكم الذى ارتبط بالنفوذ الامبريالي فى اعقاب تحقيق الاستقلال السياسي ، ومن محور الطبقات والفئات الطبقيه التى حققت استقلالا نسبيا ، تم اجهاضه على يد القوى الامبرياليه ، الى محور القوى الشعبيه المعادى للامبرياليه عداءاً جذريا ، والساعى الى تقويض أسس الرأسماليه ذاتها ، هذا المحور الذى يهدف الى اقامة الدكتاتوريه الديمقراطيه الثوريه للطبقات الكادحه في سياق انجاز الهدف الثورى الابعد وهو اقامه النظام الاشتراكى . لقد كان الاستقلال السياسى – بمعنى ما – فجرا كاذبا ، لكن الاستقلال الاقتصادى والسياسى الحقيقي آت على يد الحركات المناهضة على نحو جذرى للامبرياليه وتوابعها والتى تسترشد لا باشتراكيات قوميه مزيفه بل بالماركسيه اللينينيه، والتى سيكون استقلالها من النمط الصيني والفيتنامي والكوري ، استقلالا فى اطار اقامه النظام الاشتراكى . وهو الاستقلال الوحيد الذى برهنت التجربه التاريخيه على صلابته وقدرته على الصمود وتوافقه مع امانى الجماهير الشعبيه ، انه الفجر الحقيقي لا الفجر الكاذب .
لقد اصبحت افريقيا واحدة من اهم ميادين المعركه بين النظامين الاجتماعيين الاشتراكي والرأسمالي , ولزيادة فاعلية الثورة الافريقيه لابد من ادراك عمليه الانتقال هذه من محور تحقيق الاستقلال السياسي او الاقتصادى النسبي ، على تفاوت وتعدد نماذجه واشكاله من قبل طبقات حاكمه اما تابعه للامبرياليه ، او معاد لها الى هذا الحد او ذاك ، الى محور ديمقراطي ثوري معاد للامبرياليه والرأسماليه المحليه – بكل أصولها وعلاقتها المتداخله مع القبليه والاقطاعية – بالاعتماد على الطبقات الشعبيه – بعد ان برهنت الوقائع على مصير هذه الانظمه السابقه جميعها . والانتقال الى هذا المحور يعنى النضال الجذرى ضد كافة مظاهر الاستعمار القديم والجديد ، وتدمير الركائز الاقتصاديه والاجتماعية التى يستند عليها ،والقضاء على علاقات التبعيه السياسيه والعسكريه.واقامه نظام ديمقراطي ثورى ينجز استقلالا حقيقيا عن المعسكر الامبريالي فى اطار التوجه الاستراتيجي لاقامه المجتمع الاشتراكي بكل ما يتطلبه ذلك من جهود اقتصاديه وسياسيه وعسكريه.....الخ
ان القوى الثوريه اذ تتصارع مع الامبرياليه على الارض الافريقيه ،فانما تقوم بنضالها فى اوضاع اكثر مواتاه من ظروف الستينيات بحكم الهزائم المتلاحقه للامبرياليه الامريكيه فى جنوب شرق اسيا ، وخاصه بانجاز الثوره الفيتناميه لاهدافها فى طرد المستعمرين الامريكيين وبافلاس الانظمه التابعه للامبرياليه فى افريقيا ذاتها وخاصة الانظمة العنصريه التى تلقى الدعم الاستعمارى رغم بيانات التهديد ، والاستنكار ، ومصائر انظمه منتصف الطريق ، وبروز الحركات الشعبيه المسلحه الديمقراطيه الثوريه والماركسيه التى انتصر بعضها وأقام دولته . ثم بدور المعسكر الاشتراكي الذى يختلف وضعه الآن عن اوضاع الستينيات من جميع النواحى الاقتصاديه والعسكريه ،فأزمة الصواريخ الشهيره فى كوبا غير قابله على الارجح للتكرار ، فقد أصبح الاتحاد السوفياتي قادرا على الحاق الدمار بالمعسكر الامبريالي ، بنفس الدرجه تقريبا التى يستطيعها هذا الأخير ، مما يضع الامبرياليه وخاصه الامريكيه أمام ضروره اقامة--وضع موازنات مختلفه ، يتطلبها التطور العسكرى الذى يشكل واقعا جديدا فى تقدم المعسكر الاشتراكي . ومع ذلك فان هذا الواقع لا يعنى ان الامبرياليه قد القت سلاحها فهى تغير تاكتيكاتها بخيارات مرنة , منطلقة من ضرورة الحفاظ على مصالح الكتل الامبريالية ككل فى مواجهه المد الثورى . ولذلك فان الحركات الشعبيه التى انتصرت فى القاره لن يصبح انتصارها حاسما ونهائيا ، الا بقدر ما تمثل نقاط ارتكاز لحركات الثوره فى البلدان الافريقيه الاخرى التى مازالت تناضل ، وان شعار عدم التدخل – وهو شعار لا تحترمه القوى الامبرياليه والرجعيه الا بقدر ما يمكن اجبارهما على ذلك – فى الشئون الداخليه للدول الاخرى ، يصبح شعارا انتهازيا ملائما لمصالح القوى الاستعماريه وتوابعها ، اذا كان معناه الفعلى هو عدم مسانده القوى الثوريه .
**********
ان واقع افريقيا الموضوعى ،رغم مظاهر الاستقلال الشكلى يؤكد ان معظم البلدان الافريقيه مازالت تابعه ومكانها من السوق الرأسمالى العالمى ، هو نفس مكانها قبل تحقيق الاستقلال السياسي ، اى ان ماتغير هو شكل التبعيه من قديمه لجديده . فالاحتكارات الامبرياليه والقواعد العسكريه , والنفوذ السياسي ، والمعونات المشروطه ، تقيد هذه البلدان بالمعسكر الاستعمارى وتمثل مجالا للنفوذ الغربى وجانب هذه البلدان السابقه توجد بعض الدول الثوريه . تحاول السير فى طريق انجاز الاستقلال الفعلى ، بينما تخلع عن اكتافها نير الاحتكارات الاجنبيه بوزنها الاقتصادى ، والسياسي ، والعسكرى ، وهذه الانظمه محاصره بمظاهر الوجود الامبريالي من خلال الانظمه التابعه لها والتى تدرك مخاطر وجود الانظمه الثوريه ، وانعكاساتها الحتميه داخل بلدانها وفى القاره على السواء , من ناحية اخرى فان التاكتيك الامبريالي لتعويق الثوره الوطنيه الديمقراطيه الجذريه والثوره الاشتراكيه قد اصبح "مرنا" فى السنوات الاخيره ، فالاستعمار القديم على سبيل المثال كان يرفض طموح الطبقات الافريقيه الساعيه الى الحلول محله بنضالها من اجل السلطه ، وبعد أن كان يقاتلها اثناء السعى الى الاستقلال ، غير اساليبه ، بحيث قدم لها تنازلات تتعلق بوجوده المباشر وتفتح الطريق أمام مطامح هذه الطبقات لممارسه نوع من المشاركه تكون هى الحلقه الوسيطه فيه بين بلدانها وبين المصالح الامبرياليه ، ثم لتقوم بدورها فى اعاقة نمو الثوره فى بلدانها او خارجها على صعيد القاره الافريقيه.
ان العدو الرئيسى فى القاره الافريقيه هو القوى الامبرياليه التى تقوم بنهبها واعاقه تطورها الاقتصادى فهى ليست قاره "متخلفه" الا بقدر ما هى منهوبه ، فالسبب الاساسي لتخلفها هو الارتباط بالعالم الاستعماري واقتصاده الاحتكارى والتخلف هو الدور "الحضارى" الذى ادته البلدان الاستعماريه لافريقيا . والقضاء على هذا التخلف لا يمكن الا ان يمر عبر القضاء على الاستغلال الاقتصادى والسياسي الامبريالي والرأسمالي .. وما قبل الرأسمالى المحلى.
لقد كان الاستغلال الرأسمالى الامبريالي ، يجد اساسه فى الحفاظ على البينه السابقه على الرأسماليه كما هى . مع بعض التغييرات الطبقيه الملائمه لممارسة الاستغلال ، فهو لم يخلق عالما على مثاله من ناحيه تطوره الاقتصادى المتوازن ، بل تعمد الابقاء على البنيه الاقتصاديه ... الاجتماعيه وتعدد الهياكل الانتاجيه على حالتها ، لتعميق استغلاله ، بدءاً من المشاعات البدائية ، حتى الاشكال العبوديه والاقطاعية . وقد كان من نتاج الابقاء على هذه البيئه وادماجها فى سياق متطلبات الرأسماليه العالميه ، أن تحولت هذه البلدان الى بلدان تابعه تبعيه شامله للامبرياليه . وهذه التبعيه تجد مظاهرها فى الاشكال الكلاسيكيه للارتباط بالرأسماليه الغربيه – من اقتصاد غير متوازن،مشوه احادى الجانب فى انتاجه باعتماده على ماده من المواد الاوليه ،مكمل للسوق الرأسماليه العالميه بتشكيله احدى حلقاتها ، سوق للسلع الاجنبيه ، مصدر من مصادر قوى العمل الرخيصه ، سوق لرأس المال المالى . وهذا الاقتصاد التابع فى مجموعه لا يرتبط بالسوق المحلى ولا بالسوق الافريقي ، بل بالسوق الرأسمالي العالمي وباحتياجات القوى الامبرياليه.
وهكذا فان القضاء على تخلف افريقيا لا يمكن ان يتم انجازه بالحصول على الاستقلال السياسي الذى تقع ثماره فى فم طبقات حاكمه ،بل يتطلب سياسه وقوى شعبيه تناضل من منطلق العداء الجذرى للامبرياليه من ناحيه والطبقات المحليه من ناحيه اخرى ، فالنضال ضد الامبرياليه يتطابق مع النضال ضد الطبقات الحاكمه ولا يمكن الفصل بينهما.
ان النتائج والآثار الموضوعيه التى تمخضت عن الاستغلال الامبريالي عبر علاقات المشاركه مع الطبقات الحاكمه فى افريقيا بعد تحقيق الاستقلال السياسي ، يبرهن على ان الطريق الحقيقي لافريقيا المستقله ، هو طريق الثوره الوطنيه الديمقراطيه الجذريه التى تتطور بآفاق اشتراكيه ،فالرأسماليه غير قادره على تلبيه الاحتياجات الموضوعيه للطبقات الكادحه ، الساعيه الى التحرر من القهر الاجنبي والمحلى فالامبرياليه ترى مصالحها الطبقيه فى استبقاء البلدان الافريقيه اقتصاديا وسياسيا كما هى لتظل "الريف العالمى" الذى تنهبه البلدان الرأسماليه المتطوره اقتصاديا ، وذلك يتناقض بالطبع مع أى درجه ذات وزن من التطور الاقتصادى المستقل . مما يطرح قضيه الاطاحه الثوريه بالطبقات الحاكمه الافريقيه ، وبالنفوذ الامبريالي.
ولكن الا يجدر بنا ان نتساءل عن دور البرجوازيه القوميه وقدرتها على مناجزة الامبرياليه ، كما حدث فى بعض البلدان – بلدان العالم الثالث – بل وفى بعض بلدان شمال افريقيا ذاتها كمصر على سبيل المثال؟ ان الواقع هو ان مناطق افريقيا المختلفه ، وخاصة فى اجزاءها الوسطى والجنوبيه كانت تمر من زاويه تطورها الاجتماعى بأنظمة سابقه على الرأسماليه ، حين فرض عليها الارتباط الاستعمارى ، من المشاعات البدائيه الى العبوديه ، والاقطاعيه ولم يقم الاستعمار بتدمير هذه الانماط المتجاوره ، بل حافظ عليها وادمجها فى سياق نهجه الرأسمالي ، من أجل تكثيف استغلاله خالقا الى جانبها قطاعا رأسماليا هشا فى حدود حاجاته ، وكان من المستحيل فى ظل هذه السيطره الشموليه للامبرياليه ان تنمو برجوازيه قوميه ، فموارد البلاد الاساسيه خاضعه للنهب الغربي الاستعماري ، بما لا يسمح لاى قوه فى ظل هذه الهيمنه ان تحقق الشروط الضروريه التى انطلقت منها الرأسماليه ، خاصة ما يتعلق بالتراكم الاولى لرأس المال.
ان الاستعمار لم يطور قوى الانتاج بشكل متوازن بل كان وجوده معيقا لتطور قوى الانتاج على هذا النحو ولم يكن الهامش الاقتصادى المرتبط بانتاج المواد الاوليه المعدنيه أو الزراعيه ، سوى قطاع مضاف لاقتصاد البلدان الاستعماريه ، فمما يتناقض مع خصائص الامبرياليه ان تخلق بذاتها فى البلدان المستعمره القوى التى تنافسها ، ولا ان تتخلى عن ارباحها الفاحشه ، بإيجاد الزراعه الراقيه المتقدمه تكتيكيا ، أو بخلق صناعه تستثمر المواد الخام الموجوده فى افريقيا بوفره وبكميات اقتصاديه . لكن كانت اعاقه الاقتصاد المحلى ، شرطا لخلق الاقتصاد الامبريالي وتناميه . ومع هذا فان تغلغل العلاقات الرأسماليه فى هذه البلدان وربطها بالسوق الرأسمالى العالمى ، قد خلق طبقه حاكمه متنوعه المصادر والاصول من زعماءالقبائل ، الى ملاك الارض الاقطاعيين ، الى الرأسماليين التجاريين ، والموظفين الاداريين والعسكريين ، وهذه الطبقه تشكل الصفوه فى البلدان التابعه ، حيث تمثل الحلقه الوسيطه فى الاستغلال المشترك الذى تقوم به مع الرأسمال الغربي .
ان السنوات التى اعقبت حصول البلدان الافريقيه على الاستقلال السياسي تبرهن على ان استمرار النهب الامبريالي والاستغلال الرأسمالي لن يحلا المشاكل الحيويه للشعوب الافريقيه ، بل بالعكس فإنهما يفاقمان منها ، بحكم عجزها النابع من منطقها الداخلى عن ضمان وجود اقتصاد متوازن مستقل يلبي الحاجات الحيويه للطبقات الكادحه . لقد بلغت البلدان الرأسماليه مستواها المتقدم صناعيا بالحروب وبنهب ثروات أفريقيا وآسيا وامريكا اللاتينيه وبتدمير الفلاحين والحرفيين ،وباستغلال الطبقات العامله فى بلدانها . وقد بلغت مستواها الراهن فى قرنين كاملين من الزمان ، وهذا الواقع يعنى ان طريق النمو الرأسمالي وفقا للنموذج الغربى قد أصبح طريقا مسدودا ، ولا يمكن تحقيق التقدم الاقتصادى الا فى ظل ديكتاتوريه ديمقراطيه ثوريه للطبقات الكادحه تتجه الى اقامه المجتمع الاشتراكي.فـ "التطور" الرأسمالي بالمعنى الذى يتخذه فى افريقيا يعنى الوجود داخل السوق الرأسمالي العالمي،وباقتصاد قائم على تصدير مادة او مواد اوليه ، بما يستتبعه ذلك من البقاء "الابدى" فى الجزء المتخلف من العالم ، بحكم خضوعه للنهب والسيطره الامبرياليه الكامله على مقدراته ، والتى لن يتم تجاوزها الا بالخروج من مرحله ما قبل التاريخ ، بوعى الاهداف الضروريه للثوره الوطنيه الديمقراطيه والاشتراكيه .
لقد أذهلت هزيمه عدد من الانظمه الافريقيه التى اعلنت فى مواثيقها واعلاناتها - خلال الستينيات – نهجها للطريق الاشتراكى ، اذهلت عديدا من المفكرين والكتاب السياسيين ودعتهم الى التفكير فى مغزى المسلسل الانقلابى الذى جرى فى بعض البلدان الافريقيه،وكان من أشد ما آثار دهشتهم هو موقف شعوبها الذى تمثل فى عدم مقاومة هذه الانقلابات وبرفض الوقوف جانب السلطه الشرعيه "الاشتراكيه" فراحو يفسرون الامر بأن هذه الانظمه لم تلجأ الى القضاء على جهاز الدوله القديم القائم على أسس استعماريه ، أو الى نشأة عدد من ضباط القوات المسلحه فى احضان العسكريه الاجنبيه وفى الحقيقة فان هذه المظاهر هى نتائج من ناحية بقدر ما هى اسباب بمعنى جزئى فقط،وما اغفلوه هو ان موقف الشعوب يجد تفسيره فى طبيعه السلطه الطبقيه الجديده التى حلت محل المستعمرين الاجانب المباشرين ، وانتهجت خطا معاديا للامبرياليه الى هذا الحد او ذاك.لكنها احتفظت بجهاز الدوله القديم وبنفس البيئه الاقتصاديه ، مع خلق قطاع عام لخدمة الطبقه الجديده ، وفبركه الايديولوجيات البرجوازيه فى الاساس رغم " اشتراكيتها " المظهريه ، من أجل مسانده المصالح المباشره لطبقه تتبلور فى اتجاه برجوازى ايا ما كانت اصولها التى انحدرت منها .
وقد كانت هذه الدعاوى "الاشتراكيه" تجد اساسها الاقتصادى ، فى التناقضات الاقتصاديه التى تميز الوضع الافريقى، فإعلان القطاع العام فى بعض هذه البلدان لا يمت الى الاشتراكيه بصله ، وقد فرضته الضروره الموضوعيه التى تستوجب معدلات معينه متسارعه فى التطور الاقتصادى ، مع واقع التخلف الشديد للقوى الانتاجيه الذى سببته الهيمنه الامبرياليه . وعلى ذلك فان الحاسم فى تحديد طبيعه القطاع العام فى البلدان الافريقيه – وفى غيرها – هو طبيعه الطبقات او الفئات الاجتماعيه التى تسيطر عليه وتستفيد منه من الناحيه الاساسيه وفى البلدان الافريقيه كانت البرجوازيه المحليه الضيقه والهشه تستفيد من القطاع العام ذاته ،ومثلت "ملكيه الدوله" البقره الحلوب لها، وسعت فى بعض الدول الى فرض رقابتها عليه بتقييده فى حدود خدمة مصالحها الخاصه وحاولت ان تسيطر عليه تماما ، او ان تمتلك اجزاء هامه منه . لقد شاعت فى بلدان افريقيا بسبب غياب البرجوازيه القوميه من ناحيه ، وبحكم ضعف الطبقه العامله العددى والنوعى – شاعت ظاهره نشؤ البرجوازيات البيروقراطيه التى مثل القطاع العام اساسها الاقتصادى وتبلورت الى هذا الحد او ذاك- حول جهاز الدوله والسلطه السياسيه ،وتداخلت مع الفئات البرجوازيه الاخرى ذات الاصول التقليديه ، مشكله طبقه حاكمه . ان هناك امكانيتان على الاغلب امام القطاع العام ، رغم تنوع الطبيعه الداخليه لهما ، فإما ان يتحول الى خادم للقطاع الرأسمالي التقليدى ، ثم بيعه وفق النموذج اليابانى مثلا ، أو المشاركه معه وتقليصه فى حدود المجالات التى لا يرتادها القطاع الرأسمالي التقليدي ، أي يمكن ان يتحول الى أداة تدعيم للرأسماليه فى مجموعها ، وإما أن تكون ملكيه الدوله لهذا القطاع اساسا للاتجاه الاشتراكي فى المدى البعيد ، وذلك وفقا لطبيعه الطبقه التى تسيطر عليه ، وايديولوجيتها واتجاهاتها .وتنفرد بعض النماذج فى هذا الاطار العام بتفردها مثل مصر على سبيل المثال – وفى الواقع فان اللافتات الاشتراكيه التى رفعت فى القاره ، بأثر تنامي نفوذ المعسكر الاشتراكي وقدره هذا النموذج الاجتماعي على الالهام وملائمته لتمويه الطبيعه الطبقيه للسلطه واجراءاتها – ومحاوله افهام الجماهير بتسرب الوعى الزائف اليها ، ان عليها أن تجد فى هذه الاجراءات مصلحتها الخاصه ،قد لحقتها جميعا مصائر متبانيه ، وان كانت لها نفس النتائج . فلم تكن الاشتراكيات تعكس ايديوبوجيه طبقات لها مصلحه حقيقيه فى انجاز المجتمع الاشتراكي ، رغم تمايز هذه الاشتراكيات القوميه ذاتها والطبقات التى تقف خلفها ، وانما عبرت اما عن مصالح طبقات اجتماعيه وفئات تقليديه قديمه تابعه للامبرياليه ، تمويها لمحتوى رجعى وامبريالي معادى لمصالح الجماهير الشعبيه، واما عسكت مصالح برجوازيات بيروقراطيه فى طور التكوين وفئات واقسام من طبقات فى طريقها للانصهار،وعادت الى هذا الحد او ذاك - بحكم مواقفها المتهادنه وعدم تماسك اتجاهاتها الوطنيه حتى النهايه – الى الامبرياليه ومظاهر نفوذها وكان من الحتمى على نحو او آخر ان تعود للارتباط فى نقطه اعلى بهذه الاخيره ، رغم هذه المعاداه المؤقته ، لولا الانقلابات العسكريه التى اطاحت بها ، بحكم ترابط الرأسماليه العالميه ، والميول الموضوعيه الكامنه فى اى رأسماليه محليه.
ان السمه الاساسيه الاكثر بروزا ،فيما يسمى بالاشتراكيات الافريقيه . هو انها بحكم انها تشكل سند ايديولوجيا للطبقات الحاكمه ذات الاصول الاقطاعيه والقبليه والرأسماليه التجاريه ، الى "بورجوازيه" الموظفين والبيروقراطيين هو انها تنكر الدور الطليعى للطبقه العامله والصراع الطبقى ، ورغم معاداتها للامبرياليه هذه المعاداه المليئه بالثغرات وبنقاط التهادن والالتقاء ، فهى رغم ادعاءاتها ،تظل حقيقه ان معاداه الامبرياليه دون مواقف ثوريه حتى النهايه اى جذريه ، لا تعنى معاداة الرأسماليه نفسها .
لقد سعت هذه "الاشتراكيات " الى ان تجتزئ اقساما من المفاهيم والسياسات الماركسيه لتدعم مصالحها , منها دور الدوله فى القطاع الاقتصادى , واهميه الحزب السياسي (الواحد) . فقطاع الدوله كان يخدم مصالح البرجوازيه ككل ، والحزب السياسي الواحد مصادره للحريات الديمقراطيه ، بما يتضمنه من اهدار حق الجماهير الشعبيه فى اقامه تنظيماتها المستقله - لقد كان الحزب الواحد اداة من اداوات مصادره الصراع الطبقى فى هذه البلدان اضافه الى الوسائل القمعيه المباشره كالجيش والشرطه ، او بالايديولوجيه "الاشتراكيه" البرجوازيه . لقد كانت مصادره حق الجماهير الشعبيه فى تنظيم نفسها واطاحتها بسور الحزب البرجوازى الواحد ، واياما كانت درجه التناقض بين هذه الانظمه وبين الامبرياليه هى العامل الذى ادى الى افتقاد السند الوحيد الذى يمكن ان يحمى نظاما معاديا للامبرياليه الى هذا الحد او ذاك ، لذا لم يكن صعبا ادراك موقف اللامبالاه من الجماهير الشعبيه ازاء الاطاحه بهذه الانظمه ،فهى لم تجد فيها معبرا عنها سياسيا واقتصاديا واجتماعيا،وانما طبعه جديده من استغلال ذو طابع قومى .
لقد اتاحت الشروط الموضوعيه فى بعض البلدان الافريقيه ان تقوم بعض القوى والفئات الطبقيه بلعب دور سياسى واقتصادى مثل الطبقات الافريقيه او بعض فئاتها - جنرالات الجيش ، ولا شك ان هذه الظاهره يمكن تفسيرها بضعف البرجوازيه كطبقه اجتماعيه متجانسه ومنصهره وفى غياب برجوازيه قوميه ذات مصالح موحدة ومناهضه للامبريالية ولبقايا مجتمعات ما قبل الرأسماليه ، وذلك بصفه اساسيه ومن الناحيه الاخرى فان الطبقه العامله بحكم وجودها فى مجتمعات شديده التخلف اقتصاديا وسياسيا وبغياب الانتاج الصناعى الكبير ، بما يترتب على ذلك من ضعفها العددى والنوعى ،قد قاد الى عدم اداركها لرسالتها التاريخية ، فهى لم تصبح بعد قائده المعسكر الثورى بكل فصائله المختلفه ، وهذين الشرطين ، اى وضع البرجوازيه من ناحيه والطبقه العامله من ناحيه اخرى قد هيأ مجالا للطبقه البرجوازيه المدنيه والعسكريه للاستيلاء على سلطة الدوله ، ان ضعف النضال الثورى باتجاهه الوطنى الديمقراطى والاشتراكي ، يعود بصفه اساسيه الى غياب ثقل ووزن الطبقه العامله ، الى عدم نضج احزابها السياسيه المعبره عن مطامحها واهدافها التاكتيكيه والاستراتيجيه ، وفيما يتعلق بالمستقبل فان ضعف البرجوازيه عامة يهئ واحدا من أهم الاسباب التى تفتح امام الطبقه العامله طريق ممارسة دور قيادى ذو اهميه فى تغيير الاوضاع القائمه ، خاصة وان الاحزاب التى تزعم لنفسها طابعا قوميا لا يمثل بنيانها البلد بمجموعه ، بل طوائف وقبائل ،وسلالات ، وديانات وقوميات ؛ الخ وهى قد تمثلت على الارجح عناصر الفساد فى المجتمعات الغربيه مما يجلعها هدفا "سهلا" لاى قوه ثوريه ترتبط الجماهير الشعبيه ، تقوم بانتهاج سياسه ثوريه صائبه.
ان الانظمه التى اعلنت ماركسيتها – مثل الحبشه ، والصومال والكونغو برازافيل- أو القوى المناضله التى تعلن عن هويتها الماركسية الآن لابد ان تستوعب دروس وتجارب الانظمة التى اعلنت عن تبنيها لمذاهب اشتراكيه افريقيه ، عبرت عن طبقات او فئات اجتماعيه قديمه او جديدة , مستفيدة ، على وجه الخصوص من دروس هزيمتها ،بحكم وقوفها فى منتصف الطريق ، واهم هذه الدروس هو ضرورة اقامة استقلال اقتصادى وسياسي حقيقي ،بتغيير البنيه الاقتصاديه – الاجتماعيه المرتبطه بالسوق الرأسمالي العالمي ، بتنظيم الطبقه العامله سياسيا واقتصاديا ، ورفع مستواها الفكرى والثقافى ، باطلاق الحريات الديمقراطيه وتسليح الجماهير الشعبيه فى مواجهة الاحتمالات المؤكد،لهجمات الثوره المضاده ، وتدمير جهاز الدوله القديم بجيشه وشرطته وبيروقراطيته ، واحلال جهاز ثورى شعبى جديد محله . وادراك الحقيقه الاساسيه التى برهنت عليها التجربه التاريخيه ، وهو ان البلدان التى شكلت احدى حلقات السوق الرأسمالى العالمى وناهضت الامبرياليه الى هذا الحد أو ذاك،بينما ابتعدت فى فتره عارضه عن ان تشكل جزءا سياسيا من العالم الامبريالي ، كان مصيرها الحتمى هو ان تعود اليه على نحو سلمى او مسلح وان الدول الوطنيه الديمقراطيه التى اتجهت الى الطريق الاشتراكي مثل الصين وفيتنام وكوريا ، هى التى استطاعت ان تنجز مهام الثوره الوطنيه الديمقراطيه ، ولم يكن ذلك ممكنا الا تحت قياده شيوعيه . فالدول الوطنيه الديمقراطيه هى الشكل الانتقالي الملائم للوصول الى المجتمع الاشتراكي ، وتمثل الديكتاتوريه الديمقراطيه الثوريه للطبقات الكادحه التى تضم بين صفوفها الطبقه العامله والفلاحين والرعاه والبرجوازيه الصغيره المدينيه وهى لابد ان تتجاوز اطارها الثورى الديمقراطي،لتتجه عبر مراحل انتقاليه الى المجتع الاشتراكي .
ولابد من التأكيد مره اخرى على أهميه الحريات الديمقراطيه ، فهى أداة لتدعيم أى نظام ثورى حقيقي وبقاءه واعطاءه مزيدا من الزخم الشعبي للصمود والنضال ويتطلب ذلك كما أشرنا ، تدمير جهاز الدوله القديم الذى تكون فى احضان الدوله الاستعماريه او الانظمه الاقطاعيه ، واطلاق حريه الصحافه والاجتماع والرأى ، بل وتنظيم الاحزاب السياسيه ، فهذا الأمر الأخير يكتسب اهميه من واقع تخلف القطاعات الجماهيريه التى عانت من الكبت والاستعباد , ولتجميع جبهة مشتركه مع الحزب الثورى الجذرى ، وتطهير كافه المنظمات الجماهيريه والثقافيه ولفها حول الرايه الثوريه ، سواء اكانت فلاحيه او عماليه او طلابيه .
ان المواقف السياسيه الجامده التى تفترض على نحو ضيق ضروره الا يكون هناك سوى حزب ثورى واحد فى واقع له نوعيه معينه خضع للاستبداد الاوتوقراطي لفتره تاريخيه طويله ، وقامت فيه حركات سياسيه وتنظيمات ثوريه ، ان مثل هذا الموقف يكون فادح الخطأ لانه يقوم بوأد الانصار الرئيسيين فى معارك الصدام مع الامبرياليه والقوى الرجعيه التى لابد وأن تحاول اسقاط النظام الثورى الجديد , ولا يساعد على الاطلاق مبادرة الجماهير الشعبيه التى لابد وان تصل الى حدودها القصوى . ان واقع وجود حركات انقلابيه على المجتمعات الافريقيه المرتبطه بالامبرياليه وذات الطابع الاقطاعى ، وما قبل الرأسمالي بشكل عام وبالذات من صفوف القوات المسلحه ، يبرره ميزان القوى بين الطبقات الاجتماعيه داخل المجتمع ذاته فحين لا توجد برجوازيه قوميه لها مطالب اقتصاديه وسياسيه قادره على فرضها ، وحال ضعف الطبقه العامله سياسيا بما يحول دون قيامها بدور قيادى ، فان هذه الانقلابات العسكريه التى تخرج من صفوف "القوى الماديه المنظمه" والقادره على فرض اتجاهها بالسلاح الذى تمتلك احتكاره ، فانها تعبر من جانب عن الرفض الجماهيري العام لأنظمة الحكم القديمه ، ومن جانب آخر عن المصالح الموضوعيه لبعض الطبقات والفئات الاجتماعيه وهى تجد نفسها امام سبيلين - لانها ذات استقلال سياسي نسبى عن الطبقات الاجتماعيه لكنها لا تستطيع ان تقفز خارج العلاقات الطبقيه الفعليه بالموازين التى تحكمها – اما ان تتجه اتجاها ديمقراطيا ثوريا ، بتبني مطالب واهداف الطبقات الكادحه اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا وثقافيا ، وباقامه الديكتاتوريه الديمقراطيه الثوريه للطبقات الكادحه ، واما ان تتجه اتجاها برجوازيا معاديا للديمقراطيه ورغم استقلالها السياسي النسبي عن الطبقات الاجتماعيه ، فان النضالات التى تقوم بها ضد الامبرياليه وثمارها ستقع فى فم الطبقه البورجوازيه السائده اقتصاديا حتى وان لم تعبر عن نفسها بأدواتها على نحو مباشر . وقد يفتح ذلك الطريق امام برجوازيه بيروقراطيه جديده تتحالف مع الطبقات الاجتماعيه القديمه ،لتعود مره اخرى الى شبكة الارتباطات الامبرياليه .
ان الاطروحه السالفه تكتسب اهميتها من واقع وجود انظمة تعلن عن تبنيها للماركسيه اللينينيه ، ومن حركات تحرر تعلن الى هذا الحد او ذاك الاشتراكيه العلميه ، غير ان النوايا فى السياسيه ،كما فى اى شيء آخر ،لا تكفى وحدها لايجاد واقع فعلى من طراز معين . وتجارب الحركات الاستقلاليه السابقه بآفاقها التى انتهت اليها ،جديرة بالتمعن واستخلاص الدروس من قبل الحركات التى انتصرت وشكلت دولة . او تلك التى فى طريقها الانتصار فاذا كانت افريقيا قد اخلقت وعدها الاول...فان امكانية تحقيق وعدها الثانى ...قائمه .
(2)
لقد كان للانقلاب العسكرى الذى وقع فى البرتغال فى 25 ابريل 1974 وللاتجاه الديمقراطى الذى سيطر على مواقف الحكومه إزاء المستعمرات البرتغاليه فى افريقيا ،أثره الحاسم فى تغيير موازين القوى سواء داخل بلدان القاره منفرده أو على صعيدها ككل . وقد شمل هذا الأثر الانظمه العنصريه فى روديسيا وجنوب افريقيا التى كانت تجد سندا ماديا ومعنويا فى الاستعمار البرتغالى،وما اعطى للحركات المناهضه لهذه الانظمه دفعه قويه لتأكيد مطالبها واتجاهاتها فى المناوئه لحكم الأقليات العنصريه البيضاء ، وقد كان لهذا التغيير الذى احاط بالمستعمرات القديمه البرتغاليه،ردود افعاله فى اتخاذ الامبرياليه عامه والامريكيه خاصة لخطوات معينه من أجل قطع الطريق على حركات التحرر ذات الطابع الديمقراطي الثورى والماركسي ، لمحاصرة تأثيراتها الحتميه التى تعطى دفعة قويه للعاصفه الثوريه فى افريقيا ، وذلك بتدعيم ركائزها ممثله فى الانظمه الرجعيه والمحافظه،وخاصه لان بعض هذه الحركات قد وجدت مساندة أمميه من قوى المعسكر الاشتراكي ،من الاتحاد السوفيتي وكوبا تحديدا ،مما يجعلها بحكم الواقع الموضوعى جزءا من العمليه الثوريه العالميه ، تدخل فى اطار الاستراتيجيه الشامله للتناقض بين المعسكرين الامبريالي والاشتراكي ، وقد كان تحرر انجولا ضربة قاصمة فى حلقة العلاقات الامبرياليه داخل القاره بسبب ثرواتها المعدنيه الهائله (بترول وحديد ونحاس ، منجنيز، فوسفات ، تيتانيوم ) ولان الحركه الشعبيه لتحرير انجولا- بخلاف (فتلا) و (يونيدا) كانت ترفع شعار ضرورة سيطرة الشعب الانجولي على ثرواته القوميه ، وبحكم كونها حركة ماركسيه يساريه ،لابد ان تكون لها انعكاساتها الموضوعيه الثوريه على الانظمه العنصريه والمحافظة التى تحيط بها ، ولذا لم تدخر الولايات المتحدة وسعا فى تدعيم القوى المضاده لثورة الشعب الانجولى ، وعملت من اجل خلق نموذج مصغر من الحرب الفيتناميه شرط الا تكون طرفا مباشرا فى النضال العسكرى الدائر . وقد كان هذا الاتجاه الامبريالي بمثابه اعلان مرحله جديده تشكل فيها افريقيا وضعا ووزنا خاصا ، وبالذات بعد هزيمه التدخل الامريكي فى جنوب شرق آسيا ،عقب الانتصار الفيتنامي المشهور على الامبرياليه الامريكيه ، وقد كانت استراتيجيه هذه الاخيره تضع فى حساباتها مخاطر وجود ما تسميه بالحزام الاحمر الذى يمر وسط القارة وتمثله الحركات الشعبيه المنتصره ،والنظم الماركسيه او تلك التى تناصب الوجود الامبريالي العداء بهذه الدرجه او تلك وكان الاحتفاظ بانجولا فى دائرة النفوذ الغربى يتيح ميزانا لقوى – بموقفها ودولتها – يميل ضد الاتجاهات الثورية نظما او حركات تحرر ، وذلك حين تكون انجولا فى سلسلة واحده مع زائير والجابون ، فى مواجهة تنزانيا وموزمبيق . من ناحية أخرى فإن الوضع الاستراتيجى لانجولا بحكم الموقع الجغرافي الذى تحتله فى قربها ككل من جنوب افريقيا وروديسيا بما له من نتائج ثوريه لحفزه وتدعيمه للحركات المناهضه للعنصريه والاقليه البيضاء الضالعه مع النفوذ الغربى كان يشكل واحدا من العوامل الاساسيه التى تبلورت حولها الاستراتيجيه الامبرياليه.
لقد كانت هناك قيود معينه "تكيفت" معها الامبرياليه الامريكيه قيود اعاقتها عن ان تتدخل تدخلا مباشرا لانه يستدعى على الفور لدى الرأى العام الامريكي والعالمي ، ذكريات الهزائم الاسيويه التى جلبها التورط فى الحرب التى دارت هناك ، بيد ان القيود لم تؤد بالطبع الى ان ترفع يدها كليا . فوفقا لبعص المصادر صرفت مبالغ وأموال ضخمه بشكل سرى لكل من الحركتين المرتبطتين بالنفوذ الغربى ، والمناوئيتن للحركة الشعبيه لتحرير انجولا ، وذلك بالاضافه للاسلحه والمعدات والمرتزقه . ولكن بعد اكتشاف التورط الامريكى الجديد ثار الرأى العام ،الذى تم دون استشاره الكونجرس الامريكي . وما كان من هذا الأخير الا ان رفض الاستمرار فى تقديم الدعم المالى للحركتين المرتبطتين بالغرب الاستعمارى .
لقد سعى اوجستينو نيتو زعيم الحركة الشعبيه لتحرير انجولا لان يصل الى اتفاق بين الحركتين الاخيرتين يشكل برنامجا للحد الادنى اساسه انتاج خط سياسي للتحرر من التبعيه للامبرياليه ، الا ان عميلي الامبرياليه هولدن روبرتو ، وسافيمين ظلا على مواقفهما المنحازه للغرب ،مما جعل الحرب الاهليه بين الحركات الثلاث امرا حتميا ، حتى تم انتصار الحركه الشعبيه ، رغم كل صنوف الدعم المالى والعسكرى وقوات المرتزقه ، بل ورغم المسانده العسكريه للقوات النظاميه لجنوب افريقيا .
لقد حاولت الدوائر الامبرياليه والرجعيه تصوير الانتصار الذى احرزته الحركه الشعبيه ، وكأنه نتاج "لتصدير الثورة" الذى يقوم به الاتحاد السوفيتى عبر "تحريك" القوات الكوبيه ، وفى الواقع فان الخبره الثوريه التى تقدمها التجربه الانجوليه ، سبق ان قدمتها الخبره الفيتناميه ، وهى انه يستحيل تصدير الثوره ، وان اصرار الشعب على التحرر ، مع وجود طليعه ثوريه ،تعبر عن اهدافه ومطامحه فى رفض النفوذ الامبريالي ، هى العامل الحاسم فى هذا الانتصار ، بل انها هى التى تفسر الهزيمه التى حاقت بالقوى المناهضه للثوره – عالميا وافريقيا وانجوليا - رغم الدعم الامريكى والاوروبى ، والتدخل العسكرى الافريقي المباشر ، بل ايضا رغم "المساعده الصينيه" !. ان الواقع فى براثن الشعارات المعاديه للسوفييت والكوبيين يخدم انصار الثوره المضاده ، فى افريقيا والقوى الرجعيه فالثابت حتى من الوقائع ان الدعم الذى اتخذ شكلا عسكريا من جانب القوات الكوبيه وتواجد المستشارين والخبراء العسكريين السوفييت ، كان ردا على الدعم المباشر الذى اتخذا اشكالا متعدده بين الغرب الاستعمارى والانظمه الافريقيه التابعه له.فقد قاتل جنبا الى جنب القوات المشتركة لكل من (فتلا) و (يونيتا) حوالى خمسة الاف جندى زائيري ينتمون الى نظام العميل موبوتو ، وعدة آلاف من جنود النظام العنصري فى جنوب افريقيا ،اضافة الى بعض المستشارين العسكريين الصينيين وكان من المطنقى آنذاك ان يساند المعسكر الاشتراكى والقوات الكوبيه الحركه الشعبيه المناهضه للمعسكر الامبريالي .
ان ابواق الاعلام البرجوازيه العالميه والعربية تحاول تشويه الدور الثورى الذى يقوم به النظام الكوبي فى جنوب افريقيا – وخاصة بعد احداث زائير الاخيره - فهم يتحدثون عن "الخطر الكوبي على العالم الحر " وعن "المرتزقه الجدد"، وعن مطالب الامبرياليه الاشتراكيه "، قصد التمويه على الدور الذى تلعبه الامبرياليه فى القاره وللتعميه على الدور الثورى واهميته فى مساندة حركات التحرر الافريقيه . ان الكوبيين يعيشون فى مجتمع اشتراكي لا استغلال فيه ولا توجد به طبقة برجوازيه لها مصالح خاصه فى استغلال الشعوب ، وحين يقاتل الكوبيون على الارض الافريقيه ،فذلك قناعه منهم بأمميه الثوره وعالميتها .فهم لا يدعمون " نظاما عنصريا ونفوذا امبرياليا ، او طبقه افريقيه حاكمه ، بل يدعمون الحركات الثوريه الناهضه فى مواجهة كافة اعداء الثوره المتحالفين عليها .
فقد جندت البرجوازيه ابواقها فى اعقاب احداث زائير لتشويه مغزى الدور الكوبى ، فرفع ايديولوجيوها شعار "افريقيا للافريقين" وكل شعار بالطبع يكون مقياس الحكم عليه فى العلاقات الموضوعيه التى تكمن خارجه , فى الاوضاع الفعليه , وموازين القوى التى يستمد منها طابعه واتجاه حركته . ان هذا الشعار لا يرفع فى وجه الامبرياليه التى مازالت تسيطر على عديد من الأنظمه الافريقيه حتى اللحظه الراهنه ، ولا فى وجه الاقليات العنصريه البيضاء التى تنحدر من زاوية اصولها من الاستعماريين المستوطنين القدامى ، والتى تلقى الدعم من كافه القوى الرجعيه العربيه والافريقيه . وهذا الشعار ايا ما كان طابعه المجرد ، المحايد ، الموضوعى ، يعنى من الناحيه الفعليه تثبيت النفوذ الاستعمارى ، ومحاولة محاصرة حركات التحرر الافريقيه التى تواجه القوى الرجعيه والإمبرياليه فى القاره خارجيا - وقطع الصله بينها وبين القوى الثوريه والاشتراكيه العالميه . انه يعنى حق كل القوى الرجعيه فى الوقوف معا عالميا وافريقيا ومحليا ضد الحركات الثوريه فى افريقيا ، ومن ناحيه اخرى إغلاق الابواب امام المسانده الثوريه العالميه بهدف تقويض الانظمه التى خلعت نير النفوذ والقهر الامبريالي ، ومنع الحركات التحرريه الناهضه من انجاز اهدافها الثوريه الاستقلاليه ، ان واقع الانظمه الافريقيه المحافظه والرجعيه بما لها من مكانة تابعه سياسيا واقتصاديا لشتى انواع النفوذ الغربى ، هو صفعه لهذا الشعار البرجوازى الامبريالي المنافق ،هو صفعه لهذا الشعار هو ضرورة - الضرورة الامبرياليه والرجعيه – بالا تكون افريقيا للثوريين، أى لشعوبها بطبقاتها الكادحه،وطلائعها الثوريه. ولن تكون افريقيا للافريقيين الا اذا انتصرت القوى الشعبيه فى كافه بلدان القاره وبقيادة طلائعها الثوريه ، وتخلصت من النفوذ الاستعمارى ، وانتهجت طريقا ثوريا ديموقراطيا يتجه الى الاشتراكيه.
ان الصراع الدائر الآن فى الارض الافريقيه،هو صراع بين معسكرين كبيرين، المعسكر الامبريالي بأطرافه المحليه التابعه ، والمعسكر الاشتراكى الديمقراطى الثورى،بحلفائه . فأقريقيا ببعض بلدانها يتجاذبها الآن اتجاهين معينيين يعملان على تشكيل وضع القاره بمجموعها ، اولا : الاتجاه الذى تدور فيه البلدان التابعه للامبرياليه والتى تريد ان تظل داخل معسكر النفوذ الامبريالي لانه يحقق لها مكاسب اجتماعيه طبقيه بحكم ارتباطها بحلقات التبعيه وبقيامها بدور الوسيط فى حلقه الاستغلال بين السوق الرأسمالي العالمي والسوق المحلي ثانيا : الاتجاه الديمقراطي الثورى والماركسي الذى يعبر عن حلف الطبقات الشعبيه التى ترى ان خروجها من دائره الاستغلال الامبريالي والمحلى لا يتأتى الا عبر الاطاحه بالهيمنه الاستعماريه والطبقه التى ترتبط بها ، واستبدال الانظمه الاقتصاديه الاجتماعيه القائمه ، بأنظمة تحقق مطامح هذه الطبقات الشعبيه التى تتناقض وتصطدم مصالحها بالاوضاع الراهنه فى عديد من البلدان الافريقيه.
وهذان الاتجاهان بكل ما يحيط بهما من شروط وما يتعلق بهما من أطراف يتجاذبان القاره ، فالمناطق المتفجره فى افريقيا لم تعد مناطق معزوله ومحصوره بفعل اوضاع البلدان خارجها فلاول مره فى تاريخ القاره تطرح الاوضاع يمثل هذا الشمول والعموميه والترابط والاندماج بين الحركه الثوريه من جانب والقوى المعاديه لها من جانب آخر.
لقد كان للانقلاب العسكرى فى البرتغال الذى اطاح بالحكم الفاشى ، بموقفه المبدئى ازاء اعطاء المستعمرات السابقه حق تقرير المصير، وهى دول غينيا بيساو ، وموزمبيق وانجولا اثره فى تغيير ميزان القوى فى القاره فجانب الاثر المباشر بنشوء دول وطنيه معاديه للامبرياليه كان هناك اثر آخر على النظام العنصرى فى روديسييا ومن ثم على جنوب افريقيا .فالانتصار الانجولى الذى تم تحقيقه على يد الحركه الشعبيه كان ذو وزن مختلف للاهميه الاستراتيجيه كموقع انجولا بالقرب من الانظمه العنصريه، لغناها بالثروات المعدنيه التى يعتمد عليها العالم الامبريالي ،ولانتصار حركه تعلن تبنيها للماركسيه ،ثبتت مواقعها من خلال الدعم المباشر للمعسكر الاشتراكي ، وكان انقطاع السلسله فى الحلقه الانجوليه يحمل مخاطر وآثار لا يحبذها العالم الامبريالي ،فقد كانت الولايات الامريكيه وبريطانيا ومعهما المعسكر الغربى بصفه عامة ،يحبذان عمليه تغيير سلميه فى تركيب الانظمه العنصريه تعطى السلطه للاغلبيه الافريقيه السوداء ،ولكن شرط ان تكون محافظة ،حتى لا تفتح الباب امام اى تغييرات ثوريه ذات طابع يخرج بهذين البلدين - روديسياو وجنوب افريقيا – من نطاق النفوذ الغربى . وقد كان انتصار الحركه الشعبيه فى انجولا ومجئ نظام وطنى ديمقراطي معاد للامبرياليه يشكل نقطة ارتكاز ثوريه ضد اشد الانظمه رجعيه وعنصريه فى القاره الافريقيه خاصه اذا شكلت قواعد انطلاق لحركة التحرر الوطنى فى ناميبيا اقليم جنوب غرب افريقيا- ومن ثم الى جنوب افريقيا ذاتها .
لقد اعترفت معظم الدول الافريقيه بحكومة الحركة الشعبيه لتحرير انجولا ، فحتى النصف الثانى من شهر يناير 1976 ، اعترفت او ايدت 21 دوله افريقيه الحكومه الجديده ، ولم تعترف اى من الدول الافريقيه بواحده من الحركتين المرتبطتين بالنفوذ الاستعمارى الغربى وهما (فنلا) و (يونيتا) . ويهمنا أن نشير هنا الى الموقف المصرى وتنبع اهميه هذا الامر من انه حلقه من حلقات استراتيجيته المرتبطه بالامبرياليه ومحاربة الانظمه الوطنيه الديمقراطية والشيوعيه ، لقد كان الهدف الاساسى للولايات المتحدة الامريكيه على وجه الخصوص حينما فشلت فى ان تجعل اليد العليا لكل من الحركتين المرتبطتين بالغرب ان تأتى بحكومه "ائتلاف وطنى" تساعد على احتواء الحركة الشعبيه , ثم اجهاضها فيما بعد ، وقد سعت لان تشكل محورا افريقيا يلتف حول سياساتها بهذا الصدد . وحين عقد مؤتمر منظمة الوحده الافريقيه فى 10 يناير عام 1976 يضم رؤساء الدول الافريقيه لم يقر المؤتمر على قرار معين بشأن قضية تأييد الحركه الشعبيه ام تأييد ايجاد حكومة ائتلاف وطنى وترك لكل دوله اتخاذ السياسة التى تراها . وقد ايدت الحكومه المصريه الاتجاه الامبريالي الذى يرى ضرورة إيجاد حكومه للائتلاف الوطنى ، تضم الحركات الثلاث وكان هذا يعنى فى واقع الامر ، وحال الانتصار الفعلى الذى تحقق على يد الحركة الشعبيه ،هو تأييد الجبهتين المرتبطتين بالنفوذ الغربى .
ان القوى الامبريالية تحاول حتى الآن ، وهذا منطقى ان تسترد الموقع الانجولى ، وها هى عبر الدوله التابعه زائير تحاول فصل واحد من اقاليم أنجولا عنها – اقليم كايندا الغنى بالبترول – وتسعى من خلال خطة شامله – تدعى فى كود العمليات الامريكية خطة الكوبرا - لاسقاط النظام التقدمى فى انجولا ، واعادة ترجيح ميزان القوى لصالح القوى الامبرياليه . خاصة وان ارتباط انجولا الوثيق بالمعسكر الاشتراكي وبالذات الاتحاد السوفيتى يجعلها هدفا امبرياليا مباشرا لمثل هذه المحاولات ، حيث دخلت فى اطار التناقض بين المعسكرين فانجولا وفقا لبعض المصادر قد قدمت تسهيلات بحريه للاتحاد السوفيتى على شواطئها فى المحيط الاطلنطى ويوجد بها جيش اممى ثورى من الكوبيين فى لواندا العاصمه ،فإذا اضفنا لذلك التطورات الحاصله فى البلدان الاخرى ومنها تحول موزمبيق عن الخط الصينى منذ عام تقريبا ، والدور الثورى الذى يقوم به السوفيت ازاء حركة التحرر الوطنى الروديسى ، وارتباطهم الراهن بالنظام الحبشى والصومال فى شرق افريقيا – استطعنا ان نفهم هذا النزوع الامبريالي لقلب الحكومه الانجوليه والاطاحه بها.
هذا المسلك الذى ينتهج ازاء كافه البلدان المعاديه للامبرياليه والساعيه الى اقامة استقلال وطنى جذرى . ان السياسه السوفيتيه الآن ، رغم انها لم تطرح جانبا طابعها التحريفى ، تقوم على تدعيم القوى الثوريه المناهضه للنفوذ الامبريالي ،فحين تزايد الدعم الرجعى للحركات المناهضه لتحرر الشعب الانجولى على نحو جذرى وحين سارعت جميع الاطراف من امريكيه وافريقيه وصينيه الى مسانده الحركتين المرتبطتين بالنفوذ الغربى ، رمى الاتحاد السوفيتى وكوبا ثقلهما للرد على هذه التحركات المضاده للثوره ، واقفين بحزم بجانب الحركه الشعبيه التى يتزعمها اوجستينو نيتو. فسياسه الاتحاد السوفيتى القائمه على تدعيم حركات التحرر الافريقيه تستهدف الاطاحه بكل من الاستعمار القديم والجديد . وبهيمنه الانظمه العنصريه على الاغلبيه الافريقيه وهى تقدم كل المساعدات الممكنه للشعوب الساعيه الى التحرر او التى حررت نفسها من أجل تثبيت استقلالها . فالاتحاد السوفيتى لا تحركه الاهداف"الجيوبوليتيكيه" فى الحصول على مواقع نفوذ ، ولا للحصول على ثروات او ما الى ذلك كما تحاول ان توحى الدعايه الاستعماريه الغربيه . وانما هناك ذلك الجانب الايديولوجى والسياسي لنظام يستند حتى الآن على الطبقه العامله وفكرتها الماركسيه اللينينيه ، ويعنى هذا من ناحية اساسيه تطابق مصالح الدولة السوفييته مع الخط الاممى الثورى فى تدعيم الانظمه والحركات المناوئه للامبرياليه وان كان هذا الواقع الجديد ، اى واقع تدخل الاتحاد السوفيتى المباشر يحتاج الى تقييم من زاويه تحديد طبيعه سياسته التحريفيه فى الظروف الجديده التى لا يتجنب فيها الصدام مع المعسكر الامبريالي وخاصه الولايات المتحده الاميركية . ولا شك ان لتغيير الاتحاد السوفيتى لسياسته , وذلك بمعنى محدد،يجد اساسه فى ذلك التطور الطبيعى فى المجال العسكرى بشكل خاص ،حيث أصبح على وجه التقريب ، متعادلا مع الولايات المتحده فى قوتها العسكريه ، وبالذات فى المجال النووى مما يفرض على الامبرياليه الامريكيه ذاتها حسابات مختلفه فى بؤر الصراع المتباينه ، ومما يعطى اساسا لجسارة معينه من جانب الاتحاد السوفيتى ، فى الوقوف بشكل اكثر حزما الى جانب الحركات التحرريه .
وفى الوقت الراهن وفى وجه تزايد ارتباط عدد من البلدان الافريقيه بالاتحاد السوفيتى لاسهامه فى مسانده حركات التحرر الوطنى ، تروج الدوائر الغربيه وتوابعها المحليه الافريقيه والعربيه ، بأن الاتحاد السوفيتى هو الاستعمار الاشتراكى الجديد ، وقد روج منظرو وصحفيو البرجوازيه المصريه لهذا الاتجاه , مستخدمين الاطروحات الصينيه ومستغلين الخلاف بين كل من البلدين الاشتراكيين ، الصين والاتحاد السوفيتى ، للتمويه على السياسه الخارجيه المصريه التى تدور فى اطار النفوذ الامبريالي فى افريقيا وتخدم مصالحه ، وفى الواقع لايمكن القول بمثل هذا الاتجاه ، فطبيعة النظام الاجتماعي القائم فى الاتحاد السوفيتى هى طبيعة اشتراكيه ولا توجد به طبقات استغلاليه سائده لها مصالح امبرياليه خاصه فى نهب ثروات القاره الافريقيه ، رغم وجود فئات بيروقراطيه فى جهاز الحزب والدوله ، هى السند الاجتماعى للاتجاهات التحريفيه النظريه والسياسيه القائمه ولذلك فان استخدام ، مقولة الامبرياليه الاشتراكيه والاستعمار الاشتراكى الجديد انما تعنى صب الماء فى طاحونه القوى الامبرياليه والرجعيه التى تغطى اهدافها الخاصه بتشويه طبيعه إسهام الاتحاد السوفيتى ،

"عقدت انجولا ايضا معاهدة صداقة مع السوفيات.
الذى يقوم بأداء دوره كبلد اشتراكى منفذا واجبه الطبقى فى تدعيم الحركات الشعبيه المناهضه للاستعمار من أجل القضاء على الاستغلال الاقتصادى والسياسي الامبريالي . وهو يكرر الدور فى شروط جديده. الذى قام به فى جنوب شرق آسيا فى المراحل الاخيره من الحرب العالميه الثانيه ، فبعد هزيمه النازيه الالمانيه اتجه الى آسيا ووجه ضربه قاصمة للفاشيه العسكريه اليابانيه بحيث اسهم فى تغيير نتائج الحرب التى كانت تريد البلدان الاستعماريه القديمه ، والامبرياليه الجديده استثمارها لصالح نفوذها . وهو الان حين يدعم حركات التحرر الافريقيه ، والانظمه الثوريه فى وجه الانظمه الرجعيه والعنصريه التابعه للامبرياليه ، انما يسهم اولا فى تثبيت مواقع أقدام الاجنحه الثوريه الراديكاليه داخل حركات التحرر ، ويساعد على تحديد مواقفها فى مواجهة الاتجاهات المتذبذبه الاخرى ، ويسهم ثانيا فى تغيير النتائج التى قد تفسر عن انتصار حركات واتجاهات غير جذريه ، لابد وان ترتبط بالنفوذ الغربى.
ان الوضع العسكرى الراهن والتطور الاقتصادى المتعاظم للاتحاد السوفيتى ، هو الذى يعطيه القدره على مزيد من الدعم للحركات والانظمه الثوريه ، دون ان يتورط كما تورط فى ازمه الصواريخ الشهيره فى كوبا ، وقد كان العامل الحاسم فى ذلك هو ميزان التسليح الذرى والاستراتيجى بين كل من الولايات المتحده والاتحاد السوفيتى ، حيث اصبح الاخير قادرا على احداث نفس النتائج التدميريه حتى لو بادر الطرف الاول بتوجيه الضربة الاولى فى مواجهة ذريه . وهذا الواقع تتكيف معه الامبرياليه الامريكيه مضطره ويسهم فى تشكيل طابع مواجهاتها وهى تعلق اهميه كبرى على الوفاق ، وفق فهمها لدوره ، بايجاد شبكه من المصالح الاقتصاديه بين البلدين تكون حافزا على تجنب المواجهه ، مع اتباع تاكتيكات اخرى ، بالنسبه للاحزاب الشيوعيه والاوروبيه لاضعاف ومن ثم نسف علاقاته بالاتحاد السوفيتى ، وتأكيد استقلاليه بلدان اوروبا الشرقيه فى مواجهة الاتحاد السوفيتى حتى تجد لاقدامها مواضع نفوذ ، واثارة مشاكل داخليه للاتحاد السوفيتى، بطرح مسألة "حقوق الانسان" ومحاولة قطع العلاقات بين عديد من البلدان التى ارتبطت فى فترة تاريخيه بالاتحاد السوفياتى ، ثم غيرت معسكرها فى ظروف جديده.
اما السياسه الامريكية فى القاره الافريقيه فهى من الناحيه الاساسيه تظل كما هى حيث ما يهمها هو ربط البلدان الافريقيه بالنفوذ الغربي ، واذا كانت هناك عمليات من التواطؤ ازاء الانظمه العنصريه فى روديسيا وجنوب افريقيا ، فان الاتجاه العام للامبرياليات يريد احداث تغييرات تهدف لنقل السلطه الى الاغلبيه الافريقيه بشكل "سياسي سلمى" أى بشكل يؤمن سيطرة محافظه ورجعيه ، مع رفض اى اساليب ثوريه فى الاطاحه بالحكومات العنصريه . ففى ظل الحكم الفاشي فى جنوب افريقيا يمثل الافارقه القوى العامله الرئيسيه فى المناجم وفى الصناعه على وجه العموم بعد ان تم تجريدهم من ملكيتهم ، وتم تحويلهم الى بروليتاريين فى اطار نظام للتمييز العنصرى وسيطرة الاقليه البيضاء ، وتطبيق قوانين العزل . وهذا النظام يعمل لصالح الاحتكارات المنجميه العالميه والاحتكارات الماليه والصناعيه حيث تسيطر على صناعة الذهب سبع شركات ينتج اكبرها وهو الاتحاد الانجلوامريكى الذى يرأسه أوبنهايمر 41% من الذهب وحملة اسهم هذه الشركات ينتمون لبلدان العالم الرأسمالى ، الى امريكا ، بريطانيا ،المانيا الغربيه وكذا الامر فيما يتعلق بالشركات الصناعيه الاخرى ، فهى فى معظمها فروع للشركات الاحتكاريه البريطانيه والامريكيه .
فى ظل هذا النظام الذى يعد من ابشع انواع الانظمه استغلالا وقهرا حيث يفرض ارادة اربعة ملايين من البيض على 15 مليون افريقى ،و2 مليون ملون, و 650 الف من اصل هندى – فى هذا النظام لاحقوق للطبقه العامله السوداء فيه .فبينما يحظى العمال البيض بنقابات معترف بها ،ومسجله قانونا ويشتركون فى عقود العمل الجماعية ومن حقهم قانونا تنظيم الاضرابات من اجل تحسين الاجور وشروط العمل ،لا يتمتع الافارقه بأى حقوق نقابيه بل ويستبعدون من تطبيق قانون العمل وتطبق عليهم أقسى الشروط التى لا تختلف عن عمل العبيد، من ناحيه تدنى الاجور وسوء شروط العمل ،وهم لا يجدون سلاحا قانونيا يدافعون به عن حقوقهم ، فالاضرابات من الافارقه تصل عقوبتها الى السجن ويطبق عليهم احيانا قانون التخريب – (يبدو ان الرئيس المصرى أنور السادات قد استعار القرار بقانون رقم 2 لسنة 1977 من هناك والذى يصل بالحد الاقصى للعقوبه الى الاعدام ) فالنظام يمثل استعمار استيطانيا من نوع خاص تشبه فيه الاقليه البيضاء "القوميه القاهره" وهى التى تتولى مراكز السيطره فى الاقتصاد والسياسه بكافة فئاتها الطبقيه.
والامبرياليات الغربيه لها مصلحه اساسيه فى الابقاء على جنوب افريقيا كحلقه فى سلسله النهب والاستغلال الامبرياليين- وهى تقدم اربعه اخماس العرض الكلى من الذهب فى العالم – فاذا كان النظام الراهن بالاوضاع شبه العبوديه التى يفرضها على الطبقه العامله ، وبمصادرته لحقوقها النقابيه والسياسه ، يؤمن ارباحا فاحشه للاحتكارات .فان مخاطر الثوره فى الداخل- شلت الحياة الاقتصاديه عام 1973 بسبب اضراب اقتصادى عام هز لبلاد- والخارج بعد قيام حكومات ثوريه فى انجولا وموازمبيق وغينيا بيساو،عقب جلاء الاستعمار البرتغالي ،ومع تزايد نضال حركة التحرر فى روديسيا ضد النظام هناك ، مع ظهور اتجاهات ديمقراطيه فى عديد من بلدان القاره فان كل ذلك يدعو الامبرياليه الى تغيير تاكتيكاتها فى الحفاظ على مصالحها ، فوجود انظمه كهذه تدينها الامبرياليه لفظيا ، وتتواطئ معها فعليا يقوى من ساعد الاتجاهات الراديكاليه . من هنا يبدو طرح موضوع نقل السلطه الى الاغلبيه الافريقيه ، مشروطا بالحفاظ على الارتباطات الامبرياليه كما هى مع تجنب التأثيرات التى لابد وان تتفاقم – مع استمرار اوضاع الانظمه العنصريه فى سياستها الحاليه . وقد كان الانتصار الانجولى بسماته الخاصه التى برزت من خلال دعم المعسكر الاشتراكي ممثلا فى الموقف الذى اتخذه الاتحاد السوفيتى وكوبا والمانيا الشرقيه فى الدخول كطرف مباشر لمسانده الحركة الشعبيه , واحدا من العوامل الاساسيه التى اقتضت مثل هذا التغير فى التاكتيك الامبريالي،حيث أصبح بقاء الانظمه العنصريه بشكلها الراهن ،حافزا لثورة راديكاليه , ومناقضا للاشكال المستقره التى تحافظ على المصالح الامبرياليه والمصائر التى يمكن ان تلقاها هذه الانظمه ، مع تزايد نفوذ المعسكر الاشتراكي فى افريقيا ، بالعاصفه الثوريه التى تهب فى انحاء متبانيه فيها ، يدعو الى اجراء تغييرات بمعنى ما فى اطار البقاء داخل شبكه العلاقات الامبرياليه ،وذلك بالتعاون مع الاتجاهات المناهضه المعتدله . لكن القوى الثوريه التى تحدد مواقفها فى سياق نضالها الذى يرتدى مظاهرا اعمق من الوعى الفكرى والسياسى لن تقف عند هذه الحدود الجزئيه ، وسيساعد هذا المناخ الثورى العام على ان نخطو خطوات اكثر الى الامام لاقامه انظمه ديمقراطيه ثوريه .
ان هذه السياسه الامبرياليه تشمل روديسيا ايضا بنظامها العنصرى الذى اعلن استقلاله عام 1965 عن بريطانيا واحتفظ بالسلطه لصالح الاقليه العنصريه البيضاء ، وقد باءت كل محاولات الضغط السياسي والاقتصادى عليه بالفشل . خاصة قبل خروج الاستعمار البرتغالي من القاره ، وقبل تحرر موزمبيق التى كان ميناؤها هو منفذه الوحيد على الاطنطلى . والسياسه الامبريالية تحاول اجراء تغيرات فى هذا النظام تهدف به الى نقل السلطة الى الاغلبية الافريقية عن طريق الضغوط السياسيه السلميه ، وترفض أى اتجاه يؤيد التغيير عن طريق الحركه المسلحه . وبينما تقوم الامبرياليه بالتعامل مع حزب زابو، الذى يتزعمه "نكومو" الذى ينتهج طريق التفاوض السلمى ، ولا يفتح الباب امام النضال المسلح ،رغم فشل سياسات التفاوض والمساومه لعنت النظام الروديسى بينما الحزب الاخر تؤيده بعض البلدان الافريقيه الوطنيه ، حيث يخوض النضال المسلح بهدف الاطاحه بالنظام العنصرى .
ان الامبرياليه تجاهد من اجل الحفاظ على الاوضاع كما هى عليه من الناحيه الجوهريه فى كلا النظامين العنصريين فى جنوب افريقيا ،وفى روديسيا ، مع اضفاء بعض التغييرات الشكليه ايا ما كان مداها مادامت نتائجه لن تتجاوز المجئ بحكومه "سوداء" تابعه للغرب الاستعمارى .
ولاشك ان النضال الذى يخوضه الحزب الشيوعي لجنوب افريقيا ، وحركه النضال المسلح التى يساندها النظام الثورى فى موزمبيق ، سوف يؤدى اذا ما حقق اهدافه فى الاطاحه بهذين النظامين الى اعمق التغييرات الثوريه فى القاره بمجملها . فهما حصنين من حصون الرجعية المغرقه فى ظلاميتها ، وحلقتين اساسيتين من حلقات النفوذ الامبريالي فى القاره . ولعل المناخ الثورى العام السائد الآن فى بعض البقاع يسهم فى احداث هذا الانقلاب ، كشرط خارجى لا مناص من حتمية تأثيره .
حظت انباء"غزو" واحد من اهم اقاليم زائير ، وهو اقليم شابا الغنى بالنحاس على اهتمام كافة القوى ،وقد طرحت الاحداث التى دارت عديدا من التساؤلات،ولعبت اجهزه الاعلام المصريه والعربيه خصوصا دورا هاما فى التمويه على الحقائق بشأن ما جرى فى زائير ، ففى الواقع يعد نظام موبوتو- كما تشير كافه الصحف الغربيه- مرتشيا فاسدا،فهو غارق فى الديون الخارجية التى تصل الى حوالى ثلاثه ملايين دولار ، ومرتبط اقتصاديا بالعالم الامبريالي ، ويعد واحدا من اهم نقط ارتكازه داخل القاره ، ومن ناحيه اخرى فهو حكم اوتوقراطي دكتاتورى فردى،يضطهد الجماهير الشعبيه ، ويعادى ابسط الحقوق والحريات الديموقراطيه ، وقد كانت سياسته الخارجية امتدادا لمنطق حكمه الداخلى ، فقد كان عونا لكافه القوى المضاده للثوره فى حبك المؤامرات وخاصه ازاء أنجولا قبل انتصار الحركه الشعبيه فيها ، حيث قاتل الجيش الزائيري جنبا الى جنب مع حركه هولدن , وضد الحركه الشعبيه ، ثم بعد انتصار الحركه الشعبيه وسيطرتها على انجولا ، بمحاولة تدعيم الحركه الانفصاليه فى اقليم كابندا ، وبتدعيم الحركات المناوئه لحكومه اوجستينو نيتو الشرعيه التى تهدف الى قلب نظامه ، واضافة الى ارتباطاته الامبرياليه : الامريكيه والفرنسيه والبلجيكيه ،هناك ارتباطاته بأشد الانظمه عنصريه ورجعيه فى افريقيا ؛ روديسيا وجنوب افريقيا.
وقد كانت الحركه التى قامت ضده بشن نضال مسلح فى اقليم شابا- وهى ليست الحركه الوحيده فى زائير فوفقا لبعض المصادر هناك حركات مسلحه فى مناطق اخرى – هى حركة داخليه بمعنى انها حركه زائيريه وان كان تاريخها هو تاريخ طويل نسبيا وقد تراوحت مواقفها فى فترات مختلفه ، فقد قاتلت فى الستينيات تحت لواء تشومبى ، ثم اضحت احتياطيا رجعيا للقوات البرتغاليه ، واثناء الحرب الاهليه الانجوليه قاتلت فى صفوف هولدن روبرتو ضد الحركه الشعبيه ، ولكن النظام الجديد فى انجولا "ورثها" عن النظام القديم واعاد تربيتها وتثقفيها ايديولوجيا وسياسيا بحيث اصبحت تقف على ارض سياسيه جديده فى حركتها تناقض مراحل وجودها السابق ، ومن ثم انطلقت فى حركة مسلحه مناهضه لنظام موبوتو عميل الغرب الاستعمارى الذى لم يكن بقادر على الصمود لولا التدخل الخارجى الامبريالي والعربي- الافريقي،فلم يكن جيشه ذاته بمقاتليه بمتحمس للنضال من اجل هذا النظام .
ومن الطبيعى ان تدعم حكومه الحركه الشعبيه فى انجولا الحركات المناهضه لنظام موبوتو التابع ، فهذا يرتبط بضرورة تغيير ميزان القوى لصالح القوى الديمقراطيه الثوريه المعاديه للامبرياليه، ولتصفية محاولات الثوره المضاده داخل انجولا التى يعاونها نظام زائير التى تتخذ نقطه ارتكاز لها . ولكن ليس معنى هذا ان انجولا هى التى تقوم بهذه الحركه ، فحركه من هذا النوع فى شروط غير ملائمه لا يمكن الا ان تكون تصديرا للثوره يقفز على شروط حركه الشعب الزائيري ذاته ، لذلك فان موقف انجولا من هذه الحركات هو موقف ثوري مادام يؤدى الى الاطاحه بنظام مرتبط بالامبرياليه ،يسعى لان يغير اوضاع البلدان الثوريه التى اطاحت به ، اما خرافه التدخل فى الشئون الداخليه لدوله اخرى ، فلا قيمه فعليه لها فى هذه الشروط التى لا تكتفى فيها الامبرياليه وعملاؤها بوضع هذا الشعار جانبا من الناحيه الفعليه ، وتعلقه كلافته مضلله .
ومع تدخلات الثوره المضاده الفعليه ترتفع صيحات الامبرياليه والقوى الرجعيه ،حول التدخل السوفيتي فى زائير ، او بأن هناك مناضلين كوبيين داخل صفوف الحركه المسلحه – جبهه التحرر الوطنى الكونغولى– التى تسعى للسيطره على اجزاء من زائير . وفى الواقع وكما دلت واشارت إلى ذلك مختلف بعثات "تقصى الحقائق" فان ذلك لم يكن امرا صحيحا . وينطبق الامر على مختلف التفسيرات التى تركزت على الجغرافيا السياسيه فى تبيان موقف الاتحاد السوفيتي من القاره الافريقيه والتى تقول بأن اهدافه هى تعزيز وجوده البحري فى المحيط الهندى ومداخله للسيطره على طريق المواد الخام والطاقه الآتيه من آسيا وافريقيا واستراليا بهدف منع وصولها الى اوروبا الغربيه بهدف اسقاطها . وكما اشرنا سابقا فان الاهداف الاساسيه للاتحاد السوفيتي كدوله لها مصالحها الخاصه تتطابق مع الموقف الثورى الاممى الواجب اتخاذه فى موقف ما . ومن هنا فان السوفيت وهم يعززون وجودهم بارتباطهم ببعض البلدان الافريقيه ، وبتقليصهم للنفوذ الصيني الذى أصبح يصب فى قنوات الهيمنه الامبرياليه ، وحتى بمحاولة اقامة ما يسمى بالحزم الاحمر الذى يمر بمنتصف القاره لخلق دول وأنظمه ثوريه ، فان الهدف من ذلك لا يمكن الا ان يكون هدفا ايديولوجيا وسياسيا بالاساس . اى خلق انظمه ديمقراطيه ثوريه واشتراكيه ، وهذا ما تخشاه على وجه الخصوص البلدان الامبرياليه وتوابعها الدائره فى فلكها،وهو ما يرحب به أى مناضل ثورى حقيقي لم تعمه الدعايه الايديولوجيه والسياسه للبورجوازيه العالميه والمحليه.
فاذا كان للسوفيات علاقات،بعدبد من الدول الافريقيه التقدميه الى هذا الحد او ذاك ، وبالذات فى تلك التى تحيط بزائير وهى انجولا وموزمبيق وغينيا بيساو والكونغو ، ثم اثيوبيا ومالاجاش والصومال وتوجو،فلأى هدف يمكن ان تخدم هذه العلاقات ان لم يكن لتدعيم هذه الانظمه ، فى وجه المحاولات التى لا تتوقف من اجل اعادتها الى الحظيره الاستعماريه ثم لتقويض السيطره الامبرياليه وشبكه العلاقات المحليه المرتبطه بها فى القاره .
ان القول بأن السوفيت والكوبيين "يصدرون القلاقل والاضطرابات الى افريقيا " يموه على المصدر الاساسى للقلاقل والاضطرابات وهو الوجود الامبريالي فى افريقيا , والطبقات المحليه المرتبطه به التى تتقاسم استغلال واضطهاد الجماهير ، فاذا اتخذت حركه الجماهير هذه شكل النضال السياسي او المسلح وايدتها ووقفت بجانبها بعض بلدان المعسكر الاشتراكي ، فان معناه فقط الاتجاه للقضاء على المصدر الحقيقى للاضطرابات فى عديد من البلدان والقارات .
ان الدول والانظمه والاتجاهات التى تلعب من الناحيه الفعليه دور الشرطى والحارس للمصالح الامبرياليه فى افريقيا،وتلك التى تدخلت فى زائير لا لصالح الحركه التحرريه بل لصالح النظام الفاسد القائم ، هى التى رفعت اكثر من غيرها هذه اللافته . فاذا كان كاسترو يقول : " ان البروليتاريا العالميه هى التى تفسر الوجود الكوبى فى افريقيا " ، فان المصالح الامبرياليه وتآخى الطبقات الاستغلاليه والخوف من مخاطر الثوره ،هو الذى يفسر موقف عديد من الانظمه التى تدخلت فى احداث زائير،رافعه شعارات متعدده تصب جميعها مهما كان بريقها: "تصدير الاضطرابات والقلاقل ." .. "افريقيا للافريقيين" "رفض التدخل فى القاره من اى طرف " -- تصب فى طاحونه النفوذ الامبريالي لصالح بقاؤه واحكام تبعيته .
ان الامبرياليه الامريكيه حين اتخذت موقفها ازاء زائير ،لم يكن يغيب عن عينيها ما يدور فى افريقيا بكاملها وفى كل مواضعها الاكثر تفجرا ، فاذا تحولت افريقيا الى افريقيا ثوريه ، فان لهذا انعكاسا على الصعيد العالمى ، وخاصه بالنسبه لاوروبا , وعديد من بلدان العالم العربى ، لذلك كان خطها الاساسى كما عبرت عنه على لسان واحد من صانعى سياستها هو انه "يجب أن تكون هناك حلول افريقيه ،لاننا نريد ان نتجنب تنافس الدول الكبرى فى افريقيا . وهى فى الواقع سياسه اقل تكلفه اذا كانت هناك – وكما حدث – بعض البلدان الافريقيه يمكن تكون بديلا لدور امريكى مباشر ، واذا تضامنت معها بعض البلدان الامبرياليه الاخرى . فالامبرياليه الامريكيه يقيدها ذلك التورط السابق فى فيتنام بكل آثاره , بانعكاساته على الرأى العام العالمى والامريكي ذاته ، ومن ناحيه أخرى فانها لم تستطع ان تثنى حتى الحركات العنصريه فى جنوب افريقيا وروديسيا عن الاستمرار فى سياستها المعاديه للاغلبيه الافريقيه،مما يعطى وضعا خاصا يثير ردود فعل معاديه واسعه ضدها . ولقد اقتصرت المساعده الامريكيه المباشره على بعض المعونات التى لم يوافق الكونجرس الامريكى عليها الا بعد معارضه شديده . ورغم التصريحات المنافقه التى ابداها اندروبيدغ مندوب امريكا فى الامم المتحده ، حيث قال انه ليس مهما ان تتحول بعض البلدان الافريقيه الى الشيوعيه مادامت فى التحليل الاخير تريد التجاره مع امريكا ، فإن الموقف العملى كان قددفع فرنسا وبلجيكا والمغرب ومصر الى تقديم الدعم المباشر وبناء على ذلك قدمت فرنسا الطائرات والخبراء العسكريين لقياده الهجوم المضاد ، بعد تخطيط ومداولات تمت حول احداث زائير بين كل من فرنسا والولايات المتحده الامريكيه ، ثم قامت المغرب بإرسال قواتها ، وتبعتها مصر التى ارسلت طيارين لتشغيل السلاح الجوى وبعثه طبيه . ان الاسلوب الامريكى يتجه اكثر فأكثر كلما كان مقيدا بشروط خاصه الى اتباع تاكتيكات فتنمة الصراعات ، فما حاجته الى تدخل مباشر اذا كان هذا التدخل يمكن ان يتم من خلال اطراف تابعه تتطابق بمعنى ما مصالحها وسياساتها مع سياساته، وفى هذا الضوء يمكن ان نفهم طبيعة المساعدات التى قدمت من اصدقاء امريكا الى نظام الرئيس موبوتو .
فالمغرب على سبيل المثال التى اعلنت فى 25 فبراير 1977 ، انها سوف تكف عن المشاركه فى نشاطات منظمه الوحده الافريقيه ، تدخلت فى زائير تحت رايه مبادئ منظمه الوحده الافريقيه ذاتها . هذه المنظمه التى تكتسب طابعا خاصا فى السياق الامبريالي الجديد الذى يربط عديدا من البلدان العربيه - الافريقيه بنفوذه فوضعها ابان تأسيسها حين كانت تتعالى موجات التحرر من النفوذ الاستعمارى ، وحيث لعبت دورا وطنيا فى مجمل نشاطها مناوئا للامبرياليه ، أصبح يختلف الآن رغم ان ميزان القوى فيها ليس راجحا لصالح البلدان التابعه للنفوذ الامبريالي ، فهى الآن احدى الادوات التى يستهدف ربطها فى سياساتها واتجاهاتها للعمل فى اطار النفوذ الغربى ، لكن تحول دون ذلك حتى الآن ، تلك القوى المناوئه لمثل هذا النفوذ .
ان المغرب بنظامه الحاكم مثله فى ذلك مثل معظم الانظمه العربية الحاكمه يدرك ترابط مصالح الطبقات الاستغلاليه السائده ومخاطر تغيير موازين القوى داخل القاره الافريقيه ، ومن هنا يأتى مصدر هذا التآخى المشترك بينه وبين قوى الثورة المضاده . ومن المعروف ان النظام المغربى القائم هو نظام تابع اقتصاديا وسياسيا للعالم الامبريالي فقطاعه الاقتصادى الرأسمالى الاكثر تطورا تسيطر عليه الاحتكارات الغربيه الفرنسيه الامريكيه والالمانيه الغربيه ، بل ان الصهيونيه العالميه ممثله فى المليونير اليهودى روتشيلد تسيطر على قسم ضخم من المواد الخام المعدنيه التى تستخرج من المناجم .
وتولى الامبرياليه الامريكيه اهتماما خاصا للمغرب ، حيث تحتفظ ماتزال بقواعد عسكريه فى القنطره وفى سيدى بوقناديل ، وفى سيدى يحي ، وتعد المعونه الامريكيه من اكبر المعونات التى تتلقاها دوله افريقيا ويضم الجيش المغربى عددا من العسكريين الامريكيين ومن ضباط المخابرات المركزيه الامريكيه . انه نظام تابع تبعيه مطلقه للهيمنه الامبرياليه ، ويقوم التحالف الطبقى السائد الذى يضم الكومبرادوريين والاقطاعيين التقليدين والعناصر البرجوازيه والبيروقراطيه فى جهاز الدوله ، بدور الحلقه الوسيطه فى الاستغلال المشترك للجماهير المغربيه فى ظل نظام حكم اوتوقراطى ملكى عسكرى ، معادى للحريات الديمقراطيه . واذ تعطى الامبرياليه الامريكيه وزنا اساسيا للقاره الافريقيه ولثرواتها الضخمه فانها تعتمد على النظام المغربى كنقطه ترتكز عليها استراتيجيا للتغلغل والنفوذ الى جنبات القاره فى اطار التنافس بينها وبين الامبرياليات الاخرى .
وهى بالاضافة الى القواعد العسكريه فان راس المال الامريكى ينفرد بالسيطره على بعض البنوك الاساسيه وعلى اقسام هامة من القطاع الصناعى ، والصناعه الاستراتيجيه.
ان النظام المغربى حين ارسل قواته الى زائير ، قد كان فى الوقت الذى يذود فيه عن مصالح الامبرياليه الاقتصاديه والسياسه ويقوم بانهاض نظام موبوتو الفاسد ، قد كان يدافع فيه عن مصالحه الخاصه المهدده بالثوره ، ان لم يكن اليوم فغدا .. فالحركه الجماهيريه المغربيه حركه ناهضه بسبب النشاط السياسي الذى تقوم به التنظيمات اليساريه ، والنقابات العماليه ، والبوليزاريو فى الصحراء المغربيه مازالت تقاتل قوات الجيش المغربى ، وقلب ميزان القوى فى بعض بلدان القاره الافريقيه على نحو حاسم ، كفيل بتقويه الحركه الثوريه وباضعاف النظام المغربى فى نفس الآن ، ورهافة الحس الطبقى هى التى تفسر رعب الملك الحسن من الحركه الوطنيه فى زائير،وترابط الصوره لديه .. ففى واحد من احاديثه الصحفيه عبر عن ذلك من خلال قوله بأنه اذا نجحت جبهة التحرير الوطنى الكونغولى ، واذا لم تكن بلدان الشرق الاوسط قد صححت اتجاهها – يقصد بالطبع الدخول فى اطار الهيمنه الامبرياليه – ما كان قد بقى نظام معتدل واحد ، خاصة مع اقتراب مجئ حكومات الجبهات الشعبيه فى فرنسا وايطاليا التى يشارك فيها الشيوعيون .
ان الدافع وراء تدخل المغرب فى زائير واتخاذها موقفا مضادا للثورة بحكم ارتباطاتها الاستعماريه ، وبحكم طبيعة النظام الطبقى السائد ،هو نفس الدافع الذى حرك الانظمه العربيه الرجعيه الحاكمه فى نفس الاتجاه مع تفاوت اشكال المسانده والدعم . فشرطى افريقيا ليس دورا مقصورا على المغرب ، ولابد ان نشير الى ان شعار "افريقيا للافريقيين" و "الدفاع عن وحده التراب الزائيري" يتسع من جانب الملك الحسن – ورفيقه السادات لنقد السياسه الامريكيه وهى سياسه قائمه على مبادئ استراتيجيه تصون المصالح الامبرياليه مهما تباينت التاكتيكات التى تفرضها شروط خاصه ، يتسع لنقد السياسه الامريكيه لانها لم تتدخل بما يكفى "فالملك الحسن يناشد الامريكيين قائلا : "لقد غزوتم الفضاء .. ولكنكم تهجرون مكانكم على الارض"، ويطالب بأن يعرفوا اعداءهم من اصدقائهم وان يدعموا الاخيرين اقتصاديا وسياسيا وعسكريا بدلا من تدخلهم المباشر ... انه عميل يعرض خدماته .
اما العميل الثانى للمخابرات المركزيه الامريكيه الذى سارع بتقديم الدعم لنظام زائير المنهار فهو الرئيس المصرى أنور السادات حيث ارسل فى البدايه لجنه لتقصى الحقائق ، ثم اعلن فى اول مايو ان نظامه سوف يقوم بتشغيل السلاح الجوى لزائير تشغيلا كاملا حتى يستطيع مواجهة قوات الغزو واعلن ان سبب هذا الموقف هو وقوف نظام موبوتو الى جانب مصر بقطعه العلاقات السياسيه مع اسرائيل ، ولان محاولات "الغزو" فى افريقيا هدفها السودان وهو الحدود الجنوبيه لمصر ، وأى"خطر" عليه يهدد مصر ذاتها . ولم يدخر السادات وسعا اثناء زيارته الاخيره للولايات المتحده الامريكيه ، فى ان يحث حكومه كارتر على ضرورة تقديم كل انواع المسانده الممكنه لاحباط المؤامراه الخطيرة التى تحاك فى افريقيا ، ولا يعنى هذا تدخلا امريكا فى القتال المباشر ، بل فقط تقديم الامدادات العسكريه بما تشمله من عتاد وذخيره . وقد استعان كارتر بالرئيس المصرى فى اقناع الكونجرس الامريكي بخطوره الموقف وآثاره على مصالح الامبرياليه الامريكيه والاوروبيه وعلى البلدان الافريقيه التى تسير فى طريق التبعيه الجديدة .
واكد اسماعيل فهى فى بيانه امام مجلس الشعب فى 14 مايو 77 على نفس الاتجاه السياسي المصرى فى افريقيا عامه ، رغم أن ما كان مطروحا لم يكن يتعلق فى الظاهر سوى بزائير فهو يرى انه لابد من مصادره منابع الخطر قبل امتدادها ، وهذا ما يتطلب القيام بتحركات دفاعيه مانعه ذات طابع استراتيجى وخصوصا ما اذا كان" الخطر قادما من خارج حدود المنطقه" . وقد ايدت لجان مجلس الشعب المصرى والدائرة فى فلك السلطه ، التدخل المصرى فى زائير . ونال الاقتراح المقدم من احد اعضاء المجلس "بتشكيل جيش عربى افريقي للتصدى لاى تدخل خارجى ضد اى دوله افريقيه " تأييدا حماسيا ، حيث وصفه وزير الخارجية بكونه اقتراح " يمثل قمة التلاحم العربى الافريقى" وبرهن الجمسى على أهمية التدخل فى زائير ، حيث ان سقوط موبوتو وانتصار جيش التحرر الوطنى الكونغولى،"معناه استكمال حزام عدائى ضد مصر والسودان ، وهذا الحزم العدائى يشمل ايضا اثيوبيا وزائير من الجنوب وليبيا من الغرب فيكتمل بذلك حصار مصر والسودان ".
والآن ما هو تقييم السياسه المصريه فى أفريقيا والموقف الثورى الواجب اتخاذه منها ؟
من الناحيه الفعليه ، ليس موقف النظام المصرى فى افريقيا ، موقفا متفردا فى خصوصيته ، ولا هو بالامر العارض من زاوية آفاق المستقبل ، فهو جزء لا يتجزأ من مجمل سياساته الداخليه والخارجيه المترابطه ، التى عرفت انعطافا جديدا ارتبط بالوضع التاريخى للطبقه البرجوازيه البيروقراطيه وخصائص هبوطها . ففى الستينيات كانت السياسة المصرية للنظام البيروقراطى تقوم بحكم عداوته للامبريالية على تأييد حركات التحرر المناضلة من اجل استقلالها ، كجزء من المعركه الشامله التى كان يخوضها النظام فى المنطقه العربيه ، رغم الثغرات الكامنه فى مَنْطِقِةِ ، وبقاء بعض نقاط التقاء مع الامبرياليه عموما . وكان من الحتمى مع الاتجاه الاصيل لبيروقراطية خرجت من الناحيه السياسيه من اطار الامبرياليه وبقيت داخل السوق الرأسمالى من الناحيه الاقتصاديه ، رغم الاستقلال الاقتصادى النسبى الذى حققته ، ان تعود اليه مره اخرى حيث ميولها الموضوعيه مع بناءها الفوقى السياسي . خاصة مع الضغوط المتنوعه التى مورست ضدها ، ونجحت بهزيمة النظام فى يونيو 67 حيث استطاعت الامبرياليه ان تفرض عن طريق الاحتلال الاسرائيلي التغيرات الاقتصاديه والساسيه الملائمة لها وخاصة فى ظل حكم السادات الذى تحققت فى عهده التغييرات المطلوبه ، باحلال شبكة جديده من العلاقات الرأسماليه التقليديه فى الداخل ، وبالاتجاه الى نسف العلاقات القديمه مع المعسكر الاشتراكي، وخاصة الاتحاد السوفيتى الذى كان عماد النظام البيروقراطى اقتصاديا وسياسيا وعسكريا فى مرحله تاريخيه سابقة ، وبالالتقاء مع العدو الاسرائيلي،وبالاعتراف به ككيان استعمارى ، او كامتداد نوعى للوجود الامبريالي تتطابق مصالحه واهدافه فى البقاء من الناحيه الاساسيه مع اهداف الامبرياليه عامه والامريكيه خاصة.
لقد تغير النظام البيروقراطى فى مصر من الناحيه الرئيسيه فى ظل حكم السادات ، الذى تفتحت فى عهده ، كل "زهور الشر" التى بدأت فى التخلق فى مرحلة سابقه . وأهم ما يميز هذه الفتره ، نسف العلاقات بالمعسكر الاشتراكى ، واقامة وتوطيد العلاقات مع الامبرياليه والرجعيه العربيه وانتهاج سياسة الانفتاح الاقتصادى وفتح الطرق للهيمنه الامبرياليه وتوابعها عربيه أو اجنبيه بشكل عام ، واعادة احياء الطبقات القديمة التى كانت قد صفيت فى فترة صعود البرجوازايه البيروقراطية وازدهارها وكان من المنطقى فى ظل حكم ينتهج هذه السياسات ان ينعكس على مواقفه من الحركة الوطنيه الديمقراطية والشيوعيه .فإزاء هذا الموقع الجديد الذى اتخذه النظام لم يكن ممكنا ان يتجنب بحكم المنطق الداخلى له ان يعادى القوى الثوريه المصريه،وخاصة طليعتها المتقدمه المتمثلة فى الحركة الشيوعيه، وتحديدا : الفصائل الاشد جذريه وراديكاليه ، وهى التى تخلصت من مظاهر المراجعه التى طبعت بطابعها بعض اقسامها . وان يمتد هذا الموقف ليشمل الفصائل الثوريه فى المنطقه العربيه ، واهمها المقاومه الفلسطينيه ، لانها تمثل عقبة اساسيه فى طريق التسويه السلميه والتهادن مع الامبرياليه واسرائيل ولا يقف عند هذه الحدود بل يمتد ليصل الى تدعيم الانظمه الرجعيه والفاشيه، وما موقفه من تدعيم نظام النميرى ، فى وجه الانتفاضه المسلحه التى قامت بها الفصائل الوطنيه الديمقراطيه من القوات المسلحه السودانيه ، ودعمها الشعب السودانى الا مظهرا من مظاهر السياسه الخارجيه لهذا النظام بعد انعطافه اليمينى . حيث يقتصر دوره على تدعيم الانظمه المضاده للثوره والمرتبطه بالامبرياليه العالميه وأن الدور الذى يقوم به النظام المصرى فى افريقيا ،بحفاظه على النفوذ الامبريالي ، بوقوفه ودعمه المباشر للانظمه التابعه لهذا النفوذ ، انما شكل امتداد لسياسته الداخليه القائمه على فتح الباب للهيمنه الامبرياليه اقتصاديا وسياسيا على مصر ، امتدادا لدوره فى المنطقه العربيه بكاملها فى معاداة الثوره وفى تدعيم أو الوقوف الى جانب الانظمه الرجعيه العربيه ، وبعلاقاته الجديده مع العدو الاسرائيلي.
والنظام المصرى برفعه راية العداء للانظمه الثوريه فى افريقيا ولحركات التحرر التى يتعاون مع اطراف اخرى لجذبها الى القنوات "المعتدله" اى قنوات الامبرياليه عامة ، ويرفع عقيرته ضد "القوى الخارجيه"وبتورطه المباشر فى الدخول كطرف عسكرى فاعل فى زائير يبرهن للمره المائه حسن نواياه ازاء الامبرياليه ويحاول بهذه البرهنه ان يؤكد قيمه الخدمات التى يمكن ان يقدمها للمساومه على- او للاقناع بضروره الضغظ على اسرائيل من اجل الانسحاب ، برهنة على ان السياسه الراهنه ، هى سياسه معاكسه تماما لسياسه النظام فى فتره صعوده حتى قبل يونيو 1967 ، سياسه الاستسلام القومى للامبرياليه واسرئيل من ناحيه ، وأداة قهر فى خدمة المصالح الامبرياليه من ناحيه اخرى ... ولكن ليست هذه حدود الدور بالتأكيد ، أى كونها احدى عصى الامبرياليه التى يمكن استخدامها ، بل هناك أيضا مصالحه الطبقيه ، فتآخى الطبقات المسيطره الحاكمه ، يكشف عن وحدة وترابط العمليه الثوريه فى بعض البلدان الافريقيه مع بعض البلدان العربيه , فالنظام المصرى يرى مخاطر الثوره على نظامه حتى لو كانت على بُعد آلاف الاميال فى زائير والحبشه ، فالمصالح الطبقيه هنا لا تعرف الحدود الجغرافيه . من هنا يتحرك فى استراتيجيه دفاعيه مضادة للثوره من أجل حمايه نظامه الذى لا شك سيتعرض لتأثيرات ثوريه ضخمه اذا ما تغير ميزان القوى بوجود انظمة ديمقراطيه ثورية فى البلدان المحيطه به ، وفى نفس الوقت الذى تخوض ضده القوى الثوريه فى مصر نضالا باسلا ، تنخرط فيه الجماهير الشعبيه،للاطاحه بنظامه الحاكم .
لقد أصبحت سياسه فتنمة افريقيا هى السياسه التى تلتقى عندها كل من الامبرياليه ونظام السادات ، فبدلا من تدخلات امبرياليه مباشره يمكن اللجوء لتلك البلدان الكائنه جغرافيا فى افريقيا بينما تنتمى سياسيا ، واقتصاديا للعالم الامبريالي من أجل مناهظة الثوره ، فهذا تاكتيك اكثر ملائمه ، لانه لا يستفز بنفس القدر الجماهير الشعبيه ، ولانه يتجنب التأثيرات المعارضه المحتمله من جانب الرأى العام العالمى ، والمحلى ، ازاء التدخلات الامبرياليه المباشره وهنا نجد تطابقا كاملا بين التصريحات السياسيه للمسئولين الامريكين حول انه يجب إيجاد "حلول افريقيه للمشاكل الافريقيه"وبين سياسات النظام المغربى الداعيه الى مزيد من دعم "الاصدقاء" اقتصاديا وسياسيا وعسكريا . وبين الاتجاه السياسى لنظام السادات ، والدور الذى بدأ فى لعبه فى افريقيا حيث يقف جانب الثوره المضاده وضد القوى الثوريه . وكافة شعارات نظام السادات بشأن افريقيا تصب فى هذا الاتجاه المعادى للانظمه الديمقراطيه الثوريه ، ولحركات التحرر الجذريه ، وموجهه ضد القوى المتحالفه معها والمدعمة لها من بلدان المعسكر الاشتراكي : الاتحاد السوفيتى ، وكوبا خصيصا .وشعار نحن ضد"التدخل الاجنبي فى افريقيا" أو "افريقيا للافريقيين" و"الوحدة الافريقيه " وضروره استمرار "سياسه عدم الانحياز كلها تصب فى طاحونه الامبرياليه والبلدان التابعه لها ، فلم تعد هذه الشعارات كما فى الستينيات تلعب دورا مناهضا للامبرياليه بحكم الشروط التاريخيه آنذاك ،بل باتت الآن موجهه ضد القوى الثوريه والمعسكر الاشتراكي ، ولذلك اصبحت شعارات رجعيه.
ان المنعطف الذى ألم بالنظام المصرى بعد حرب اكتوبر بشبكه علاقاته الجديده مع الامبرياليه والقاءه راية النضال الوطنى ضد العدو الاسرائيلي واتجاهه القمعى المتزايد ازاء الحركة الوطنيه الديمقراطيه والشيوعيه وقيامه على نحو مباشر بتصفيه الثوره الفلسطينيه ، ولعب دور رجعى يساهم فى تثبيت الخريطه الجديده للمنطقه العربيه التى ترسم ملامحها فى واشنطون .. كل ذلك يؤدى بنا الى القول بأن تدخل السادات فى القاره الافريقيه ، الذى بدأ بالوقوف ضد الثورة الوطنيه الديمقراطية فى السودان ، واسهامه فى المجازر الوحشيه التى اقيمت لابطال الجزب الشيوعي السودانى ،حتى تدخله العسكرى فى زائير –لن يقف عند الحدود التى ضرب فيها بل ان المستقبل يحمل على القول مادامت هنا وهناك حركات وانظمة ثوريه ، بأنه سيواصل المزيد من التدخل بعد ان التقت مصالحه مع مصالح الامبرياليه العالمية فى معاداة الثورة .
ومن اجل تغطية هذا الدور الشائن الذى تقوم به مصر ،فانها تجد الفرصه بين الحين والآخر من أجل ان "توازن" مواقفها من الناحيه الظاهريه . فقد استنكرت تهديد زامبيا من قبل النظام العنصرى فى روديسيا وادانت القصف الجوى ضد جمهوريه موزمبيق ، وهذا يدلل على انها تريد أن تنشئ لنفسها سوابق متتاليه من التدخل فى القاره ، وان توازن تدخلاتها الرجعيه المباشره كما حدث فى زائير ، وان تقطع الطريق على المساندة التى يمكن ان يقدمها الاتحاد السوفيتى وكوبا وانجولا ،وهى تأمل مع كافة القوى الامبرياليه بأن يتحول كلا النظامين العنصريين فى جنوب افريقيا وروديسيا تحولا سلميا بنقل السلطه الى الاغلبيه الافريقيه عبر الطرق "المشروعه" لأن الصراع اذا تجاوز حدودا معينه فانه يفتح الطريق امام أنواع مختلفه من "المتطرف الثورى " تجد ظرفا مواتيا فى العاصفه الثوريه التى تهب ايضا على شرق افريقيا .
والنظام المصرى اذا كانت أوضاع الاحتلال الاسرائيلي الراهنه تقيد يديه رغم انهاء حاله الحرب فعليا مع العدو الصهيونى ، فان انجاز التسويه فى المستقبل على نحو نهائى،يطلق يديه فى التدخل ضد القوى الثوريه،حيث يتقلص جيشه ويتحول الى نواه محترفه لا دور وطنيا لها فى اطار نظام مرتبط بالامبرياليه – وقع صكوك الاستسلام لاسرائيل- سوى القمع الداخلى والقمع الخارجى على وجه التحديد . ان الخوف من"طوق ثوري"هو الذى يحمل السادات على هذا الرعب القاتل ، وهو ما يدعوه لكسر الحلقات قبل أن تتلاحم ، ولا شك أن وجود نظام ثورى فى السودان على نحو خاص يهيء شرطا خارجيا مناسبا لنضال الحركة الشيوعيه المصريه التى تناضل من أجل الاطاحه بحكمه . وهو اخشى ما يخشاه.
ولذلك يتصاعد صراخ النظام المصرى بسياسته واجهزة اعلامه ضد السوفيت والكوبيين ، مروجين لوهم أن الحركات الثوريه القائمه هى حركات "خارجيه" وفى الواقع فان البيان المشترك او على الادق تصريحات جروميكو وزير الخارجيه السوفيتى اثناء زيارة اسماعيل فهمى مؤخرا للاتحاد السوفيتى – النصف الاول من يونيو 77- التى يبدى فيها امانيه بأن تكون هناك مواقف مشتركه بين مصر والاتحاد السوفيتى ضد الانظمه العنصريه بالاساس ونفى النوايا "العدوانيه" ازاء السودان ، انما هى مساهمة فى تغطيه الدور الرجعى الذى تقوم به مصر فى افريقيا مع حلفاءها العرب ، الذين يريدون جذب عدد من بلدان شرق افريقيا الى دائرة النفوذ الامبريالي وتعمية على واقع النظام السودانى الذى يلقى معارضه شعبيه واسعه.
ان ما يجب ان يكون واضحا هو ان التدخلات المصرية فى القاره لابد وان يكون نصلها موجها الى القوى الثوريه ، بحكم طبيعة النظام الراهن فى مصر ، فلا تدخل لمصلحة القوى الثوريه فى أى مكان ،وهذه التدخلات تقع على عاتق الشعب المصرى،فهو الذى يقدم النفقات من عرقه ، ومن "الشهداء " بأبنائه لا لشىء الا لخدمة الاحتكارات الاجنبيه ولتأمين ارباحها ، ومن اجل مصالح الطبقه الحاكمه ذاتها ، بازاحه الطوق الثورى عن عنقها ، بالاضافه الى ان مثل هذه التدخلات تؤدى وظيفه محدوده وفى خدمة النظام الذى يدق الطبول حولها فهى تؤدى وظيفة توجيه السخط الشعبى الى اعداء وهميين وتلعب دورا فى تخريب الوعى السياسى للجماهير الشعبيه ذاتها .
لذلك فان القوى الثوريه لابد وان تقطع طابع هذه التدخلات ، وفى مراحل معينه ان تحرض على عدم تنفيذ الاوامر لاى قطاع من القطاعات المسلحه ، وان تقوم دائما بحمله دعائيه واسعه لحث الجماهير الشعبيه على اجبار السلطه على عدم تقديم اى عون للانظمه الرجعيه العفنه،ان النظام الذى اراق ماء وجهه باستسلامه المشين أمام أمريكا واسرائيل ، النظام الغارق فى ازمه اقتصاديه طاحنه لا فكاك منها ، يملك وقاحه ان يقذف بأبناء الشعب الشعب المصرى خارج الحدود لتأمين نفوذ اسياده الامبرياليين.
ولابد مره اخرى من الاشاره الى المهاوى التى تقع فيها السياسه الصينيه ، فالسادات بالاضافه الى المبررات التى ابداها تبريرا لوقوفه جانب اخيه العميل موبوتو، لم يجد سندا اقوى من موقف الصين الشعبيه فها هى الصين الاشتراكيه تقف مع نظام زائير وضد جبهة التحرير الوطنى الكونغولى،وهنا لا يمكن القول كما أشار السادات بأنه يخدم النفوذ الامبريالي ! ولا شك ان تنامى قدرة القوى الثوريه ، يمكن ان يفرض على النظام الحاكم فى مصر عدم التدخل الى ان تحين لحظة الاطاحه النهائيه بحكمه.
(3)
ان الجناح الآخر الذى تهب منه العاصفه الثوريه فى افريقيا هو ساحلها الشرقى ، من الحبشه واريتريا والصومال ، وحل القضايا والمشاكل التى تعوق تقدم الوضع الثورى فيها ، يفتح الطريق امام المزيد من التغيرات الثوريه العظمى فى افريقيا بمجملها ، بل وايضا فى القسم الآسيوى العربى المطل على البحر الاحمر من الجانب الاخر ، وليس غريبا ان تحظى هذه المنطقه بأشد الاهتمام من جانب القوى الرجعيه العربيه ، مصر ، السودان ، السعوديه ، لانها ذات اثر خطير مباشر على هذه البلدان ذاتها . وحل تناقضات النظام الاثيوبي متمثله فى موقفه من حق تقرير مصير القوميات المضطهده فى اثيوبيا وارتيريا واوجادين ، وحل المشاكل التى تضعها على جدول الاعمال القوميات الاثيوبيه المضطهده تاريخيا من جانب القوميه الامهريه السائده ، ومعالجة الخلافات مع البلدان المجاوره خاصة الصومال ، واقامة علاقات صحيحه مع جيبوتى ، وبعث الاتجاهات الديمقراطيه الثوريه فيها...ثم التحالف مع اليمن الديمقراطيه .. كل ذلك يمكن ان يؤدى لانقلاب ثورى عميق فى افريقيا ، وفى أشد الاقسام رجعيه فى آسيا العربية .
ويهمنا أن نشير الى أنه يجب التمييز بين النقد الثورى الذى يهدف لتطوير الحركه الثوريه الاثيوبيه والنظام التقدمى الحاكم فى اتجاه اتخاذ سياسيات جذريه متماسكه ، وبين النقد اليمينى الذى يستهدف ربط هذا النظام بالامبرياليه . فالعديد من الانظمة اليمينيه تتاجر ب "فاشيه" النظام الاثيوبى وتنسى فاشيتها الفعليه الخاصه مثل النميرى ، ويتورط بعض الثوريين فى ذلك غير مميزين بين منطلقات النقد ، بين الاوجه المتعدده للنظام الاثيوبى الذى ورث ميراثا امبراطوريا ثقيلا ، والذى يتعرض الآن لحمله ضاريه امبرياليه وافريقيه – عربيه من توابع الاستعمار ، وهذه الحمله ليست حمله "اعلاميه " تقوم وتنتهى ، بل انها تهدف للاطاحة به . وفى الواقع فان النظام الاثيوبي الامبراطورى ،باقطاعه العتيق ، بامرائه وبالايديولوجيه الاكليركيه الارثوذكسيه قد استطاع ان "يعتقل" الشعب الاثيوبى فى ظلمات القرون الوسطى . وتمكن رغم صعود بعض الأنظمه الوطنيه فى الستينات والتى وجه بعضها ضربات لهذا الحد أو ذاك للامبرياليه ان يتفادى التأثيرات الناجمه عن ذلك وكانت القبضه الفاشيه لأسد يهوذا وتخلف النهوض الشعبى , وغياب احزاب ثوريه قوميه تمكنه من الاستمرار والقضاء على "ثورات القصر" - لابقاء الاوضاع على ماهى عليه – ولم تكن هذه الثورات واشهرها الحركه المسلحه التى قام بها الحرس الامبراطورى عام 1960 ، الا حركات من على ارض نفس النظام وداخله ، وترتبط بأحد رؤوس العائله الامبراطوريه ، ولم تكن تستهدف اقامه نظام اجتماعى – سياسى جديد لقد كان النظام الاقطاعى – العسكرى الاثيوبى نموذجا كلاسيكيا لانظمه القرون الوسطى ، موجود فى القرن العشرين ، فالاساس الاقتصادى له هو الملكيه الاقطاعيه التى يتوزعها الامراء الاقطاعيون ، العسكريون فى نفس الوقت ، وشكلت الارثوذكسيه بالدور الذى تلعبه الكنيسه فى بنيه المجتمع الاقطاعى ، حيث تشكل عماده – الايديولوجيه الرسميه لنظام من اشد الانظمه تخلفا يقوم على استغلال الفلاحين بشكل أساسى ، حيث يتعرضون لابشع انواع الاستغلال والمعرضون للمجاعات الدائمه ،خاضعين للقهر البوليسى ،ومحرومين ابسط حقوقهم الديمقراطيه . لقد كان النظام الاقطاعى يقوم على تميز طبقه من الامراء الاقطاعين أبقت على قمه هرمها الامبراطور وعائلته الضيقه ، وكنيسه ذات ملكيات اقطاعيه واسعه ببطريركها وقساوستها ، وفى قاعدة الهرم الاجتماعى اغلبيه واسعه من الفلاحين تشكل 92% من مجمل السكان ،فالطبقتان الاساسيتان داخل المجتمع الاثيوبي هما الملاك الاقطاعيون من جانب والفلاحون من جانب آخر . ولان مثل هذه المجتمعات السابقه على الرأسماليه لم تكن لتفلت من شمولية الرأسماليه على النطاق العالمى،ومن ادماجها فى سوق/تقسيم العمل الدولى.فقد ارتبط النظام الاثيوبى بوشائج قويه بالامبرياليه . حيث نشأت داخل المجتمع الاقطاعى -- من الناحيه الاساسيه التى تغلغلت فيه العلاقات على الرأسماليه لا لتصبح الاسلوب الانتاجى السائد ، بل لتشكل هيكلا مجاورا للهياكل الاخرى السابقه على الرأسماليه ،--- نشأت قطاعات رأسماليه محدوده ,استندت عليها عناصر اجتماعيه لتشكل طبقه رأسماليه تجاريه او رأسماليه خدمات، وبعض الصناعات المحدوده ، التى نمت فى قلبها عناصر اوليه قابله للتطور لتشكل طبقة بروليتاريه ،اضافة الى باقى الفئات الطبقيه الاجتماعيه الاخرى من مثقفين ،وموظفى حكومة ومهنيين وحرفيين ...الخ.
تميز المجتمع الاقطاعى الاثيوبى الذى يتشكل من حوالى مائه سلاله *وجماعه ،بسيطرة القوميه الامهريه وهى قومية الطبقه السائده ،على القوميات الاخرى ، خاصة القوميتين الكبيرتين : الجالا والنيجرى. ولم يكن ممكنا فى ظل غياب برجوازيه قوميه تسعى من اجل السوق القومى الموحد ،وتنزع لنيل السلطه ،الا ان تُبقى هذه القوميات داخل جدرانها الخاصه ، محتفظه بسيمائها ، وعداوتها للقوميات الاخرى ، وقد كانت الطبقه الحاكمه تسعى لتأجيج نيران الاحقاد القوميه ،على رأسها الامبراطور الذى كان يخشى قيام حركات انفصاليه تحت قيادة الامراء الاقطاعيين ، لذلك قسمت البلاد الى اربعة عشر مقاطعه ،بحيث روعى فى التقسيم عدم تطابقه مع السلالات والعناصر ذات الاصول الواحده ، لتفتيت قوتها ، ولتأمين اكبر قدر من التناقضات بين السكان القاطنين داخل المقاطعه الواحده ، منعا لايه حركات ثوريه محتمله ، او حركات انفصاليه تقوم تحت قيادة الامراء الاقطاعيين مناوئه لسلطه الامبراطور .
ان تاريخ الامبراطوريه الاثيوبيه هو تاريخ الصراعات القوميه، والقبليه والعنصرية ،هو تاريخ القهر القومى من قومية سائده ومسيطره هى فى ذات الوقت – من الناحيه الاساسيه - الطبقه الحاكمه ، وقد اتخذ هذا القهر فى غالب الاحيان طابعا دمويا . وقد كانت"وحدة" الشعب الاثيوبى الظاهريه ، قائمه على هذا العنف المسلح من قبل نظام اوتوقراطى عسكرى - اقطاعى ... على مصادرة الحقوق الديمقراطيه للشعب الاثيوبى ، فليست هناك اى من الحقوق المعروفه فى البلدان الرأسماليه المتحضرة...حريه تكوين الأحزاب السياسيه أو مجلس نيابى ، أو حريه صحافه،او تشكيل الجمعيات أو حريه التعبير عن الرأى فى اى من مظاهرها ، او حقوق الاضراب والتظاهر....الخ
لقد خضع الشعب الاثيوبى..فلاحيه فى المحل الاول .. والنواه البروليتاريه فى المدن لابشع انواع النهب والاستغلال الاقتصادى ،تقوم على شكل اوتوقراطى للحكم من أشدها فاشيه وبوليسيه ، واضطهدت الحركات السياسيه التى قام بها المثقفون، وبالذات الحركه الطلابيه ، التى لعبت دورا خاصا كطليعة تنويريه سياسيه لباقى طبقات المجتمع الشعبيه ، وذلك بسبب الشروط النوعيه الخاصه التى وجدت فيها الاخيره ، ان واقع النظام الاثيوبى المتمثل فى حقيقة ان الشروط الموضوعيه لمجتمع اقطاعى ،وما قبل رأسمالى متخلف ، لم تنتج امكانية نشوء برجوازىه قوميه مناضله من اجل السوق والسلطه فى مواجهة الامبرياليه والاقطاع الاثيوبى المرتبط بها ، هذا من ناحية , ومن ناحية اخرى عدم وجود طبقة عاملة قومية تنصهر على قاعدة من الانتاج الصناعى الكبير هو الذى أتاح امكانيه ان تقوم عناصر من الجيش بانقلابها العسكرى (الثورى) على النظام الامبراطورى الاقطاعى فهى القوه الماديه المنظمه الوحيده القادره فى ظل حكم كهذا على الاطاحه به مادامت الطبقه العامله غير متطوره عدديا ونوعيا ، ومادام هناك رفض شعبى عميق للنظام القائم – وفى غياب اى قوة بورجوازية اخرى مؤهلة للقيام بهذه المهمة , مهمة الاطاحة بالنظام الاقطاعى المرتبط بالامبرياليه . وساعد على ذلك ان الجيش ذاته قد دخله عناصر تنتمى الى الطبقات الاقطاعيه ، تعرضت لتأثيرات الواقع الاثيوبى الذى لا يتيح لها متنفساً فى التعبير عن ذاتها ، فى ذات الوقت الذى حدثت فيه تغيرات اساسيه داخل القاره بانخراط بعض بلدانها فى المعسكر المناهض للامبرياليه ، وحال تشبث النظام الامبراطورى الاثيوبى بعلائق الحكم الاقطاعى– الاوتوقراطى التقليديه، ورفضه لاى اتجاهات لاتتجاوز الاجراءات الاصلاحيه .

- من هنا ينعدم الاندماج ،والانصهار القومى للشعب الاثيوبى ،وحتى لا توجدلغة واحده سائده.
ومن هنا قامت حركة ضخمه فى أوائل 1974 مناهضه للحكم الامبراطورى ولعبت كل من الحركه الطلابيه والعماليه دورا اساسيا فى تعبئه الجماهير الشعبيه للنضال ... وسرعان ما قام فريق من ضباط القوات المسلحه بقيادة انقلاب على الامبراطور الهرم ، وتكلل بالنجاح ، فتم عزل الامبراطور هيلاسلاسى يوم 12 سبتمبر 1974 . وفى مارس 1975 أصدر المجلس العسكرى قرارا الغى به منصب الامبراطور والقاب الامراء ، وصفى النظام الجديد ابرز رؤوس النظام الاقطاعى القديم ، حيث قام بحركه تطهير ضخمه فى الجهاز البيروقراطى ، وحاكم عددا من كبار موظفى النظام الامبراطورى ، ثم اعدم ما يقرب من 60 شخصا من قيادات العهد الامبراطورى، وهكذا ورث النظام الجديد كل الميراث الامبراطورى الثقيل بالمشاكل الداخليه ، والخارجيه – التى تتمحور حول اضطهاد الشعب الاريترى ، وقسما من الشعب الصومالى فى اوجادين– وهى مشاكل وان كانت فريده فى تعقدها الا انها قابله للحل على أسس ثوريه ، مادامت الشروط الفعليه لهذا الحل قد نضجت .
لقد اعلن المجلس العسكرى الحاكم– الذى يعكس الوجوه المتعدده للواقع الطبقى الاثيوبى ، ولم يكن منصهرا فى بوتقه ايديولوجيه سياسيه واحده ، تبدت نتائجها ، فى الصراع ضد التيارات المحافظه اليمينيه، وأنتهت بقتل بعض قادته فى اعقاب الانقلاب الثورى وأدت حتى الآن الى تولى منجستو ميريام لقيادة المجلس العسكرى – نقول لقد أعلن المجلس نواياه فى الاتجاه الى اقامة "الاشتراكيه الاثيوبيه"من خلال اعلانه الصادر يوم 20 ديسمبر 1974 . وفى اوائل 1975 طرحت السياسه الاقتصاديه الجديد للنظام،حيث تم تأميم البنوك والمؤسسات الماليه ، وشركات التأمين ، وتقررت ملكيه الدوله للمناجم ، وعينت الانشطه الاقتصاديه الخاصه بالصناعه او التجاره الداخليه والخارجيه التى تقع تحت سيطره الدوله وملكيتها العامه ، وبين ما يدخل فى اطار الملكيه الرأسماليه الخاصه . وقررت ان للاستثمارات الاجنبيه حق العمل فى اطار السياسه الاقتصاديه الجديده . وهكذا تكون هناك ثلاثة اشكال للملكيه قطاع رأسماليه الدوله،قطاع الملكيه الرأسماليه الخاصه ، الاشكال المشتركه المختلطه ، التى تجمع بينهما ، وأخيرا الملكية الرأسماليه الاجنبيه ثم استكملت السياسه الاقتصادية باجراء ثورة زراعيه جذريه أممت الاراضى الزراعيه ، وأصدرت قوانين لتأميم المبانى والمنازل الداخله فى حدود المدن والبلديات وقد تمت هذه الاجراءات الاخيرة فى مارس 1975.
لقد تمت تصفية الاساس الاقتصادى للطبقه الاقطاعيه وشكل حكمها الاوتوقراطي ، دون ان يعني هذا بعد تصفية كل مظاهر الاقطاعيه بمواريثها الثقيله ، لا فى الايديولوجيه او العلاقات السائده ، ولا فى حل القضيه القوميه داخل اثيوبيا وخارجها ، ويعض هذه المظاهر لم يكن ممكنا الاطاحه به بمجرد تدمير الاساس الاقتصادى للاقطاعيه ، من خلال تأميم الارض الزراعيه ، واجراء الثوره الزراعيه الجذريه . وبالاحرى لا يمكن ان توصف الاجراءات الاقتصاديه الاخرى التى اتخذها المجلس العسكرى الحاكم بأنها اشتراكيه فى حد ذاتها . او انه من الحتمى ان تكون مرحلة انتقاليه لمثل هذا التطور الاشتراكى ،فالنظام القائم فى اثيوبيا امامه امكانياتان للتطور وموقفه من قضايا الديمقراطيه هو الحاسم فى تحديد اختيار اى من الامكانيتين .



*-لم يبدأ الانقلاب من الجيش فقد سبقه انتفاضة شعبيه عامه شملت الطبقه العامله والفلاحين والطلاب والمثقفين فى فبراير 74 ورفعت مطالب ديمقراطيه متماسكه كالجمهوريه والاصلاح الزراعى ..الخ وفى غمار هذه الحركه تمرد الجيش وقامت وحداته بانتخاب المندوبين الذين شكلوا "الدرج"أى المجلس العسكرى .
ان الطابع العام للاجراءات الاقتصاديه التى اتخذت هو طابع برجوازى راديكالي،سواء فيما يتعلق بتأميم الارض الزراعيه او تأميم المبانى والمنازل داخل المدن، وبالنسبه لتلك التأميمات التى جرت فى بعض المجالات الاساسيه كشركات التأمين والبنوك والمؤسسات الماليه،وجعل ملكيه المناجم للدوله قاعدة لنشوء برجوازيه بيروقراطيه مسيطره وهذه هى الامكانيه الاولى،التى ينفتح امامها الموقف المعادى للديمقراطيه .
اما الامكانيه الاخرى فهى اقامة ديكتاتوريه ديموقراطية ثورية للعمال والفلاحين تمثل مرحلة انتقاليه فى اتجاه اقامة النظام الاشتراكي ، وشرطها الاساسى ان يكون الدور القيادى فى يد الطبقه العامله ذاتها،وطليعتها الماركسيه ، وان تتاح للجماهير الشعبيه اوسع الحقوق والحريات الديمقراطيه ، للتعبير عن ذاتها فى أشكال منظمه مستقله وتسليح الشعب كله ، وحل قضيه القوميات حلا ديمقراطيا سلميا ، باعطاء حق تقرير المصير للقوميات والشعوب المضطهده فى ظل النظام الامبراطورى القديم .
ان السلطه السياسيه الجديده،نتيجه لشكل الحكم الاوتوقراطي السابق الذى لم يتح اى قدر من الحريات الديمقراطيه ، لم يكن ممكنا ان تنصهر وترتبط على نحو وثيق بطبقة اجتماعيه ما ،خاصه البرجوازيه، ولكن ليس معنى هذا انها سلطه معلقه فى الهواء (فوق-طبقه) ، لانها لا يمكن ان تقفز على الواقع التاريخى ممثلا فى علاقاته الطبقيه المحدده ،فهى وان لم ترتبط على نحو وثيق بأى من الطبقات المتصارعه داخل المجتمع الاثيوبي ، الا انها عكست فى حركتها الرفض الشعبى للنظام الامبراطورى ،خاصة الفلاحين الطبقه الاساسيه الكبرى المستغله فى ظل النظام الاقطاعى الذى تغلغلت فيه العلاقات الرأسماليه ، ومن هنا فهى "ثورة"برجوازيه قامت من أعلى**ذات اجراءات راديكاليه خاصة فيما يتعلق بالمسألة الزراعيه.
ان انجاز هذه الثورة"بانقلاب من اعلى– قامت به عناصر تنتمى الى الطبقات الشعبيه ، أتاح لها النظام الامبراطورى الدخول فى القوات المسلحه فى الخمسينات – يتضمن أيضا ، ان لم يكن هناك اوسع حقوق وحريات ديمقراطيه للطبقات الشعبيه - امكانية الوقوع فى نزعة بونابرتيه ، من حيث شكل الحكم،خاصه مع ضعف البرجوازيه والبروليتاريا.
وفى الواقع فان الاعلان النظرى عن تبنى الماركسية من قبل السلطه الحاكمه شئ ، والوضع الاقتصادى – الاجتماعى والسياسي الفعلى قد يكون شيئا آخر . وهناك بعض الآراء التى تقول انه من الصعب التضليل بالماركسيه غير ان الأمر لا يتعلق بنوايا المجلس العسكرى الحاكم ولا بقائده،ولا بمجرد اقامة الصلات بالمعسكر الاشتراكى بل يكمن فى الشروط الاجتماعيه،التى تتحدد فى ضعف البروليتاريا وهى القوه المؤهله الوحيده ،بتحالفها مع الفلاحين وقطاعات البرجوازيه الصغيره فى المدينه من ان تقيم دكتاتوريه ديمقراطيه ثوريه،بقيادة حزبها الشيوعى الطليعى والاخير من ناحية اخرى ذو وزن نسبى ضعيف .
ان السياسه الاقتصاديه الجديده وخاصه تأميم الارض لا يعنى سوى تحويل ربعها الى الدوله ، وهذا الاجراء هو اجراء رأسمالي ونموذجى فرضته الشروط الخاصة للمجتمع الاثيوبي التى دعت الى التدمير الجذرى للنظام الاقطاعى،وخاصة قاعدته الاقتصاديه والاجتماعيه.***






*- تم لطابع الجيش ذاته كأداة من أدوات النظام القمعيه .
**-استنادا على حركة شعبيه ضخمه أسهمت فيها الطبقه العامله والفلاحين
***-كان هذا ردا ضمنيا على آراء أبداها احد الرفاق القياديين بهذا المعنى .(ملاحظة لاحقه)

والسلطه الجديده ، التى قامت بهذه الاجراءات وان كانت حتى الآن ذات استقلال نسبى رغم قاعدتها الفلاحيه البرجوازيه ، الا انها ليست جهازا فوق الصراع الطبقى بل هى أداة من أدواته ، وسرعان ما تتشكل ملامحها فى سياق هذا الصراع ذاته ، على صعيد المجتمع ككل ،لاعلى صعيد المجلس العسكرى ، او حتى جهاز الدوله فقط بشكل عام .
ان تدمير النظام الاقطاعى بثورة زراعيه جذريه ، والاتجاه الى اقامة استقلال سياسي واقتصادى نسبى والشروع فى ازاحة القواعد العسكريه الاجنبيه - امريكيه او اسرائيليه – والنضال ضد النفوذ الامبريالي وخلق قطاع اقتصادى تابع للدوله– وهو دور نابع من تخلف القوى الانتاجيه - يمكن ان يؤدى الى حفز العلاقات الرأسماليه فى الداخل لصالح البورجوازيه القائمه ، اويشكل قاعدة لنمو بورجوازيه بيروقراطيه.
وحتى الآن يمكن القول بأن هناك ثغرات خطيره فى سياسات النظام الاثيوبى ،بعضها تكرار ( لأخطاء ) ما سمى بالدول " الوطنيه الديمقراطيه " من نمط النظام الغانى . واول هذه الثغرات هو اصرار المجلس العسكرى على صيغة الحزب الواحد ، وهى صيغة لا يمكن ان تكتسب معناها من خلال السلطه الحاكمه ، بل يجب ان يقوم هذا الحزب بدوره القيادى فى الواقع ويقنع الجماهير الشعبيه حتى تنزاح تلقائيا الاحزاب الاخرى . ان البلدان الاشتراكيه الماركسيه التى ظهرت فيها صيغة الحزب الواحد كانت نتاجا تاريخيا لنضالات طويله خاضها هذا الحزب الذى اكتسب ثقه الجماهير عن جداره،وبناء على ذلك ازاح جانبا الاحزاب الاخرى ، لابمرسوم من أعلى بل للثقه الجماهيريه العارمه فيه . ان واحدا من الشروط الاساسيه لتطور الثوره الاثيوبيه هو الانفتاح على الديمقراطيه السياسيه بأوسع معانيها ديمقراطيه ذات طابع مناهض للاقطاع والامبرياليه،يتصدرها حق تكوين الاحزاب للطبقات الشعبيه ، وحق التنظيم عموما ،خاصة للطبقه العامله ، والطلاب والمثقفين . وشروط بناء المجلس العسكرى للاشتراكيه هو الاعتماد على الطبقه العامله واحتلالها المواقع الاساسيه حيث تلعب الدور القيادى فى عمليه التغيير الاجتماعي والسياسي . أما المواقف المناهضه للديمقراطيه والتشبث بصيغ ثبت فسادها واتخاذ اشكال بونابرتيه فى الحكم ..فلابد ان تؤدى على المدى البعيد الى نسف الاجراءات "الديمقراطيه الثوريه" التى اتخذت .
ان قضية الديمقراطيه – وخاصة جانبها المتعلق بالمسأله القوميه - هى اهم قضيه تواجه السلطه الحاكمه وعلى صعيد المجتمع الاثيوبى اعلن المجلس العسكرى الحاكم ضمن البيان الذى اصدره فى ديسمبر 1974 انه فى"ميدان الحقوق السياسيه الاساسيه للمواطنين،سوف يقوم بتنظيم سياسى واحد له مكتب سياسى اعلى تحت رعايه وفى نطاق عمل اللجنه التأسيسيه للمجلس ، (يتخذ شكل) .. تحالف يضم قوى الشعب على مختلف مستوياتها الطبقيه والنقابيه واللغويه والقوميه .*وهذا الاتجاه لايتلائم من ناحيه مع تعدد طبقات المجتمع الاثيوبى ،ويتناقض مع نزوعها الى التعبير سياسيا عن ذاتها باستقلال ، بعد ان خضعت خضوعا طويلا لنظام اوتوقراطى متعفن ، ويكتسب هذا الامر وزنا ضخما لدى الحركه العماليه والطلابيه حيث كانتا من طلائع النضال ضد النظام الامبراطورى القديم،فالمسأله ليست رفع مطلب حكومة مدنية فى مواجهة حكومة عسكريه ، بل طرح شعار جمهوريه ديمقراطيه،حيث الامر الاساسي هو الموقف الذى تتخذه السلطه من قضية الحريات الديمقراطيه . وموقف السلطه هذا من قضية الحريات الديمقراطية ، وعلى رأسها مطلب الاحزاب ، بالاضافه الى انه يضعف الطبقات الشعبيه ذاتها ،بحيث لا تتمكن امام هجمات الثورة المضاده من الدفاع عن مكتسباتها فى ظل هذا النظام ، فانه من ناحية اخرى يصب الماء فى طاحونة القوى الامبرياليه والرجعيه الافريقيه ، والإقطاع الاثيوبى الذى يشن نضالا مسلحا لاعادة النظام القديم ، حيث تدفع الطبقه العامله والطلاب بصفة خاصة فى احضان الاتجاه اليساري المغامر لحزب الشعب الثورى الاثيوبى ، وهو حزب كما قيل فى بعض المصادر يتبنى التروتسكيه . وقد قام هذا الاخير بشن النضال المسلح فى المدن،بعد ان كان قد لجأ الى الجبال لاعداد خلاياه العسكريه ولا شك ان هذا موقف يساري مغامر .مثل نقطة التقاء مع كافة القوى المضادة للثورة التى تستهدف اسقاط النظام المعادى للامبرياليه فى اثيوبيا . ولكن لايعنى ذلك تأييد "شكل الحكم " وخاصة هذه الاتجاهات الاوليه التى تصادر حق الطبقه العامله فى تنظيم نفسها وتعيقها عن ان تكون لها اشكالها المستقله . وحتى اذا كان المجلس العسكرى يسعى الى خلق حزب شيوعى ، فهذا الاخير لايمكن فرضه بمرسوم حكومى كإطار للجماهير ولا يمكن لمثل هذا الحزب ان يستوعب حركه او اوضاع القطاعات الجماهيريه على تباينها ، ثم من المنطقى ان نتصور ان معنى هذا ايضا - سياسة الحزب الواحد–هى ادماج او حل الحزب الشيوعى الاثيوبى القائم ، واذا حدث هذا فسوف يكون رهاناً خاسراً ، فهناك الاحتمالين اللذين ينتصبان امام مجرى الثورة الاثيوبيه . ان التجربه التاريخيه خاصه تجربة الاشتراكيات القوميه فى العالم الثالث ،قد برهنت على ان اقامة نظام ديمقراطي ثورى ومستقبل هذا النظام ومصائره انما تتحدد بوجود النفوذ الاساسى للطبقه العامله،وحلفاءها الثوريين فى كافة المواقع السياسيه والاقتصاديه او بالموقف من طليعتها السياسيه الماركسيه ممثله فى حزبها الشيوعى، وبحصولها على حقوقها الديمقراطيه كامله . فالافق الاشتراكى مهما رفعت راية الماركسيه ،لايمكن الاتجاه اليه لا بقهر الطبقه العامله ولا بتمثيلها فوق جثتها اى باستيعادها .







-مجلة السياسه الدوليه مقال اثيوبيا من الامبراطوريه الى الجمهوريه الفيدراليه (د.عبد الملك عوده يناير 1976.
ان السلطه الاثيوبيه تواجه الآن تجمعا من الخصوم والاعداء على امتداد جبهة مناهضة واسعة وقدراتها على حل المشاكل التى تواجهها حلا ثوريا سوف يخلق منطقه "محرره" حمراء فى شرق افريقيا كلها ، بما لها من تأثيرات حافزه على اوضاع القاره بمجملها بأنظمتها الرجعيه والمحافظة وعلى الساحل الاثيوبي العربى للبحر الاحمر . وهذه الجبهه الواسعه تجمع ما بين قوى ثوريه وقوى مناهضه للثوره، داخل او خارج اثيوبيا ذاتها . فهناك من ناحية الاتجاه الاقطاعى الرجعى الامبراطورى من انصار الحكم الملكى الذى يناهض السلطه السياسيه الحاكمه ويقوم بشن نضال مسلح فى بعض المقاطعات الاثيوبيه ، ويتلقى دعما عسكريا وماليا من التجمع الملكى الاثيوبي فى لندن . وفى داخل اثيوبيا ايضا يقوم حزب الشعب الثورى الاثيوبى يخوض الكفاح المسلح فى المدن للاطاحه بحكم المجلس العسكرى . وفى الخارج تواجه النظام الاثيوبى حركة التحرر الوطنى الاريتريه بجبهاتها الثلاث اليساريه واليمينيه،وهبات شعب اوجادين ، وهو اقليم يشكل تاريخيا جزءا من الصومال وهذه القوى جميعها تناهض النظام الحاكم من منطلقات ثوريه او رجعيه وفقا لطابع واهداف كل حركه على حده لذلك فإن اعطاء حق تقرير للقوميات المختلفه داخل المجتمع الاثيوبي**، او فيما يتعلق بالقوميه الاريتريه أو الصوماليه ، بشكل ديمقراطى وسلمى وعادل ،هو سبيل لترسيخ الانظمه المعاديه للامبرياليه فى شرق افريقيا والاطاحة بميراث امبراطورى ثقيل يكبل النظام وعامل حاسم فى تثبيته هو ذاته ***واعطاءه القدره على مواجهة الثوره المضاده التى تتحفز ضده ،من اجل اسقاطه .
ان شرط تقدم النظام الاثيوبي وتطوره يكمن فى منح كافة القوميات المضطهده داخله وخارجه حق تقرير المصير دون قيد او شرط تجنب النزعات الشوفينيه التى تسبب اضرارا فادحة لقضيه الثوره. واطلاق الحريات الديمقراطيه لكافة الطبقات الشعبيه وفى مقدمتها الطبقه العامله حيث يحدد الموقف منها الطبيعه الطبقيه والسياسيه للنظام وفتح الطريق امام الحزب الشيوعي ليقوم بدوره القيادى الطليعى . واشاعة الديمقراطيه عموما على الصعيد الاجتماعى والسياسي بالتصفيه الكامله للجهاز البيروقراطى القديم ، وتثقيف الشعب ونشر التعليم ، وتطوير كافة مظاهر النشاط السياسي والنقابى والثقافى ، وتحرير المرأة لتلعب دورها فى الحياة الاجتماعيه والسياسيه ، وتثقيف الفلاحين وتربيتهم سياسيا . باختصار كفالة اوسع حقوق ديمقراطيه لكافة الطبقات الشعبيه بما تتضمنها من حرية الصحافه ، والنشر والتعبير ، وربما من خلال مجالس عماليه وفلاحية تتكيف وفق الاوضاع الخاصه للنظام الاثيوبي ، كمنظمات جماهيريه تكفل اوسع مشاركة للطبقات الشعبيه بحيث تقوم بدور انتخابى بمشاركتها فى اختيار الوجوه المسؤوله كقيادات فى الاجهزة الاداريه والسياسيه للدوله ، وبدور رقابى على هذه الاجهزة ذاتها.
لقد كانت احدى الثغرات التى شكلت "جواز مرور" النزعات الانقلابيه التى اطاحت بالانظمه المعاديه للامبرياليه الى هذا الحد او ذاك ، قد كان موقف هذه الانظمه على وجه الخصوص من مسألة الديمقراطيه السياسيه بعد ان فرضت قالباً جديدا على الطبقات الشعبيه متمثلا فى نظام الحزب الواحد بكل توابعه ، وحين قامت بعض القوى بالاطاحة بهذه الانظمه لم تحرك الجماهير الشعبيه ساكنا،لانها لم تجد فيها المعبرعنها .
كما أن اقامة الاستقلال الاقتصادي الجذرى بالقضاء على كافة مظاهر الهيمنه الامبرياليه ، والارتباط بالسوق الرأسمالى العالمى ، بالاعتماد فى المحل الاول على بلدان المعسكر الاشتراكي ، ودعمها البروليتارى يشكل شرطا ضروريا او ضمانا ضد العوده الى المعسكر الامبريالي سياسيا ، بعد انجاز استقلال اقتصادى نسبى اذا ما ارتبط هذا الجانب مع ما اسلفنا من شروط ضروريه .

*يقال مؤخراً ان هناك تحالفا مشروطا بين الشيوعيين والدرج وبصفة اخص الحركة الاشتراكيه لعموم اثيوبيا وقد اتخذت خطوة وحدويه بين جميع الشيوعيين الاثيوبيين الثوريين مؤخرا تجمع ما بين الحركة الاشتراكيه لعموم اثيوبيا والعلم الاحمر والشبيبه،وهذه جميعا تتحالف مع المجلس العسكرى الحاكم والشيوعيون يريدون احتواء الدرج او ابعاد العناصر الرجعيه من داخله ،وعلى الاغلب يسعى الدرج الى احتوائهم.
**تمثل قومية ارودو (الجالا)55% مجمل الشعب الاثيوبي.
***تشكل النفقات العسكريه للنظام الاثيوبى حوالى 40% من الدخل القومى.
لقد قام النظام الاثيوبي فى اواخر شهر ابريل عام 1977بطرد المستشارين والخبراء العسكريين والدبلوماسيين والفنيين الامريكيين الذين بلغ عددهم حوالى 40000 واغلق القنصليات الاجنبيه التابعه لكل من الولايات المتحده ، وايطاليا،فرنسا،وبلجيكا ،وبريطانيا ، والسودان . وكان قبلها قد تم قطع المعونه التى تقدمها الولايات الامريكيه لاثيوبيا فى نفس الوقت الذى قام فيه الاتحاد السوفيتى بتقديم اسلحه بما يقرب من مائه مليون دولار .
ومما لاشك فيه ان تماسك السياسه الثوريه للنظام الاثيوبى يقتضى انهاء هذه العلاقات الخاصه مع اسرائيل لمجرد انها تقف ضد الانظمه العربيه الساعيه الى اثارة المشاكل للنظام الاثيوبى ، فهذا المنطق البراجماتى هو منطق رجعى فإسرائيل ليست عدوا لهذه الانظمه حيث يسعى الجميع الى عقد التسويه الاستسلاميه فى احتضان كامن من الامبرياليه الامريكيه ، فهذه العلاقة الخاصة التى تسمح لاسرائيل باستخدام بعض الجزر فى مداخل البحر الاحمر العربى موجهة للجماهير الشعبية العربيةوطلائعها الثورية التى تناهض النفوذ الامبريالى الصهيونى والعربى الرجعى مجتمعا .
موجز القول فيما يتعلق بالموقف من النظام الاثيوبى هو تدعيمه فى وجه كافة المحاولات الامبرياليه والرجعية الهادفه لاسقاطه ، والضغط عليه من اجل اعطاء القوميات المظلومه حقها فى تقرير مصائرها دون قيد أو شرط والتخلى عن اى نزعه شوفينيه ، ومحاولة الاقناع السلمى والديمقراطي بمزايا الارتباط فى دوله اتحاديه على اساس المساواه التامه بين القوميات والشعوب الداخله فيها . ويتعلق هذا بالقوميات الاثيوبيه المضطهده ، والقوميه الاريتريه،والصوماليه فى اوجادين . ولاشك ان الحفاظ على النواه الديمقراطيه الثوريه فى السياسه الاقتصاديه للنظام الاثيوبى ،وخاصة بالنسبه للثوره الزراعيه التى حدثت،لايمكن ان تصان وتتطور ، الا بتأسيس ديكتاتورية ديمقراطيه ثوريه للعمال والفلاحين وحلفائهم من البرجوازيه الصغيره فى المدينه ، تحت قيادة لطبقه العامله عمادها جبهة متحده تتشكل من الاحزاب السياسيه للطبقات الشعبيه وتنظيماتها المستقله فى القطاعات الجماهيريه من اجل تصفيه بقايا الاقطاعيه ،والهيمنه الامبرياليه لنظام تابع اقتصاديا بحكم بنيته الداخليه للسوق الرأسمالى العالمى ، بالاستناد على معونة النظام الاشتراكى . ولا ريب فى ان هذه الاتجاهات تفتح آفاقا اوسع امام الثوره الاثيوبيه،التى يتكالب عليها الاعداء من كل صوب من اجل تصفيتها لاعادتها مره اخرى الى دائرة النفوذ الامبريالي ، واختيار القياده السياسيه حاسم فى تحديد اى من الاختيارات التاريخيه ، حيت النظام الحاكم الان ، فى مفترق طرق .. واختياره يحدد مصيره .
** **
بعد ان هزمت الفاشيه الايطاليه التى كانت قد احتلت اريتريا عام 1885 ، ثم اعلنتها فيما بعد مستعمره لها،تولتها ادارة بريطانيه وفى اعقاب الصلح مع ايطاليا حيث عرضت القضيه الاريتريه على الامم المتحده .. تمكنت بعض البلدان الاستعماريه من استصدار قرارا يخول اثيوبيا الحق فى ان يكون لها منفذ بحرى على البحر الاحمر لكونها دولة غير بحريه لاشواطئ لها . وفى يوليو عام 1952 ضمت اريتريا الى اثيوبيا فى اتحاد فيدرالى تكون لها فيه حكومتها الخاصه ومجلسها النيابى ودستورها بناء على قرار من الجمعيه العامه للامم المتحدة ؛ ولكن فى عام 1962 اتخذ امبراطور اثيوبيا قرارا بضم اريتريا كواحده من المقاطعات الاثيوبيه. رغم انه لم يكن هناك حق تاريخى ، لاثيوبيا على اريتريا.
وتكونت جبهة تحرير اريتريا عام 1958 – بعض المصادر الاخرى ترجع تكوينها الى سبتمبر 1962 – وشنت نضالا مسلحا ضد النظام الامبراطورى لتؤمن لشعبها حق تقرير المصير .وحين جاء النظام الاثيوبي الجديد على انفاض النظام الامبراطورى القديم ، انتعشت آمال الثوره الاريتريه ، لكن سرعان ما خابت حين اعلن المجلس العسكرى اتجاهه فى أنه يسعى لحل القضيه الاريتريه على أساس "الحكم الذاتى" فقط وهو لايساوى خلق دوله مستقله لها مقوماتها وهو ما بعينه حق تقرير المصير لما يتضمنه من القدره على الانفصال .
*-يبدو ان ارتباط المجلس العسكرى بأمريكا فى الفتره الماضيه،وجد اساسه فى الاتجاهات اليمينيه داخله ،وقد انتهت بعد مجئ منجستو ميريام قائدا للمجلس.
وقد اشترطت الحكومه الاثيوبيه ان تتباحث مع الفئات والتنظيمات التقدميه فى اريتريا والتى ليس لها ارتباطات مع الاقطاع والرجعيه والامبرياليه . ولقد أكد منجستو ميريام هذا الاتجاه مره اخرى فى واحد من تصريحاته اثناء زيارته للاتحاد السوفيتى بأنه يريد ان يتعاون مع الجبهه الشعبيه لتحرير اريتريا،لانها جبهة تعلن عن تبنيها للماركسيه وذات اتجاهات جذريه ثوريه بعكس جبهة التحرير الاريتريه ، او تنظيم البعثه الخارجيه ، بل يقال انه طلب ان تدعم القوات الكوبيه الجبهه الشعبيه فى حربها الاهليه الحتميه مع كل من التنظيمين الآخرين . وايا ما كانت صحة أو دقة هذه التصريحات فان الاتجاه الصحيح هو منح الشعب الاريترى حق تقرير المصير* فهذا يساعد الاتجاه الثورى على حسم الصراع لصالحه ضد الاتجاهات المحافظه او اليمينه ، ويمكن أنذاك ان يتلقى دعمها من هذا الطرف الثورى او ذاك بل ان الموقف الشوفينى الفعلى يقوى من ساعد الاتجاهات اليمينيه على حساب الحركه الماركسيه , والبلدان العربيه والافريقيه تحاول الضغط على الاخيره لصنع وحدة غير مبدئيه مع الفصائل الاخرى ، وتضع شروطا لدعمها ماليا ، او لانطلاقها من الحدود السودانيه ، ولا يمكن ان تقدم هذه المساعده من جانب هذه الانظمه لصالح الاتجاه الجذرى فى حركة التحرر الوطنى لاريتريا ، لانه اتجاه يعاد مصالحها فى المدى البعيد بعد انتصاره ، وانما يستخدم تكتيكا لاضعاف النظام الاثيوبي من ناحيه حيث لا تستطيع اى من التنظيمات الاريتريه تحقيق الانتصار الكامل بمفردها رغم تحريرها 80% من الاراضى الاريتريه ، وبعد ذلك يمكن تصفيته وليست هذه هى المره الاولى ، ففى اعقاب تكون قوات التحرير الشعبيه التى كانت جزءاً رفض الاتجاهات اليمينيه لجبهة التحرير الاريتريه ، وحين انفصلت عن الاخيره مشكله تنظيمها الخاص ، تعرضت لمحاولات ابادة وتصفيه جسديه وحشيه ، باءت بالفشل واصبحت قوات ت . ش ، وحيث خرجت الجبهه الشعبيه ذات الاتجاه الماركسي مشكله تنظيمها الخاص من هذه القوات .
ان موقف النظام الاثيوبى فى هذه المسأله - بغض النظر عن التصريحات -هو موقف يؤدى لاضعافه واضعاف الجناح الثورى من حركة التحرر الوطنى الاريتريه . فجبهة تحرير اريتريا تتشكل من عناصر برجوازيه ومن اخرى تنتمى لكبار ملاك الاراضى ، ولا تتبنى برنامجا متكاملا حول بناء اريتريا ما بعد الاستقلال ، وهى لاتطرح سوى افق بورجوازى للسلطه المقبله لا يضع فى اعتباره الجماهير الشعبيه ، خاصه الفلاحين التى ناضلت من اجل مصالحها طوال الاعوام الماضيه. وهذه الجبهه رغم الضجه التى تثار حولها من قبل الانظمه البورجوازيه والرجعيه ، لا تملك وزنا سياسيا او عسكريا داخل اريتريا بحجم الضجه الاعلاميه ، ثم ان معظم قياداتها فى الخارج مما اعطى الوزن الاقوى لهذا النشاط الخارجى . والفلاح الاريترى – حيث يقطن60%من السكان فى القرى–ينظر لممثلي هذه الجبهه لا باعتبارهم قادة سياسيين بل كاقطاعيين من جباة الضرائب حيث لا تقوم بأى دور سياسي ازاءه ، ولابدور عسكرى،نضال ذو وزن ، ولانها بحكم طابعها الطبقى تنفصل عن الجماهير الشعبيه الاوسع . وكذا الامر مع ما تسمى بالبعثه الخارجيه وهو وجه قيادى كان ينتمى لجبهة التحرير ثم انفصل عنها "تحالف" مع قوات التحرير الشعبيه التى تكونت عام 1970 واصبح المتحدث الرسمى باسمها ، والان يتحدث باسمه الخاص ممثلا هذه البعثه الخارجيه ، التى لاصلة لها بالجبهه الشعبيه .. وهذا الاتجاه اتجاه محافظ ايضا داخل حركة التحرير الاريتريه ولا وزن له على صعيد الداخل سياسيا او عسكريا نعنى البعثه الخارجيه.
اما الجبهه الشعبيه فهى تمثل الاتجاه الراديكالى الديمقراطي الثورى والماركسي فى نضالها ،وبرنامجها يتضمن تأسيس سلطة ديمقراطيه شعبيه ، بالارتكاز على العمال والفلاحين والمثقفين الثوريين ، وسائر القوى الديموقراطيه،واقامة مجلس وطنى ديموقراطى ، ومن زاويه الاجراءات الاقتصاديه ، تأميم الصناعه والموانىء ،والمناجم،والبنوك وشركات التأمين ، والسيطره على عمليات الاستيراد والتصدير.
*-لا شك ايضا ان الموقف الثورى يتضمن بالنسبه لكل اثيوبيا بقومياتها تأييد حق تقرير المصير ،بما فى ذلك حق الاستقلال لاى قوميه مع تأييد حق الاتحاد الديمقراطي بين هذه القوميات حفاظا على العمليه الثوريه الواحده
*-اريتريا قضيه الثوره والانسان (ملف)الطليعه القاهريه عدد مارس 1977.
لقد اقامت الجبهه الشعبيه لتحرير اريتريا "مجالس فلاحيه" فى المناطق الريفيه المحرره ، وقامت بتوزيع الاراضى على الفلاحين ،وشكلت مختلف المنظمات الجماهيريه بأنواعها ، عماليه ، شبابيه ، نسائيه , فلاحيه ، والجبهه الشعبيه تنتهج خط حرب التحرير الشعبيه وتنظيم الجماهير سياسيا وعسكريا واقتصاديا وهى الجناح الاكثر نفوذا وشعبيه داخل اريتريا بمجملها ، وذلك بالقياس الى الجناحين الآخرين فى حركة التحرير الاريتريه.
ان القوى الامبرياليه والرجعيه،خاصة البلدان العربيه – الافريقيه –ترى من مصلحتها استمرار الصراع بين النظام الاثيوبي وبين حركة التحرير الاريتريه ، لان ذلك يعطى اليد العليا لهذه القوى والمنظمات المتعاونه معها (جبهة التحرير والبعثه الخارجيه) يمهد لاضعاف النظام الاثيوبى.ولا يمكن النظر الى منطقه شرق افريقيا الا كوحدة واحده .. اى لابد من تجنب النظر الى بلدانها كوحدات مستقله – فالعاصفه الثوريه , ورياح الثوره المضاده تشملها جميعا من ناحيه اساسيه، ويترابط الوضع فى هذه المنطقه،مع ما يسمى ب " أمن البحر الاحمر" اى أمن هذه الدول، سواء كانت عربيه – أسيويه ، ام عربيه – افريقيه ، فى مواجهة الحركات الثوريه ، والاتحاد السوفيتى ، لخصوصية الدور الذى يلعبه فى افريقيا بمجموعها الآن .
ان الوضع فى هذه المنطقه يكشف عن ان كل المشاكل تبدأ وتنتهى عند اثيوبيا بالمواريث الثقيله التى تحملها منذ العهد الامبراطورى وبأطرافها المختلفه ، وما تخشاه القوى الامبرياليه والرجعيه هو ان تبادر اثيوبيا – وهى قادره اذا ما ارادت - على ان تطور الوضع الثورى بدفعه الى نقطه اعلى ، فاذا ما اعطت اثيوبيا حق تقرير المصير للشعب الاريتري ، وللشعب الصومالى فى اوجادين ، فان المعسكر الذى ستكون فيه جيبوتى التى نالت استقلالها مؤخرا عن الاستعمار الفرنسي،سوف يكون محكوما بواقع أن القبيلتين الكبيرتين فى جيبوتى – الغفارين والعيسيين - ينتميان من ناحيه اصولهما وامتداداتهما الى كل من الصومال واريتربيا وبالتحالف الذى يمكن أن يقوم بين النظام الصومالى والاثيوبي،والنظام الاريترى الثورى بعد انتصاره . واذا ما تحالف هذا المعسكر الثورى الافريقى مع اليمن الديمقراطيه ، ولعب فى مجموعه ، دورا اساسيا لابد ان يكون منتظرا – فى تدعيم الحركات الثوريه على صعيد القاره ، فان افريقيا "حمراء" لا يمكن أن يكون امرا مستبعدا ، خاصه بالنسبه لبعض بلدانها الاشد رجعيه فى المدى غير البعيد – السودان والمغرب على سبيل المثال - وفى الواقع فان مثل هذا الاتجاه هو ما تخشاه القوى الامبرياليه ، والرجعيه الافريقيه وما تسعى الى اعاقته بكل الوسائل ، بما فيها على وجه التحديد مواقف النظام الاثيوبى غير الثوريه ، فى المسأل القوميه ، أى انها تستغل ثغرات السياسه الاثيوبيه ، وتحاول تعميقها ودفعها الى منتهاها . ان التناقضات العاصفه التى تحيط بالنظام الاثيوبى لا يمكن حلها عبر الوسائل العسكريه ومسيرات الفلاحين الاثيوبيين ، لابد من حلول ديمقراطيه سلميه وعادله لا تقف عند حدود" الحكم الذاتى"فى اطار اثيوبيا ذاتها ،فانتصار الاريتريين حتمى مثلما هو انتصار الشعب الصومالى فى اوجادين ، فالثوره الاريتريه تسيطر على 80% من اريتريا وتحاصر المدن الرئيسيه ، بل لقد استولت مؤخرا على بعض مدنها وشعب اوجادين قد حرر بلاده من الناحيه الفعليه . فماذا ينتظر النظام الاثيوبي ؟" فالازمه" التى تتعلق بوحدة فصائل حركة التحرر الاريتريه قابله للحل ، وان كان حلا يحاول ادمجها جميعا فى سياق الاهداف التى تتطلع اليها كل من السعوديه ومصر والسودان ، وهو ادماج يتم بصفة اساسيه ، وبالشروط الضاغطه للمساعدات الماليه ، وللقواعد العسكريه فى غير صالح الجناح الاكثر جذريه وثوريه فى نضاله ، والمرتبط بالطبقات الشعبيه للمجتمع الاريتري : نعنى الجبهه الشعبيه لتحرير أريتريا.
ان المصالح الخاصه للنظام الاثيوبي التى تتطلب مروره فى الاراضى الاريتريه صوب البحر الاحمر،لفقدان المنافذ البحريه ، وكذا الامر مع جيبوتى ، يمكن ان تحل على نحو افضل فى سياق اعطاء الثوره الاريتريه حق تقرير المصير فهذه قضية قابله للحل فى ظل علاقات ديمقراطيه سلميه ، بل ان الموقف الراهن للنظام الاثيوبي لا يسهلها ، ومن الحتمى ان يعوقها فى المستقبل ، فاذا كانت "المصلحه المشتركه لشعوب اثيوبيا بما فيها شعب اريتريا تحتم ان يساهم الجميع فى تحقيق اهداف الثورة ضد الاقطاع والرجعيه والامبرياليه فإن تحقيق ذلك لن يتم الا باعطاء حق تقرير المصير بما فيه حق الانفصال ،والتخلى عن النزعه الشوفينيه التى ترفض حق الانفصال حتى لوادى الامر الى "فناء 30 مليون شخص" على حد تعبير واحد من السفرراء الاثيوبيين فى الخارج .
ان الاعتراف بحق الشعب الاريترى فى تقرير مصيره او جلاء القوات المسلحه الاثيوبيه عن اراضيه ، يوجه ضربه قاصمه للقوى الامبرياليه والرجعيه والاقطاعيه ، لان ذلك يفتح الطريق امام الجبهه الشعبيه لتسليم هذه الثوره الدور القيادى فى السلطه الجديده ويبعدها عن مختلف الضغوط اليمينيه والمحافظه اينما جاءت ، وانتصار مثل هذه الثوره لا يمكن ان يخنق اثيوبيا بحريا ، فأول دلائل "حسن النيه" من جانب النظام الاثيوبى وتخليه عن السياسه الامبراطوريه القديمه،واصراره على انتهاج سياسة ثوريه مبدئيه كفيل بإعادة هذه العلاقات على أسس جديده متخلصه من كافة مظاهر الشعور بالاضطهاد القومى . ولا شك ان القول بأن حركة التحرر الاريتريه هى حركة انفصاليه هو انحراف عن مبادئ الماركسيه اللينينيه النظريه والسياسيه،فلا يمكن فرض اى تحالف او اتحاد اجبارى على شعب او قوميه اخرى مهما كانت الدوافع "الثوريه" فى النضال ضد الامبرياليه والرجعيه والاقطاع ... بل ان الموقف المبدئى اللينينى عن حق تقرير المصير يهئ الامكانيه فى المستقبل امام اشكال محدده من التحالف والاتحاد الاختياريين مما لا يمكن ان يهيئه لها الاحتلال العسكرى والقمع المسلح .
فاذا كان الامر كذلك مع حركه التحرر الاريتريه ، فإن الموقف من الصومال هو الوجه الآخر ، فعلاقات النظام الاثيوبى بالصومال تحكمها مسأله اوجادين ، واستقلال جيبوتى– الصومال الفرنسي – حيث تتشكل اغلبيه السكان من العيسيين المنتمين الى الصومال . والذين يتجهون الى اقامه تحالف او اتحاد مع الصومال بعد انجاز الاستقلال ، وهذا ما يقف ضده الآن النظام الاثيوبى خشية ان نقطع طرقه الى الموانى الجيبوتيه على ساحل البحر الاحمر ، وخاصة مع المشاكل القائمه بشأن المرور في الاراضى الاريتريه حتى موانيها . وقد تبدلت "خريطة" التحالفات . فقد كان الاستعمار الفرنسي يريد أن يأتى برجله على عارف ، رأس الحكومه الجديده بعد الاستقلال وهو ينتمى للصفاريين ، ولوضع عقبه فى طريق الاتحاد او التحالف مع الصومال، ولكن بعد التطور الذى جرى فى اثيوبيا بعدائها للمعسكر الامبريالي من ناحيه والتناقضات التى ظهرت بين الصومال واثيوبيا ، فانها اتجهت فى الواقع – الى تأكيد دور رجلى السعوديه حسن جوليد واحمد دينى ، وترتب على ذلك تحالف مؤقت بين النظام الاثيوبى وبين على عارف ، وهو تحالف غير مبدئى،مع رجل معروف تاريخه الطويل فى خدمة الاستعمار الفرنسي .
ان المشكله التى يريد النظام الاثيوبي الا يواجهها ، هو فقدان ميناء جيبوتى ، الذى تتم من خلاله عمليات التصدير والاستيراد الاثيوبيه -80%منها -وهذا هو اساس مواقفه . ولكن هذا الاتجاه الذى يتبناه يؤزم فى الواقع هذه المشكله ولا يحلها حيث من الممكن ان تتخذ فى المستقبل كأداة للضغط عليه وخاصة لان القوى الرجعيه الافريقيه والعربيه لا تدخر وسعا فى محاولة ربط وادماج كل من الصومال وجيبوتى بعجلتها الدائره فى النفوذ الامبريالي .
ان الحديث يدور بين هذه القوى حول (كيفيه عزل الفيروس الثورى الاثيوبي ) والتاكتيك الرجعى الموحد ازاء الصومال وجيبوتى هو احد هذه الطرق التى يتم بها العزل . بل ان الهدف الاشمل وهو الذى لايكتفى بتعميق التناقضات بين الصومال بل يهدف الى اخراجها من المعسكر المعادى للامبرياليه ، وفك ارتباطها بالاتحاد السوفيتى على وجه الخصوص ، بحكم دوره الراهن فى افريقيا ، وارتباط هذا الدور بما يسمى بأمن البحر الاحمر .
لقد ارتبط النظام الصومالى بالاتحاد السوفيتى منذ عام 1969 ، حيث قدم الاخير طوال هذه السنوات مساعدات اقتصاديه وعسكريه هامه ، وساهم فى تدريب الجيش الصومالى– الذى يعد اقوى جيش فى شرق افريقيا – وقام بتطوير مشاريع الرى الزراعيه ، وساهم فى استثمار الثروه السمكيه , وانشاء محطه جويه ، وطور ميناء بربره ، واستضاف عديدا من ابناء الشعب الصومالى للتدريب والدراسه فى الاتحاد السوفيتى ، من ناحية اخرى فان النظام الصومالى يقدم تسهيلات بحريه للسوفيت فى ميناء بربره ، ويعتقد ان هناك قاعدة صواريخ سوفيتيه تتحكم فى باب المندب.
وفى الشهور الاخيره انعكست التناقضات بين النظامين الاثيوبى والصومالى ،على علاقه الاخير بالاتحاد السوفيتى،حيث صرح سيادبرى الرئيس الصومالى بأن موقفه من الاتحاد السوفيتى سيتحدد من خلال كيفيه واهداف الدعم العسكرى للنظام الاثيويبى الذى يهدده – فقد كانت ايضا واحدة من "زجاجات الدم"الرمزيه التى حطمها منجستو ميريام تمثل الصومال ! وفى الواقع فان الصومال بموقعها الاستراتيجي ، وبنفوذها فى جيبوتى ، خاصة مع محاوله اغلاق البحر الاحمر فى وجه الاتحاد السوفيتى ، وترابط هذا الأمر مع أوضاع القارة الافريقيه ، يستوجب من الانظمه والقوى الثوريه ان تمارس ضغوطا على النظام الاثيوبى من اجل التخلى عن هذه السياسه العدوانيه . فكافة القوى الامبرياليه والرجعيه العربيه والافريقيه ، تراهن على التناقض بين النظام الاثيوبى والصومال ، تراهن على ضرورة فك ارتباط الصومال بالمعسكر الاشتراكى . فرعب هذه القوى ناشئ من المخاوف التى تترتب على ما يسمى بالحزام الاحمر داخل القاره الذى يطوق البلدان الرجعيه خاصة السودان فى ظل الحكم الفاشى الراهن المعادى للشيوعيه ، والمرتبط بدوائر النفوذ الامبرياليه وتحاول السعوديه على وجه الخصوص عبر الوعود بتقديم المساعدات الى الصومال ، دفعها الى نسف علاقاتها بالمعسكر الاشتراكى ، وتصفيه الوجه المعادى للامبرياليه الذى تتخذه السياسه الصوماليه، بل ان الولايات المتحده ذاتها تجاهد من اجل تطوير علاقتها بالنظام الصومالى وتراهن من ناحيه على تناقضه مع الحبشه من جانب ، وعلى اتجاهات البلدان العربيه الرجعيه التى تحاول جذبها الى المحور الامبريالي الامريكي . وهناك محاولة تجرى مؤخرا من اجل نقل مقر منظمة الوحده الافريقيه من اديس ابابا الى الصومال من اجل تعميق التناقض بينهما ، بل ان الصومال قد دعى الى الانضمام للقيادة السياسيه الموحدة بين مصر والسودان وسوريا للهدف ذاته.
ان هذا الواقع هو ما يثير التساؤلات التى ترددت حول" هل تغير الصومال معسكرها ؟ " بانتقالها الى التحالف مع القوى الرجعيه العربيه الافريقيه . والاجابه على هذا السؤال لا يمكن ان تكون اجابه مجرده ، فمما لاشك فيه ان موقف اثيوبيا وعدم وجود ضغط سوفيتى عليها لتحويل اتجاهها ، يمكن ان يفتح الطريق امام الصومال لتغيير خريطة علاقاتها مع كل هذه (الاغراءات) التى تقدم اليها من جانب بعض البلدان ومما لاشك فيه ايضا ان علاقه الصومال بأثيوبيا وحل المشاكل القائمه بينهما يمكن من خلق مجموعه دول ثوريه متلاحمه ، اذا ما تحقق ايضا اتخاذ الموقف الصائب ازاء حركة التحرر الاريتريه . من هنا فهناك رهانين ، رهان المعسكر الامبريالي والقوى الرجعيه ،ورهان المعسكر الاشتراكى والديمقراطى الثورى ... والمبادره الآن بيد هذا المعسكر الاخير..لكنها قابله للافلات اذا لم يتم التغييرعلى نحو سريع . والمحاولات التى قام بها فيدل كاسترو من اجل تحالف بين اثيوبيا والصومال هى اتجاه استراتيجى ثورى صحيح ولكن هذا الاتجاه يجد قدمه الراسخه فقط،حين يتخلى النظام الاثيوبي عن احتلاله لاوجادين ، وعن مطامعه فى جيبوتى ، التى يجب ان يقرر شعبها بملئ حريته اى جانب يختار ، ولن يمثل ذلك مشكله ما حين يرتبط باتحاد مع الصومال فى الوقت الذى تكون فيه الصومال ذاتها داخله فى حلف ثورى مع اثيوبيا واليمن الديمقراطيه ولابد ان تكون الدوله الاريتريه المستقله واحدا من اطرافه .
*********
لقد بدأت المملكة العربية السعودية تنقل اقدامها الى الارض الافريقيه امتدادا لدورها الذى تمارسه فى شبه الجزيرة العربيه ، كدوله حارسه للمصالح الامبرياليه الامريكيه ،ولدورها فى اعادة ترتيب اوضاع المنطقه العربيه فى سياق احكام تبعيتها للنفوذ الامريكى من خلال ما يسمى بالتسويه الامريكيه للصراع العربي الاسرائيلى وكانت مكانة النظام السعودى قد تقوت فى اعقاب هزيمه يونيو1967 ، ونمت هذه المكانه بمقدار ما اتجهت الانظمه البورجوازيه التى لقيت الهزيمه الى الاستسلام لشروط التسويه الامبرياليه ، ولضغوط الاحتلال الاسرائيلى على اراضيها . ففى اعقاب الهزيمه اضطر النظام المصرى الى عقد تسويه مع النظام السعودى انسحب بموجبها من الجزيره العربيه ، حيث كان يقوم بتدعيم الثوره فى اليمن الشمالى . وقد كان الانسحاب المصرى، وما تلاه من جلاء الاحتلال البريطانى عن شبه الجزيره ، عاملا فى محاولة النظام السعودى لاحتلال مكانه الدوله الاقوى والمهيمنه على اوضاع الجزيره ،خاصة مع التناقضات القائمه بينها وما بين ايران . وفى كل الاحوال فقد لعبت العربيه السعوديه دورا رجعيا على طول الخط فى المنطقة العربيه ، فهى تدعم النظام الرجعى فى البحرين ، وقدمت العون العسكرى لقابوس فى مواجهة ثورة ظفار ، وتآمرت – ومازالت - على اليمن الجنوبى حتى انها فى عام 1973 حاولت ان ترتب هجوما عليه فى اطار الخريطه الجديده التى يستهدف خلقها فى المنطقة العربيه . وفى الحرب الاهليه اللبنانيه ، وقفت مع اشد القوى رجعيه ، بل اشارت مصادر عديده الى انها امدت القوى الفاشيه الكتائبيه بعتاد وذخيره لتصفيه الحركة الثوريه الفلسطينيه – اللبنانيه .
ولاشك ان دورها شديد الاهميه فيما يتعلق بالنظام المصرى فى اطار "العلاقات الخاصة" التى اقيمت منذ عهد الملك الراحل فيصل ، وهذه العلاقه الخاصة ، تستمد طابعها من الاتجاهات التى برزت فى فى مرحله هبوط البيروقراطيه المصريه ، وترابطها فى حلقات متكامله من السياسات الداخليه والخارجيه المتماسكه التى أدت الى العودة لاطار النفوذ الامبريالي . وساهم النظام السعودى مساهمة ايجابيه فى تعميق الاتجاهات السياسيه الداخليه التى اتخذها النظام المصرى .
والآن تتعاون مصر مع السعوديه فى ممارسة دور عصاالقمع الامبريالي فى المنطقه ، وان كانت مصالحها الخاصه اساس لهذا الدور ايضا . واذا كان النظام السعودى لم يقم بتدخل عسكرى مباشر فى القاره الافريقيه ، مكتفيا بالدعم المالى الضخم - للسودان الرجعى على سبيل المثال – او بوعود الدعم للصومال او لاحمد ويمنى زعيم جيبوتى فان دخول الثوره الى مرحله اعلى فى هذه المنطقه ،- اى شرق افريقيا وتأثيرات ذلك على بعض مناطق شبه الجزيره العربيه التى لاتخلو منطقه منها من القوى الثوريه المناضله وحتى داخل النظام الرجعى السعودى ذاته - تؤدى الى امكانيه الدخول العسكرى المباشر للنظام السعودى متحالفا مع النظامين المصرى والسودانى ، وخاصة ان السعوديه قد تحولت الى قوة عسكريه ضاربه كنتاج للتهديدات الناصريه فى شبه الجزيره العربيه فى الستينات ، ولتنامى الحركه الثوريه فيها ، وقوتها العسكريه مكيفه لا وفق متطلبات القمع الداخلى فحسب ، بل ايضا للتدخل فى أى بلد مجاور – وكخطوة فى هذا الطريق الذى دخل فى اطاره كل من السعوديه ومصر والسودان .شكلت لجنة تنسيق عسكريه لاقامة تحالف رجعى يضع الخطط لعزل "الفيروس الثورى الاثيوبى"
واذا كانت السعوديه تحاول ادماج الصومال وجيبوتى فى محور عالمها التابع هى وحليفاتها ، بل وتحاول مساومة اليمن الديمقراطية على تصفيه العلاقات مع السوفييت مقابل مساعدات اقتصاديه وماليه هامه وتحتضن واحدا من الاجنحه اليمينيه فى حركة التحرر الاريتريه ، وهو تنظيم البعثه الخارجيه الذى يقوده عثمان صالح سبى . فان السودان من ناحيه اخرى بنظامه الفاشى الدموى العميل , مصاب بالذعر نتيجه المحاولات الانقلابيه الدائمه عليه من الداخل ... ونتيجه لتنامى حركة القوى الثوريه خارجه ، وقد رأى فى تهديد نظام موبوتو ، شاهدا على مصير مماثل قد ينتظره . فالنظام السودانى قد شهد رده يمينيه شامله فى اعقاب قمعه للقوى الديمقراطيه والشيوعيه بعد انقلاب يوليو 1971، وسرعان ما ارتبطت هذه الرده- التى ساهم فيها نظام السادات – بعلاقات وثيقة مع كافة القوى الامبرياليه والرجعيه العربيه والافريقيه ، بل ان النظام الفاشى فى السودان كان يزمع الدخول فى تحالف مع هيلاسلاسى قبل الاطاحه به ويتمثل هذا التحالف فى شكل محور يضم كلا من اثيوبيا وكينيا والصومال من اجل مجابهة اخطار الثورة الافريقيه المتناميه ، والثورات التى قد تحدث فى بعض هذه البلدان ذاتها.
والسودان الآن فى ظل تحالفه الرجعى مع كل من مصر والسعوديه يلعب دور مخلب القط للنفوذ الامبريالى لرفعه شعارات العداء الشيوعيه والمعسكر الاشتراكى . وفيما يتعلق بموقفه من حركة التحرر الاريتريه فان موقفه لا يتميز عن مجمل الموقف الرجعى- العربى الافريقى بالذات ، فهو يهدد بأنه لن يسمح بوجود اى قواعد ثوريه للقوى التى ترفض الوحده بين الفصائل المختلفه، وموقف السودان لا يجمعه جامع بأى منطق مبدئى ثورى بشأن حق تقرير مصير الشعب الاريتري ، وانما يرتبط بضرورات الاطاحه بالنظام الاثيوبى من ناحيه وباحتواء الجناح الاكثر جذريه داخل حركة التحرر الاريتريه ، وفى سياق تصفيه الوجود السوفيتى فى هذه المنطقه من ناحيه اخرى .
لقد تزايد ارتباط السودان بكل من مصر والسعوديه فى اعقاب محاولات الاطاحه المتكرره بالنظام هناك وسيشكل هذا الثلاثى فريقا ينخرط فى المؤامرات المضاده للثوره فى افريقيا ، مع الدور الذى يقوم به النظامين المصرى والسعودى ، نتيجه لوزنهما الخاص فى المنطقه العربيه . اضافة الى ان امن النظام السودانى هو"حمايه" للنظام البيروقراطى المصرى من ايه أخطار يأتى بها نظام ثورى على الحدود الجنوبيه . وقد كان كل من السادات والنميرى يضعان فى حسابهما المخاطر التى تتعرض لها السودان لسقوط نظام موبوتو فى زائير وأثر ذلك على السودان ، ومن ثم على مصر .فقد كان ما يشغلهما هو"المد الشيوعى القادم من زائير ولا مناص من ان يقف الشيوعيون المصريون والسودانيون كجزء من نضالهم الثورى ، ضد كافه محاولات التدخل فى شئون القاره الافريقيه لحساب الثوره الافريقيه ، وحمايه لمصالح الكتل الامبرياليه ،فمايبدو فى الافق هو تزايد احتمالات هذا التدخل فى اطار الخريطه الجديده لعلاقات البلدان العربيه الرجعيه فى مجموعها بالامبرياليه الامريكيه على وجه الخصوص ، التى اصبحت توكل بعض المهام لعملاءها بديلا عن تدخلها المباشر ، لقد طرحت مؤخرا وعلى نطاق واسع قضيه امن البحر الاحمر ، وعقدت المؤتمرات ، وتمت لقاءات بين رؤساء الدول المطله عليه ، لوضع الخطوط التكتيكة لعزله عن "القوتين الاعظم" وعن تأثيرات الدول الكبرى ،وكأن نزعة "استقلاليه" قد هبت فجأه على هذه البلدان الغارقه فى معظمها فى شباك التبعيه لمواجهة الاطماع الامبرياليه الاسرائيليه.
ولا يخفى بالطبع الدافع لهذه الانظمه الحماسيه فى تحييد البحر الاحمر ، وابعاده عن الصراعات الدوليه , فالواقع ان هذه الدعوة تتواقت مع هبوب رياح الثورة فى افريقيا ، وبالدور الذى يقوم به الاتحاد السوفيتى مدعما ومساندا للحركات الثوريه ، او للدول المعاديه للامبرياليه ، وبما ان معظم الدول– ليس جميعها – المطله على هذا البحر تدور فى فلك السياسه الامبرياليه ،مصر والسودان، والسعوديه ، واليمن الشماليه،فان مغزاها المحدد هو اغلاق البحر الاحمر امام الاتحاد السوفيتى ولا معنى آخر ، فليس الوجود الاسرائيلى هو مايزعج هذه الانظمه - وخاصة انه لم يظهر فجأه - التى توافق على خط الاعتراف باسرائيل وبحدودها الآمنه،وتعترف بها من الناحيه الفعليه،تمهيدا للاعتراف بها فى جنيف .
ان الدعوه لتحييد البحر الاحمر- وكما اعترف منصور خالد الوزير السودانى– تلتقى مع الاستراتيجيه الامريكيه التى لن تضار منها لانه يكفيها هذه الانظمه المرتبطة بها والتابعه لها . وما يعنيها على نحو اكثر تحديدا هو تلك الانظمه السياسيه التى تسيطر على الطرق الاستراتيجيه البحريه ، فمداخل البحر الاحمر الجنوبيه تتحكم فيها كل من الصومال ، واليمن الجنوبي ،جيبوتى التى سترتبط على الاغلب بالصومال ،ومن ناحيه أخرى اثيوبيا التى تمر عبر الاراضى الاريترية الى البحر الاحمر ، وكل هذه الدول – عدا جيبوتى- ترتبط على نحو او آخر بعلاقات وثيقه بالاتحاد السوفيتى ،الذى أصبح يهتم فى الاونه الاخيرة بوجوده الحربى وحيث تقدم له تسهيلات جديده فى العراق واليمن الديمقراطيه والصومال ، مما يجعل الطريق اسامه مفتوحا للتحكم فى قناة السويس كشريان تجارى عالمى هام ، والتحكم فى طريق النفط الذى تنتجه البلدان العربيه الرجعيه.
ان مخاطر الثوره الافريقيه وانعكاسها على المصالح الامبرياليه فى افريقيا وآسيا العربيه،مصالح الانظمه الرجعيه الحاكمه فى هذه البلدان ،هى كلها ما تفسرتلك الضجه الشديده التى آثيرت حول استقلال القاره الافريقيه ، وضرورة عدم تدخل القوى الخارجيه فى شئونها ،وتحييد البحر الاحمر ، ومخاطر المد الشيوعي على بلدانها ... ولاشك ان اطلاق العاصفه الثوريه الى اقصى مداها يستوجب حل التناقضات الكامنه فى الوضع الاثيوبي على نحو خاص فهى قادره اذا ما حلت على نحو صحيح ان تنقل الحركه الثوريه فى قفزة ضخمه الى الامام سرعان ، ما يتبدى تأثيرها ،فى حفزها للقوى الثوريه فى البلدان الاخرى من أجل الاطاحه بالانظمه المسيطره التابعه على نحو او آخر ، مما يؤدى بالتقاء ذلك مع الانظمه الثوريه الاخرى فى القاره أنجولا ، موزامبيق،غينيا بيساو الى تغيير وجه القاره الافريقيه بأكملها فى اتجاه وعدها الديمقراطى الثورى الاشتراكي .
ان الوضع السائد الآن فى القاره الافريقيه ، ووجود معسكرين اساسيين متواجهين يجمع احدهما القوى الثوريه والآخر قوة الثوره المضاده ، يتطلب اقصى تضافر وتلاحم بين كافة الفصائل الثوريه ، فالانتصارات قابله للرسوخ كلما كانت اكثر شمولا مع هذه التدخلات الرجعيه التى تقوم بها الانظمه التابعه ، لذلك فان الانظمه الثوريه التى احرزت انتصاراتها ووصلت الى السلطه تواجه محاولات الغزو الخارجى او الانقلاب الداخلى المرتبط بقوى التآمر الخارجيه ، وهذه المحاولات لن تكف مادامت الامبرياليه وعملاءها يجدون اقداما على أرض القاره الافريقيه ، فحسم ميزان القوى – على الأقل – لصالح القوى الثوريه هو ضمان امنى لايستهان به ضد محاولات الغزو الخارجى والتآمر الداخلى ، ويمكن أن يكون جيشا مشتركا من البلدان الثوريه يواجه مخاطر الثوره المضاده وأداة لتدعيم القوى الثوريه فى البلدان الرجعيه امرا يوضع فى الحسبان لمواجهة المخاطر التى يحتمل أن يتفتق عنها المستقبل متمثلا فى جيوش رجعيه مشتركه لتدعيم الثوره المضاده .
اما عن واجب الشيوعيين المصريين الاساسى فهو شل التدخلات السياسيه والعسكريه التى تقوم بها الطبقه الحاكمه فى مصر لخدمة المصالح الامبرياليه،كجزء مترابط من سياستها الداخليه والخارجيه ، وذلك الى ان تستطيع القوى الثوريه بنمو شروطها الذاتيه الاطاحه النهائيه بهذا النظام . فتدخل مصر فى السودان ثم فى زائير ليسا سوى حلقتين لابد ان تتبعهما سلسله كامله من التدخلات لن يقطعها الا "تدخل" القوى الثوريه .





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,388,067,769
- جذور الفتنة الطائفية فى مصر - 1981-- من أرشيف حزب العمال الش ...
- فى أزمة غياب القيادة الثورية - 1
- حزب العمال الشيوعى المصرى - تأريخ النميمة والإغتياب
- حزب العمال الشيوعى المصرى فى التأريخ الكورييلى
- قبل أن تهب العاصفة 3 - حتى لانتذيل الجناح الآخر للثورة المضا ...
- قبل أن تهب العاصفة 2 - هل يمكن أن نتجاوز فوضى الشعارات ؟
- قبل أن تهب العاصفة - 1 - حتى لانعزز الثورة المضادة
- القانون ونشأة الذات الرأسمالية - يفيجينى ب . باشوكانيس
- الماركسية وأنثروبولوجيا المدارات الحزينة - سايمون كلارك - مر ...
- الماركسية وأنثروبولوجيا المدارات الحزينة - تأليف سايمون كلار ...
- الماركسية وأنثروبولوجيا المدارات الحزينة - تأليف سايمون كلار ...
- الماركسية وأنثروبولوجيا المدارات الحزينة - تأليف سايمون كلار ...
- الماركسية وأنثروبولوجيا المدارات الحزينة - تأليف سايمون كلار ...
- الماركسية وأنثروبولوجيا المدارات الحزينة - تأليف سايمون كلار ...
- الماركسية وأنثروبولوجيا المدارات الحزينة - تأليف سايمون كلار ...
- الماركسية وأنثروبولوجيا المدارات الحزينة - تأليف سايمون كلار ...
- الماركسية وأنثروبولوجيا المدارات الحزينة - تأليف سايمون كلار ...
- الماركسية وأنثروبولوجيا المدارات الحزينة - تأليف سايمون كلار ...
- سلطة الشعب أو - ثورة إدسا - بين التوظيف الليبرالى ومرض الشيخ ...
- الواقع السياسى بين النص القانونى والصراع الطبقى


المزيد.....




- البنتاغون: صور جديدة لقوات إيرانية تزيل لغما من إحدى ناقلتي ...
- النيابة تصرح بدفن محمد مرسي.. إليكم ما نعرفه من تفاصيل عن ال ...
- البنتاغون: صور لقوات إيرانية تزيل لغما من إحدى ناقلتي النفط ...
- رويترز: عام على كرسي الحكم أدخل محمد مرسي التاريخ
- رويترز: عام على كرسي الحكم أدخل محمد مرسي التاريخ
- أول تعليق من واشنطن على وفاة محمد مرسي
- الجيش اليمني: ألحقنا خسائر فادحة بـ-أنصار الله-
- قرار جديد من النيابة العامة المصرية بشأن -جثة محمد مرسي-
- الجيش الأمريكي ينشر صورا جديدة للهجوم على ناقلتي النفط بخليج ...
- الحوثي: -دول العدوان- تخطط للهجوم مجددا على الحديدة في الأيا ...


المزيد.....

- الصراع على إفريقيا / حامد فضل الله
- وثائق المؤتمر الثالث للنهج الديمقراطي /
- الرؤية السياسية للحزب الاشتراكى المصرى / الحزب الاشتراكى المصرى
- في العربية والدارجة والتحوّل الجنسي الهوياتي / محمد بودهان
- في الأمازيغية والنزعة الأمازيغوفوبية / محمد بودهان
- في حراك الريف / محمد بودهان
- قضايا مغربية / محمد بودهان
- في الهوية الأمازيغية للمغرب / محمد بودهان
- الظهير البربري: حقيقة أم أسطورة؟ / محمد بودهان
- قلت عنها وقالت مريم رجوي / نورة طاع الله


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سعيد العليمى - الثورة والثورة المضادة فى افريقيا - من أرشيف حزب العمال الشيوعى المصرى