أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - يعقوب ابراهامي - عودة إلى خرافة قوانين الديالكتيك-1















المزيد.....


عودة إلى خرافة قوانين الديالكتيك-1


يعقوب ابراهامي

الحوار المتمدن-العدد: 4262 - 2013 / 11 / 1 - 20:07
المحور: ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
    


"لماذا يجهد العلماء في التنقيب والبحث عن الحقائق إذا كانت السلطات السوفييتية الشيوعية تستطيع، بواسطة المادية الديالكتيكية، أن تعلن عن الحقيقة كلها بمرسومٍ حكومي واحد؟"
(ألبرت آينشتاين – مقتبسة عن كتاب: Einestein and Soviet Ideology بقلم: Alexnder Vucinich)

" اذا لم يكن بينك و بين زوجتك صراع يا يعقوب فانت فارغ و مريض و خارج الحياة"
(عبد الرضا حمد جاسم يطبق قوانين الديالكتيك على كاتب هذه السطور)

أين اختفى الرفيق نيفسكي؟ أو: كيف تغلّب ستالين على أعداء الديالكتيك.
في التحضير لكتابة هذا المقال (واستجابة لنداء الزميل علي عجيل: استاذنا ابراهامى لماذا نسيت لينين وديالكتيكه؟) رجعتُ إلى كتاب لينين "المادية والنقد التجريبي" الذي نُشِر لأول مرة عام 1908.
في حوزتي نسخة إنكليزية من هذا الكتاب صادرة عن "دار النشر للغات الأجنبية" في موسكو عام 1952.
في مقدمة الطبعة الروسية الثانية للكتاب، الصادرة عام 1920، كتب لينين ما يلي:
"أما بالنسبة لمؤلفات بوغدانوف الأخيرة، التي لم يُتح لي الوقتُ الكافي لدراستها، فأن مقال الرفيق ف. ي. نيفسكي، المُلحق بهذا الكتاب، يقدم رداً وافياً على ما جاء فيها. أن الرفيق ف. ي. نيفسكي، لا بوصفه داعية حزبياً فحسب، بل، وبصورةٍ خاصة، بحكم نشاطه في المدرسة الحزبية، قد كانت لديه الفرصة الكافية لأن يقتنع أن أ. أ. بوغدانوف يُسرِّب، تحت ستار "الثفافة البروليتارية"، أفكاراً برجوازية ورجعية".
تصفحتُ نهاية كتاب "المادية والنقد التجريبي" الذي في حوزتي ولم أجد "مقال الرفيق ف. ي. نيفسكي المُلحق بهذا الكتاب". بدل ذلك وجدتُ الملاحظة التالية: "إن مقال نيفسكي الذي كُتِب كملحقٍ للطبعة الثانية ل-"المادية والنقد التجريبي" قد حُذِف من الطبعة الروسية الرابعة لمؤلفات لينين".
سؤالي إلى الخبير الوثائقي زميلنا عبد المطلب العلمي هو: لماذا حُذف مقال الرفيق نيفسكي ولم يعد له وجود؟ من أصدر الأوامر بحذفه؟ وهل يمكنك أن تحدثنا عن مصير الرفيق نيفسكي الذي كان نشيطاً في المدرسة الحزبية أيام لينين؟ هل سرّب الرفيق نيفسكي أفكاراً برجوازية ورجعية تحت ستار "الثفافة البروليتارية"؟

الموضوع:
أريد أن ألخص، بإيجازٍ شديد، الأفكار الرئيسية التي وردت في مقالي حول "خرافة قوانين الديالكتيك". أنا أزعم (وسوف أثبت ذلك) أن أحداً من المتحاورين لم يفند هذه الأفكار أو يرد عليها بصورةٍ مقنعة:
1. لا يمكن إطلاق اسم القانون الطبيعي على "قوانين" الديالكتيك. يمكن ضرب العشرات (بل ربما المئات) من الأمثلة على فعل "قوانين" الديالكتيك (وعلى رأسها طبعاً تحول الماء إلى بخار). لكن هناك هوة شاسعة، منطقية وعلمية وفلسفية، تفصل بين هذه الأمثلة وبين امكانية اعتبارها قوانين طبيعية. لا كل تراكم كمي في العالم ينقلب إلى تحول كيفي. لا كل تغير في العالم يتم عن طريق نقض النقيض. لا كل "كينونة" في العالم تحتوي على صراع أضداد.
2. الطبيعة الجامدة، الخالية من الوعي، ليست ديالكتيكية. فهم الإنسان للطبيعة هو وحده الذي يمكن أن يكون ديالكتيكياً. من يقول إن الطبيعة الجامدة، الخالية من الوعي، "تتطور" وفقاً ل-"قوانين" الديالكتيك يسبغ نوعاً من الوعي أو الإدراك أو الإحساس على الطبيعة الجامدة. هذه طبعاً وجهة نظر مشروعة تماماً، ويمكن وضعها موضع النقاش، ولكن من يحملها يجب أن يصرح بها وأن يكون مستعداً للدفاع عنها.
3. الديالكتيك هو طريقة في التفكير والبحث والتحليل. هذا ينطبق على دراستنا للطبيعة والمجتمع البشري على حدٍ سواء.
4. ليس للماركسية ما تقوله عن الكون خارج التاريخ البشري والمجتمع البشري. كل اهتمام كارل ماركس كان مقتصراً على الإنسان والتاريخ البشري فقط وليس على الطبيعة. كارل ماركس لم يكتب عن نشأة الكون، عن النجوم والفضاء الخارجي، عن الطبقات الجيولوجية في باطن الأرض، عن الفلك والكيمياء والبيولوجيا، بل كتب عن المجتمع البشري فقط وعن المجتمع الرأسمالي بصورةٍ خاصة.
5. الحقائق العلمية مفروضة على الإنسان العاقل وليس هناك أمامه خيار رفضها أو قبولها. العلم (Science) ليس طبقياً. ليس هناك علم برجوازي وعلم بروليتاري – هناك علم فقط. ليس هناك علمٌ رجعي - هناك علماء رجعيون. ليس هناك علم تقدمي – هناك علماء تقدميون. E=mc2 مفروضة على الإنسان (إلى أن يثبت العلم بطلانها) في ألمانيا النازية وفي روسيا الشيوعية.
6. لا ملاءمة النظرية العلمية لوجهة النظر الفلسفية هي التي تحدد موقفي من النظرية العلمية، بل بالعكس تماماً: ملاءمة وجهة النظر الفلسفية للنظرية العلمية هي التي تحدد موقفي من وجهة النظر الفلسفية.

***

قال الصاحب ابن عباد : "لو أدركتُ عبد الرحمن بن عيسى الهمذاني، مصنف كتاب الألفاظ الكلامية، لأمرتُ بقطع يده". فلما سُئِل عن السبب قال: "لأنه جمع شذور العربية الجزلة في أوراقٍ يسيرة، فأضاعها في أفواه صبيان المكاتب، ورفع عن المتأدبين تعب الدرس والحفظ الكثير." (عن الياس انطون الياس في مقدمة الطبعة الأولى ل-"القاموس العصري")
تذكرت بابن عباد هذا وأنا أقرأ ما كتبه حسين علوان حسين (مؤلف "تخريفات إبراهامي") في الرد على مقالي حول "خرافة قوانين الديالكتيك" ("لم يكتب يعقوب شيء سوى قصاصات فارغات عانسات اعتبرها مقالة" - عبد الرضا حمد جاسم).
سألتُ نفسي: ماذا كان الصاحب ابن عباد يقول لو التقى بوريث عبد الرحمن بن عيسى الهمذاني ورأى كيف أنه يجمع شذور الفيزياء الجزلة في أوراقٍ يسيرة، فيضيعها في أفواه صبيان "الحوار المتمدن"، وكيف أنه بشرح قوانين الذرة والبوزون (وما أدراك ما البوزون) بلغةٍ سلسة واضحة المعاني، يسهل فهمها على كل قارئٍ للغة العربية، فيرفع عن المتأدبين والباحثين "تعب الدرس والحفظ الكثير"؟

خذوا على سبيل المثال كيف يصف حسين علوان حسين انطلاق "بوزون هيغز" من بطن "قوانين الديالكتيك" مباشرةً:
" يتخذ حقل هِغز هيئة "القبعة المكسيكية " ( أو النصف الإسفل لزجاجة الشمبانيا بقاعدتها المقعرة نحو الأعلى ) المتشكلة بكمون قوة لا صفرية في كل مكان فيها - و بضمنها الفراغات الخالية من أي شيء خلاها – و التي ، في حالتها الفراغية ، تكسر تعادل اللف النظائري للتفاعل الضعيف الكهربية . و عندما يحصل هذا الكسر ، يتم "إستيعاب" ثلاثة مكونات من حقل هِغز من طرف بوزوني السِعَوِيّة : ((2)SU) و ((1)U) - و يسمى هذا الإستيعاب بـ "آلية هِغز"- لتنتج المكونات الطولية لبوزونين هائلي الكتلة هما (W) و (Z) للقوة الضعيفة . أما المكون الرابع الباقي و المتعادل الشحنة الكهربية ، فأنه يلتصق بالجسيمات الأخرى المعروفة بأسم الفيرميونات ليكسبها الكتلة أيضاً . و تتنبأ بعض النسخ المعدلة لهذه النظرية بأكثر من نوع واحد من حقول هغز و بوزوناته ."

ما رأيكم وماذا تقولون؟ بسيط واضح دقيق وبديع. (أكثر ما يعجبني هنا هو هذه " الفراغات الخالية من أي شيء خلاها"). وإذا أضفنا إلى ذلك إن هذا " اللف النظائري للتفاعل الضعيف الكهربية" يتم وفقاً لثلاثة "قوانين الديالكتيك" التي وصفها فريدريك أنجلز في كتابه "ديالكتيك الطبيعة" قبل نيفٍ ومائة عام، وإن هذا "اللف" يجري علاوةً على ذلك "رغم انف بوبر" - عندها سندرك حجم الإنجاز الذي حققه عبد الرحمن بن عيسى الهمذاني المعاصر.
وحسين علوان حسين لا يدع الفرصة تفوته دون أن يصفي حساباتٍ قديمة مع بوبر: "كون بوبر مهرجاً هو، برأيي ، وصف دقيق من طرف أستاذنا الفاضل علاء الصفار" – يكيل حسين علوان ضربةً قاضية أخيرة لبوبر.

وهنا يسأل القارئ المذعور: لماذا كل هذا الجهد؟ ما الذي يريد أن يثبته حسين علوان حسين؟ ما الذي يرمي إليه؟ كيف دخل بوبر إلى الساحة؟ وكيف سيخرج منها؟ وما علاقة "قوانين" الديالكتيك ب-" المكونات الطولية لبوزونين هائلي الكتلة هما (W) و (Z) للقوة الضعيفة"؟
ليس لي أجوبة مقنعة على هذه الأسئلة. كل ما استطيع أن أقوله، من شهادةٍ شخصية، هو أن حسين علوان تحداني في مقالٍ سابق أن آتي بمثال ل-"كينونة" ينعدم فيها الصراع الداخلي بين الأضداد، إذ "بدون الصراع ينتفي وجود الشيء، أي شيئ، وكل شيء". وأنا (بعد أن فشلتُ في إقناعه إن حياتي العائلية هي مثالٌ جيد ل-"كينونة" " ينعدم فيها الصراع الداخلي بين الأضداد"، وبعد أن أعلن عبد الرضا حمد جاسم لكل من يريد أن يسمع "أنك فارغ ومريض و خارج الحياة يا يعقوب")، قمتُ بمحاولةٍ يائسةٍ أخيرة، كغريق يتعلق بقطعة القش، و قذفتُ بمثال البوزون هيغز (لم أتوقع طبعاً إن هذه الخطوة المتواضعة من جانبي ستثير ضجة عالمية وتدفع أكاديمية العلوم السويدية الملكية إلى منح جائزة نوبل في الفيزياء لهذا العام لمكتشفي الجزيء الإلهي هيغز).
بوزون هيغز هو الجزيء الذري المسؤول عن حصول الجزيئات الذرية الأخرى (وبالتالي كل الأجسام في الكون) على الكتلة (Mass), بوزون هيغز، وفقاً للنموذج القياسي ((standard للجسيمات الأولية، هو واحدً من 12 جزيئاتٍ بدائية غير قابلةٍ للتجزئة (Indivisible)، وهو بهذا مرشح لأن يكون نموذجاً مثالياً ل-"كينونة ينعدم فيها الصراع الداخلي بين الأضداد". البوزون لحد الآن، إلى أن يثبت العلم بطلان نظرية النموذج القياسي للجسيمات الأولية ويستبدلها بنظرية أخرى، لا يحتوي على أضداد. وبدون أضداد داخل "الكينونة" الواحدة - كيف يمكن أن يجري صراع أضداد داخل هذه "الكينونة" نفسها؟ صراع أضداد بدون أضدادٍ متصارعة؟ من سمع عن شيءٍ كهذا قبل الآن اللهم إلاّ في عالم الخرافات الديالكتيكية؟
هذا على ما يبدو هو الذي أغضب حسين علوان حسين. وهو بدل أن يعيد النظر في خرافة "قوانين" الديالكتيك، كما كنتُ أتوقع، صبّ جام غضبه على كارل بوبر وعليّ.

"رياضة التأمل" (ما المشكلة؟) التي قام بها الزميل ماجد جمال الدين لإنقاذ "قانون صراع الأضداد" تدخل ضمن محاولاتٍ كثيرة لإنقاذ "قوانين" الديالكتيك عن طريق إخفاء المعنى الحقيقي ل"القانون الديالكتي"، أو تشويهه، أو إعطاءه معنى آخر غير المعنى الذي قصده واضعوه. أنا خبير بذلك لأنني استخدمتُ بنفسي هذا السلاح قبل أن أدرك أنني أتعامل مع خرافة.
يقول الزميل ماجد جمال الدين:
"عندما نقول كلمة الصراع بالطبع لا نقصد المصارعة الرومانية والكيكبوكسينج أو صراع الديكة ، ( ربما هذا متخوف منه وقصده المعلم يعقوب ! ) .
كل تفاعل ، أي فعل ورد فعل ، هو بحقيقته أو بالمعنى الفلسفي صراع بغض النظر عن أن تكون الأفعال وردودها واعية وغائية أو لا ، فغالبية الصراعات الاجتماعية ناهيك عن الصراعات في الطبيعة المادية هي صراع عشوائي بدون متحكمات إبتدائية .. وبغض النظر عن أن يكون هذا التفاعل ماديا بحتا ، او مثاليا كصراع الأفكار الذي يمثل إنعكاسا وإستلهاما للصراع على المستوى المادي ..
وأخيرا ، كما النيوترينو كذا بوزون هيغز ( الذي إستعان به المعلم يعقوب ) يدخلان في صراع ... وإلا لما إستطعنا إثبات وجودهما بالتجربة الفيزياوية وبقيتا مجرد خرافات رياضية وأوهام ميتافيزيقية".
لا يا عزيزي ماجد جمال الدين.
المصطلح الإنكليزي "Struggle of opposites" (ولا أعرف ما هو بالضبط المصطلح باللغة الألمانية. أعتقد أنه أقرب إلى كلمة Conflict الإنكليزية) معناه في اللغة العربية "صراع الأضداد" وليس شيئاً آخر. هو ليس بالضرورة "صراع الديكة" أو "مصارعة رومانية" ولكنه صراعً حقيقي بين ضدين متناقضين وليس مجرد تفاعل مشترك أو تبادل رسائل حب. صراعٌ يقضي فيه أحد الطرفين (تقول الخرافة) على الطرف الثاني في عملية ديالكتيكية تدعى "نقض النقيض". وإذا لم يكن القصد من ذلك صراعاً حقيقياً لماذا لا يُستخدم تعبيرٌ أخر: تصالح الأضداد، مثلاً، أو تعانق الأحبة؟
وفقاً للمعنى "الفلسفي" الذي يعطيه الزميل ماجد لكلمة "صراع" فإن كل عملية تجري في الطبيعة وكل فعلٍ يقوم به الإنسان هو "صراع". ولكنه بهذا يجرِّد "قانون صراع الأضداد" من كل أهميته وفائدته. ما الفائدة مثلاً من "قانون" يقول إن الشمس تشرق صباح كل يوم؟
لكن الزميل ماجد يبلغ ذروة التمويه على المعنى الحقيقي ل"صراع الأضداد" عندما يحاول إنقاذ حسين علوان حسين من الورطة التي أوقع نفسه فيها بخصوص بوزون هيغز.
يقول ماجد جمال الدين في "رياضته التأملية" أو "تأملاته الرياضية": "كما النيوترينو كذا بوزون هيغز يدخلان في صراع ... وإلا لما إستطعنا إثبات وجودهما بالتجربة الفيزياوية".
أنتم بالتأكيد لم تنتبهوا إلى الحيلة "الرياضية" التي يستخدمها الزميل ماجد.
نحن يا سيدي لا نتكلم عن "صراع" بوزون هيغز مع العالم الخارجي. نحن نتكلم عن "صراع أضداد" داخل بوزون هيغز نفسه، إذ "بدون الصراع ينتفي وجود الشيء، أي شيء، وكل شيء". نحن نتكلم عن صراع أضداد داخل "الكينونة" التي اسمها "هيغز" وليس صراع "الكينونة" مع العالم الخارجي. هذا الصراع الداخلي هو الذي أطلقتُ عليه لقب الخرافة. ولا أظن أنك قد فندتً رأيي.
أحد إثنين: إما أن "صراع الأضداد" هو قانون طبيعي يصدق على كل جسمٍ في الكون، إذ "بدون الصراع ينتفي وجود الشيء، أي شيئ، وكل شيء" – وفي هذه الحالة يجب أن تقول لي أين هو صراع الأضداد داخل بوزون هيغز. أو أن بوزون هيغز لا ينطوي على صراع أضداد – وفي هذه الحالة ماذا يبقى من "قانون صراع الأضداد" الديالكتي سوى خرافة؟

الزميل جاسم الزيرجاوي يذهب إلى أبعد من ذلك في محاولته إنقاذ "قوانين الديالكتيك".
في "قوانين الديالكتيك ليست خرافة" ("الحوار المتمدن" – 2013/10/1) يلغى الزميل جاسم، بجرة قلم، إنجازاً من اكبر إنجازات الفيزياء النظرية في القرن العشرين ويهدم ركناً من أهم أركان نظرية الكوانتوم، وكل ذلك على أساس مكالمة تلفونية من عبد الرزاق في لوس أنجلس إلى هشام المقدادي في بغداد.
أعيد هنا نشر القطعة بكاملها لا لأن بطل الرواية التي يسردها الزميل جاسم الزيرجاوي يذكرني بنفسي (وليس من ناحية السن فقط) بل لأن الزميل جاسم (إذا كنتُ قد فهمته جيداً وإذا كان بطل الرواية يعبر عن وجهة نظره) يرتكب، في الطريق إلى إنقاذ "قوانين الديالكتيك"، كل الأخطاء العلمية والفلسفية الممكنة.
إليكم القطعة كاملةً:
" في روايته, زنابق بين الالغام, يقول علي الشوك , على لسان , هشام المقدادي:
كان يجد سعادة قصوى في دراسة الفيزياء, لكنه بقي حتى الآن, بداية التسعينات, محبطاً, لأن أي اختراق للنظريات التي اصبحت كلاسيكية في فيزياء ميكانيك الكم, لم يحصل حتى الآن.....
تلقى هشام نداءً تلفونياً من عبد الرزاق في لوس آنجلوس, يبشره فيه بحصول أول أختراق لتفسير كوبنهاكن لميكانيكا الكم.......وكان لهذا الخبر وقع كبير على هشام, وسأل صديقه: هل هو اختراق مهم , يا عبد الرزاق؟
(اختراق يفند المبدأ التكميلي لنيلز بور, ويطعن ايضاً بلا حتمية هايزنبرغ...اطمئن التجربة لا غبار عليها, قام بها علماء يابانيون بالاشتراك مع علماء هنود).
...هذا الخبر بالنسبة لهشام يعني الكثير...
يعتبر علي الشوك , واحداً من أبرز المثقفين العراقيين, مثقف موسوعي, روائي, لغوي, يكتب عن الموسيقى و الرياضيات و الفيزياء الحديثة, الآن يعيش في لندن, وهو من جيل السيد يعقوب.
في روايته مزرعة الالغام, 2009, و(هي الجزء الثالث, من مشروعه الروائي الكبير, والذي صدر منه : السراب الأحمر و مثلث متساوي الساقيين), في هذه الرواية كان يتَوَجَّسَ من العالم الدانماركي نيلز بور, Niels Bohr (1885-1962), و الألماني ورنر هايزنبرغ Werner Heisenberg (1901-1976), إلى أن طمئنه صديقه العالم الفيزياوي المصري المقيم في امريكا.
هذا التَوَجَّسَ , له أسبابة, يعشق علي الشوك , الماركسية, ويعشق التفسير المادي للديالكتيك, لذلك كتب في العام 2012 كتاب, تأملات في الفيزياء الحديثه (دار الفارابي), سلط الضوء فيه على موضوعين مهمين جداً في الفيزياء الحديثة, وعلم الفلك, هما, ميكانيكا الكم في فيزياء الذرة , ونظرية الانفجار الكبير في علم الفلك.
ساهم الكتاب في إماطة اللثام عن الإنحياز الأيديولوجي للمؤسسة الرسمية اللاهوتية ضد التفسير المادي الديالكتيكي."
إلى هنا ما كتبه الزميل جاسم الزيرجاوي عن علي الشوك وما نقله عنه.
أنا أفهم أن الزميل جاسم سعيدً بانهيار مبدأ اللايقين (أنا أفضل هذه الترجمة ل: Uncertainty Princple على اللاحتمية) لهيزنبرغ. سأفسد عليه سعادته بعد قليل.
نبدأ بالقول أن نظرية الكوانتوم هي نظرية غريبة. غريبة جداً. نظرية "لا يقبلها العقل". لا أريد أن أشرحها هنا لأسبابٍ كثيرة أهمها هو أنني لا أفهمها. ولستُ الوحيد في ذلك. ريشارد فايمان (1988-1918)، حائز جائزة نوبل في الفيزياء لعام 1965، كتب مرةً يقول: "أستطيع أن أجزم بثقةٍ تامة أن ليس هناك من يفهم ميكانيك الكوانتوم".
يُروى أن استاذاً للفيزياء في إحدى الجامعاتً الأمريكية (وأقسم لكم أنني قرأتُ ذلك في مجلة علمية محترمة نسيتُ اسمها) كان يبدأ محاظراته في نظرية الكوانتوم، في مطلع كل عامٍ دراسي، بأن يخلع ملابسه، يلقي بها جانباُ، يقف عارياً أمام تلاميذه ويقول لهم: إنسوا كل ما تعلمتموه حتى الآن!
جون بولكينغهورن، استاذ الفيزياء النظرية في جامعة كمبرج في السنوات 1979-1968، درس نظرية الكوانتوم من أحد مؤسسي النظرية مباشرة: بول ديراك. هكذا يصف بولكينغهورن كيف كان ديراك يبدأ محاظراته:
"أخذ قطعة طباشير وقسمها إلى قسمين. وضع النصف الأول في جانبٍ واحد من الطاولة أمامه ووضع النصف الثاني في الجانب الآخر، ثم التفت إلى الحضور وقال: في الفيزياء الكلاسيكية قطعة الطباشير هذه يمكن أن تكون في حالةٍ واحدةٍ فقط: إما "هنا" أو "هناك". هذان هما الإحتمالان الوحيدان. استبدلوا قطعة الطباشير بألكترون. وفي العالم الكوانتي ستجدون أن هناك احتمالاتٍ أخرى. لا "هنا" أو "هناك" فقط بل مجموعة أخرى من الإحتمالات من بينها "هنا وهناك في آنٍ واحدٍ" أيضاً."

أسجل في ما يلي بعض غرائب نظرية الكوانتوم التي "لا يقبلها العقل" والتي ربما هي التي أثارت قلق علي الشوك (وقلق جاسم الزيرجاوي) لأنها تتعارض مع "قونين الديالكتيك" وتكشف عن " الإنحياز الأيديولوجي للمؤسسة الرسمية اللاهوتية ضد التفسير المادي الديالكتيكي." (بغض النظر عن معنى هذه الجملة الغامضة):
1. الجزيء الكوانتي يمكن أن يوجد في مكانين مختلفين في آنٍ واحد.
2. قطة شريدنغر الحبيبة: القطة حية وميتة في آن واحد. لا تقلقوا على القطة. القطة نفسها بخير: حية. شريدنغر قام بتجربة فكرية فقط.
3. ظاهرة "التحابك" (Entanglement) : الجزيء الكوانتي "يقيم علاقات" مع جزيء كوانتي أخر يبعد عنه ألفي سنوات ضوء. تجارب تجري على الجزيء الواحد تؤثر على سلوك الجزيء الثاني البعيد عنه.
4. ظاهرة الجزيء-الموجة: نفس العنصر الكوانتي (ألكترون، فوتون، إلخ) يتصرف أحياناً كجزيء (Particle) له كتلة كأي جسمٍ آخر في العالم، ويتصرف في أحيانٍ أخرى كموجة (Wave)، أي حركة بدون كتلة، كموجات المياه على سطح البحر. الغريب في الأمر (كما سنرى في "تجربة الشقين") إن الألكترون يتصرف كجزيء أو كموجة وفقاً للسؤال الذي تسأله. عندما تسأله: هل أنت موجة؟ (أي عندما تضع جهازاً للكشف عن طبيعته الموجية) يتصرف كما تتصرف موجة. وعندما تسأله: هل أنت جزيء؟ يتصرف كما يتصرف الجزيء.ً
5. بخلاف الفيزياء الكلاسيكية، العشوائية (اللاحتمية) وعدم اليقين هي في صلب نظرية الكوانتوم. كل شيء في ميكانيك الكوانتوم قائم علي الإحتمالات وعدم اليقين، لا شيء محدد تماماً. على ما أعرف آينشتاين نفسه لم يستطع أن يتقبل ذلك حتى آخر يومٍ من حياته.
"الله لا يلعب النرد" - احتج أينشتاين على ما رآه أنتهاكاً لكل مبادئ الفيزياء.
"من قال لك أنه لا يفعل ذلك؟" – جاءه الجواب سريعاً من نيلز بور.
وستيفان هوكينغ يضيف: "جميع الأدلة تدل أن الله مقامر "مدمن" يلعب النرد في كل مناسبة ممكنة".
6. تجربة الشقين: ألكترون واحد يُطلق نحو ستار يحوي ثقبين. الثقبان قريبان أحدهما من الآخر. نتائج التجربة يمكن ملاحظتها على شاشة موضوعة وراء الستار ذي الثقبين. عندما تُفحص نتائج التجربة يتضح أن الألكترون تصرف كما تتصرف موجة، إنتشر في محيطه كما تنتشر موجة من الماء على سطح البحر: مرّ من كلا الثقبين في آنٍ واحد. ليكن واضحاً: الألكترون الواحد عبر من كلا الثقبين في آنٍ واحد. هذا يمكن رؤيته من الأثر الذي يتركه الألكترون على الشاشة المنصوبة وراء الستار ذي الثقبين.
نعيد التجربة ثانيةً بكل حذافيرها. لكننا نضع الآن جهاز اختبار بجانب كل واحدِ من الثقبين لنفحص في أي من الثقبين يمر الأكترون الواحد. الألكترون "يعرف" الآن أنه تحت "المراقبة"، يحافظ على حسن السلوك، ينسى أنه "موجة"، ويتصرف كما يتصرف كل جسمٍ آخر في العالم: يمر من ثقبٍ واحدٍ فقط. هذا أيضاً يمكن ملاحظته من الأثر الذي يتركه الألكترون على الشاشة المنصوبة وراء الستار ذي الثقبين.
فاينمان، حائز جائزة نوبل في الفيزياء، يصف هذه الظاهرة باللغز: Mystery
كيف عرف الألكترون أننا نراقبه وغيّر سلوكه وفقاً لذلك؟
(لا أريد أن أخوض أكثر من ذلك في هذه التجربة اللغز. هذه تجربة شهيرة جداً في تاريخ الفيزياء الحديثة. أشير فقط إن هذا هو ما يقصده أنصار مدرسة كوبنهاغن (Copenhagen interpretation) عندما يقولون إن المراقب (Observor) هو جزء من العملية. وقد أعود إلى ذلك فيما بعد).

هذه هي بعض "غرائب" نظرية الكوانتوم.
هل نحن أحرارٌ في قبول نظرية الكوانتوم أو في رفضها، مهما كانت نتائجها غريبة و"لا يقبلها العقل"، أم إن نظرية الكوانتوم مفروضة علينا، وخيار رفضها غير واردٍ أبداً، ما دام العلم قد أثبت صحتها؟ هل يحق لنا أن نسأل إذا كانت نظرية الكوانتوم تتفق مع "قوانين الديالكتيك" وعلى هذا الأساس نبني موقفنا منها، أم إن العكس هو الصحيح؟
وعلي الشوك (هذاالذي يعشق الماركسية ويعشق التفسير المادي للديالكتيك) لماذا يتوجس شرّاً من واحدٍ من أبرز العقول البشرية في التاريخ؟ ولماذا يقول جاسم الزيرجاوي إن هذا التَوَجَّسَ له أسبابة؟ منذ متى كان الماركسي يتوجس شراً من العلم والعلماء؟ منذ متى كان هناك اسبابً للتوجس من العلم؟
والآن إلى مبدأ ال-"لا يقين" (Uncertainty principle) لهيزنبرغ.
أحدً (لا ياباني ولا هندي) لم يخترق هذا المبدأ حتى الآن وهو يؤلف ركناً أساسياً من نظرية الكوانتوم بصورة’ عامة ومن نظريات ستيفان هوكينغ حول "الثقوب السوداء" و"الإنفجار العظيم" بصورةٍ خاصة. فرحة علي الشوك (وجاسم الزيرجاوي) بهذا الخصوص سابقة لأوانها.
يمكن النقاش حول التفسير الفلسفي لهذه النظرية العلمية أو تلك. وهذا ينطبق بالتأكيد على مبدأ اللايقين الذي يمكن الخروج منه بتفسيرات فلسفية بعيدة المدى. ولكن لا يمكن الحكم أبداً على صحة النظرية العلمية من وجهة نظرٍ فلسفية. عهد ستالين الذي اعتُبرت فيه نظرية "النسبية" لآينشتاين نظرية رجعية لأنها تخالف "قوانين المادية الديالكتيكية" قد رحل إلى غير رجعة.
مبدأ اللايقين، مهما تكن التفسيرات الفلسفية له، مفروض علينا (وعلى علي الشوك وجاسم الزيرجاوي) ما دام العلم لم يثبت بطلانه ولم يستبدله بقانونٍ آخر.
باختصارٍ شديد وبصورة مبسطة جداً (قد تسيء إلى الصرامة العلمية) مبدأ اللايقين يقول أننا لا يمكننا أن نعرف مكان الجزيء الكوانتي (الألكترون مثلاً) وسرعته بنفس الدقة في آنٍ واحد. بعبارةٍ أخرى: لا يمكننا أن نسأل الألكترون: أين أنت بالضبط وما هي سرعتك بالضبط؟ إذا كنا نريد أن نعرف مكانه يدقة فإننا لا نستطيع أن نعرف سرعته بدقة. وإذا كنا نريد أن نعرف سرعته بدقة فإننا لا نستطيع أن نعرف مكانه بدقة.
(نشير إشارةً عابرة فقط إلى أن هذه الأزدواجية التي "يكمل" أحدها الآخر و"ينفي" أحدها الآخر (مكان وسرعة، جزيء وموجة، إلخ) تميّز فيزياء الكوانتوم عن الفيزياء الكلاسيكية).
واضحُ إن أحد الإستنتاجات الفلسفية لمبدأ اللايقين هو أن هناك قيوداً للمعرفة البشرية، هناك حدود موضوعية لا يمكن للعلم أن يتجاوزها. والطبيعة هي التي تفرض هذه القيود على المعرفة البشرية. (ماذا يريد الله أن يقول لنا بذلك؟ هل يريد أن يقول لنا أن الإنسان قد يقترب مني إلى ما لا نهاية ولكنه لن يصل إليّ أبداً؟).










كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)