أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - رواء الجصاني - حين مجدَّ الجواهري العظيم، -قفص العظام- !!!















المزيد.....

حين مجدَّ الجواهري العظيم، -قفص العظام- !!!


رواء الجصاني

الحوار المتمدن-العدد: 4129 - 2013 / 6 / 20 - 13:04
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


... و"قفص العظام" في العنوان أعلاه، وصف أشاعه الجواهري عن والدته، فاطمة، في قصيدته الذائعة عام (1951) وكانت نحيفة جداً، جراء تراكمات الهضيمة والحزن والأذى والهموم والشجون، وقد زارها وهي على تلكم الحال، في بيت طفولته وعائلته بالنجف، مودعاً، وهو يقرر الاغتراب إلى مصر، ضائقاً بالاجواء السياسية السائدة في العراق آنذاك، وغاضبا من النخب الوطنية والثقافية والمجتمع عموماً... وجاء مطلعها:
تعالى المجدُ يا قَفصَ العِظامِ، وبورِكَ في رحيلِك والمُقامِ
وبورك ذلك العُشّ المُضوّي، بوحشته.. وبالغُصص الدوامي...
تعالى المجدُ لا مالٌ فيُخزي، ولا مُلْكٌ يُحلّلُ بالحرام
ولا نشبٌ تُهانُ الروح فيه، فتَخضَعَ للطّغاة وللطّغام
ولكن مهجةٌ عَظُمَتْ فجلّت، وَجَلّ بها المرومُ عن المَرام
ويعود الجواهري في مقطع تالٍ من ميميته ذاتها ليضيف لوالدته وصفا أخر بالغ التأثير، فيناديها بـ "أم الرزايا" منوهاً بشكل خاص لفقدانها ولدها الأصغر، جعفر، شهيد وثبة كانون الثاني الجماهيرية في بغداد عام 1948:
تعالى المجدُ يا أمّ الرزايا، تَمَخّضُ عن جبابرةٍ ضخام
تملّى القبرُ منها أيّ عطرٍ، ووجهُ الأرضِ أيّ فتىً هُمام
وُهبْتِ الثورةَ الكبرى دماءً، وروحاً وارتكنتِ إلى حُطام
ونوّرتِ الدروبَ لساكنيها، وعُدْتِ من ((السواد)) إلى ظلام
وأبْتِ كما يؤوبُ النّسْرُ هيضَتْ، قوادِمُــــهُ بعـاصفـــةٍ عُرام
ولكي تتضح صورة ما يعانيه الشاعر الخالد، في حينها من هضيمة، راح يستمر في مناجاة والدته، وهو "يحج" اليها مودعاً، مرتحلاً الى رحلة غربة وشيكة، كما سبق القول، مستذكراً سنواته الأولى في حضنها الرؤوف، والبيت، والفطام، وقد مرتّ على ذلك سنوات خمسون:

حَجَجْتُ إليكِ والدنيا تلاقي، عليك بكل قاصمةٍ عُقامِ
وفي صدري تجولُ مسوّماتٌ، من البلوى عَصَيّنَ على اللّجام
وأُمّاتُ المطامح في ضلوعي، حواشدُ يضطربنَ من الزّحام
وطارتْ بي على الخمسينَ ذكرى، أقلّتني إلى عهدِ الفطام
وحُطّتْ بين تلك وبين هذي، حُمُولٌ من دموعٍ وابتسام
ورحتُ أُعيذُ أعداداً رطاباً، وأحطاباً إلى ((عُشّ الحمام)) (1)
... ورفّتْ في ندِيفٍ منْ مشيب، ذوائبُ لم ترِفّ على أثام
وضوّت من جبينك لي غضونٌ، بها يَغْنى الزمانُ عن الكلام
وطُفتِ بخاطري حتى تمشّى، حنانُكِ مثلَ بُرْءٍ في سَقام
ثم يختتم الجواهري ميميته الثائرة، والحنون في آن، فراح يودع بمفردات جلها ايجاز لمعاناة، واعتذارعما قد يسببه اغترابه القريب، والفراق الجديد، من آلام إضافية للأم التي طفحت عندها الآلام، مثبتاً مرة اخرى بعض مواقف ورؤى اختطها طيلة عقود في الشموخ والاباء :
فيا شمسي إذا غابت حياتي، نشدتُك ضارعاً ألاّ تُغامي
ويا ((متعوبة)) قلباً وروحاً، أخافُ عليكِ عاقبةَ الجَمام
ويا مكفوفةً عن كلّ ضرّ، نشدتُكِ أن تَكُفي عن ملامي
فليس يُطيقُ سهماً مثلَ هذا، فؤادي وهو مُرْتَكَزُ السّهام
لقد كنت الحسامَ على ظروفٍ، حُمِلْتُ بها على حدّ الحسام
وقد كنتُ الحرون على هجين، يحاول أن يُسَيّرَ من زمامي
وليس رضيعُ ثديكِ بالمجاري، وليس ربيبُ حِجْرِكِ بالمُضام
ولعل ما يناسب المقام هنا، ونحن نتابع، ونوثق، ولوعلى عجالة، ان نشير الى صورة أخرى من صور مناغاة، واشارات الجواهري ومناجاته لوالدته، وعنها، مقتبسين مما جاء في ختام قصيدته الشهيرة، بمناسبة استشهاد أخيه جعفر عام 1948 حين يصف الحال آنذاك، بعد ان تأكد الخبر الفاجع، وينوّه الى حال الام "العجوز" والأخت الوحيدة، فيخاطب فقيده الأعز:
.. إلى أنْ صَدَقْتَ لهمْ ظَنّهم، فيا لكَ من غارمٍ يَغنَمُ
فهمْ بك أولى فلمّا نَزَل، كجَذْرٍ على عَددٍ يُقسم
وهم بك أولى، وإن رُوّعَت ((عجوزٌ)) على فِلذةٍ تلطِم
وتكفُرُ أنّ السما لم تعُدْ، تُغيثُ حَريباً، ولا تَرْحَم
و"أختٌ" تشُقّ عليك الجيوب، فيُغرَزُ في صدرهــا مِعصَم
تناشِدُ عنك بريقَ النّجوم، لعلّك مِن بينها تنجُم
وتَزْعُمُ أنّك تأتي الصّباحَ، وقد كذّبَ القبرُ ما تَزْعُم
ثم تمر على الجواهري سنوات حبلى بالشجون والهموم الوطنية والثقافية وما بينهما:اغتراب، واعتقال، وقنوط، وتمرد، وثورة، وكبوة، وانطلاق، وثبات وعلو وشموخ، وكلها تصيب، وتؤثر، وتقلق، وجميعها تلهب الوالدة المبتلاة، فتزداد هموماً وشجوناً ... وهاهو الابن المتفرد، يضطرمجدداً للاغتراب الى براغ عام 1961 تاركاً أهلاً وصحاباً وديارا، حين رأى "الذل اسارا" و"رأى العيش مجاراة زنيمٍ لا يُجارى"... وهناك يسمع النبأ المفجع برحيل والدته عام 1961... ففاض يوثق شعراً، بعض آلامه، وحزنه، لذلكم الرحيل، مستذكراً في ذات الوقت شقيقه الشهيد جعفر، كما جاء في نونيته الأشهر "دجلة الخير" عام 1962 حين يقول في شبه خاتمة للقصيدة العصماء:
ويا ضجيعَي كرىً أعمى يلفّهما، لفّ الحبيبين فـي مطمورةٍ دُون
حسبي وحسبُكما من فرقةٍ وجوىً، بلاعجٍ ضَرِمٍ كالجمْرِ يَكويني
لم أعدُ أبوابَ ستينٍ، وأحسبني، هِمّاً وقفتُ على أبواب تسعين
يا صاحبيّ إذا أبصرت طيفَكما، يمشي إليّ على مَهلٍ يحييني
أطبقتُ جَفناً على جَفَنٍ لأبصُرَه، حتى كأنّ بريقَ الموتِ يُعشيني
إنّي شممتُ ثرىً عفناً يضمّكما، وفـي لُهاثي منه عِطرُ (دارين)
بـنـوةً وإخاءً حلفَ ذي ولَـعٍ، بتربةٍ في الغدِ الداني تغطّيني
لقد وَدِدتُ ـ وأسرابُ المنى خُدع - لو تَسلمان وأنّ الموتَ يطويني
قد مُتّ سبعينَ موتاً بعد يومِكما، يا ذلّ من يشتري موتاً بسبعين
لم أقوَ صبراً على شجوٍ يرمّضُني، حرّانَ فـي قفصِ الأضلاعِ مسجون
تصعدتْ آهِ من تلقاء فطرتها، وأردفت آهةٌ أخرى بآمين
ولعل ما يعبرايضاً عن بعض ذلكم الحزن والألم، ولكن نثراً هذه المرة، ما جاء في رسالة التعزية التي بعث بها الجواهري، من براغ، الى اخته، "نبيهــــة"(2) وهي في العراق، مواسياً برحيل والدتهما فكتب اليها:
" ... انك تعلمين مدى صعوبة ان يمشي القلم على الورق في ظرف مثل هذا الظرف، وبحادث كهذا الحادث. ولولا انني أعد نفسي مسؤولا امامك، وامام الواجب بأن اقول لك شيئا، لما سهل علي مجرد الاشارة الى مثل هذه الخسارة ...
... ان كل شيء قد يهون لدي، الاّ تصوري انها حملت معها إلى قبرها جبلاً ضخماً من الآلام، ومن الذكريات، ومن العبر القاسية. لقد رأيت أن أعزيك فأسأت اليك من حيث لا اريد بما اثرت من أشجان، أو بما زدت فيها تقريباً. فاذا بكيت فأضيفي دمعى لحسابي فان عيني جمود. واذا تسليت بالصبر الجميل، فكما هو المأمول فيك..." (3).
وأخيراً دعونا نوثق اضافة اخرى، وبعضها ، شهادة عيان لكاتب هذه التأرخة، عن تلكم الامرأة الشموخ، الاستثناء، والدة الجواهري العظيم: فاطمة، ابنة الشيخ شريف، وزوجة الشيخ عبد الحسين، وكلاهما، اي الأب والزوج، عالمان وفقيهان، حفيدان مباشران للامام الشيخ محمد حسن الجواهري، صاحب المؤلف الاشهر:" جواهر الكلام في شرح شرائع الاسلام ". كما انها أخت آية الله الشيخ عبد الرسول. وكنيّت بأم (عبد العزيز) نسبة الى بكرها، الفقيه والشاعر المعروف. وقد أنجبت بعده كلاً من: (محمد مهدي) شاعر العراق والعرب الاكبر، و(عبد الهادي) الاديب "المتمرد"... ثم (نبيهة) وهي الشقيقة الوحيدة بين الأخوة الأربعة، الذين كان آخرهم، الشهيد جعفر.
أما ما يرد بشكل صريح عن المُوثق لها، في مؤلف "ذكرياتي" للجواهري، الى جانب اشارات متعددة أخرى، فهذا النص الذي كتبه الشاعر الخالد عن أمه، الأثيرة والمؤثرة، قوية الشخصية، والنافذة في العائلة والأسرة، وباجماع كل من عرفها:
"ولا تقلُّ والدتي "فاطمة بنت الشيخ شريف" عن والدي في التعبّد والايمان. ورغم انها ربة بيت، إلا انها تعلمت القراءة قليلاً من الكتابة وشيئاً من التذوق في مجال الشعر والأدب. وعنها ورثت ذلك، بل وزادت عليه، شقيقتي الوحيدة (نبيهة). ورغم تعبّد والديّ، وايمانهما النظيف، إلا انهما لم ينجيا من عقابيل العوائل النجفية العريقة كلها، وهو حب التنافس" (4)

مع تحيات مركز الجواهري الثقافي
www.jawahiri.com

--------------------------------------------------------------------
هوامش واحالات:
(1) "عش الحمام": أشارة الى ما يتذكره الجواهري، في فترة طفولته، من اوكار للطيور في باحة منزل العائلة في النجف.
(2) نبيهة: تزوجت من التربوي، والمربي المعروف، السيد جواد الجصاني.
(3) نص الرسالة المنوه عنها منشورعلى الصفحة 229 من كتاب "الجواهري بلسانه، وقلمي" لمؤلفه، سليم البصون – بغداد 2013.
(4) الاقتباس مستل من مؤلف "ذكرياتي" للجواهري. الصفحة 45 الجزء الأول - / دمشق 1989.




لمعرفة اخر تطورات فيروس كرونا في بلدك وفي العالم كله انقر على هذا الرابط
http://ahewar.org/Corona.asp





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,757,197,918
- حين يُزيح الجواهري، الزبد عن صدره !!
- في ذكرى رحيله السنوية الاولى / محمود صبري .. نصف قرن من الاب ...
- محطات تاريخية عن العلاقة بين الجواهري والشيوعيين
- كفاهُ جيلان محمولاً على خطر / حين أراد الجواهري أن يُريح ركا ...
- بمناسبة الثامن من آذار، يوم المرأة العالمي : الجواهري.. حب و ...
- تعالوا، لنتنابز بالاسماء والالقاب والتاريخ، ولمَ لا !! / عن ...
- مع الجواهري في دمشق .../ ذكريات وشهادات، وخصوصيات، وما خفي أ ...
- نصف قرن على وقوعها المشؤوم في العراق - هكذا حذر الجواهري من ...
- سلاماً كلهُ قبلُ ... كأن صميمها شعلُ
- الجواهري في التسعين.. ويرقص ليلة رأس السنة الجديدة
- سياسيات وأخوانيات ... بين الجواهري وطالباني
- عن الجواهري في بغداد ... خريف 2012
- في الذكرى الخامسة عشرة لرحيله: استذكار الجواهري الخالد: تبجي ...
- رؤى، ومزاعم عن الجواهري وجمهورية الرابع عشر من تموز
- الجواهري قبل 75 عاما : هذه هي الحريات التي يريدها الشعب… ... ...
- في وداع محمود صبري*
- مركز الجواهري ... عشرة اعوام، والمغامرة تستمر
- بعض وفاء للراحل الخالد : محمود صبري
- الجواهري يؤرخ – شعراً – لمواقفه من الشيوعيين
- الجواهري ... وبعضٌ مما بعد الرحيل


المزيد.....




- عودة أول فوج من الجزائريين العالقين في تركيا ووضعهم تحت الحج ...
- فقدان اثنين من عائلة كينيدي في أمريكا والعائلة تعتبرهما في ع ...
- لصنع كمامات في المنزل.. دراسة توصي بهاتين المادتين
- مباشر
- مباشر
- مباشر
- عودة أول فوج من الجزائريين العالقين في تركيا ووضعهم تحت الحج ...
- فقدان اثنين من عائلة كينيدي في أمريكا والعائلة تعتبرهما في ع ...
- عام على هجوم طرابلس.. هل حقق حفتر وداعموه أهدافهم؟
- لا لورق التواليت.. خبير طبي: التشطيف بالماء أصح وأسلم للجسم ...


المزيد.....

- الحلقة المفرغة لتداول السلطة في بلدان الوطن العربي و العالم ... / محمد عبد الشفيع عيسى
- دور الزمن في تكوين القيمة / محمد عادل زكى
- مستقبل اللغات / صلاح الدين محسن
- ألدكتور إميل توما وتاريخ الشعوب العربية -توطيد العلاقات الاج ... / سعيد مضيه
- نقد الاقتصاد السياسي، الطبعة السادسة / محمد عادل زكى
- التاريخ المقارن / محسن ريري
- ملكيه الأرض فى القرن الثامن عشر على ضوء مشاهدات علماء الحملة ... / سعيد العليمى
- إملشيل، الذاكرة الجماعية / باسو وجبور، لحسن ايت الفقيه
- أوراق في الاستشراق / عبد الكريم بولعيون
- إشكالية الخطاب وأبعاده التداولية في التراث العربي واللسانيات ... / زهير عزيز


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - رواء الجصاني - حين مجدَّ الجواهري العظيم، -قفص العظام- !!!