أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سعيد الوجاني - الحركة الماركسية اللينينة التونسية















المزيد.....



الحركة الماركسية اللينينة التونسية


سعيد الوجاني
كاتب ، محلل سياسي ، شاعر

(Oujjani Said )


الحوار المتمدن-العدد: 4039 - 2013 / 3 / 22 - 21:00
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


الحركة الماركسية اللينينية التونسية
( ان اهمية هذه الدراسة تصلح عند اجراء مقارنة بين تنظيمات اليسار الماركسي في بلدان المغرب العربي ، لذا فهي تفيد اساتذة وطلاب علم السياسة والعلوم السياسية وعلم الاجتماع السياسي ، كما تفيد جميع المهتمين بالظاهرة اليسارية واليسراوية والاسلاموية )
في منهجية هذا التقييم :
يقول ليون تروتسكي : " اذا كان البناء النظري الشامخ للاقتصاد السياسي للماركسية يرتكز على نظرية القيمة – العمل المادي -- ، فان السياسة الثورية للماركسية ترتكز على نظرية الحزب كطليعة للبروليتارية . ومهما كانت الخلفية الاجتماعية والأسباب السياسية للأخطاء والانحرافات الانتهازية ، فإنها ايديولوجيا تعود دائما الى فهم خاطئ للحزب الثوري ، لعلاقته بالمنظمات الجماهيرية ، وبالطبقة العاملة بأكملها " . نورد هذه المقولة لليون تروتسكي في مقدمة هذه الدراسة التي تهدف الى تناول وضع الحركة الماركسية اللينينية التونسية – الحركة اليسارية في تونس – بالنقد والتقييم ، وهنا نحن سنحدد الخط العام الذي سننهجه في هذا البحث ، اي دراسة هذه التجربة ، تقييمها ، واستخلاص الدروس منها ارتباطا بمسألة نعتبرها المسألة الاساسية على جدول اعمال من ينتسبون اليوم الى الماركسية واللينينية في تونس وعلى رأسهم الماركسي حمامي ومن لا يزال يتشبث ببصيص امل في الماركسية كجواب عن الازمة التي استفحلت بوصول حركة النهضة الفاشية والمدعومة من قبل السلفية القروسطوية الى الحكم . ان هذا الامل هو بناء الحزب الثوري الذي لا زال متعثرا في تونس كما في المغرب ، باعتبار ان هاذين البلدين – المغرب وتونس – هما اللذان شهدا ميلاد موجة اليسار الجديد في سبعينات القرن الماضي ، وكانا ينسقان بينهما في باريس وبالعديد من المدن الفرنسية مثل اميان ، ستراسبورغ ، ليل ، تولوز .. لخ – الجزائر لم تشهد ظهور اليسار الماركسي اللينيني ، باستثناء تجربة لويزة حنون المعطوبة -- .
وتعترضنا في هذا البحث بعض المسائل في منهجيته لا بد من توضيحها منذ البداية ، ذلك انه عندما نريد ان نقيم ، فلا يعني هذا الرمي بكل ما حدث في سلة المهملات ، وإظهار النفس بمظهر المنقذ وصاحب الوصفة السحرية . ان هذا المنطق ، الذي ساد ويسود في صفوف اليسار الماركسي اللينيني في المغرب كما في تونس وفي لبنان – محسن ابراهيم ، رابطة العمل الشيوعي – لهو في حد ذاته من مظاهر الازمة التي تعيشها منظمات الحركة الماركسية في العديد من البلاد العربية . لذا سنحاول ان نتبع منهجية ترتكز ما امكن على استيعاب التجارب الموجودة ، واخذ ما هو ايجابي فيها ووضع الاصبع على سلبياتها . وهذا لن يغنينا عن النقد الصارم ولا كذلك عن المواقف الموضوعية .
اننا نعي جيدا كدارسين وباحثين في التنظيمات الماركسية واليسارية ، ان التنظيم او الحزب الثوري يقوم على برنامج قبل كل شيء . ولكن كل الصعوبات والتعقيدات تكمن في تحويل البرنامج الى واقع مادي ، وجعله ملتحما بواقع الصراع الطبقي اليومي ، بحيث يصبح فاعلا فيه وموجها له ، وبالتالي فالمعضلة هي كيف يمكن على ضوء البرنامج الثوري ان نصوغ الاجابات المطلوبة المتناسقة مع الواقع والمستجيبة لمتطلبات اللحظة المعينة ، ولا سيما في فهم دور التنظيم وعلاقته بالحركة الجماهيرية ، وبالطبقة العاملة بأسرها ، وهو ما قصده ليون تروتسكي في المقولة السابقة عن جذور الاخطاء والانحرافات الانتهازية .
ولقد حدد العديد من التيارات البرجوازية وحتى التيار الديني ازمة اليسار الماركسي في عجزه عن الالتحام بحركة الواقع ، وبالتالي عجزه عن بناء قاعدة جماهيرية ، وهي تصيب في هذا بشكل عام ، ولكن حين تؤكد هذه التيارات على ان هذا العجز عضوي ، فان الواقع والممارسة يؤكدان العكس ، اي ان العجز ليس عضويا بل تطبيقيا ، اي انه ليس كامنا في الماركسية التي لم تعرف التطبيق ابدا ، بل في تجارب تحركت باسم الماركسية ، فوجدت نفسها انها من اكبر محرفيها بالدرجة اولى .
مثل ظهور اليسار الجديد في المغرب وفي تونس خلال نهاية الستينات وبداية السبعينات منعرجا هاما في تاريخ الحركة اليسارية المغاربية ، اذ مثل تأسيسا لتجربة جديدة تشكل قطيعة مع تجربة الحزب الشيوعي / التحرر والاشتراكية ، وتجربة الاتحاد الوطني للقوات الشعبية ، ثم تجربة الحزب الشيوعي التونسي ، ومن ثم فهي تنطلق من نقطة بدء اخرى باعتبار ان تأسيس هذه التجربة حدث بصفة متزامنة مع متغيرات هامة حاصلة على الصعيد العالمي والإقليمي والمحلي ، لذا نرى من الضروري التطرق اليها .
على الصعيد العالمي :
شهدت سنوات الستينات ثورات ظافرة في العديد من البلدان التابعة للامبريالية : في فيتنام وكوبا والشيلي ، وقبل ذلك الثورة الصينية التي شدت اليها العالم بعد قيامها بسنوات عديدة نتيجة للديناميكية الثورية الهائلة التي احدثتها . وقد تميزت هذه الثورات بجملة من السمات : فمن جهة حدثت هذه التطورات في بلدان تابعة للامبريالية ، جعلت مركز ثقل الثورة العالمية يتجه باتجاه البلدان المستعمرة وأشباه المستعمرة ، وما لهذا المعطى من تأثير على الدول المغاربية التي كانت تقع تحت الهيمنة الامبريالية . ومن جهة اخرى شكلت هذه الثورات تجارب مستقلة عن وصي الحركة الستالينية موسكو ( الكرملين ) ، بل وحتى متمردة عليه ، ومتباينة عن التيار الستاليني المهيمن حتى ذلك الحين ، وبالتالي ضربت " شرعية " قيادته للحركة الشيوعية العالمية ، ونقلتها الى مراكز اخرى ( بقطع النظر عن السيرورة اللاحقة لهذه الثورات ) . ومن جهة ثالثة فعلاوة على ان هذه التجارب اثبتت المقدرة اللامتناهية للشعوب في النضال ضد اعدائها المحليين والطبقيين والأجانب ، فان كل منها سلك نهجا ثوريا خاصا متناسقا مع سمات كل بلد وخصائصه ، وراكم ارثا وتراثا نظريا وسياسيا رائدا .
على المستوى العالمي ايضا لا بد من الاشارة الى انتفاضة مايو 1968 في فرنسا ، والتأثير الواسع الذي كان لها ، ليس فقط على صعيد البلدان المصنعة ، بل ايضا على صعيد الاقطار التي كانت تستعمرها فرنسا مثل المغرب وتونس ، سواء بتأثيرها على العمال والشباب المهاجر ، او بتأثيرها على البلد ( المغرب تونس ) باعتبار الاواصر التاريخية الموروثة عن العصر الاستعماري . ولقد كانت تلك الاحداث برهانا ساطعا على اصلاحية التيار الستاليني ، وممثله محليا ( الحزب الشيوعي/التحرر المغربي والحزب الشيوعي التونسي ) كما كان برهانا ساطعا على فشل حزب برجوازية الدولة ( الاتحاد الوطني للقوات الشعبية ) . وأفرزت تيارات نظرية سياسية ثورية كانت مطمورة حتى ذلك الحين ، ومثلت تلك الانتفاضة فرصة لبروزها .
على صعيد المنطقة العربية :
هناك احداث هامة وقعت في تلك الفترة انجبت تغييرات نوعية على صعيد المنطقة ، وخاصة على صعيد طلائعها الثورية . ان هذا الاحداث متمثلة اساسا بهزيمة الانظمة السياسية البرجوازية العربية في هزيمة 1967 ، وبحرب اليمن وثورة وظفار ( الجبهة الشعبية لتحرير ظفار وعان ) ، وبالصعود القوي للمقاومة الوطنية الفلسطينية ممثلة في الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين على حساب الجيوش النظامية العربية المنهزمة ، ولا سيما بعد معركة الكرامة سنة 1967 ، وصولا الى المجازر التي نفدها النظام الاردني ضد الجماهير الفلسطينية عام 1970 . ومن زاوية المسألة التي نحن بصددها – اي ظهور اليسار الجديد في تونس -- نفي الشيء حصل بالمغرب -- فلقد كان لتلك الاحداث العديد من النتائج السياسية : فهي اقنعت قطاعات عريضة من الطليعة وقسم هام من الشبيبة بعجز البرجوازية الصغيرة والمتوسطة عن قيادة النضال ضد الصهيونية والامبريالية ، بل استسلامهما لشروطها مثلما اوضحت ذلك خطة روجرز ، تلك البرجوازية التي درج اعتبارها الى حد ذلك الحين جزءا من المعركة " القومية " ضد اسرائيل .
كما كشفت تلك الاحداث عجز البرجوازية الصغيرة والمتوسطة عن قيادة مهام التحرير او الوحدة او الاشتراكية على حد سواء ، هذه الشعارات التي رفعتها عاليا وجندت حولها الجماهير . وبالفعل عرفت التيارات القومية والبعثية المهيمنة حتى ذلك الحين انفضاضا كبيرا من حولها ، واتجاه قطاعات هامة من المناضلين نحو الفكر الماركسي . هذا وقد شهد قسط هام من الطليعة فشل الحرب النظامية ، والنجاح الذي لقيته في المقابل المقاومة الفلسطينية المسلحة على طراز حرب العصابات المنتظر تقدمها باتجاه الحرب الشعبية طويلة الامد ، مع ما تمثله نجاحات التجارب الكوبية والفيتنامية وغيرهما من دعم لهذا الاتجاه .
لقد ادت تلك الاحداث بالمحصلة الى انتقال ثقل الحركة التقدمية والثورية في المنطقة العربية من الفكر القومي المملوكي سواء الناصري او البعثي باتجاه الماركسية . وهكذا شهدت تلك الفترة تأزما للتيارات القومية والبعثية ، وتحول العديد منها نحو الماركسية مثل الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين ، وكذلك الجبهة القومية – اتجاه ناصري -- في اليمن الجنوبي الذي تأسس به الحزب الاشتراكي اليمني ( ماركسي توزع بين الستالينية ( عبد الفتاح اسماعيل ) والماوية – سالم ربيع علي ) .
لم تكن تونس ولا المغرب بمعزل عن هذه المتغيرات عالميا وعربيا ، بل هبت عليهما هذه الرياح من الشرق ومن الغرب ، لتلتقي في تلك الفترة بأول ازمة سياسية حقيقية يشهدها النظام بالمغرب ( انتفاضة 23 مارس 1965 مع اختطاف المهدي بن بركة ) وشهدها النظام البرجوازي التابع للامبريالية في تونس منذ نجاحه في تركيز نفسه في اواخر الخمسينات . فمنذ بداية الستينات ، وبعدما ضمن تصفية نهائية للحركة اليوسفية ( الحركة اليوسفية نسبة الى صالح بن يوسف الذي تزعم معارضة اتفاق الحكم الذاتي الذي وقعه بورقيبة مع فرنسا سنة 1954 ، وقد كان يشغل منصب الامين العام لحزب الدستور الجديد في حين كان بورقيبة يشغل منصب رئيس الحزب . وقد ادى هذا الصراع الى نزاع مسلح انتهى بهزيمة جناح صالح بين يوسف الذي فر الى مصر ) . وبعد منع النشاط القانوني للحزب الشيوعي التونسي ، هيمن الحزب الدستوري على الحياة السياسية بالبلاد ، خاصة وقد ربط الحركة العمالية بالدولة البرجوازية عن طريق الاتحاد العام التونسي للشغل ، وقمع العناصر اليسارية في الاتحاد العام لطلبة تونس ، ليصبح بوق دعاية للنظام ولسياسته .
وابتدأت السلطة بزعامة البونابارتية البورقيبية بتركيز سيطرة الدولة على اهم القطاعات الصناعية والفلاحية والمالية والتجارية ، و ذلك لتعويض العجز العضوي الذي اظهرته البرجوازية المحلية في تطوير الاقتصاد ، وبناء الارضية المادية الكفيلة بتنمية الرأسمالية . وقد كان رمز البيروقراطية البرجوازية المهيمنة خلال الستينات بلا منازع ، احمد بن صالح الذي احتكر خمس وزارات .
ولكن هذه الفترة لم تدم طويلا ، فالتجربة التعاضدية ( التجربة التعاضدية تطلق على ماوقع خلال الستينات من تجميع للملكيات الفلاحية في اطار تعاضديات . وقد مست هذه التجربة اساسا الملكيات الصغيرة ) ادت الى افقار وتفقير الجماهير الفلاحية التي كانت الفئة الاساسية التي مستها سياسة تجميع الاراضي . هكذا شهدت المدن التونسية نزوحا كبيرا من البادية ، كما ان العديد من كبار الملاكين العقاريين تخوفوا امام احتمال وصول " التعاضد " الى ملكياتهم خاصة وان ابن صالح اراد ان يعوض عن فشله بهروب الى الامام . يضاف الى ذلك القلق الذي ابدته قطاعات هامة ( تنامت بصورة هامة خلال الستينات ) من الرساميل الخاصة من وطأة هيمنة الدولة ، هذا القلق الذي تحول الى مواجهة اجتماعية . وقد ساند البنك العالمي هذه القطاعات من البرجوازية ، وهدد بسحب القروض التي يقدمها للدولة اذا ما واصلت نفس السياسية . هكذا توفر العديد من العوامل لتحدث ازمة في صلب النظام ، وقع تجاوزها بإزاحة احمد بن صالح ومحاكمته ، وبصعود الهادي نويرة ، وتبني النهج اللبرالي بعد الفترة الانتقالية التي وقع تسميتها بفترة تأمل . ويمكن القول ان هذه الازمة تنحصر بالأساس في اطار الصراع بين الكتل البرجوازية . فقد مثّل احمد بن صالح فئة البيروقراطية البرجوازية التي وقع اضعاف دورها ، وتحول انصاره الى حزب برجوازي معارض ، كما مثل الاتجاه الجديد للسلطة منذ بداية السبعينات البرجوازية " الليبرالية " . هذه الفئة التي اظهرت منذ بداية الستينات احترازها من هيمنة الدولة على الاقتصاد ، وهي المتمركزة في قطاعات البناء والسياحة والنقل ، والتي ما فتئ دورها الاقتصادي يتعاظم خلال الستينات . كما افرزت تلك الازمة ايضا تيارا برجوازيا " اصلاحيا " يدعو الى تطوير اجهزة الدولة باتجاه " ديمقراطية برجوازية " . وقد مثل احمد المستيري وحسين بنعمّار وغيرهما ، رموزا لهذا التيار ، وقد انسلخوا عن حزب الدستور على اثر " مؤتمر الوضوح " في 1974 ليشكل احمد المستيري حزبا معارضا قانوني النشاط " حركة الديمقراطيين الاشتراكيين " . لقد كان دور الحركة الجماهيرية ضعيفا في هذه الازمة وفي التدخل في توجيهها ( على خلاف سياسة التفتح المنتهجة منذ سنة 1980 والتي تعبر بدرجة معينة عن ضغط جماهيري ) . هكذا ستشهد تونس خلال النصف الاول من السبعينات نهوضا جماهيريا رائعا للحركة الشبابية ( الطلابية خاصة ) والتي جسدتها حركة فبراير 1972 التي كرست درجة هامة من استقلالية قطاع الشبيبة وانفصاله عن السلطة والتوجه الديمقراطي لنضالاته . كما سنشهد خلال النصف الثاني من السبعينات بروز الطبقة العاملة على سطح الاحداث السياسية ممثلا بحركتها النقابية " الاتحاد العام التونسي للشغل " ، هذا الصعود الذي بدأ مع نضالات مايو 1972 ، وتأكد خلال الاضراب العام في 26 يناير 1978 ، وهو الاول الذي خاضته الطبقة العاملة منذ تركيز النظام البورقيبي .
ان هذا التأثير لازمة النظام السياسي التونسي سينعكس بدوره وبالنتيجة على الحركة اليسارية ونشوئها ، وتطورها ، وستطبع تلك الظروف ( اي نمو الحركة الجماهيرية الشبابية ثم العمالية ) اليسار الجديد الناشئ بالعديد من سماتها ، كما ستشكل عاملا من عوامل محدودية ذلك الظهور .
عرض بياني لتيارات اليسار الجديد :
1 ) – تيار " آفاق – العمال تونسي – " :
في عرضه لتاريخية هذا التيار . يقول احد مؤسسيه : " لقد ولد هذا التنظيم في عام 1963 مع ظهور تجمع الدراسات والعمل الاشتراكي التونسي ، ذلك انه بعد ، وبعد 1956 بدأت الاوهام تذوب حول طبيعة النظام ، وخاصة داخل اوساط الشباب ، حيث صار تعسفيا اكثر فأكثر ( الهيمنة على اتحاد الشغل ، حظر الحزب الشيوعي التونسي ، اصدار قوانين لا دستورية ) . في هذه الظروف ، وجد العشرات من الشباب في هذا التجمع اطارا ملائما للنضال من اجل الديمقراطية " . ويقول عضو اخر عايش التجربة : " ولد هذا التجمع في عام 1963 في الوسط الطلابي ، وفي اوساط المثقفين ، ولم يتبنّ التجمع الماركسية اللينينية إلا في سنوات 1966 و 1968 ، وحتى ذلك الحين ، كان المحتوى الايديولوجي لتحاليله السياسية تقدميا ، يمثل البرجوازية الصغيرة المثقفة والراديكالية " .
وبصفة عامة يمكن تحديد ثلاث مراحل تاريخية لهذا التيار:
--- المرحلة الاولى ، وتمتد من عام 1963 الى عام 1967 تقريبا . في تلك الفترة كان التنظيم بمثابة تجمع من المناضلين المتحلّقين حول مجلة " آفاق " التي لم تكن تعبر عن خط نظري او سياسي متجانس ، بل كانت اداة للنقاش بين المناضلين الذين يكتبون فيها ويروجونها . وقد كان هذا التجمع يضم العديد من المناضلين الماويين والتروتسكيين ، والعديد من الماركسيين الذين لا يتبنون توجها واضحا ، وحتى العديد من العناصر المتبنية لإيديولوجية قومية ( ناصرية او بعثية ) . وقد كان النشاط في تلك الفترة نظريا بالأساس ، وتعلق جزء منه بنشاط بعض المناضلين داخل الاتحاد العام لطلبة تونس ، او في المساهمة في بعض النضالات الديمقراطية المعادية للامبريالية مثل لجنة الدفاع عن الفيتنام ، ولجنة الدفاع عن فلسطين . وقد تعرض هذا التنظيم الذي كان نشاطه سريا الى حملة قمع شرسة القت بالعديد من مناضليه في السجن .
--- اما المرحلة الثانية في حياة هذا التيار ، فهي التي يطلق عليها احد اعضائه " ادلجة التنظيم " ، اي اعتناق التنظيم للماركسية اللينينية كفلسفة عمل للمنظمة . وتمتد هذه الفترة من عام 1968 الى 1976 ، وهي الفترة التي تحول فيها التيار الى منظمة " العامل التونسي " التي تمتلك خطا نظريا سياسيا متناسقا ، وتطرح التحريض داخل الاوساط الشعبية على اساسه .
وعن الاطروحات الرئيسية لتيار " العامل التونسي " . يقول احد العناصر القيادية : " انها ترتكز على مهمة مركزية في المرحلة المنظورة ، وهي الثورة الديمقراطية و الوطنية حسب المحاور التالية :
++ -- تغيير جذري للنظام السياسي واستبداله بنظام ديمقراطي وشعبي يضمن الحريات العامة والخاصة الفردية .
++ -- على المستوى الاقتصادي : بناء اقتصاد وطني يعمل على تلبية طموحات الشعب بتأميم المصالح الامبريالية ، وتحقيق الاصلاح الزراعي .
++ -- على الساحة الخارجية : النضال من اجل الوحدة العربية ضد الصهيونية والامبريالية ( الامريكية والروسية ) .
ولتحقيق هذه المهام يطرح هذا التيار بناء الحزب الشيوعي الماركسي الينيني ، كما يتميز بموقفه من الاتحاد السوفيتي الذي يعتبره دولة امبريالية صاعدة وشابة وهجومية ، ويضعه على قدم المساواة مع الامبريالية الامريكية .
اما المرجع النظري لهذا التنظيم ، فهو حسب تعبيره النظرية الماركسية اللينينية المستنارة بفكر ماو تسي تونغ وستالين ، ويعتبر الثورة الصينية ، كما المرحلة الستالينية نماذج يسير على هداها ، المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفيتي ، انقلابا مضادا للاشتراكية التي كانت سائدة في الاتحاد السوفيتي الى ذلك الحين ، وتحولا نحو الإمبريالية الاشتراكية مع تحول تحريفي للحزب الشيوعي السوفيتي . وبهذا المعنى يمكن اعتبار هذا التنظيم تيارا ماويا .
خلال هذه الفترة هيمن " العامل التونسي " على الحركة الطلابية والساحة الثقافية التي بدأت شيئا فشيئا تتجه نحو الاستقلالية عن السلطة ، كما لعب دورا هاما في النضال الديمقراطي والمعادي للامبريالية . ورغم محاولته التأثير في الحركة الشعبية ، فان الدور الاساسي الذي لعبه هذا التنظيم انحصر في اوساط الحركة الشبابية التي كانت الحركة الجماهيرية الوحيدة النشطة تقريبا الى حدود سنوات 1976 و 1977 . وخلال تلك الفترة ، كان هذا التنظيم يصدر نشرته " العامل التونسي " ، ويقوم بالدعاية للماركسية اللينينية .لقد كانت هذه المرحلة الاكثر خصوبة في حياة هذا التنظيم .
--- اما المرحلة الثالثة فهي التي بدأت مع سنة 1977 تقريبا . لقد تجمع العديد من العوامل لتجعل هذا التنظيم يدخل طور تغييرات هامة تحدث في صلبه : عامل قمع السلطة الذي سلط عليه بكل شراسة ، اذ شهدت سنوات 1974 و 1975 دفعتين من المحاكمات ( انظر الماركسيون اللينينيون : جريدة الى الامام المغربية . عدد 19 . يناير 1974 . منشور بالحوار المتمدن ) التي شملت مئات المناضلين ، وأدت بهم الى عشرات السنين من السجن ، اضافة الى المطاردة والهجرة التي لجأ اليها العديد من كوادره ، وعامل الانشقاقات الداخلية ، اذ نتج عن تبني الحزب الشيوعي الصيني لنظرية " العوالم الثلاثة " بروز اقلية داخل التنظيم – ولكنها تمثل الاطر القيادية في التنظيم – تتبنى هذه الاطروحة او النظرية التي عارضتها اغلب قواعد التنظيم . وهكذا وقع الانشقاق الاول وبرز تيار " العامل التونسي 77 " الذي سنعطي لمحة عنه لاحقا ، كما اسفر العديد من المراجعات لدى العديد من كوادره ، وحتى عناصر القيادية عن تبني تراجعات عن الخط السابق للمنظمة ، وتشكيل تجمعات صغيرة ومتناثرة ، وكان اهمها التجمعات التي انبثق عنها سنوات بعد تلك الفترة " التجمع الاشتراكي التقدمي " الذي تأسس في ديسمبر 1983 ( التجمع الاشتراكي التقدمي تنظيم لا يتبنى الماركسية رسميا ، بالرغم من انه ينحدر من تنظيم الام " آ فاق - العامل التونسي " ، ويمكن اعتباره حزبا برجوازيا صغيرا اصلاحيا قوميا ) . ان شبيهه في المغرب كان ( منظمة العمل الديمقراطي الشعبي ) الجناح اليميني الاصلاحي عن منظمة 23 مارس .
ونضيف الى هاذين العاملين بروز تيار "الشعلة " في اوساط السبعينات ، وهو تيار ماوي ايضا ينافس " العامل التونسي " خاصة داخل الاوساط الشبابية ، ويزايد عليه باتجاه اكثر يسراوية وقصوية و قومجية ، ولكن العامل الهام والأساسي حسب رأينا في تلك الفترة ، يتمثل بصعود الطبقة العاملة وحركتها النقابية على سطح الاحداث السياسية لتنقل الثقل السياسي في البلد من الساحة الطلابية الى المعامل والمؤسسات والمزارع ، وهذا ما فشلت فيه الحركة الماركسية اللينينية المغربية خاصة منظمة الى الامام وحركة لنخدم الشعب .
هذا ولم يقدر " العامل التونسي " على التفاعل مع هذا العنصر النوعي الجديد ، اذ لم يكن مهيئا له اصلا . وهكذا وكما اسلفنا الذكر دخل التنظيم طورا من الانحلال والتقوقع داخل الوسط الطلابي لبعض مكوناته دام العديد من السنوات .
وبقطع النظر عن تنظيم " العامل التونسي 77 " و " التجمع الاشتراكي " ، يمكن تحديد مرحلة رابعة دخلها تنظيم " العامل التونسي " منذ بداية الثمانينات متناسبة مع بداية فترة " التفتح او الانفتاح " السياسي في تونس . فمع هذه الفترة ، وقع اطلاق سراح العديد من كوادره التي باشرت بعد ذلك مهمة اعادة بناء التنظيم سياسيا وتنظيميا بالحفاظ على الجزء الاوفر من برنامجه الاساسي ، اي برنامج بداية السبعينات ، وهو ما عبرت عنه منظمة الى الامام المغربية في وقت لاحق ( لنبني الحزب الماركسي اللينيني تحت نيران العدو ) ثم اقامة خط الوصل والاستمرارية بين ماضي التنظيم ومستقبله . و لا تزال بعض الرموز القديمة لهذا التنظيم تمثله وتعرف به سياسيا ( في المغرب نذكر فؤاد الهيلالي ، عبد العزيز لمنبهي ) .
وخلال السنوات الاخيرة تدعم نفوذ هذا التنظيم بصورة ملحوظة ( نسبة لليسار ككل طبعا ) داخل العديد من الساحات الجماهيرية ( النقابية ، الطلابية ، الديمقراطية ، المدنية والجمعوية ... لخ ) . ولكن هذا التنظيم وان برز كجسم سياسي متميز ، فهو يحافظ على اهم بنود برنامجه القديم داخل الساحة الجماهيرية ، و اذ نقرأ العديد من الكتابات لبعض رموزه ، فانه لا يتدخل كتنظيم سياسي في الساحة الجماهيرية ، ولا يصدر ادبا سياسيا ونظريا دوريا او غير دوري ( او انها ادبيات قليلة و ذات تداول محدود ) ، ولا يعبر عن مواقفه باسم تنظيمي محدد وحتى تسمية " العامل التونسي " ، وهي تطلق عليه من طرف الوسط السياسي اكثر منها اسما تنظيميا يتبناه . اذ يبدو ان مراجعة الماوية قد حدثت داخل صفوفه باتجاه القطع معها ، واتجاها نحو تبني اطروحات محمد انوار خوجة الستاليني الالباني ، وإتباع خط المركز الالباني الذي قطع مع ماو تسي تونغ والثورة الصينية . ( في المغرب نلاحظ هذا عند الاماميون الثوريون وعند النهج الديمقراطي القاعدي ) .
2 ) -- تيار " العامل التونسي 77 " :
كما اوضحنا سلفا ، فان هذا التيار يعد انشقاقا اقليا في صلب تنظيم " العامل التونسي " مرتكزا على تبني هذا التيار لنظرية العوالم الثلاثة التي صدرت عن الحزب الشيوعي الصيني في تلك الفترة ، وهو مع وفائه التام لأصوله الماوية ، ينطلق من تلك النظرية بالضبط لمعاداة الاتحاد السوفيتي السابق كبلد امبريالي اقوى شراسة – باعتباره امبريالية شابة هجومية صاعدة – من الامبريالية الامريكية ، وتثمين دور " البرجوازيات الوطنية " القائمة ، وتحالفها الضروري مع بلدان العامل الثاني ( بلدان اوربة الغربية واليابان ) في وجه القوتين الاعظم ( امريكا وروسيا ) . وخلاصة ، فان هذا التيار يزكي مجمل السياسة الصينية سواء في افغانستان او في ايران ( مساندة الشاه اسبوع قبل سقوطه المدوي ) الخ .. ان هذه السياسة المرتكزة على عداء البيروقراطية الصينية للبيروقراطية السوفيتية .
ولكن الاهم من ذلك ما يدعيه اعضاء وعناصر هذا التيار من " غوص " و " وعي " بواقع تونس . اذ يعتبر احد عناصره " انه منذ سنة 1977 ، ومع بروز هذا التيار بدأ بإعطاء المحاولات الاولى لتحقيق استيعاب مادي ومستقل للنظرية العلمية الماركسية على ارض الواقع " . ويعبر احد عناصر هذا التيار عن اطروحاتهم في عملية نقد ذاتي فيقول " لقد تجاهلنا في السابق وجود دولة وطنية واقتصاد وطني وبرجوازية وطنية . وهكذا اعتبرنا ان كل نضال من اجل الديمقراطية يعني ميكانيكيا – في مجتمع متحول كمجتمعنا -- نضالا وطنيا ضد النظام اللاوطني واللاديمقراطي ، في حين انهما شيئين مختلفين . كذلك اخذنا في اعتبارنا ان النظام التونسي هو كل متجانس رجعي لا وطني ، وناضلنا ضده على هذا الاساس ، ولم نأخذ في الحسبان امكانيات التطور نحو مواقع ديمقراطية وليبرالية لبعض اجنحة النظام " . ويضيف " ان روابط التبعية التي تربط بلادنا بالنظام الاقتصادي الامبريالي ، هي ظاهرة واقعية وموضوعية ، ولكننا تجاهلنا وجود اقتصاد وطني في نضال ضد الهيمنة الامبريالية ، ولكن بدأنا نعي اخطائنا في اتجاه استيعاب اكثر لخصائص واقعنا " ( انها نفس اطروحة حزب النهج الديمقراطي ) . وفعلا وفي كراس صدر عن هذا التيار على اثر 26 يناير 1978 ( نقطة تحول تاريخية ) اعتبروا شق الطاهر بلخوجة ، وحتى وسيلة بورقيبة التي لم توافق في تلك الفترة على ضرب الاتحاد العام التونسي للشغل ، بأنها شق وطني وديمقراطي في صلب النظام القائم ، يعبر عن مصالح البرجوازية الوطنية التي تلعب دورا متقدما في المرحلة المنظورة ضد الهيمنة الامبريالية السوفيتية والأمريكية . ولا نستغرب هنا من هذا اللامنطق تمسك هذه الجماعة ب " ماويتها " ، بل وإصرارها على اعتبار نظرية العوامل الثلاثة من صياغة ماو تسي تونغ ، في حين يؤكد خصومها على انها نظرية صاغها المحرفون في الصين ، ونسبوها الى ماو بعد وفاته . ذلك انه تأويل منطقي لجميع الرؤى التي تخص البرجوازية الوطنية ، ودورها ضد الامبريالية وكل المزاعم حول جبهة الطبقات الاربع ، والمرحلة الوطنية وتطورها نحو الديمقراطية . والواضح ان اطروحات هذا التيار لا تعدو ان تكون اطروحات اصلاحية تبث الاوهام حول الدولة البرجوازية ، وتطمس النضال الطبقي لجماهير الشغيلة ضد عدوها الطبقي المتمثل بالبرجوازية باسم النضال المشترك ضد الامبريالية ، ومواجهة اخطارها المحدقة . و لا نستغرب دعوة العديد من رموز هذا التيار الى ما يسمى محليا بتصليب الجبهة الداخلية ضد الاخطار الطبقية المحدقة . ( تحالف النهج الديمقراطي مع جماعة العدل والإحسان ) .
كما ان اطروحات هذا التيار تجعل العديد من المحللين والمهتمين ينظرون الى ان ما يسمى بالماوية كمصطلح فضفاض يمكن ان ’يصنف ضمنه من التيارات الاشد اصلاحية الى التيارات الاشد قصوية وتطرفا .
وحاليا لا يعبر هذا التيار عن نفسه بوصفه تنظيما سياسيا ، بل التحق العديد من عناصره سواء بالعمل اليومي في الحركة النقابية او الثقافية او بالتيارات القانونية الموجودة ( في المغرب الجمعية المغربية لحقوق الانسان ) ، لكن لا نلمس له اثرا هاما في الحركة الجماهيرية ، ولا يعرف إلا ببعض رموزه او بعض حلقاته المعزولة هنا او هناك ، وزيادة على هذا لا يحظى بأي وجود داخل القطاعات الشبابية التي تمثل اهم قواعد الحركة اليسارية .
في نهاية هذا البحث عن تيار " آفاق – العامل التونسي " ، يجب التذكير بانه برز للوجود ومنذ الستينات تنظيم يسمى " الكفاح " ، وهي مجموعة انشقت عن الحزب الشيوعي التونسي ، وتبنت الاطروحات التروتسكية . وقد توقف نشاطها عمليا في اواسط الستينات كما التحق العديد من عناصرها بتنظيم " آفاق " . في المغرب ظهر اسود الريف لسليم رضوان ، المتقاتلون ، الشعلة .. لكنهم انقرضوا ومنهم من انتمى الى الامام .
3 ) – تيار " الشعلة " :
ينتمي هذا التنظيم ايضا الى اليسار الجديد السبعيني في تونس ، ولكنه يتميز بكونه لم يشكل تفرعا عن منظمة " آفاق " – العامل التونسي – " ، بل تأسيسا لتجربة ستفرز هي ايضا تفرعاتها الخاصة بها . وتشكل " الشعلة " تيارا موازيا للعامل التونسي الى حد ان حركة المرور من هذا التيار الى ذلك نادرة جدا ( وتقتصر على بعض العناصر ) و لا نجد تداخلات بينهما ، بل لقد كان الاتجاه نحو تفرع التيارات منهما بدون وجود اتصال بينها .
برز تيار " الشعلة " كتنظيم سري في اواسط السبعينات ، اي اذا اردنا ان نضع هذا البروز في اطاره الموضوعي : في خضم المد العارم للحركة الشبابية ( الطلابية والتلامذية ) الذي بدأ مع اواخر الستينات وبداية السبعينات ، وقبيل بداية النهوض العمالي الذي وكما ذكرنا شهد منعرجا حاسما في مايو 1976 ، وتأكد من خلال الاضراب العام في 26 يناير 1978 . اما عن الخطوط الاستراتيجية العامة لهذا التيار ، فيمكن بصورة عامة تحديدها كما يلي :
--- تحديد طبيعة التشكيلة الاقتصادية والاجتماعية في البلد كتشكيلة شبه مستعمرة وشبه اقطاعية ، وتحديد طبيعة النظام القائم كنظام لا وطني ولا ديمقراطي ، وبالتالي فان طبيعة الثورة والمرحلة هي الثورة الوطنية الديمقراطية ، التي سيكون من ضمن اهدافها الرئيسية :
--- ارساء الديمقراطية الشعبية ، بناء اقتصاد وطني وانجاز الاصلاح الزراعي .
ان هذه المهمة حسب هذا التيار موكول انجازها لتحالف واسع بين الطبقة العاملة والفلاحين الفقراء والبرجوازية الوطنية ، وكل القوى والفئات المعادية للامبريالية بقيادة الحزب الشيوعي ممثل الطبقة العاملة .
اما على صعيد المنطقة العربية ، فهذا التيار يطرح التحرير التام لفلسطين عبر الحرب الشعبية طويلة الامد ، ويعتبر الوحدة العربية هدفا استراتيجيا . كما يتميز برنامجه بالموقف من الاتحاد السوفيتي الذي يعتبره دولة امبريالية يضعها على قدم المساواة مع الامبريالية الامريكية . وهو يعتمد على الماركسية اللينينية المستنارة بفكر ماو تسي تونغ وستالين كمرجع نظري له ، كما تمثل البانيا نموذجا بالنسبة لهذا التيار ، وهو مثل تيار العامل التونسي يمتدح دور ستالين في بناء الاشتراكية في الاتحاد السوفيتي السابق ، ويعتبر المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفيتي تحولا نحو الامبريالية والتحريفية .
هذا وترشح شعارات هذا التيار ومسلكيته بالتأثر بالتجربة الصينية مثل تمجيد دور الفلاحين الفقراء ، ونظرية تحرير البادية للمدينة ، وحتى تقييم التشكيلة الاقتصادية الاجتماعية كشبه مستعمرة وشبه اقطاعية ، فهو نسخ للتقييم الذي سبغه الحزب الشيوعي الصيني على الصين في الاربعينات . ولم يتأثر هذا التيار كثيرا ببروز نظرية العوالم الثلاثة في عام 1977 مثلما كان الشأن بالنسبة " للعامل التونسي " .
وفي تطور هذا التيار حدث تحول هام ابتدأ من سنة 1978 . فالى حدود تلك الفترة نشط كتنظيم سري يصدر نشرته " الشعلة " ، ويمارس مهاما دعاوية بالأساس . ولكن اثر الاضراب العام في 26 يناير 1978 ، واعتقال القيادات النقابية ، دعا هذا التنظيم الى تشكيل " لجان المبادرة من اجل احياء الاتحاد العام التونسي للشغل " ، وشرع في ذلك حين بدأ انصاره بإصدار جريدة " الشعب " السرية التي تحمل تسمية وغلاف الجريدة المركزية للاتحاد العام التونسي للشغل . وقد طرحت " لجان المبادرة " على نفسها المهام التالية :
--- مقاطعة الجهاز المنصب الذي وضعته السلطة على رأس النقابة العمالية بعد اعتقال ومحاكمة المئات من اطاراتها وقياداتها .
--- تنظيم النقابيين في هذه اللجان من اجل الدفاع عن الهياكل الشرعية للنقابة العمالية ، وإخراج القيادة النقابية من السجن ، وعقد مؤتمر استثنائي للاتحاد العام التونسي للشغل يضمن نضالية واستقلالية .
وعلى اثر اصدرا هذه النشرة ( 7 لو 8 اعداد منها ) وبعد سنة او اقل من بدء هذه التجربة ، قامت السلطة باعتقالات واسعة في صفوف هذا التيار ( اواخر 1978 وبداية 1979 ) وحاكمت عناصره القيادية .
ومنذ تلك الفترة لم نلحظ وجودا منظما لهذا التيار ولا نجد له ادبيات ملزمة موجهة لخارجه ، بل ومنذ البدء بإعادة هيكلة النقابة العمالية .
في اطار سياسة التفتح او الانفتاح ، وعلى اثر خروج عناصره من السجن في نفس تلك الفترة ، شهد هذا التيار انتعاشا هاما داخل الحركة النقابية التي شهدت مدا متواصلا منذ سنة 1980 . هكذا واعتمادا على دوره في المقاومة النقابية ، وتوجهه الاساسي او الكلي تقريبا نحو الحركة النقابية في فترة اعادة هيكلتها ، بات هذا التيار يأخذ عديد المواقع داخل الاتحاد ، ويعتبر افوى تيار يساري داخل ال . ع . ت . ش في بعض القطاعات مثل التعليم الثانوي والجامعي وفي بعض الجهات ايضا . وبالرغم من بروزه كجسم متميز داخل الاتحاد العام ، فان هذا التيار ، وكما اوضحنا سابقا لا يعبر عن نفسه باسم تنظيمي ، ولا يصدر ادبيات ملزمة ، ولا تقرأ سوى بعض المقالات لبعض رموزه التي هي اساسا اطارات نقابية ، او مواقفه هنا او هناك . وحتى اسم " الشعلة " فيطلقه عليه الوسط السياسي اكثر منه تعبير تنظيمي يعبر عن نفسه .
هكذا ، وزيادة على الدور الذي لعبه في النضال الديمقراطي ، فان هذا التيار لعب دورا هاما خلال السنوات الاخيرة في الحركة النقابية ، ومثل اقوى فصيل في اليسار النقابي . وهو زيادة على تواجده النقابي يوجد بصورة نشطة داخل الحركة الشبابية خاصة الطلابية والديمقراطية والوسط الثقافي .

ويمكن ألقول ان اهم انشقاق عن هذا التيار – زيادة على العناصر المنسحبة – حدث في سنة 1977 – 1978 ، اي ( خلال التحول نحو لجان المبادرة الوطنية ) ، وتمثل في تيار " الوطنيون الديمقراطيون " الذي ينحصر نفوذه وتأثيره في الجامعة . وقد هيمن هذا التيار بصفة كبيرة داخل الحركة الطلابية ، إلا ان نفوذه بدأ يتراجع – بالرغم من اهميته الحالية – خلال السنوات الاخيرة . اما اليوم فان المسيطر تبقى حركة النهضة الفاشية .
تقييم تيار " الشعلة " و " العامل التونسي " :
لقد اردنا تخصيص تقييم موحد لهذين التيارين ، لأنه وكما رأينا تجمعهما تقريبا قواسم برنامجية مشتركة . لذا يمكن حصر نقاط الخلاف الرئيسية في ثلاث :
--- حول تحديد طبيعة التشكيلة الاقتصادية والاجتماعية ، حيث تعتبر " الشعلة " انها شبه اقطاعية وشبه مستعمرة ، في حين يعتبر " العامل التونسي " انها رأسمالية تابعة بالرغم من ان كلا التيارين يعتبر طبيعة الثورة القادمة ثورة وطنية ديمقراطية .
--- حول المسألة القومية ، حيث تعتبر " الشعلة " ان الامة العربية ، امة واحدة ، في حين يعتبر " العامل التونسي " انها امة في طور التشكيل بالرغم من ان كلا التيارين يطرحان برنامجيا الوحدة العربية .
--- ثم يجب ان نضيف كذلك العديد من الاختلافات حول التكتيكات الكبيرة ، وأهمها ان العامل التونسي طرح بعد 26 / 01 / 1978 تفكيك الاطر النقابية التي هيمن عليها المنصبون ، وعارض " لجان المبادرة " باعتبارها هيمنة على الاتحاد ، في حين دعا تيار الشعلة الى مقاطعة تلك الاطر المنصبة والتمسك بهياكل الاتحاد الشرعية . وعلى كل فالخلافات القائمة ليست بحجم الصراع العدائي تقريبا الذي يوجد بين هاذين التيارين ، والذي يجد تفسيره في العصبوية والفئوية التي تميزهما .
يمكن نعت هذين التيارين بأنهما تياران يمتلكان نواة ثورية مغلفة بغلاف ماوي – ستاليني . وتتمثل النواة الثورية في طرحهما لبديل جذري للنظام القائم ، وضرورة اسقاطه عبر الثورة الشعبية حسب تعبيرهما ، وطرحهما النضال ضد سياسات السلطة بأشكال جذرية . وتتمثل ماويتهما من جهة في نواتهما هذه ( والتي نجدها كذلك في تجربة الحزب الشيوعي الصيني ) وايضا في وضعهما لإستراتيجية التغيير الثوري في حدود المرحلة الوطنية الديمقراطية ، وتحالف الطبقات الاربع ودور البرجوازية الوطنية ... لخ .
وثالثا في الموقف الطفولي الموروث عن ماو من طبيعة الاتحاد السوفيتي كدولة امبريالية ، هذا الموقف الذي لم يكن سوى شعارا ديماغوجيا اطلقته البيروقراطية الصينية في صراعها ضد البيروقراطية السوفيتية .
اما ستالينية هذين التيارين ، فتتمثل زيادة على تثمينهما لدور ستالين في الاتحاد السوفيتي ، وعلى صعيد الحركة الشيوعية ، في نفيهما للديمقراطية الاشتراكية ( اي الحريات الديمقراطية في ظل دكتاتورية البروليتارية ) ، وفهمهما للحزب اللينيني في اطار التشويه الستاليني في اتجاه بقرطته ، وخاصة تقديس المركزية على حساب الديمقراطية ، وبالاساس منع حق التكتل والاتجاه .
ومن الضروري هنا ان نتوقف قليلا عند مفهوم " الثورة الوطنية الديمقراطية " الذي يكتسي مغزى نظريا مميزا بالنسبة للتيارين .
يمكن القول انهما يتبنيان هذا المفهوم من منظور ماوي ثوري ، وليس من منظور ستاليني اصلاحي ، كما هو الحال بالنسبة للأحزاب الشيوعية العربية . ذلك ان هذا المفهوم اكتسب تاريخيا مضمونين : مضمون اصلاحي كرسته الاحزاب الشيوعية الستالينية ( الاحزاب الشيوعية بالمنطقة العربية ) في شكل ذيلية للبرجوازية المحلية باسم التناقض الرئيسي مع الامبريالية ووطنية البرجوازية وجبهة الطبقات الاربع ، واحترام حدود المرحلة الوطنية الديمقراطية . ومضمون ثوري كرسته بعض التجارب الثورية مثل الصين وكوبا وفيتنام ، وهو يصب في نهاية المطاف في مضمون الثورة الدائمة ، اي الثورة التي تقودها الطبقة العاملة وطليعتها الثورية ، بالاستناد الى جماهير الفلاحين الفقراء والكادحين ، وتطيح بجهاز الدولة القديم ، لترسي سلطة الشغيلة التي لا تكتفي بانجاز المهام الوطنية والديمقراطية ، بل تتجاوزها نحو البدء بمهام بناء الاشتراكية ، اي النظرية التي تزيل الحاجز الذي يضعه البعض بين مجمل المهام الوطنية والديمقراطية والاشتراكية .
ان تياري " العامل التونسي " و " الشعلة " ينتميان حسب تقديرنا لهذا المضمون الاخير ، وهكذا نعتبرهما اذا تيارين ذوي نواة ثورية مغلفة بغشاء ماوي – ستاليني ، يضفي على اطروحتهما البرنامجية العديد من السمات الاصلاحية والوسطية والبيروقراطية .
اليسار الثوري والمنحى التجريبي :
عند تحديدنا للإطار الموضوعي العام في تونس الذي شهد ظهور اليسار الجديد ، او الحركة الماركسية اللينينية التونسية ، اكدنا على خاصيتين رئيسيتين :
الاولى ان هذا الظهور تناسب مع بروز وتنامي النضالات الشبابية والطلابية بصورة خاصة .
والثانية ، ان هذا الظهور لم يكن متناسبا مع تطور الصراع الطبقي والاجتماعي التي عرفته تونس ، وقد لاحظنا ان الازمة السياسية التي شهدها النظام في عام 1969 كانت ازمة هيمنة ، وتلخصت بالأساس في صراع بين الاجنحة الحاكمة . هذا وحتى سنتي 1976 و 1977 ، لم تكن نهاك نضالات اجتماعية بخلاف النضالات الشبابية والطلابية ، ذلك ان نضال الطبقة العاملة نما ببطء ، ولكن بثبات خلال النصف الاول من السبعينات ، ثم شهدت السنوات اللاحقة ظهورا قويا للطبقة العاملة ممثلا بحركتها النقابية . وهكذا انتقل ثقل النضال الاجتماعي من الجامعة وأوساط المثقفين الى صفوف الطبقة الشغيلة . ان ظهور اليسار الجديد السبيعيني في فترة سابقة لظهور النضالات العمالية والطبقية والاجتماعية سيطبع تلك التيارات بسمات هذه الفترة ، وسينتج عنه ضعف هذه التيارات وحدودها وعدم قدرتاه على الصمود امام امتحان صعب متمثل بهذا الصعود الهائل للحركة النقابية . لقد برزت هذه التيارات كنخب مثقفة تتبنى النظرية الماركسية ، ولم تكن افرازا لتطور الصراع الطبقي والاجتماعي ، بل كانت حقا " وعيا من الخارج " يمثل تأثر قطاعات هامة من الشباب فو تونس كما في المغرب في تلك الفترة بمجريات الحركة العمالية في العالم وبالفكر الاشتراكي الذي قاد العديد من الانتفاضات والثورات خلال الفترة السابقة . هكذا ظهرت هذه التيارات السياسية بشكل مجموعات من الشباب المثقف ، تتبنى النظرية الماركسية ، وتطمح لتغيير الانظمة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية على هدي تلك النظرية . وقد تجلى هذا التبني بشكل برامج استراتيجية تطرح بدائل عن الانظمة السياسية القائمة مثل الثورة الوطنية والديمقراطية والإصلاح الزراعي ..لخ . .. وكان من نتيجة غياب النضال الطبقي او ضعفه في تلك الفترة ، ان تقوقعت تلك التيارات داخل اوساط المثقفين وخاصة داخل الحركة الطلابية من جهة ، ثم من جهة اخرى عدم استطاعتها بناء تكتيكات للبرنامج الاقصى حسب متطلبات النضال الطبقي ، هذا الذي لم يكن موجودا إلا بصورة جنينية . هكذا نتج عن هذين العاملين العديد من السمات التي طبعت نشاط تلك التيارات . فلقد اهتم نشاطها بالأساس بالنقاش الطلابي ، وهموم اوساط المثقفين ، كما ادى انعزالها داخل تلك الاوساط الى معالجة اغلب القضايا من الزاوية الاستراتيجية الماركسية ، وهكذا جائت اجاباتها قصوية ومتطرفة صبيانية غير متفاعلة مع واقع الوعي الطبقي الاجتماعي الحاصل . كما اصبح وجودها الطلابي وطبيعة نشاطها في هذا القطاع يسير نشاطها داخل اوساط الجماهير الشعبية ، فجاء حتى التحريض الجزئي الذي قامت به قصويا غير مراع لدرجة الوعي المتدني لدى الجماهير . وعوض ان يكون النشاط السياسي ذا طابع عمالي او فلاحي يمتد داخل الساحة الطلابية وغيرها ، فقد حدث العكس ، فكان الطابع الطلابي البرجوازي الصغير هو الذي يسيطر على امتداد تلك التيارات والتنظيمات في الساحة الشعبية ، حاملة معها كل الانحرافات اليسراوية الموضوعية والطبيعية داخل الاوساط المثقفة .ان التنظيم الثوري حتى ولو تألف معظم اعضائه او اغلبهم من المثقفين من اي طراز ، فانه من المفروض ان يكون طليعة البروليتارية ، وبهذا التصور وبهذا المعنى ، اي باعتباره طليعة ثورية ، يتوجه داخل جميع الساحات الجماهيرية . ان الوضع المدمر الذي عاشته بحق تلك التيارات ، هو انها تحولت الى طليعة طلابية تعمل على ان تمتد ، بهذا المعنى وهذا التصور ، داخل الطبقة العاملة . واذا كانت الفروق بين البروليتارية كطبقة والطلاب كفئة واضحة ولا مجال لسردها الآن ، فان المهام هنا وهناك تختلف جذريا . واذا مثل البرنامج الاستراتيجي وشعارات الحد الاقصى مفاهيم يمكن ان تجد حولها العديد من الطلاب ، فان الوضع يختلف جذريا مع الطبقة العاملة التي تقيس جذرية التنظيم الطلائعي لا بأرثوذكسيته النظرية ، بل بجذريته وصلابته في الدفاع عن مصالحها . وهذا يجرنا الى تناول مسألة هامة ، ذلك انه اذا كان للبرنامج الاستراتيجي دور العمود الفقري للتنظيم الثوري ، فان الصعوبة كل الصعوبة تكمن في كيفية توجيه النضالات الجماهيرية اليومية ، بإعطاء الاجابات والآفاق الضرورية المستجيبة من جهة لحالة الوعي الراهنة لدى الجماهير والتي تصب في افق ثوري من جهة اخرى . ان البرنامج هو اداة ممارسة يومية داخل الجماهير ، وان ما يعترض التنظيم الثوري من تعقيدات يتمثل في الاساليب والمناهج التكتيكية المتوخاة والكفيلة بإنماء وعي الجماهير ، وتكمن كل الصعوبة في كيفية ربط البرنامج الادنى بالبرنامج بالبرنامج الاقصى ، وصياغة الشعارات الانتقالية الملائمة .
اذن والحالة هذه ، فان تنظيمات اليسار الجديد تعرضت الى الامتحان الصعب المتمثل ببروز الحركة النقابية واحتلالها موقع الصدارة في الحركة الاجتماعية في البلد ، فطرحت على تلك التنظيمات والتيارات مجمل المهمات المعقدة التي تعترض اي تنظيم ثوري بعلاقته بالحركة الجماهيرية :
--- كيف يمكن صياغة الاجابات المطلوبة والتكتيكات المناسبة على ضوء نمو النضال الطبقي والاجتماعي وبعلاقة وثيقة بالبرنامج الاستراتيجي ؟
--- كيف تقدر على تجنب السقوط في التكيف مع الحركة الجماهيرية من جهة ، وتجنب الانعزال عنها من جهة اخرى ؟
--- كيف يمكن ان توجه ظروف نمو النضال الجماهيري في اتجاه بناء الحزب الثوري ، الاداة الضرورية لتغيير جذري ؟
ولم تكن لدى التنظيمات والتيارات اليسارية التهيئة النظرية والسياسية الضرورية للإجابة عن هذه الاسئلة وانجاز هذه المهام ، كما انها خرجت من مرحلة ظهورها الاولى ، اي النصف الاول من السبعينات ) مثقلة بكافة النقائص والأمراض التي طبعتها في تلك الفترة ، والتي والحق يقال لم تشف منها حتى الآن . فجاء تمشيا تجريبيا مع الحركة الجماهيرية مما يفسر اوضاعها الحالية بدرجة كبيرة ( النهج الديمقراطي ، النهج الديمقراطي القاعدي ، الاماميون الثوريون ، التوجه القاعدي ... ) حيث تظل اسماء بدون مسمى ، او صدف فارغة .
واذا كانت الحالة المغربية معروفة بخصوص المآل الذي انتهى اليه اليسار السبعيني ، فانه بالنسبة للحالة التونسية ، الوضع اكثر كارثية واعقد فهما ، وهنا سنحاول الوقوف عند تجربة تنظيم " الشعلة " بالتمحيص والكشف . وقبل هذا لا بد ان نتحدث قليلا عن ما اسميناه بالتهيئة النظرية والسياسية لدخول التنظيمات والتيارات اليسارية معترك العمل الجماهيري ، وسنحاول اعطاء امثلة عن ذلك ، اذ نلاحظ عبر استعراضنا لاطروحات التنظيمات والتيارات اليسارية عدم وضح العديد من المسائل التي تبدو بديهية في البناء البرنامجي لعلاقة الطليعة بالحركة الجماهيرية . ففي مسألة المنظمات الجماهيرية ، وخاصة الاتحاد العام التونسي للشغل ، والاتحاد العام لطلبة تونس اللذين يلعبان دورا مهما ومركزيا في البلد ، برزت اطروحات من داخل هذا التيارات والتنظيمات تدعو الى مقاطعتها اذ يهيمن عليها حزب الدستور الحاكم . وقد تطلب الاقتناع بضرورة النشاط داخل الاطر وحيويته بالنسبة للثوريين سنوات من الصراع النظري والسياسي ، ولكن بالأساس اصطدمت هذه الاطروحات بمجرى النضال اليومي الذي اكد دور هذه المنظمات الجماهيرية في النضال الطبقي والاجتماعي العام ، بل انتقل بعض من دافع عن هذه الاطروحات في السبق الى موقع مناقض تماما يقدس الحركة النقابية وصولا الى حد نفي دور الحزب الثوري او الحديث عنه كمشروع طوباوي .
مسألة اخرى كذلك ، هي المتعلقة بتبني الثوريين لمطالب الحد الادنى والنضال من اجل الاصلاحات ، اذ برز العديد من الاطروحات من داخل تلك التيارات تعتبر ذلك ممارسة اصلاحية بحتة وتناضل ضدها ، وكذلك ايضا تطلب التراجع عن هذه الاطروحات سنوات من الجدال النظري والسياسي ، ولكن ايضا وبالأساس اصطدمت بالممارسة الجماهيرية التي اوقفتها عند اخطائها الطفولية . وبالفعل ميزت " النقاوة والطهارة " الاستراتيجية القصوى الحدّية " شباب " هذه التنظيمات والتيارات ، وبعد الصدمة انقلبت تلك الاطروحات الى تمجيد للحد الادنى والاكتفاء به دون تجاوزه حتى تكاد هذه التيارات لا تتجاوز الافاق الاصلاحية .
لنعد الآن الى تجربة " الشعلة " بالتحليل وخاصة عندما كان اطره واطر " العامل التونسي " بباريس في سبعينات القرن الماضي وتنسيقهم مع منظمة الى الامام المغربية ، وهنا سوف نشير الى ان هذا التقييم سوف لا يأخذ بعين الاعتبار صحة هذا التكتيك او عدم صحته ودوره في الحركة النقابية ، فتلك مسألة اخرى سقطت فيها المجموعة الاصلاحية في سنة 1979 بمنظمة الى الامام بعد انتفاضة 1981 بالدارالبيضاء . اذا وعلى اثر الاضراب العام في تونس في يناير 1978 ، والقمع الشمال الذي شنته السلطة على الحركة النقابية ، وتنصيب جهاز صوري على رأس الاتحاد العام التونسي للشغل ، شكل تيار " الشعلة " لجان المبادرة الوطنية من اجل احياء ( ال ع ت ش ) . وهنا يمكن ان نورد العديد من الملاحظات حول هذا التوجه من زاوية المسألة التي نحن بصدد معالجتها . فهذا التيار تحول عمليا من تنظيم سياسي الى تنظيم " لجان المبادرة الوطنية لإحياء ال ت ع ش " الذي يناضل من اجل الافراج عن القيادة والإطارات النقابية الشرعية وضد الاجهزة المنصبة . هكذا اصبح يصدر جريدة " الشعب السرية " ليس تحت مسؤوليته السياسية والتنظيمية ، بل تحت مسؤولية " لجان المبادرة ّ معتبرا انها جريدة ل " ال ع ت ش " في حالته الاستثنائية ، اي حالة القمع الشامل . كما ان هذا التيار عمل على ان يصبغ هذه اللجان ، وهذا العمل وجريدة الشعب السرية ، باطروحاته السياسية والنظرية الى حد اعتبارها لجانا وطنية ديمقراطية نسبة اليه ، اذ يعتبر نفسه تيارا وطنيا ديمقراطيا . وهكذا نلحظ هذا التداخل بين الارادة السياسية في الالتحام بالجماهير وبالحركة العمالية في فترة تعرضها لهجوم السلطة ، والتي ادت الى ذوبان التيار في هذه المهمة وطمس الحدود بين التنظيم السياسي والمهمة التي هو بصددها ، فأصبح تيارا من اجل مهمة او تيارا من اجل الدفاع عن " ا ع ت ش " ، وهذا الوجه يتداخل مع محاولة هذا التيار ، وهو امر مشروع ، التأثير سياسيا ونظريا في اطار هذه المهمة ، هذه المحاولة التي نراها في شكل هيمنة فجة واصطناعية حيث اراد هذا التيار ان تكون تلك المهمة ، وجريدة الشعب السرية قناة لتمرير مواقفه النظرية والسياسية . وهكذا نراه في كلا المهمتين يفشل الى حد بعيد ، بل يؤدي به الامر الى جملة من الانحرافات .
وخلال عملية اعادة هيكلة " ا ع ت ش " منذ سنة 1980 التي تزامنت مع اطلاق سراح العديد من رموزه ، توجه هذا التيار بصورة مكثفة الى الحركة النقابية ، حتى استطاع اكتساب العديد من المواقع داخل الاتحاد ، ليصبح اقوى تيار يساري فيه ( النهج الديمقراطي والاتحاد المغربي للشغل ) . ونفس الملاحظة سردناها بخصوص تجربة " لجان المبادرة الوطنية " وهي تسري حتى على خطوط عمل هذا التيار اليساري في الفترة المنصرمة والى الآن .
فمن جهة ، انغمس هذا التيار في العمل النقابي ، ولا نكاد نلاحظ وجوده كخط سياسي خارج الحركة النقابية ، وهو وان يبرز كجسم سياسي متميز ، فاننا لا نج له مواقف ملزمة من الاوضاع القائمة ولا تحاليل او تقييمات او ادبا نظريا ، وكل ما نجده ، هو بعض المواقف التي تصدر في الحركة النقابية من طرف رموز هذا التيار الذين هم اساسا اطارات نقابية ، وهو ما له دلالة خاصة . هكذا اصبح تقريبا تيارا نقابيا ، بل برزت داخله اطروحات تعتبر رئيسيا ومحوريا العمل النقابي ، وثانويا العمل السياسي . ومن جهة ثانية ، نراه في طار تبنيه العام لبرنامجه القديم ( برنامج الشعلة ) يقوم بمحاولات متقطعة لإعطاء صبغة سياسية لعمله النقابي ، وهي تأتي بشكل بيروقراطي ، وتتمثل في تبني ودعاية العديد من الهياكل التي يهيمن فيها هذا التيار لبعض اطروحاته الايديولوجية تحت يافطة الهيكل النقابي . والواضح انه صبغ اصطناعي ، اذ لا يعبر عن موقف منخرطي تلك النقابة والجماهير العريضة . وقد شهدنا العديد من المواقف السخيفة في هذا المضمار ، وشهدنا نقابات تعتبر الاتحاد والسوفيتي السابق دولة امبريالية وتندد به ، وتعبر عن هذا الموقف في العديد من التظاهرات الجماهيرية ، ولا نشك لحظة ان قواعد تلك النقابات ومنخرطيها لم يطرحوا المسألة قط ، اذ ليست شغلا يوميا لهم .
ونعود مرة اخرى الى المقولة المذكورة في بداية النص لليون تروتسكي ، حيث يفسر كل الاخطاء الفادحة التي يرتكبها الحزب بفهم خاطئ لعلاقة الحزب الثوري بالحركة الجماهيرية والمنظمات الجماهيرية . وفي نفس المقال يضيف تروتسكي " ان نظرية الحرب كطليعة للبروليتارية ، تعني استقلاله الكامل واللامشروط عن كل المنظمات . وان مختلف الاتفاقات الاخرى والتي لا يمكن تفاديها ليست مقبولة إلا بشرط ان يظهر الحزب وجهه الحقيقي ويسير وراء رايته الخاصة ويعمل باسمه ، ويفسر للجماهير نحو اي اهداف والى اي حدود يسير بالاتفاق المعين " . وليس من الصدفة ان تكون هذا الفقرات من هجوم نقدي يقوم به تروتسكي في بداية الثلاثينات على رفاقه في العصبة الشيوعية الثورية في فرنسا الذين بدؤوا بالتكيف مع الحركة النقابية ، بشكل يهددهم بالتحول الى مجرد تيار نقابي جذري .
ان اطلاقنا لنعت التجريبية على تيار اليسار الماركسي الثوري بالمغرب وبتونس و وبالأقطار العربية التي عرفت بروز مثل هذا التنظيمات ، ينبع من عدم وضوح الرؤى لدى هذا التنظيمات والتيارات في مجمل المسائل البرنامجية ، وفي بناء التنظيم ، وكما رأينا سلك تيار الشعلة نهجا تجريبيا ، حيث كان يحاول تلمس الطريقة المثلى لتحقيق المهام التي يطرحها ، وهو ما ادى به الى التحول من تيار سياسي الى مجرد تيار نقابي جذري ( التوجه النقابي بالمغرب ) . ورغم الاهمية الفائقة التي لعبها ا ع ت ش في سنوات النضال ضد الاستعمار المباشر او في السنوات الاخيرة ، فان الحزب الشيوعي التونسي وبخلاف اليسار الماركسي المتطرف ، حافظ على خط واضح ، اصلاحي بالتأكيد ، مع هذا الاطار الجماهيري بدون ان يذوب فيه كحزب سياسي ، وكذلك بدون ان يحاول تكييف خطه السياسي حسب ميول الحركة النقابية ، وهكذا كان الحزب الشيوعي يتدخل في الحركة النقابية من منطلق حزبي ، وليس العكس ، اي توجيه العمل النقابي للخط السياسي كما هو الشأن بالنسبة لتيار الشعلة .
وإجمالا نلاحظ في ختم هذه الفقرة ، انه اذا كان النجاح الذي حالف تيار الشعلة ناتجا عن ارادته للتغلغل داخل الحركة الجماهيرية ، والحركة النقابية اهم مكوناتها ، فان الفجوات التي تميزه تكمن بالضبط في ممارسة خاطئة وخطيرة لهذه الارادة السياسية .
بعض العناصر التقييمية في نشاط الحركة اليسارية :
يمكن القول ، بقطع النظر عن الحزب الشيوعي والتجمع الاشتراكي ، وأخيرا الشيوعيون الثوريون التنظيم النصير للأممية الرابعة ، اننا لا نلاحظ تنظيما سياسيا للتيارات اليسارية ، ونقصد بها " العامل التونسي " و تيار " الشعلة " . كما لا يمكن تلمس وجود نسخ هذا التنظيمات في المغرب ، فباستثناء النهج الديمقراطي المرخص له قانونا ، فإننا لا نكاد نلمس وجود تنظيمات يسارية متطرفة مثل النهج الديمقراطي القاعدي او الاماميون الثوريون او رابطة العمل الشيوعي او تيار المناضلة ، وباختصار لم نعد نلمس وجود منظمة عرفت في يوم من الايام ب " الى الامام " . وكما اسلفنا الذكر فإنها وان تظهر كأجسام متميزة ، فإننا لا نلمس لها مواقف ملزمة او ادبا سياسيا ونظريا يتخطى حدودها مثل بداية ظهورها في بداية النصف الاول من السبعينات ، بل وحتى اسمائها التنظيمية التي تطلق عليها هي اسماء يضيفها الوسط السياسي والأمني المخابراتي اكثر منها التزاما لهذه التيارات بهذه الاسماء التنظيمية . وهي بالفعل خاصية من خصائص اليسار الماركسي اللينيني التي بالرغم من اهميته النسبية وتأثيره على صعيد الحركة الشبابية والطلابية ، فإننا نسجل نكوصا واضحا عن ذلك الوضع الذي كان جيدا في بداية السبعينات . ويمكن تفسير هذه الوضعية بالعديد من الاسباب . فهذه التيارات تبدي تحسبا شديدا من امكانيات قمع السلطة لأي تنظيم معارض ينشط بصورة سرية ، ونحن نعلم ان العديد من المحاكمات التي وقعت ، كانت بتهمة اصدار نشرات غير مرخص بها ، وتكوين تنظيمات غير قانونية ، مع اخد بعين الاعتبار عدم امكانية طلب التأشيرة القانونية التي تعد وهما في الظروف الحالية بالنسبة ل " الاماميون الثوريون " " رابطة العمل الثوري " " تيار المناضلة " " العدل والإحسان " .. لخ . هكذا نتج عن قمع الدولة الذي تعرضت له هذه التيارات في السابق ، وما احدثه نسف التجارب التنظيمية من احباط ، أن اختارت هذا التيارات بالمغرب كما في تونس قبل الثورة التي سرقتها حركة النهضة ، الانكفاء على نفسها او سلوك طرق تجنب الدلائل المادية عن وجودها مثل الاسم التنظيمي والحركي والأدبيات الملزمة والملتزمة ، كما اختارت بعضها مثل الشعلة التونسي تعويم نفسه داخل الحركة النقابية " لإخفاء " وجوده السياسي والتنظيمي ، وهو نفس المسار سار عليه " التوجع القاعدي والتوجه النقابي " . وكائنة ما كانت الحجة ، فان هذا الوضع يلحق الضرر بالتنظيم السياسي ، اذ ان اهمية وجوده تكمن بالضبط في دوره في الظهور كطرف متميز يقدم مواقفه الخاصة المستقلة ، ويقوم بعمله الدعائي والتحريضي تحت رايته ، بل ان من أوكد واجباته تجنب تعويم نفسه داخل الحركة الجماهيرية ، ورسم حدود التباين معها سياسيا وتنظيميا ، اذ يبقى ضعفه او انحصار تأثيره تعبيرا عن القسم الطليعي الاكثر وعيا داخل البروليتارية والمدافع الصلب عن مصالحها البعيدة والقريبة . كما ان غياب الادب السياسي والنظري المكتوب ، وخاصة الدور الثابت والتاريخي للمنشورات والكراسات داخل التنظيم الثوري ، يلحق شديد الضرر بالحركة اليسارية اليوم بالمغرب كما بتونس ( من المنشورات المستقلة لمنظمة الى الامام نذكر : 1 – الى الامام . تاريخها 1973 . مكان الاصدار . المغرب . اللغة . عربية . 2 – مغرب المقاومة . تاريخها 1975 . محل الاصدار . المغرب . اللغة . الفرنسية . 3 – طريق الثورة . تاريخها 1976 . محل الاصدار . باريس . اللغة . عربية . 4 – آفاق . تاريخها 1980 . محل الاصدار . باريس . اللغة . عربية ) كذلك صدرت منشورات وجرائد مشتركة مع منظمة 23 مارس ( مجلة انفاس . تاريخها . 1971 . محل الاصدار .1 -- فاس . اللغة . عربية ثم بالفرنسية . 2 – الى الامام . تاريخها . 1972 . محل الاصدار . الرباط . اللغة عربية . 3 – الطريق الوحيد . تاريخها 1972 . محل الاصدار باريس اللغة عربية ) . وهكذا يعم كسل نظري وسياسي وجدب من هذه الناحية سواء فيما تعلق بالمسائل الاستراتيجية او برصيد التحولات التي شهدها البلد والمهام المطروحة . ولذلك ونحن نكتب هذه الرؤى التقييمية لا نجد اي اثر مكتوب لهذا التيارات مما يمكننا من محاججتها او التفاعل معها ، بل نرى على هذا الصعيد ما يشبه الانكفاء على النفس اليوم في حركة تقوقع تؤدي الى العقم والتكلس النظريين والسياسيين .
ان الحجة المقدمة والمتمثلة بضرورة عدم ترك دلائل مادية امام البوليس السياسي على وجود هذا التيارات تبدو جد سخيفة . ولا نحتاج للتأكيد هنا على ان السلطة ليست بحاجة لمثل هذه الادلة لشن حملاتها الزجرية ، كما ان ما تعرفه الاجهزة الامنية السياسية عن هذه التيارات والتنظيمات لا تعرفه هي على نفسها ، مما لا يضفي على غياب الادلة اي طابع مخفف . ثم انه اذا صد ولزم في بناء التنظيمات الثورية اخذ عامل الزجر الذي تقوم به السلطة في الحسبان ، مع ما قد يلحقه من الضرر والتأخير في مهام البناء ، فان هذا لا يعني اتباع طرق ملتوية تؤدي الى نفس النتيجة في نهاية المطاف ، بل العمل على ضمان ركائز الاستمرارية لأي تنظيم ثوري سواء بالتربية التنظيمية التي تأخذ بعين الاعتبار المسائل الامنية ، او الإنغراس الجماهيري المطلوب حتى يتمكن التنظيم الثوري من تجنب اقل التبعات عند حصول هجوم زجري محتوم .
هناك سبب آخر يفسر القصور الذي يميز هذه التيارات في مستوى البناء التنظيمي والسياسي ، وهو المتمثل بالانغماس في العمل والحركة اليومية ، اي كل ما يتعلق بالتكتيكات الآنية والمطلوبة للتدخل في ساحة العمل الجماهيري ، هذا الانغماس الذي يجعلها تعمل يوما بيوم بدون الانتباه لقضايا البناء التنظيمي والسياسي . ونقصد بمسائل البناء التنظيمي والسياسي ، زيادة على مسائل مثل طبيعة الثورة ..لخ .. مسائل اساسية اليوم مثل بناء الحزب الثوري ، ومسألة المستقبل والتطورات الحاصلة اليوم مع رصدها وتحضير الخطط السياسية الملائمة لمواجهة التطورات ... لخ ... والواقع ان هذا الوضع يبدو وكأنه ردة فعل تقوم بها هذه التيارات والتنظيمات على القصوية والحدية التي ميزت السنوات الاولى لظهورها ؟ ففي حين ركزت في تلك الفترة من نشاطها على المسائل الاستراتيجية والدعاية حولها ، بل وحتى تحريض الجماهير بها ، اكتشفت هذه التيارات قفزها فوق الواقع ، واصطدمت بظهور الحركة المطلبية للطبقة العاملة ، وبروز تنظيمها النقابي ، والتغييرات التي حدثت في الوسط السياسي بصورة عامة . وهكذا اصبحت تقدم نقدها الذاتي عن قصويتها وتطرفيتها ، وقفزها فوق وعي الجماهير البسيط والمتدني – وهذا صحيح بصورة جزئية -- ، ولكن لم تتجه نحو تصحيح خط عملها باتجاه ضرورة الالتحام بالحركة الجماهيرية في اطار الخط الاستراتيجي العام ، ومهما بناء التنظيم الثوري ، بل عوض ذلك ارتمت في احضان الحركة الجماهيرية لتتكيف معها وتسير خلفها وتسقط عفويتها ، وقد لا حظنا حتى ارتدادا مكشوفا لدى بعض هذه التيارات والمجموعات ( 23 مارس – الجناح اليميني - والشعلة ) عن تبني الاطروحات الماركسية وتبني النقابية كنهج عمل وكخط نظري وسياسي . وهكذا حصل تحول من النقيض الى النقيض ، من اليسراوية الى اليمينية ، ومن القصوية والتطرفية الى التكيف الانتهازي مع الحركة العفوية للجماهير .
هذا ومن اعقد المهمات التي تواجه اي تنظيم ثوري لينيني ، قدرته على تحقيق توازن في عمله بين مهام التدخل في الحركة الجماهيرية بصورة يومية ومتابعتها ، وبين مهام البناء التنظيمي والسياسي ، وتحديد نصيب كل من هذه المهام في جهد التنظيم وقواه الذاتية حسب المرحلة التي يعيشها التنظيم في اطار بناء نفسه والخطة العامة لبنائه . وإجمالا لا يمكن القول ان ثلاث مهام رئيسية تطرح على اي تنظيم ثوري هي ’مراكمة الكوادر ، إذ بدون قوى ذاتية كافية لا يقدر على تحويل برنامجه الى قوة مادية فاعلة ، وثانيا تركيز الخط النظري والسياسي الاستراتيجي وضرورة تعديله كلما اقتضى الامر ذلك . وهذا العمل ’يعد العمود الفقري لأي تنظيم سياسي ، وثالثا التدخل في الحركة الجماهيرية سواء من حيث صياغة الاجابات المطلوبة عن المسائل التي يطرحها الواقع اليومي للنضال الطبقي والاجتماعي او التدخل لتوجيه الحركة الجماهيرية على جميع الاصعدة . ويكون من نتائج الانغماس اليومي في الحركة الجماهيرية بدون خط استراتيجي وضاح ( الذي لا يعني فقط تحديد طبيعة الثورة والدولة لخ .. بل الاهم من ذلك تحديد الخط الاستراتيجي الضروري لإنماء الوعي السياسي للطبقة العاملة وللجماهير ، مع اخذ بعين الاعتبار حالة وعيها الراهنة ) . اذا يكون من نتائج ذلك الانحرافات الاصلاحية الناجمة عن تضييع الخط الاستراتيجي ، كما يمثل العمل التحريضي الجماهيري بدون وجود شبكة تنظيمية ملائمة مضيعة للوقت والمجهود . كما ينتج عن الانغماس ايضا في نقاش المسائل الاستراتيجية داخل حلقات متقوقعة على نفسها ولا ترتبط بدرجة او اخرى بالحركة الجماهيرية ، اخطار الانعزالية والقصوية والقفز فوق واقع الوعي الجماهيري . وانه وان كانت جملة هذه المهام مترابطة ومتشابكة ، فان التنظيم الثوري وجب عليه ان يعطي لكل مهمة ما تستحق من المجهود العام للتنظيم حسب الخطة المرحلية المطروحة للبناء .
هناك سبب ثالث يقف وراء الغياب التنظيمي والسياسي للتيارات اليسارية واليسراوية ، بجوانبه التي طرحناها اعلاه ، وهو المتمثل الى درجة كبيرة بغياب الوضوح البرنامجي النظري والسياسي لهذه التيارات ( النهج الديمقراطي رغم اعترافه بالمقدسات الوطنية التي مكنته من الحصول على الترخيص القانوني ، فان اطواره لا تزال غامضة ، وهذا اتضح اثناء مشاركته في مسيرات 20 فبراير ، فمرة مع الملكية البرلمانية ، ومرة مع الجمهورية عندما ينادي بعدم تحديد سقف لمطالب الفبراريين ، كما اتضح من خلال تحالفه مع العدل والإحسان التي تشترك معه في عدم تحديد سقف معين للتغيير )صحيح ان هذا العامل ينعكس على مجمل الظواهر الاخرى ( مثل غياب تعامل سياسي صحيح وواضح مع الحركة الجماهيرية ) ، ولكنه يعد في حد ذاته سببا يقف وراء القصور والعجز الذي نحن بصدد البحث عنه .
فكما اوضحنا اعلاه ، تمثل الاطروحات النظرية لهذه التيارات والتنظيمات خليطا من الاطروحات الماوية والستالينية والتي تناقض بعضها البعض بصورة صارخة في بعض الاحيان ، او تناقض الواقع اليومي في البلاد في بعض الاحيان الاخرى ، والأمثلة على ذلك عديدة . ان هذه التيارات والتنظيمات تجد صعوبات جمة في التوفيق بين مساندتها وتثمينها للثورات والحركات المناهضة لأشكال الاستغلال الطبقي والاضطهاد القومي ( فلسطين ، امريكا اللاتينية ) والتي تحصل على عون ومساعدة الاتحاد السوفيتي والبلدان الحليفة له ، وموقفها النظري الذي يعتبر الاتحاد السوفيتي دولة امبريالية يضعها على قدم المساواة مع الامبريالية الامريكية التي تقف ضد تلك الثورات وحركات التحرر . وأيضا في هذه المسألة تجد هذه التيارات والتنظيمات صعوبات عديدة في تبنيها للطبيعة " الاشتراكية " للاتحاد السوفيتي في عهد ستالين وتحوله في عهد خروتشوف ولا ندري ياي اعجوبة الى بلد امبريالي ( المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي ) ، ولذلك نراها لإقناع نفسها وقاعدتها تبحث عن تبريرات لموقفها تشبه الى حد بعيد محاولات البحث عن دلائل الاعجاز العلمي في القرآن لدى التيارات الدينية .
كذلك الشأن فيما يخص موقفها من التشكيلة الاقتصادية والاجتماعية في المغرب وتونس ، فمنظمة الى الامام والأماميون الثوريون وتيار الشعلة يعتبرانها شبه اقطاعية وشبه مستعمرة ، وهذا التقييم منسوخ نسخا عن الحزب الشيوعي الصيني ، وينفيان وجود علاقات انتاج رأسمالية مهيمنة ، في حين يثبت كل يوم يمر اهمية النضال الطبقي والاجتماعي ضد الظلم والاستغلال الرأسمالي الهجين ، وهو النضال الذي تمارسه هذه التيارات يوميا في فضائها ، اذ يعد المجال النقابي مجالا رئيسيا لنشاطهما . بل ان هذه التيارات يؤكد ، وبصورة سخيفة ، على ان النضال الذي يقوم به العمال في القطاع الخاص او العام من اجل الاجور هو نضال وطني ضد الامبريالية وليس نضالا طبقيا واجتماعيا ضد الظلم وضد الرأسمالية والاستغلال والنهب . واذ يعتبر الاماميون الثوريون والتيار القاعدي الديمقراطي والعامل التونسي بدرجة اقل ، الثورة الصينية كنموذج ، فإنهم يركزون على الدور الرئيسي للفلاحين الفقراء الذين سيحررون المدينة من البادية ، في حين يصطدمون بواقع خمول الحركة الفلاحية وضعفها وتخلفها ، بل انها ومنذ سابق عهدها كانت غير مبالية ( الفلاح المدافع عن العرش – ريمي لوفو -- ) ، بل ان البادية تعد الحلقة القوية للأحزاب التي كانوا يطلقون عليها " الاحزاب الادارية " . وعلى العكس من ذلك نلاحظ نضالية العمال والمستخدمين والموظفين وأهمية المدن في النضال الاجتماعي اليومي . ان المسيرات تنظم بالمدن وليس بالبوادي ، كما ان النقابات موجودة بالمدن وليس بزحيليكة او الرماني .
كما تجد هذه التيارات صعوبات كبيرة في فهم دور البرجوازيات الوطنية والمرحلة الوطنية الديمقراطية في البلدان المتخلفة بمضمونها الستاليني وما يعنيه من تذيل للبرجوازية الوطنية او بطبعتها الماوية ، والتي كما اسلفنا الذكر تصب في مفهوم الثورة الدائمة . وتصطدم هذه التيارات بموقفها الستاليني الطفولي الفئوي النرجسي ، من اعتبارها ان هناك تيارا ثوريا واحدا يعبر عن مصالح الطبقة العاملة ( وكل تيار من هذه التيارات يعتبر نفسه المهدي المنتظر . توجد في الحركات الاسلاموية سبعة وسبعين حركة ، واحد في الجنة ، والباقي في النار ) . تصطدم بواقع افراز النضال الطبقي للعديد من المجموعات والتيارات ذات التوجهات الثورية بالرغم من كل شوائبها . وهكذا نراها تتعامل معها وبين بعضها بمنطق العداوة التاريخية ، وحتمية تصفية كل طرف للآخر تارة ، وضرورات التحالف والنضال المشترك التي يفرضها النضال اليومي تارة اخرى .
ونجد وراء غياب هذا الوضوح البرنامجي النظري والسياسي الدوغماتيكي ، والكسل النظري والسياسي داخل الحركة اليسارية ، التمسك بالقوالب الجاهزة والفارغة المضمون . ان هذه العوامل هامة بالتأكيد ، ولكن هناك في تقديرنا عامل هام ايضا يقف وراء هذا الوضع البئيس ، وهو المتمثل بانعزال هذه التيارات ، وبالأساس الاماميون الثوريون ، القاعديون الديمقراطيون ، رابطة العمل الثوري ، المناضلة ، النهج الديمقراطي ، التوجه النقابي والتوجه القاعدي – الشعلة والعامل التونسي ، عن الحركة الجماهيرية والحركة الشيوعية العالمية ، وانكفائها المحلي الضيق مما لا يمكنها من الدعم النظري والسياسي الكفيل ببناء برنامج متناسق ومنسجم .
ويمكن تحديد قطبين داخل الحركة الشيوعية اليوم : القطب الستاليني الذي تمثله بالأساس الاحزاب الشيوعية القديمة مثل الاحزاب العربية والأحزاب الاوربية الشيوعية ، والقطب الشيوعي الثوري الذي تمثله بالأساس الاممية الرابعة التنظيم الوحيد الموجود في الساحة العالمية . ولقد حاولت الصين في بداية الستينات ان تبني قطبا في مواجهة موسكو ، واستطاعت ان تكسب ولاء العديد من الاحزاب والتنظيمات وخصوصا حزب العمال الالباني ( محمد انوارخوجة ) . لقد كان تيار العامل التونسي والشعلة ومنظمة الى الامام وحركة لنخدم الشعب ضمن هذا الخط واستندوا الى اطروحته النظرية والسياسية . وقد شهدنا عبر مرور الزمن تفككا لهذه النماذج خاصة على اثر بروز نظرية العوامل الثلاثة الصينية ووفاة ماوتسي تونغ ، ثم القطيعة بعد عملية النقد الذاتي التي قام بها انور خوجة مع التجربة الصينية وفكر ماو ، لتشكل البانيا مركزا قياديا بديلا يقود التيارات التي كانت تناصر ماو في السابق . وفي حين بقي تيار الشعلة ومنظمة الى الامام وفيان للنموذج الماوي ، فان العامل التونسي تبنى منحى القيادة الالبانية واتبع نهجها ، واخذ موقعه ضمن هذا التيار الذي كانت تمثله عددا من الاحزاب الشيوعية الماركسية اللينينية في بعض البلدان . ولكن يبدو انه ونتيجة لوفاة انور خوجة ، وأمام غياب الانسجام النظري والسياسي لهذا التيار ، فانه بدأ بالانحطاط كما ان نشاطه المشترك محدود ولا يكاد يرى له اثر .
هكذا حكم على هذه التنظيمات والتيارات بالانعزال المحلي الضيق ، مما يجعلها عاجزة عن تقديم مواقف منسجمة من العديد من الاشكاليات النظرية والسياسية المطروحة في العالم ، فنراها مثلا وفي المواقف من القضايا العربية تتبع مواقف الشق الجذري ممثلا في المقاومة الفلسطينية ( الجبهتين الشعبية والديمقراطية ) بالرغم من انها تعتبرها اطرافا موالية للامبريالية السوفيتية ، كما لا نجد لها مواقف واضحة من القضايا العالمية ، وان وجدت فهي غير منسجمة وينقصها الترابط المنطقي .
ان هذا الانعزال المحلي لتيارات اليسار الثوري سيؤدي بها في غياب التوجه الاممي المطلوب ( غياب الاتحاد السوفيتي وتحول الصين الى دولة رأسمالية تمارس الامبريالية الاقتصادية ) ، والدعم النظري والسياسي الضروري سيؤدي بها الى شتى ضروب تلاوين الانتهازية يمينا او يسارا ، او قد يؤدي بها الى الانحطاط كما هو ملاحظ الآن .
لقد اوردنا العناصر التقييمية السابقة في اطار الكشف عن اسباب الغياب السياسي والتنظيمي لتيارات اليسار الثوري ، والواقع ان تلك السمات هي جملة من العوامل والأسباب التي تفعل في بعضها البعض ، وقد اخترنا اخذ ذلك الوضع كنقطة انطلاق لتبسيط عرض هذه العناصر التقييمية .

.







كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,687,382,973
- منظمة 23 مارس - مناقشات للتقرير الايديولوجي للاتحاد الاشتراك ...
- رسالة مفتوحة الى السيد وزير العدل المغربي الاستاذ مصطفى الرم ...
- الاسرة في المجتمع البطريركي الرعوي العربي
- الديمقراطية وديمقراطية الجماعات السياسية
- لو انّ بغْلة عثرتْ في حفرة ...
- المتلاشيات السياسية في زمن سوق الخردة السياسية
- المجتمع الحديث بين العقلنة واللاعقلنة
- منظمة 23 مارس -- نقد برنامج - حزب التقدم والاشتراكية --
- سورية بلد جميل ، دمره المجرمون
- الحزب العمالي
- منظمة 23 مارس -- في التوجه السياسي المرحلي -
- الدرك الملكي
- منظمة 23 مارس الماركسية اللينينية - التقرير التوجيهي -
- الاغنية السياسية
- المنطلقات النظرية للاشتراكية الصهيونية البروليتارية
- الحركة الاسلامية بالمغرب ( 6 )
- الحركة الاسلامية الاخوانية بتونس ( 5 )
- الحركة الاسلامية في لبنان ( 4 )
- الصراع بين حزب البعث والسلفية الاخوانية في سورية ( 3 )
- التيار السلفي في مصر ( 2 )


المزيد.....




- خطة ترامب للسلام: نتانياهو يصفها -بالتاريخية- والفلسطينيون ي ...
- ليبرمان: ضم غور الأردن يحظى بدعم اجتماعي واسع ويجب التصويت ع ...
- فيديو من مكان تصادم حافلة مع سيارتين في بيرم الروسية
- الجيش الألماني يستأنف تدريب المقاتلين الأكراد شمالي العراق
- كل ما تود معرفته عن فيروس كورونا حتى الآن.. وفيات وحالات إصا ...
- لأول مرة وفي خطوة أحادية.. إسرائيل تسمح لمواطنيها بالسفر إلى ...
- ترامب: فيديو يظهر الرئيس الأمريكي يطالب بـ-التخلص من- سفيرته ...
- كل ما تود معرفته عن فيروس كورونا.. وفيات وحالات إصابة واجراء ...
- لأول مرة وفي خطوة أحادية.. إسرائيل تسمح لمواطنيها بالسفر إلى ...
- بعد انسحاب أنصار الصدر وتطويق الساحات.. المتظاهرون مصرون على ...


المزيد.....

- الإسلام جاء من بلاد الفرس ط2 / د. ياسين المصري
- خطاب حول الاستعمار - إيمي سيزير - ترجمة جمال الجلاصي / جمال الجلاصي
- حوار الحضارات في العلاقات العربية الصينية الخلفيات والأبعاد / مدهون ميمون
- عبعاطي - رواية / صلاح الدين محسن
- اشتياق الارواح / شيماء نجم عبد الله
- البرنامج السياسي للحزب / الحزب الشيوعي السوري - المكتب السياسي
- الشيخ الشعراوي و عدويّة / صلاح الدين محسن Salah El Din Mohssein
- مستقبلك مع الجيناتك - ج 1 / صلاح الدين محسن Salah El Din Mohssein
- صعود الدولة وأفولها التاريخي / عبد السلام أديب
- الثقافة في مواجهة الموت / شاهر أحمد نصر


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سعيد الوجاني - الحركة الماركسية اللينينة التونسية