أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - أحمد القبانجي - من أدلة عدم وجود الله ... دليل وجود الشر















المزيد.....

من أدلة عدم وجود الله ... دليل وجود الشر


أحمد القبانجي

الحوار المتمدن-العدد: 3993 - 2013 / 2 / 4 - 18:29
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


مسألة وجود الشرور والمصائب تعتبر من أهم المسائل التي يتشبت بها المنكرون لاثبات مدّعاهم وتأييد مقولتهم في انكار وجود الله، وغاية ما يمكن أن يقال في تقرير هذا الدليل أن وجود الشرور والمصائب من قبيل المرض والموت والزلازل والفقر والآلام والحروب والقبائح وما شاكل ذلك في عالم الخلقة تتنافى مع وجود مدبّر حكيم رحيم بعباده، فلو كان العالم له مدبّر حكيم وقادر على رفع هذه الشرور من هذا العالم لما رأينا كل هذه الشرور والمصائب، وهذا يعني انه اما أن يكون الله غير قادر على دفع الشر، أو انه غير رحيم بعباده، أو انه غير موجود من الاساس، والفرض الاول والثاني يستلزمان القول بالثالث لأن الله الذي يؤمن به الالهيون اما أن يكون متصفاً بجميع صفات الكمال والجمال وعلى رأسها القدرة المطلقة والرحمة الواسعة والخير المحض. أو لا يكون على الاطلاق هذا، وقد ذهب بعض المتكلمين الى أن الشرور لا تتنافى مع وجود الله بل مع عدله حيث أن وجود أشكال التبعيض في الخلقة وفي المجتمع البشري لا يتلاءم والعدل الالهي، وهذا القول بدوره يفضي الى انكار وجود الله لأن أحد صفات الكمال للذات المقدسة في نظر الالهيين صفة العدل. ومن يفتقد هذه الصفة من صفات الكمال فهو ليس باله، ولهذا ايضاً ذهب المجوس الى القول بالثنوية وأن العالم يحكمه الهين اثنين: اله الخير، واله الشر( اليزدان والاهريمن) وذلك لما عسر عليهم فهم كيفية صدور مظاهر الخير والشر من مصدر واحد فقالوا بوجود مصدرين لمظاهر الكون، أحدهما خير محض ومنه صدرت جميع الخيرات في هذا العالم، والآخر شرّ محض هو السبب لكل أشكال الشر والفساد في هذا العالم.

المناقشة:
لقد تصدى الحكماء الالهيون للاجابة عن هذا الاشكال بطرق مختلفة، وبالامكان ادراجها جميعاً ضمن ثلاثة أجوبة:

الاول: إن الشر في التحليل العقلي يعود جميعاً الى العدم المحض أو ما يفضي الى العدم من قبيل المرض الذي هو في حقيقته عدم الصحة، والموت يعني عدم الحياة، والفقر يعني عدم المال أو الغنى وهكذا، ومعلوم أن الله تعالى خالق الموجودات لا الاعدام التي تعرض على الموجودات بالملازمة وبالعرض.
فيمكن القول بأن عالم الوجود خير محض، والشر هو العدم، فما يقال من وجود الهين: اله الخير واله الشر انما هو لتوهم أن الشرور موجودات ولابد لها من موجد. والصحيح أن الاشياء ليست على نحوين: خيّرة وشريرة واقعاً، بل هي اما أن تكون خيّرة أو أن خيرها غالب على شرها، والشر يعرض عليها بالعرض. اي أنها قد تكون مصحوبة بالشر من جهة أنها تسبب الشرّ للموجودات الاخرى، فالشر هنا أمر نسبي من حيث كونه خيراً لموجود وشراً بالنسبة لآخر.
وعلى أية حال فالله تعالى لم يخلق الشر لانه لم يخلق العدم.
ولكن هذا الجواب غير مقنع وخاصة لاولئك المتورطين بالمصائب والمبتلين بالشرور. فعلى فرض أن الله لم يخلق الشرور لكونها أعداماً، أفلا يستطيع أن يخلق عالماً خالياً من المرض والزلازل والحروب والفقر وما الى ذلك؟
ثم من قال أن جميع الشرور امور عدمية؟ ولماذا نأخذ الخير هو الاصل حتى يكون الشر هو عدم الخير؟ فكما يصح أن نقول أن المرض هو عدم الصحة، والفقر هو عدم الغنى، والشيخوخة هي عدم الشباب، فكذلك يصح أن نقول: إن الصحة هي عدم المرض، والغنى هو عدم الفقر. والشباب هو عدم الشيخوخة. فالصحة والمرض كلاهما أمران وجوديان وحالتان من حالات الجسم الاولى ملائمة والثانية غير ملائمة..

الثاني: إنّ هناك تلازماً ضرورياً بين الخير والشر في دائرة الوجود. فالقضاء شرط اساس لقبول المادة للكمال ولولا التضاد لما وقع تكامل في عالم الخلقة، فهذا العالم هو عالم التزاحم والتضاد، وهذا يعني حتمية وجود نقائص وشرور في هذا العالم والاّ امتنعت الحركة وساد السكون المطبق في العالم، لأن المادة اذا قبلت صورة معينة من الكمال ولم تتحرك نحو الاكمل فلابد أن تبقى كذلك الى الأبد وهذا بنفسه يعدّ مانعاً من بسط الكمال الالهي والفيض الرباني، فالحركة في حقيقتها هي خروج من القوة الى الفعل، وعالم المخلوقات في حركة دائمة نحو الكمال الاعلى، وهذا يعني أن هناك كمالات كامنة في هذا العالم بالقوة وتحتاج في فعليتها أن تكون هناك حركة من النقص الى الكمال، فلولا وجود النقص لما كانت هناك حركة نحو الكمال و «لولا التضاد ما صحّ دوام الفيض عن المبدأ الجواد» كما يقول الفلاسفة.
هذا على مستوى الوجود والواقع.
وكذلك الحال على مستوى المعرفة، فلولا الشر لما عرف الخير. ولولا المرض لما عرف قدر الصحة. ولولا الجهل لما عرف قدر العلم ولولا الموت لما عرف قدر الحياة وهكذا.

الثالث: أن يقال بأن ما يظهر للانسان من النقائص والشرور هي بنفسها خيرات وكمالات ولكن الانسان لجهله بحقائق الامور بحسب أن غير الملائم من الشر. فالفقر بحسب الظاهر شر للانسان ولكنه في حقيقته خير كثير اي يستبطن الخير من حيث قدرته على تحريك صاحبه نحو العمل والابداع وتثوير طاقاته وقابلياته الكامنة، والمرض يدفع الانسان الى اكتشاف ما يضره وما ينفعه من موارد الطبيعة والموت هو في حقيقته انتقال من عالم الى عالم آخر ومن مرحلة الى اخرى وكأنه ولادة ثانية كما ينتقل الجنين من بطن الام الى عالم الدنيا، فليس الموت حركة نحو الكمال بالنسبة للميت فحسب، بل هو خير كذلك بالنسبة الى الاحياء ايضاً ولولاه لضاقت الارض بسكانها مع زيادة المواليد. وأما مع توقف المواليد فيعني حرمان جميع الاجيال الحاضرة واللاحقة من الظهور الى عالم الوجود مما يعني توقف الفيض الالهي عن العطاء.
وهذا الوجه هو ما تؤكد عليه النصوص الدينية من أن الغاية من المصائب والشرور التي تصيب الانسان انما هي للامتحان والاختبار كما يقول تعالى:
(ولنبلونّكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الاموال والانفس والثمرات وبشر الصابرين)
ومعلوم أن الامتحان الالهي لا يساوق المفهوم البشري من الامتحان، اي معرفة الشيء بعد فحصه. فان هذا المعنى لا يرد على الامتحان الالهي، بل كما يذكر المفسّرون من أن الامتحان الالهي للانسان هو اخراج طاقاته الكامنة من القوة الى الفعل كما يمتحن الذهب بوضعه في النار لتخليصه من الشوائب ولزيادة جودته وخلوصه.
وعلى هذا تكون الشرور والمصائب في حقيقتها خيرات بنفسها أو مؤدية الى الخير. وكل نقص يؤدي الى الخير لا يعتبر شراً ومصيبة كما في بذل التاجر مقداراً من ماله لشراء بضاعة مربحة، أو بذر الفلاح لكمية من الحبوب على الارض لنيل محصول أكبر فمثل هذا البذل والبذر لا يعدّ خسارة وشراً في العرف.
وببيان آخر: أن الشر في حقيقته أمر ذهني يتوقف وجوده على كيفية استنباط الانسان لمدلول الحدث الخارجي، فالجاهل بحقيقة معطيات الحوادث الطبيعية يستنبط مفهوم الشر من تلكم المصائب والبلايا والمنغصات التي تواجهه في حركة الحياة، ولكن لو ازداد علمه وعرف حقيقة الأمر لأدرك أن ما كان يحسبه شراً هو خير محض، وفي ذلك يقول تبارك وتعالى:
(فعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله فيه خيراً كثيراً)
وهكذا يكون الشر محصولاً ذهنياً ليس له في عالم الوجود الخارجي مصداق وتشخّص.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,427,563,311
- التفسير التاريخي لظاهرة الايمان بالله
- حقيقة الوحي
- دور المرجعية في عصر الحداثة
- العقلانية في الفقه
- محاضرة العقلانية في عصر الحداثة
- محاضرة العقلانية في الاخلاق
- محاضرة اعرف نفسك
- نقد الحر العاملي ومصنفاته
- محاضرة كيف نعرف الدين الحق؟
- محاضرة المنهج الهيرمنيوطيقي للمثقفين
- محاضرة العقلانية في الشعائر والطقوس
- القراءة المنسية ... مراجعة لنظرية «العلماء الأبرار» القراءة ...
- نقد أحاديث تفسير القرآن
- نقد الشيخ الصدوق وكتبه
- نقد العلامة المحدث محمد باقر المجلسي
- الشيخ الكليني وكتابه الكافي
- القرن التاسع عشر وإستقلال علم النفس ... المدرسة التجريبية
- الديمقراطية والمعنوية
- قراءة في البلورالية الدينية او الصراطات المستقيمة
- الايمان, السياسة, الحكومة


المزيد.....




- باكستان تغير روايتها الرسمية حول دورها في عثور الأمريكيين عل ...
- مقتل 11 شخصا في اشتباكات بين حركة إسلامية شيعية والشرطة الني ...
- في لبنان: متطرّفون مسيحيون يهدرون دمّ -مشروع ليلى-
- عبد الله الثاني يتفقد المسجد الحسيني بعد حريق في حرمه
- بابا الفاتيكان يبعث برسالة للأسد.. والأخير يطالبه بالضغط على ...
- أوفد مبعوثا للأسد.. بابا الفاتيكان قلق على سكان إدلب
- الإخوان المسلمون السوريون يقرأون قاموس أدونيس
- المسجد الإبراهيمي في الخليل... ثكنة عسكرية
- بابا الفاتيكان يوجه خطابا إلى الرئيس السوري من 3 طلبات
- اكتشاف مثير في الفاتيكان أثناء البحث عن مراهقة مفقودة قبل 36 ...


المزيد.....

- كتاب ( عدو الله / أعداء الله ) فى لمحة قرآنية وتاريخية / أحمد صبحى منصور
- التدين الشعبي و بناء الهوية الدينية / الفرفار العياشي
- ديكارت في مواجهة الإخوان / سامح عسكر
- الاسلام الوهابى وتراث العفاريت / هشام حتاته
- قراءات في كتاب رأس المال. اطلالة على مفهوم القيمة / عيسى ربضي
- ما هي السلفية الوهابية ؟ وما الفرق بينها وبين الإسلام ؟ عرض ... / إسلام بحيري
- نقد الاقتصاد السياسي : قراءات مبسطة في كتاب رأس المال. مدخل ... / عيسى ربضي
- الطائفية السياسية ومشكلة الحكم في العراق / عبدالخالق حسين
- النظام العالمي وتداعياته الإنسانية والعربية – السلفية وإغلاق ... / الفضل شلق
- المعتزلة أو فرسان العقلانية في الحضارة الاسلامية / غازي الصوراني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - أحمد القبانجي - من أدلة عدم وجود الله ... دليل وجود الشر