أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - حسن محسن رمضان - إشكالية العقل السلفي العربي















المزيد.....

إشكالية العقل السلفي العربي


حسن محسن رمضان

الحوار المتمدن-العدد: 3978 - 2013 / 1 / 20 - 17:51
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    



في ثقافات العالم أجمع تتكون هناك نزعة واضحة لكل صاحب إيمان أو عقيدة أو دين إلى تصوير الظروف التي نشأت بها هذه العقيدة بصورة مثالية متعالية غير قابلة للطعن أو للتشكيك. بل إنه يحاول أن يُفلسف، إنْ صح هذا التعبير، حتى النصوص المقدسة ضمن إطار عقائده التي تبدو ساذجة أو تعاني من خطأ منطقي واضح. فمثلاً، في العقيدة المسيحية، الإجابة الشهيرة ليسوع الإنجيلي (ليس ما يدخل الفم يُنجِّسُ الإنسان. بل ما يخرج من الفم هذا يُنجِّسُ الإنسان) [متى 15: 10-11]، لم تكن على حقيقتها إلا رد يعاني من خطأ منطقي لاعتراض اليهود عليه بسؤالهم إياه (لماذا يتعدى تلاميذك تقليد الشيوخ، فإنهم لا يغسلون أيديهم حينما يأكلون خبزاً؟) [متى 15: 2]، فالاعتراض هنا كان على النظافة الشخصية له ولاتباعه قبل الأكل، ولا علاقة إطلاقاً بجواب يسوع الإنجيلي بموضوع الاعتراض اليهودي على سلوكه وسلوك أتباعه، بل كانت إجابة أقرب للسذاجة منها إلى أي شيء آخر، ولو اتبعنا رأي يسوع الإنجيلي في إجابته تلك مع الأخذ بعين الاعتبار الظرف الذي قاله فيه لأصبحت لدينا إشكالية صحية وسلوكية خطيرة بين الشعوب. وكذلك في نصوص الإسلام، فالحديث المنسوب للنبي محمد في كتب الصحاح فيما يخص الأمراض: (لا عدوى)، والإجابة الشهيرة على من اعترض عليه (فمن أعدى الأول؟!)، تحمل أيضاً في طياتها خطأ استدلالي واضح. فبالإضافة إلى مشكلة إنكار الظاهرة الواضحة المُشاهدة، فإن نفي العدوى مطلقاً والاستدلال عليه بغياب المرض عند (الأول) لا يفسر أصلاً سبب المرض، ولا يفسر ظاهرة انتقال المرض من المصاب إلى السليم، هذا بالاضافة إلى أنه ينقصه الدليل على أن (الأول) كان خالياً بالفعل من الأمراض، وإنْ كانَ خالياً فأين كان مُسبب المرض، ويضاف إلى هذا كله أن الإجابة لم تتطرق أصلاً لموضوع الإشكال: ما هو سبب المرض. هذا الحديث جعل شارح صحيح مسلم، الإمام النووي، يتولى التخمين عن سبب المرض وليقول عن مرض الجرب في الإبل: "إنما جَرُبَ بفعل الله تعالى وإرادته، لا بعدوى تُعدي بطبعها". ووجه الغرابة هنا هو تشابه السياق الفكري في المثالين السابقين، المسيحي والإسلامي، فمقولة (ليس ما يدخل الفم يُنجِّسُ الإنسان. بل ما يخرج من الفم هذا يُنجِّسُ الإنسان) مشابهة تماماً في المنطق لمقولة (لا عدوى)، وكلاهما خطأ إلا في الذهنية العقائدية التي ترى ما لا يُرى.

هذه النزعة أدت في محاورها المتعددة إلى التشابه العام في التاريخ الديني للأديان التوحيدية الثلاث بصورة تثير الشك في أن الدينين اللاحقين، المسيحية والإسلام، قد استلهما التاريخ الميثولوجي الديني اليهودي لشخصية موسى وشعبه في حياكة محاور متعددة لقصة يسوع (عيسى) ومحمد. فالإنجيل الذي يروي القصة الميثولوجية ليسوع الإنجيلي ما هي إلا حياكة إسطورية متأثرة ببعض تفاصيل قصة موسى في التوراة اليهودية بالإضافة إلى الأساطير الوثنية اليونانية والرومانية، والسيرة النبوية لمحمد في محاور متعددة منها ما هي إلا حياكة قصصة وهمية متأثرة أيضاً ببعض تفاصيل قصة موسى في التوراة اليهودية. ومن هنا نعرف أن مصطلح (السلف) كان حاضراً جداً ليس فقط في الذهنية اليهودية ولكن أيضاً في الذهنية المسيحية والإسلامية منذ بداياتها الأولى وفي كتاباتها لنصها المقدس، وأن (السلفية)، كمنهج، كان أيضاً مؤثراً في جميعها من دون استثناء.

إلا أن السلفية، كفكرة وكمنهج، في العصر الحديث هي واضحة جداً في الذهنية العربية بالتحديد. فهذه الفكرة تؤدي إلى التقوقع حول نتائج ظروف محددة، وما صاحبها من "مفاهيم" معينة كانت سائدة في زمان سابق عليهم، ولينظروا لأفرادها هؤلاء بمثالية منقطعة النظير، وأن محيطهم هوا "المثال" المرتجى والمحتذى، وأن "الحقيقة" هي نتاجهم الفكري وما كانوا عليه من عقائد وقناعات. بالطبع، هذا موجود في كل الديانات التوحيدية الثلاث، فمن يؤمن بأن المرض النفسي أو الجنون سببه التلبس من جانب (روح نجس) [مرقس 5: 1-13] مساوٍ تماماً لمن يؤمن بأن هذه الأمراض بسبب الجن وأنهم قبائل وشعوب ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ﴾ [الأعراف: 27]، فجميعهم إنما ينظرون إلى عقائد (السلف) على أنها عنوان لـ (الحقيقة)، ولا فرق حقيقي بينهم. هذا بدوره يقود هؤلاء إلى اختيار مجموعة من الأفراد على أنهم "السلف" ومجموعة من الظروف المحيطة على أنها "المجتمع الفاضل". ويتحول الهدف في نظر هؤلاء من محاولة دفع الحاضر في اتجاه مستقبل يكون أفضل تقنياً وعلمياً واقتصادياً واجتماعياً أو على الأقل إلى مزيد من التجانس الاجتماعي، يتحول إلى محاولة دفع الحاضر في اتجاه الماضي "السلفي" بكل كوارثه، أو المحاولة المستحيلة لدفع الزمن إلى الخلف، مع ما في هذه المحاولات من إشكالايات عديدة على مستوى الواقع المعاش وعلى مستوى البداهة.

المشكلة هنا تتبدى بصورة عجيبة جداً. إذ أن محاولة دفع المجتمعات إلى زمان ماضٍ تكون فيه تلك "الظروف" السلفية سائدة لا يتأتى إلا بإلغاء جزء كبير من "عقلانية" أبناء هذا الزمن الحاضر. ولكن هذه العقلانية لدى "السلفيين" العرب، بغض النظر عن ديانتهم، هي ليست "عقلانية" متجددة تخضع لمكتشفات العلوم الحديثة ومناهج المنطق وأساليب البحث العلمي والنقدي الصارمَين، ولكنها "عقلانية السلف" التي استقرت منذ قرون سحيقة في القدم. احتضان تلك "العقلانية السلفية" يؤدي بالضرورة إلى حالة من الفصام في ذهن كل سلفي بين ما هو حاضر، وهو ما يتم التعبير عنه بالـ (بدعة، هرطقة، ضلالة، علم لا ينفع، مخالف لمنهج السلف، سكت عنه السلف، لم يتكلم فيه السلف، إذا وسعهم السكوت عنه فإنه يسعنا كذلك....الخ) وبين ما هو موجود في بطون الكتب السلفية من أخبار وآراء. هذه الآراء "المقدسة" التي تم فصلها عن المناخ الثقافي العام الدارج والسائد لذلك المجتمع بكل إخطائه وتناقضاته وإشكالاته وصراعه ومصالحه ثم لتقدم لهم صورة أقرب إلى اليوتوبيا أو المدينة الفاضلة الوهمية والتي لم توجد قط (وعلى هذا كان السلف الصالح، وبه قال السلف الصالح، كان السلف....الخ).

إن مشكلة العقل السلفي قد لخصها د. عبد الرزاق عيد بشكل ممتاز ودقيق ومختصر، وهو وإن كان يتكلم عن المناخ الإسلامي، فإن رأيه صالح للمناخ الفكري العربي بشكل عام إذا أزلنا من رأيه المصطلحات الإسلامية واستعضنا عنها بمصطلحات أي دين آخر يتبناه قطاع عربي محدد:

"هناك مدرسة (الحديث) التي تتحرج بل وتتأبى أن تبدي رأياً حتى في ما ليس فيه نص. وعلى هذا فالمعقولية لا تكمن إلا فيما عمل به عقل (السلف)، أي السند والخبر. ولهذا كانوا يترخصون في شروط قبول الحديث حتى ولو كان آحاداً ضعيفاً، لأنه بذلك ينقذهم من إعمال العقل والرأي، فيفيئون إلى النقل مستريحين في ظله من وسوسات العقل". [سدنة هياكل الوهم – نقد العقل الفقهي، د. عبدالرزاق عيد، ص 26-27، دار الطليعة، الطبعة الأولى، بيروت 2003]

مشكلة ذلك "العقل" أنه يرى أي خروج على المألوف هو تهديد مباشر للذات، وذلك يستدعي بالضرورة دفاعاً يساوي في حدته القتال من أجل البقاء، حتى وإن استدعى هذا (القتال المقدس) أن يُبرر اللامنطق واللاعقل والسذاجة المتناهية. فـ "النص" عند هؤلاء جامد مستقر ثابت لا يحاكي المتغير، بل المتغير يجب أن يدخل في قالب الثابت ويتحرك ضمن حدوده. فمنذ سنوات كتب الشيخ محمد الغزالي رحمه الله متذمراً من عقلية هؤلاء في كتابه (السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث): "الذي يثير الدهشة أن المدافعين عن الإسلام أو المتحدثين باسمه وقفوا محامين عن هذه الفوضى الموروثة، لأنهم، وبغباوة رائعة، ظنوا أن الإسلام هو هذه الفوضى، والجنون فنون والجهالة فنون". لذلك كان الخروج عن ما ألِفوه من مرويات وشروح وحواشي، كُتبت منذ قرون طويلة، هو نوع من البدع أو الهرطقة، هذا إن داهنوا في الخطاب، وإلا فهو نوع من الكفر.

هؤلاء، وفي النهاية، سوف يموتون ولن يبقى من ذكراهم إلا صفحات سوداء في التاريخ وعلى وزن "فتنة الحنابلة في بغداد" أو "محاكم التفتيش" أو "محنة الإمام الطبري":

"وفي هذه السنة توفي محمد بن جرير الطبري، صاحب التاريخ، ببغداد، ومولده سنة أربع وعشرين ومائتين، ودفن ليلاً بداره، لأن العامة اجتمعت، ومنعت من دفنه نهاراً، وادعوا عليه الرفض، ثم ادعوا عليه الإلحاد. وكان علي بن عيسى يقول: والله لو سُئِل هؤلاء عن معنى الرفض والإلحاد ما عرفوه ولا فهموه. وأما ما ذكره عن تعصب العامة، فليس الأمر كذلك، وإنما بعض الحنابلة تعصبوا عليه، ووقعوا فيه، فتبعهم غيرهم".





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,478,288,902
- في طبيعة العلاقة بين الفرد والدولة
- عندما نفقد خارطة طريقنا
- مشكلة اليهودية والجغرافيا عند كتبة الإنجيل
- من إشكاليات قصة يسوع الإنجيلي
- التناقضات الأخلاقية عند يسوع الإنجيلي
- هل هذه صلاة أجر ومغفرة؟
- في إشكالية الشعوب العربية
- سؤال غير بريئ لما يسمى ب -القوى الشبابية- في الكويت
- بصراحة … رأيي في أحداث مسيرة يوم الأحد
- كلمة قصيرة لمن يخاف -ثورة- في الكويت
- لأنكم مجتمع يمثل شذوذاً في كل شيء
- حتمية الصدام بين المنهج السلفي والدولة المدنية
- ميسون سويدان ... أيتها الرائعة
- أيها السياسيون الكويتيون العباقرة … يا أيها الشعب
- باغافاد غيتا – المعرفة السرية القصوى
- التدليس في الخطاب الإعلامي الديني ... محمد العوضي كنموذج
- إشكالية النص المسيحي وشخصية يسوع
- مَنْ كتب الإنجيل؟
- في نقد الطب الإعجازي المسيحي والإسلامي
- حوادث أكل لحوم البشر في التاريخ الإسلامي


المزيد.....




- إسرائيل تصادر مساحات واسعة من أراضي سلفيت وقلقيلية لبناء مست ...
- أبو القاسم الزهراوي.. ماذا تعرف عن أعظم جراحي الحضارة الإسلا ...
- هيئة الانتخابات التونسية تحذر من استغلال المساجد ودور العباد ...
- ترامبي مهاجما: أنا لم أعتبر نفسي المسيح المخلص.. والـ CNN كا ...
- -قامر بأموال الفلسطينيين لصالح الإخوان-.. حبس نجل نبيل شعث 1 ...
- مقتل 12 شخصا في هجوم لـ -بوكو حرام- استهدف قرية في النيجر
- إعلامية لبنانية تثير الجدل بعد مطالبتها باستقدام اليهود إلى ...
- اليوم في مقر “التجمع” : الأمانة العامة تجتمع برئاسة سيد عبدا ...
- تقرير رسمي : “الإخوان” ترمي بأفرادها في الهلاك ثم تتنصل منهم ...
- ملحدون في الأردن... من التدين الظاهري إلى الشك


المزيد.....

- مشكلة الحديث عند المسلمين / محمد وجدي
- كتاب ( عدو الله / أعداء الله ) فى لمحة قرآنية وتاريخية / أحمد صبحى منصور
- التدين الشعبي و بناء الهوية الدينية / الفرفار العياشي
- ديكارت في مواجهة الإخوان / سامح عسكر
- الاسلام الوهابى وتراث العفاريت / هشام حتاته
- قراءات في كتاب رأس المال. اطلالة على مفهوم القيمة / عيسى ربضي
- ما هي السلفية الوهابية ؟ وما الفرق بينها وبين الإسلام ؟ عرض ... / إسلام بحيري
- نقد الاقتصاد السياسي : قراءات مبسطة في كتاب رأس المال. مدخل ... / عيسى ربضي
- الطائفية السياسية ومشكلة الحكم في العراق / عبدالخالق حسين
- النظام العالمي وتداعياته الإنسانية والعربية – السلفية وإغلاق ... / الفضل شلق


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - حسن محسن رمضان - إشكالية العقل السلفي العربي