أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رفيق جلول - الباحث والمترجم شرف الدين شكري في حوار خاص : نحن نعيش ميتا-ثقافة على مستوى جميع الرفوف التي تجهّز للثقافة















المزيد.....


الباحث والمترجم شرف الدين شكري في حوار خاص : نحن نعيش ميتا-ثقافة على مستوى جميع الرفوف التي تجهّز للثقافة


رفيق جلول

الحوار المتمدن-العدد: 3959 - 2013 / 1 / 1 - 16:14
المحور: الادب والفن
    


الباحث والمترجم شرف الدين شكري في حوار خاص :
نحن نعيش ميتا-ثقافة على مستوى جميع الرفوف التي تجهّز للثقافة
باحث ، مترجم ، وروائي عرف بجرأته في الحوارات و كتاباته الإبداعية والتأملية فلسفة وخطابا ، له عدة ترجمات لــ" مالك حداد " ، يعايش واقع الراهن الثقافي والأدبي ويناقش ويحلل كل نقائصه ، شكري شرف الدين في حوار خاص مع جريدة اليوم :
حاوره / رفيق جلول
س1- كيف يعرّف النص الجيد صاحبه، أو بالأحرى من صاحب النص الجيد ؟
ج - تتوقف الإجابة عن سؤال كهذا،على الفضاء الثقافي الذي يتحرّك به الخطاب –ونحن هنا نتحدّث طبعا، عن الخطاب الأدبي- ،وكذا على نوعية القناة التي نوصل عبرها هذا الخطاب، ثمّ، على نوعية المتلقي لهذا الخطاب.
إننا الآن أمام ثلاثة ابعاد يتعايش فيها النص الأدبي: "الفضاء الأدبي" -كما يسميه موريس بلانشو-، محكوم بثقافة المجتمع، ولا يمكن له أن يخرج عن السياق الذي سنَّته هذه الثقافة للكتلة السوسيولوجية التي يتواجد فيها إلا بفعل مغامرة، تماما كما حدث في الثقافة الأوروبية التي تتعايش اليوم بشكل دينامي مهول فيما بينها مقارنة مع الحراك الحلزوني الذي نحاول ان تنفس فيه كرجالات ثقافة. والمغامرة لدى رجل الثقافة، هي حتما ما يمكن تسميته بالإبداع. وطبعا، الإبداع لا يعني أبدا ممارسة الكتابة وفقط كما يحلو لصغار الكتَبة التباهي أمام بعضهم بعض حين يلتقون في تجمعاتهم (الثقافية)المسكينة. الإبداع يعني خرق، يعني التزام تجاه الكشف، يعني احتكاك مع الموت الذي ترتضيه ثقافة التدجين دون مهادنة،يعني البحث عن ضوء ساطع في ليل المعنى-كما ينعته الأستاذ دلباني-. أما نوعية القناة الواصلة لهذا الخطاب الأدبي ، فهي حتما تتبع نوعية الفضاء الثقافي السائد الذي لا يمكن له أن يدرّ نوعية جيّدة إلا إذا مارس رجل الثقافة نوعا من الضغط ودرج على سنّ ميكانيزمات اشتغال حادّة كما تلك التي تكلمنا عنها سابقا،التي تتيح توسيع دائرة ذلك الفضاء بالقدر الكافي الذي يسمح للمعنى بالخروج إلى ابعد مما ترتضيه الأشياء التي يوفّرها المجتمع ويرتضي عبرها الإبقاء على المعنى الذي تسنّه قوى صناعة المعنى التي لا تتوانى في استعمال العنف لو لزم الأمر من أجل المحافظة على مكتسباتها،وفق المنهاج الذي تحدّث عنه بيار بورديو في رأس المال الثقافي والعنف. حينها يمكننا أن نتحدّث عن نوعية المثقف الذي ينتج عن هذا السياق النقدي،وعن نوعية الثقافة السائدة التي يتعطاها هذا المثقف الذي تتحدّد درجة فاعليته بدرجة وقيمة المُبدَع الذي يضعه كنهج ورؤية ومعنى جديد يقرأ من خلاله الأشياء تلك.
إنّ توسيع دائرة التفاعل الفني في أي مجتمع يعدّ عملية دقيقة جدا تشترك فيها جهات عديدة، ولكنه لا يتطوّر إلا إذا انبنى على العصيان والخروج والخرق ...هذه الشرائط هي الدينامو الوحيد للفعل الإبداعي. ولهذا فإن النص الجيّد وفق وجهة نظري،هو حتما ديباجة الخروج التي لاتنتهي، وإن هي اكتفت بما هي عليه، أمكننا تسميتها أي شيء،إلاّ أن تكون نصا ادبيا. الأديب الحقيقي،هو زارع متاعب ومشاكل وشكوك بلا حلول،وللقارئ ان ينتقي الحديقة التي يريد أن يرتاح بها بعدها، فهذا ليس شأن الكاتب.حدائق المشاكل كثيرة، والراحة اكبر من اختزالها في مشكلة واحدة.
س2- اشكالية اللغة هل هي مرتبطة بالنص ما تعليقك؟
ج : تحدثنا اعلاه عن ذلك المعنى الذي يستنطق الأشياء التي يوفرها المجتمع للإنسان من أجل تدجين رؤيته على معنى محدّد بعينه. وعليه فإننا هنا أمام معنيين،أمام زمنين مختلفين: زمن الكاتب،وزمن المجتمع. حين يصبح الكاتب يسير على دقات وجيب ساعة المجتمع،فتأكّد بأنه سيتحوّل هو ايضا إلى فرد عادي جدا ضمن كتلة سوسيولوجية ترعى اغنام المعنى في قطعان سيدنا الحاكم لأمر القوّة وسلطان العباد. ماذا يمكن لنصّ كاتب مدجّن ان يصنعه بعدها؟ هل يمكن له أن يصنع "تاريخه الجواني" للحادثة الأدبية التي يصنعها،كما يقول جورج طرابيشي؟ مستحيل.سنكون حينها أمام نوع من التأريخ أو التصفيف الرّكيك لأعجوبة التكرار الممل التي لا تنتهي.
لا تقدّم اللغة الأدبية حلولا.هي مَشكَلَة غير منتهية لمجموعة من المعاني التي يستعصي حصرها،نوع من القداسة الشبيهة بمآل النصوص المقدّسة،إلاّ انها بشرية خالصة؛ أي أنها ابنة الإنسان دون منازع،وفي هذا نوع من النُّبل الذي لا نقاش في رفعته. لذلك فإن هذا النبل بعيد حدّ التلاشي عن أولائك الذين يمارسون الكتابة بشكل أوتوماتيكي أو سليقي "كوميدي"...
* س3- بين الرواية والشعر صراع ، في رأيك هل يتمثل هذا الصراع في القراءة ؟
ج - لا أعتقد بأن هناك صراع بين أي نوع أو شكل أدبي إلاّ في ذهن واهني الثقافة. النصوص تكمّل بعضها بعض مهما اختلَفَت. ووحدهُ النص الأدبي –حمّال الأوجه-ابإمكانه أن يزاوج فيما بينها في عرسٍ يتِمُّ فيه استدعاء (الشكل) كنوع من المحطّة التي تختارها الروح وتتموضع بداخلها كي يولد النصّ متكاملا بدرجات. إنه متعهّد حفلات. عراّبٌ غرابة بامتياز. وكلما كان النص عارفا،كان أقرب إلى روح الأشياء،وكلما كان جاهلا، كان أبعد عنها.حينها تتحدّد ثقافة كل فرد من جهة، وبعض الاستعدادات النفسية التي تنشأ فينا ويتمّ تربيتها أو تنشئتها من جهة أخرى.لا أومن بالنصوص التي تفتقد إلى الثقافة. أبعد ما قد تصل إليه ؛ هذه النوعية، هي التكرار الذي لا ينتهي حتى تنتهي عهدة الكاتب في إبهار الآخر بجديد يتقادم حتى النسيان.
لا أومن بمن لا يجدّد نفسه كلّ فصلِ عمر. قد يفلح التجديد أحيانا، وقد يخيب، وهو حال أي فعل بشري،لكن التقوقع داخل شكل بعينه، وحصر الروح في فضاءٍ محدود، يبدو لي كسجن لا جمال فيه. نحن أمام "واقعة أدبية" لا أمام فاتورة كهرباء أو ديباجة حرب يُغِيرُ فيها القويّ على الضعيف لاستحالة حلول الحوار، فتُسجّلُ له بالتاريخ والساعة المعلومتين. الواقعة الأدبية، هي صوت الروح الذي لا يكفّ عن الجنون في ليل العزلة، بعيدا عن بروتوكولات أخلاق المجتمع وسيوف ممثلي سمائهم. إن لم نرتح داخل هذه الروح، فنحن لا نستحق الحياة، لذلك فإن الكتابة عن هذه الروح، هو مهنة خطيرة، لا ينالها أيا كان، مهما عَلَى شأن الاضواء التي تدّعي بأنها كاشفة،ووحده الزمن كفيلٌ بمنح الواقعة الأدبية الصفة التي تستحقها،طال أم قصر ،مادام هناك عرق إنسان ينبض على هذه البسيطة.
س4- تشكل الكتابة باللغة العربية حاليا جدلا فكريا، ما طبيعة هذا الجدل ؟
ج- لا توجد مشكلة لغة في حقيقة الأمر إلا لدى من يفتقد لثقافة اللغة التي يعاديها. أعدى الناس بالأشياء من يجهل تلك الأشياء. عاشت الجزائر بعد الاستقلال،تلك الصراعات اللغوية الواهمة التي أتت على جهد وموقف ونتاج العديد من الكُتّاب الذين كانوا ضحايا ذلك الصراع الذي نبع من قوّة الوجود الأيديولوجي على حساب الوجود الفنّي. دفعنا ثمنا كبيرا،تمّ عبره اغتيال "المدرسة الروائية الجزائرية" التي كانت اصل الرواية المغاربية،كما ينعتها الخطيبي، باللغة الفرنسية،و التي كانت اكثر من عظيمة وأجمل من مثّل كفاح الإنسان الجزائري في أوج معارك وجوده. تشتت كتاب تلك اللغة وتمَّ صعقهم بسياط أيديولوجيا الحزب الواهم الذي دمّر أغلب الأشياء الجميلة التي كانت بهذا الوطن، والتي كان من الأجدر التعامل معها "كغنيمة حرب" كما قال كاتب ياسين،لا كمنفى أعمى، كما لم نفهمه من مالك حدّاد.
اللغات تُزرع، فتنبت الثقافات،ولا يتم اقتلاع أي لغة من جذورها بحجة أنها تعيق لغتنا عن البروز،لأن العيب أو الوهن حين يطال الإنسان يطال اللغة أيضا. المسألة ليست مسألة هوية، ولا وطنية، كما يراها البعض من قاصري النظر، إنها مسألة تتعلق بنسبة تخلِّينا عن حيوانيتنا الأيديولوجية، كما يراها ديستوت ديتراسي،كي نتمكّن من اعتناق ثقافة الآخر بقوّة استعدادنا لامتصاص نسغ الاختلاف الذي قدّمه لنا، وتحويلها من ثمّة إلى ثقافة مولّدة Métisse، يستحيل أن يطالها الضعف أو الوهن. نحن بحاجة Yلى ثقافة تحبّ الآخر المختلف، كما يقول ميشيل سير. وأنا حين أتحدّث عن " الآخر المختلف" لا أعني بتاتا "الآخر"، فقط لأنه "آخر"، بل إنّه "آخر"، لأنه مختلف.

س5 - يقول نيتشه " أحب فقط ما كتبه الإنسان بدمه ." وما ذا يحب شكري في زمن قل فيه أمثال هذا الفيلسوف ؟
ج - لكلّ زمن إنسانه يا صديقي. وأما الكتابة بالدّم، فهي تشمل كل زمن.لذلك فإن عدد زمن الرجال، أقلّ من عدد زمن الدمّ. أسطورة نحر القربان لأجل أن ترضى علينا "آلهة الأمن" التي تستعمر المعنى الإنساني الخالص، بحاجة دائما إلى من يضحي لأجلها. وطبعا، زمن الكلام في وسع الحال، يختلف عن زمن الكلام الموجّه الدقيق، النقدي، الأكيد في زمن الضيق والأزمات النفسية الاجتماعية الداحضة.لذلك فإن إرادة القوة التي دعى إليها نيتشه، سوف تصطدم بشدّة بإرادة المعنى الاستعبادي العتيق الذي يرتضيه اشباه الآلهة للإنسان الذي لا يمكن له أن يكون حديثا-أي آنيا-،إلا عبر تجاوز ذلك الخرق العتيق لتقاعس الإرادة من جهة، ولهيلمان معنى القوة المسيطرة من جهة أخرى. إنه حتما نوع من "عنف الرّمز"، كما يقول بورديو أيضا، وتأسيس تلك الإرادة الفولاذية التي دعى إليها زردشت، ليس باللعبة الشعرية التي قد يردّدها البعض. الأمر يتعلق بدماء حقيقة، وعزلة قاتلة، ونفي لا حدود له من باليه سعادة القطعان البائسة.
س6- في رأيك هل تعتقد أن اللغة عاجزة عن مسايرة الفكر ؟
ج- من المفروض أن تكون لكل لغة فكرها،. إلاّ أن هناك لغات بلا فكر، وهي من نصيب فاقدي الذاكرة أو مجانين الرقص فوق جثث مشاكل الإنسان الحقيقية، كقردة مولانا السلطان التي عليها ان تلوّح براسها كلما أهلّ بدره. من المفروض أيضا، أن يكون لكل فضاء حرية فضاؤه من اللغة التي تناسبه. فكلما توسع ذلك الفضاء، ازدادت اللغة جمالا، وجُرأة وخرقا،ومسايرة للحلم الإنساني الخالص الذي يطلب دائما المزيد من التعابير ومن الانفتاحات،وكلّما ضاق ذلك الفضاء، كلما اختنقت اللغة،وعمّت السيكولاستيكية،واستحال الحلم إلى كابوس، كما يحدث في المجتمعات الدينية، أو تلك التي تدّعي التديّن،أو تلك التي لديها نوازع سوسيو-ثقافية متدينة-..
شيئان لا يفترقان،يصاحبان الفكر كظلٍّ لصيق: الحلم والحرية. تقهقرهما، يعني نهاية الفكر، توسعهما، يعني حتما ميلادا متجددا للفكر،أي للإنسان،بكل بساطة.
س7- ترجمت رواية " التلميذ والدرس " لمالك حداد هل تعتقد أن الترجمة الأدبية فكرية أم تعتمد فقط على الألفاظ ؟
ج- لسنا هنا بصدد الحديث عن السيد المترجم، غوغل،كما يحلو لبعض الأصدقاء سامحهم الله التبرّك به في الترجمة، حتى في رسائل الدكتوراه التي تعكس كارثة لغوية حقيقية، بكل المقاييس لطالما وقفنا عليها، مما يجعلنا نتساءل كأكاديميين أولا، ثمّ كأدباء، عن نوع ومستوى ونسبة اللغة التي وصلت إليها من تُسمِّى نفسها بالطبقة المثقفة. للأسف، لا اشهد ذلك التبارز اللغوي بين المثقفين-كما كٌنّا نفعل في بيوتاتنا أيام الصبى-...هناك حلقة مهمّة جدا في سلسلة المثاقفة تغيب عن العديد من مفعّلي الثقافة عندنا. هناك بؤس لغوي،أو بمفهوم سوسيولوجي، امية وظيفية تتعلّقُ باللغة الضرورية للتخاطب أولا، ثم للعمل ثانيا لدى المواطن الجزائري بشكل عام. لغة التخاطب الجسدي أقوى من لغة التخاطب الفكري. من هنا، يمكن لنا أن نتأكّد،وبخاصة ضمن سياسة "جزأرة" رؤية الإنسان المحلّي،بأن هيكل المواطنة اللغوية لا زال بعد غير قائم عندنا، بهويته وأبعاده وأهدافه الواضحة. نعيش نوعا من المسخ، وإن شئنا بتعبير أكثر أملا،نوعا من الطفولة الوجودية، لذلك لا داعي للمغالاة في تقديس ما هو غير مكتمل حتى السّاعة. فولكوريات الأفراح المسبقة،لا تجدي نفعا مع الرؤى المقارنة الناضجة،والوعي النّقدي السليم.
وأما عن ترجمتي، فهي حتما محاولة للسعي نحو كمون الخطاب الفكري في النصّ الأدبي المالكي- الشقّ الأبولوي، بحسب تعبير نيتشه ودريدا. وهو ما يتوافق تماما مع كل ما كتبه مالك حدّاد. لا أذكر جملة واحدة ضمن كل تراث مالك حدّاد لم تكن اختزالا لفكر وجودي خالص، فهو ليس من تلك النوعية المارقة التي تحبّ الرقص فوق جماجم آلامنا. إنه "حفار قبور" بامتياز،حسب تعبير جبران،بحثا عن حقيقة مقتلنا،اجتماعيا وجماليا. يبقى الآن،الجانب الوفي في الترجمة،وهو شقٌ ثان،لا ينبغي القفز عليه،مهما ادعينا تعدّد الخطابات والمنطوقات التي لا تتشابه أو تتماثل فيما بينها ابدا. وهذا الشق لا يمكن لنا ان نحققه إلا عبر تقمّص كل جوانب حياة النصّ والمؤلف،رغم إيماني بفكرة موت "المؤلف". حاولت أن أفصل النص عن الإنسان، عبر دراستي عن مالك حدّاد: "الحياة هي دئاما موت أحدٍ ما"،ولكنني وجدتني أقتفي آثار حياته كلها ومواقفه بها حتى آخر رمق له في هذه الحياة بمستشفى بالعاصمة،وهو يكتب وصيته لابن أخته علي خوجة،وعبر شهادات من عايشوه في صحوه وسكره،في طفولته ووهنه...وجدتني أكتب مالك بلغة عربية-أعتقد شخصيا- بأنها اللغة التي أراد ان يكتب بها،والتي لطالما ردّدها كتأوهات صريحة في عباراته التي لم يفقه كثيرٌ من الفرنكوفيليين محتواها،وكثيرٌ من "المعربزين" ايضا مداها،وظلوا يردّدونها على المنابر بشكل أيديولوجي مخزي تجاه تراث الرجل العظيم الذي كان عليه مالك،ولم نفهمه.
لقد كتب مالك عبارة مهمّة جدا لكل من يحاول أن يسوق كتاباته نحو مقصلة التأويل:
" ما سيقولونه عني...سوف أفصح عنه أنا شخصيا
لا أسمح لأيٍّ كان بأن يمتلِك أغانيَّ
لأيٌ كان، بأن يحكم على قصيدتي
فغنائي المنفرد، هو الذي منحني هذا التناغم.."
من هنا اقتربت من "التلميذ والدرس"، بحذر شديد. من تلك المواقف المذهلة للرجل تجاه اللغة والفن والهوية و الاستطيقا،اقتربت من مالك بحذر شديد،وقد تقمّصت هندام عالمه بكل ما أوتيت من جنون تقمّصِ عالمٍ عظيمٍ كعالم مالك.مارستُ نوعا من التشيزوفرينيا الإرادية،وكنت في كل مرة أخطّط لمحاولة الهروب منها لأجل أن اعيش أنا أيضا،ضمن خطابي الأدبي الخاص. لا أخفيك بأنني لم أخرج من حالتي التشيزوفرينية تلك حتى الساعة، وأنا سعيد بذلك، ولا أخشى لومة ايا كان.
الآن،لا يمكنني أن أقول بأن الترجمة، هي فعل ربط ميكانيكي للألفاظ. هي فعل حفر في النصّ؛فعل فكر خالص. وطبعا، قبل كل هذا، وجب معرفة نوعية النصّ،نوعية الإنسان إن أمكن لأجل تهيئة الفضاء الروحي للنص المُتَرجم،ونوعية النصّ المولّد والمفتوح بدوره على لا نهاية مطلقة من القراءات والتأويلات التي تختلف فيما بينها بحسب نسبة مهنيتنا في تعاملنا مع النص الأدبي.
س8- رواية " جبل نابليون " روايتك الصادرة عن دار فيسيرا ما علاقتها بالتاريخ في حين أن أغلب الروائيين المعاصرين يهجرون الرواية التاريخية وما تعليقك في هذا ؟
ج- أنا ممن يؤمنون بأن العمل الأدبي هو الذي يصنع تاريخه،كما ذكرت أعلاه،بيد أنّ هذا لا يمنع من ضرورة امتلاك الثقافة التاريخية إذا ما نحن اردنا مباشرة الكتابة الروائية. الرواية عالم كبير جدا،ومفتوح على كل أنواع المفاجآت أثناء ممارسته.لا يمكنني أن أتوقع أحداث الرواية إلاّ بشكل تقريبي بسيط. هناك نوع من النبض الداخلي والقرارات المستقلة الموجودة داخل الحادثة الأدبية، أقوى من الكاتب ذاته. هكذا يُصنع تاريخ الرواية، مهما اختلفت الأحداث، حتى وإن حوت على وقائع حقيقية وخطَت تاريخنا. الأديب ليس ناقل أحداث، هو مرقّع حقائق ووقائع. الأديب باحث عن تلك اللغة المنسية من الجمال والمواقف والحقائق التي غفلت عنها العامة، والتي بإمكانه ان يعيد صياغتها بطرح جديد أمام القارئ، علّه يفتح بدوره نافذة جديدة لطرح سؤال حياة جديد،بدل ذلك الّلوك المعهود للمنطوقات الروتينية البالية.الأديب، هو مصنع لغة ومعاني وفكر وتصوّرات. هو فيلسوف وطبيب وحكيم وفقير ومنافق وخبيث وسيدٌ وحقير..هو أرلوكان الروح،والتاريخ بمفهومه الزمني ،هو آخر ما قد يفكّر به بقدر تفكيره بنوعية الزمن الذي تكتنزه الحادثة الأدبية التي صنَعها.
من باب صناعة تاريخ جواني لرواية: "جبل نابليون الحزين" كان منطلقي،ولم تكن الأحداث تاريخية بالمفهوم العريض والواسع لأحداث التاريخ، بحكم صغر حجم الرواية من جهة،وقصر الحقبة الزمنية التي حصرتُ أحداثها بها. لذلك لا أدعي بأنني كتبت رواية تاريخية، بقدر تأكيدي على أنها كانت رواية تمتلك تاريخا جوانيا متينا،وحسبي هذا كأول تجربة روائية لي سنة 2010.
س9- قرأنا ترجمتك الروائية لمالك حداد، ما مصير الترجمة الشعرية؟ هل هي أصعب من ترجمة الرواية ؟
ج - إذا كان ترجمة رواية يتطلّب الدخول في قلب العمل جملة جملة، فإن ترجمة الشعر، يتطلب الدخول في تفاصيل الحروف،حرفا حرفا...إنّه شحذٌ لهمّة الفهم على نصل الذكاء،وفي ذلك فليتبارز المترجمون،وهو الشيء الذي دفعني إلى إعادة ترجمة " الشقاء في خطر" التي كانت مجزرة مشرقية بأتم معنى الكلمة، لطالما احتفلت بها ثقافة السلطة ومثقفي السلطة الجهلاء عندنا،ولم يكلّفوا انفسهم حتى عناء المقارنة بين النص الأصلي،والمجزرة المقدَّمة. أما العملين الآخرين فهما يترجمان لأول مرة،وآمل أن أكون قد وفقت في ذلك،وسيصدران في ربيع السنة القادمة.
س10- هل تعتقد أن هناك جيل من الشباب يستطيع أن يخرج برؤية جديدة لأدب جزائري تنويري ؟
ج- أعتقد أن هناك جيل من الشباب الذي لا يمتلك أي رؤية،لا تنويرية ولا ظلامية.جيل من البشر الظرفيين الذين ينقلبون في حياتهم الف مرّة ،لأنهم بلا قناعة، وبلا ثقافة خاصّة. وطبعا لن ألوم هذا الجيل، بقدر لومي لنوعية المسؤولين التربويين الذين أوكلنا لهم مسؤولية تثقيف هذا الجيل،والذين زرعوا به بكل أريحية كل أنواع الدمار التي لا يمكن تصديق خطورتها لو أمعنّا النظر جيدا بها. إنّ زارع الدمار في أمان،يختلف عن زارع الدمار ونحن نمتلك كل ميكانزمات الحيطة،وهو الشيء الذي يمكن مقارنته بين ثقافة التقتيل التي انتهجتها فرنسا ثقافيا،وثقافة التجهيل التي انتهجتها السلطة الجزائرية في حقّ شعبها بعد الاستقلال.
أحيانا اقول، بأن هذا الشعب لم يرتح منذ أمدٍ بعيد من بطش القرارات العليا..منذ أزيد من قرنين من الزمن. من هنا، يمكننا أن نستشفّ مدى عظمة من يجاهد من أجل تحرير هذا الشعب عبر الكلمة. لا أومن بكتابات (الأطفال). نحن بحاجة إلى كُتاب واعين،نال منهم النضج ما يكفي. وحين يصبح لدينا كتاب واعين،وناضجين، فإن فكرة الظلام من عدمه، تصبح فكرة شعرية لا غير، لأن ظلام الإنسان،بدأ منذ اللحظة الأولى التي وطئت قدماه هذه الارض،ملعونا ومغضوبا عليه،وعليه أن يعرف كيف يخلّص نفسه من هذا القدر "الأرعن"...
س11- كيف ترى واقع النشر في الجزائر وإلى ماذا يعود تراجعه ؟
ج- نحن نعيش ميتا-ثقافة على مستوى جميع الرفوف التي تجهّز للثقافة. لذلك فإن واقع النشر، هو نفسه من واقع الثقافة.أربعة او خمسة ناشرين احترافيين، بالمعنى النزيه للكلمة، ومائة ناشر مصّاص دم، وسارق جهد، وناقص تربية، لا يحسن التعامل مع الكُتاب، و"بزناس" في سوق عريضة،تسمى سوق الكتاب، شبيهة بسوق الغنم،لا تتحّكم فيها الدولة،وبها فصول دعم لا علاقة للكاتب بها، بقدر استفادة الناشر منها مثلما يفعل السماسرة المحتالون. أغلب الناشرين عندنا،هم سماسرة ورق مطبوع، يمتصون دماء خطاب ثقافي ريعي،وجهد كُتاب يتأرجح بين الرداءة والجيّد في صيغته المحاصرة التي تفتقد "للمعريفة" لأجل " الحرقة"...
س12- وأخيرا كيف تستطيع أن تبلغ رسالتك للقارئ ؟
ج- زمن الرسالات انتهي يا صديقي. على الرسل ان يرتاحوا الآن،بعدما كثر المبشّرون بجنّة ونار الإنسان. سأوصد بابي،وأغلق نافذتي.من يريدني لن يجدني،لأنني أعيش شتاء الإنسان. لا أعتقد بأنني سأعيش لأرى ربيعا في الآتي القريب أو البعيد حتى. وإن هو قدم،هذا الربيع، بعد زمن بعيد، فلن يكون له،لا طعم ولا ريح،لأن الجسد حينها سيكون على أهبّة السَّفرة الأخيرة. وحدها حروفي هي التي ستفتح تلك الأبواب الموصدة، وتكسر المسامير الصدئة التي أهلكتها امطار شتاء العمر. حينها سيكون لمن يقرأني كطفل،كل الحرية في رمي كتابي أو مجانبته قبل النوم لأجل اكتناه ليل المعنى. حينها، لن تكون تلك النصوص مِلكا لي،ستكون ملكا لمن يقرأها،كما لم تكن،ولو لمرة واحدة ملكا لي، حتى وأنا هنا في هذه الساعة.
لا رسالة لي.سأوصد أبوابي،وألزمُ الصمت حتى بعد حين. للزمن خزعبلاته التي تفوق نباهتي.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,643,805,338
- فصل من إلياذة الجحيم:
- راقصة في شهوة البحر
- الحاجة عذرا بين بداوة الطوارق وتحضر المدينة في رواية نادي ال ...
- ترنيمة ليل ....... وقصيدة للمتنبي (من سرق خفّ اللّيل؟)
- مذكرات عائد إلى وطن...
- بكائيّة وطن يرفض عشبة الخلود
- مرثية شاعر اعتنق الرحيل
- سقوط على ممر التاريخ
- مدينة في زمن لغة منسية
- حين يهتز أفيون الجسد
- الإبداع الرومانسي في شعرية محمد الأمين سعيدي / قراءة نموذجية ...
- غرناطة ... وما تبقى من فتاة ذكريات
- أحلام موقوتة
- سيمفونية الألم
- فجيعة صمت


المزيد.....




- قائمة معهد الفيلم الأميركي لأفضل 10 أفلام في 2019
- وفاة المخرج المصري سمير سيف عن عمر يناهز 72 عاماً
- وفاة المخرج المصري سمير سيف عن عمر يناهز 72 عاماً
- وفاة المخرج المصري سمير سيف عن عمر 72 عامًا
- الحساني رئيسة جهة طنجة في ضيافة سفير بريطانيا
- أول تعليق من عائشة الكيلاني على -تقليل- المخرج محمد سامي منه ...
- تقرير: الشمراني تعرض لإهانات من مدربه الأمريكي منها تشبيهه ب ...
- بعد ربع قرن... سينما تبصر النور في غزة مؤقتا
- عِراق ...
- بنعبد القادر يستعرض بالصين إصلاحات منظومة القضاء في المغرب


المزيد.....

- الفصول الأربعة / صلاح الدين محسن
- عرائش الياسمين / ليندا احمد سليمان
- ديوان الشيطان الصوفي / السعيد عبدالغني
- ديوان الذى حوى / السعيد عبدالغني
- مناجاة الاقلام / نجوة علي حسيني
- المراسيم الملكية إعلان الاستقلال البيان الملكي / أفنان القاسم
- في الأرض المسرة / آرام كربيت
- الخطاب الأيديولوجي في رواية سيرة بني بلوط / رياض كامل
- كيفما كنا فنحن ألوف المشاكل... / محمد الحنفي
- ديوان وجدانيات الكفر / السعيد عبدالغني


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رفيق جلول - الباحث والمترجم شرف الدين شكري في حوار خاص : نحن نعيش ميتا-ثقافة على مستوى جميع الرفوف التي تجهّز للثقافة