أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - سعيد العليمى - الأنطولوجيا السياسية عند مارتن هيدجر - بيير بورديو - الفصل الرابع















المزيد.....



الأنطولوجيا السياسية عند مارتن هيدجر - بيير بورديو - الفصل الرابع


سعيد العليمى
الحوار المتمدن-العدد: 3944 - 2012 / 12 / 17 - 10:59
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


ترجمة سعيد العليمى
(4)
الـرقابـة وفـرض الشكـل
إن كتابة هيدجر هي تجل نموذجي لكمية العمل التي كان ينبغي أن تنجز من قبل العقل اللاواعي فضلا عن الواعي، إذا كان على القصد التعبيري ľintention expressiveأن ينطوي ضمن الحدود المفروضة من الرقابة التي يمارسها أي مجال ثقافي من خلال بنيته بالذات : تشتغل الإشكالية الفلسفية كفضاء موضوعي متحقق من الإمكانيات بوصفها سوقا ممكنا ، يمارس تأثيرات القمع ، أو الإجازة والتشجيع ، على الحوافز التعبيرية . يتعين من ثم على كل مُنتج أن يتوافق مع هذه الإشكالية ، وأن تجد أوهامة الاجتماعية تعبيرا عنها ضمن حدود القيود التي تفرضها وحدها. وعلى ذلك ، يمكن لنا أن نعتبر الخطاب العالم بمثابة " إجراء تسوية " بالمعنى الفرويدي، أي بوصفه من ناحية نتاج صفقة بين المصالح التعبيرية المحددة هي ذاتها بواسطة المواقع التي يشغلها المعبرون عنها في المجال ، ومن ناحية أخرى، القيود البنيوية للمجال والتي تشتغل بوصفها أداة رقابة. (1)حيث يجـرى إنتاج وتبـادل الخطاب ، إن وظيفة التـورية ( لطف التعبير ) والإعلاء ، وهي واعية ولا واعية في آن واحد ضرورية لجعـل أشد الحوافـز التعبيريـة غير المقبـولـة قابـلـة للكـلام في حـالـة معينـة للرقابة في المجـال ، وهي تتضمن فـرض شكـل ( mettre en forme ) وكذلك مراعاة الشكليات (mettre des formes ) ؛ ويعتمد نجاح هذا العمل والربح الذي قد يتأتى عنه في أي حالة معينة لبنى فرص الربح المادي أو الرمزي وهما واسطة الرقابة في المجال ، يعتمد على الرأسمال النوعي للمُنتج ، أي على سلطته وكفايته النوعية.
لا يمكن أن تعزى الصفقات والمساومات التي تؤلف وظيفة فرض الشكل بشكل كلي أبدا إلى الأهداف الواعية للحسابات العقلية للنفقات والأرباح المادية أو الرمزية. وأشد الآثار البلاغية قوة هي نتاج هذا التلاقي ، الذي لا يسيطر عليها كلية أبدا بواسطة العقل الواعي ، بين ضرورتين محايثتين: ضرورة التطبع habitus ، المهيأ بهذه الدرجة أو تلك من الكمال للإحتفاظ بالمركز المشغول في المجال ، والضرورة المحايثة لحالة بعينها للمجال . تحكم تلك الضرورة الأخيرة الممارسات بواسطة آليات موضوعية ، مثل تلك التي تعمل على استعادة التوازن بين الموقع ونزعات شاغلة ، أو تلك التي تُولد غالبا ذاتيا عبر التناظرات بين مجالات مختلفة، بتأثيرات التحدد التضافري، والتورية القادرة على أن تمنح الخطاب إبهاما وتعقيدا بوليفونيا ( تعدد النغمات أو الأصوات ) لا ينفذ إليه حتى أشد الخبراء الإستراتيجيين بلاغة.
تدين المنتجات الثقافية بخصائصها الأشد نوعية إلى الشروط الإجتماعية لإنتاجها وبشكل أكثر دقة إلى موقع المُنتج في مجال الإنتاج ، الذي يملي في آن واحد، وإن يكن خلال سيرورات وسيطة متشعبة ، ليس فقط المصلحة التعبيرية ، وشكل وقوة الرقابة التي تؤثر عليها ، وإنما أيضا الكفاية التي تمكن من تلبية هذه المصلحة ضمن إطار هذه القيود . تمنعنا العلاقة الجدلية المؤسسة بين المصلحة التعبيرية والرقابة البنيوية للمجـال من أن نميز في التآليف opus operatum الشكل عن المضمون ، ما قيل عن طريقة قوله أو حتى عن طريقة سماعه. بفرض الشكل ، تحدد الرقابة التي مورست بواسطة بنية المجال شكله الاستدلالي - رغم أن المحللين الشكلانيين يحاولون دائما ان يفصلوه عن التحددات الاجتماعية - وإرتباطا بذلك ، مضمونه الذي لا يمكن فصله عن تعبيره الملائم ، ومن ثم فهو غير قابل للتفكير فيه خارج المعايير المرعية والأشكال المعتمدة (بالمعنى الحرفي). تحدد الرقابة أيضا أشكال التلقي : لإنتاج خطاب فلسفي ذي طبيعة شكلية مستوفاه أي مستور في جهاز من العلامات ، وبنى الجمل ، والمعاجم ، والإحالات.. إلخ ، التي نتعرف فيها على الطبيعة الفلسفية لخطاب ما ، والتي يوظفها خطاب لكي يعلن عن طبيعته الفلسفية (2) ، يعني إنتاج مُنتج كهذا أن علينا أن نتلقاه بالشكلية الواجبة ، أي بالاحترام الواجب للأشكال التي تبناها ، أو، كما نرى في الأدب ، بلغة الشكل المحض . وهكذا فإن الأعمال الشرعية قادرة أيضا على أن تمارس عنفا يحميها من العنف الذي قد نحتاج إليه إذا تأتي أن ندرك المصلحة التعبيرية التي تعبر عنها فقط في أشكال تنكرها : تدلل تواريخ الفن ، والأدب ، والفلسفة على كفاءة إستراتيجيات فرض الشكل التي تملى من خلالها الأعمال المكرسة شروط إدراكها الخاصة .
إن أي عمل يرتبط بمجال نوعي معين سواء بشكله أم بمضمونه : إذا حاولنا أن نتخيل ما كان يمكن أن يقوله هيدجر في شكل آخر، أي شكل الخطـاب الفلسفي كما مورس في ألمانيا في عام 1890 ، أو في شكل بحث في العلوم السياسية كما ينشر في أيامنا في جامعة ييل أو هارفارد ، فمن المحتوم ان نتخيل هيدجرا مستحيلا ( على سبيل المثال " متشرد " فلسفي أو مهاجر معارض ، في عام 1933 ) أو مجال إنتاج مستحيل كذلك في ألمانيا في ذاك الزمن الذي كان فيه هيدجر نشطا. إن الشكل الذي تسهم من خلاله الإنتاجات الرمزية على نحو أشد مباشرة في الشروط الاجتماعية لإنتاجها هو أيضا ما تمارس من خلاله أثرها الاجتماعي الأشد نوعية : لا يمكن للعنف الرمزي إذا ما تحدثنا بدقة أن يمارس بواسطة الشخص الذي يمارسه - ويعاني من قبل الشخص الذي يعانيه - إلا في شكل يساء إدراك طبيعته ، بوصفه عنفا ، أي أنه يدرك بوصفه شرعيا.

إن الخطاب المدرسي ، واللغات الخاصة التي تنتجها هيئات الأخصائيين ( الفلاسفة ، المشرعون إلخ ) ويعيدون إنتاجها من خلال تشويهات منهجية للغة العادية ، تتميز عن اللغة العلمية بأنها تخفي التبعية خلف مظهر الاستقلال : وماداموا غير قادرين على العمل دون مساعدة اللغة العادية ، فلا بد أن ينتجوا من خلال وهم الاستقلال إستراتيجيات تفتعل قطيعة معها ، مستخدمين إجراءات متباينة وفقا للمجالات ، أو ضمن نفس المجال، وفقا للمواقع واللحظات المختلفة. يمكن لهم على سبيل المثال أن يحاكوا الخاصية الأساسية لكل لغة علمية ، وتحديد عنصرا عبر انتمائه إلى نسق. (3) وهكذا فإن المفاهيم الهيدجرية تحديدا وهي بمثابة استعارات من اللغة العادية غيرت هيئتها من خلال عملية فرض الشكل التي فصلتها عن الاستعمال العادي وذلك بإدخالها ، عبر الابراز المنهجي للعلاقات المورفولوجية ( التشكيلية ) ، في شبكة من العلاقات تجلت في الشكل العيني للغة، إلى حد أن توحى بأن كل عنصر من الخطاب يعتمد على ( العناصر ) الأخرى معا بوصفه دالا ومدلولا . تصبح بهذه الطريقة كلمة عادية مثل الرعاية Fűrsorge ، مرتبطة على نحو واضح بحكم شكلها بمجموعة كاملة من الكلمات تنتمي لنفس العائلة ، هم Sorge ، عناية/همSorgfalt ، لامبالاه/إهمال Sorglosigkeit مهتم Sorgenvoll ، مشغول البال besorgt ، الإنهمام بالحياة Lebensorge ، المصلحة الذاتية ، Selbstsorge .

عندما نسب إلىّ جادامير ، في المراجعة التي سبق أن ذكرتها ، فكرة انه يوجد " معنى حقيقي " للكلمات وفي حالـة كلمةFűrsorge فإن معنى الرعايـة الاجتماعيـة هـو " المعنى الشرعي الوحيد " بالنسبة إلى ، فإنه لا يـدرك ما هـو جوهـر تحليلي : أولا ، حقيقة أن الكلمات والخطاب بصفة عامة يتلقى تحدده الكامل ، بما فيه معناه وقيمته في علاقـاته البراجماتية ( العمليـة ) بمجال ما يشتغل بوصفه سوقا فقط. ثانيا، إنه يتغاضى عن الطابع متعدد المعاني أو بالأحرى البوليفوني ( متعدد الأصوات أو النغمات) الذي يدين به خطاب هيدجر إلى قدرة مؤلفه الخاصة على التحدث ممثلا لمجالات مختلفة ولأسواق مختلفة في نفس الآن. يكمن الخطأ في أنه ينسب إلىّ فلسفة لغة وتفسير فيلولوجي نموذجي عبر عنه حرفيا أستاذه، هيدجر : "الدلالـة الحقيقة لـ " خطاب " ، وهذا واضح بما يكفي ، تتخفى دوما بواسطة التاريخ اللاحق لكلمة لوجوس logos ، وخاصة بواسطة التفسيرات العديدة الاعتباطية التي قدمتها الفلسفة اللاحقة"، ( الوجود والزمان ، باريس، جاليمار، 1964، ص 49 التشديدلي ). في الواقع ، إنه لمن السذاجة أن نتساءل ما هو المعنى الحقيقي للكلمات ، كما نتساءل، بمصطلحات أوستن Austin ، مـا هـو " اللـون الحقيقي للحـربـاء " ( ج . ل . أوستن ، لغة الإدراك باريس، أ. كولين، 1971) : هناك معان مختلفة بقدر ما هنالك من استعمالات وأسواق. يظهر خطأ آخر للقراءة ، يكمن مصدره أيضا في حقيقة إسقاط المرء لفلسفته الخاصة على العمل الذي يجرى تحليله ، وهذا يجعل جادامير يقول أن القصد البلاغي مستبعد من قصد الحقيقة - وفي هذه الحالة ، يمكن لنا أن نلاحظ أيضا أن ذلك يتضمن تعريفا تبسيطيا للبلاغة ، ولو أنه يستنبطه من أفلاطون وأرسطو. الحقيقة هي أننا مواجهون مرة ثانية بمشكلة لون الحرباء.يقبل جادامير ضمنيا متبعا في ذلك الحس العلمي المشترك ، فكرة أن البلاغة تتعارض بوصفها شيئا محسوبا ، اصطناعيا ، واعياً ذاتيا ، مع بعض أنماط التعبير الطبيعية ، التلقائية ، الأولية، البدائية. هذا يعني أن ننسى أن القصد التعبيري يمكن أن يتحقق فقط من خلال علاقة مع سوق وعلى ذلك فإن هناك أنواعا عديدة من البلاغة بقدر ما هنالك من أسواق ، وان الاستعمالات العادية للغة ( التي يمكن للمرء أن ينفي تنوعها بالحديث عن " اللغة العادية " ، كما يفعل فلاسفة اللغة ) تعرض أنواعا من البلاغة راقية إلى حد بعيد دون أن تكون واعية ومحسوبة ، وان أكثر الطبعات نقاوة للبلاغة العالمة ، كتلك التي يستعملها هيدجر على سبيل المثال ، لا تفترض بالضرورة حسابا او سيطرة كاملة على الآثار المعروضة.

بسبب تواتره في الأقوال والأمثال التي تحفظ الحكمة الشعبية ، فإن اللعب على الكلمات التي تظهر " تشابها أسريا " ، من خلال علاقتها الإشتقاقية أو المورفولوجية هو إحدى الوسائل ، إن لم يكن أشد ما يعتمد عليه بلاريب ، في إعطاء الإنطباع بأن هناك علاقة ضرورية بين مدلولين. يمكن للإرتباط عبر الجناس الإستهلالي أو السجع الذي يؤسس علاقات شبه مادية من تشابه الشكل والصوت أن يضئ العلاقات الخفية بين مدلولين ، أو حتى يوجدهما من خـلال اللعـب المحض للأشكـال : هذا هـو الحـال ، على سبيل المثال ، مع ألعاب الكـلمـة الفلسفيـة لـهيدجـر الثـاني ، Denken التـفكـير = Danken الشكـر ، رغـم أن سحـرهـا يتـلاشي إلى حـد بعيـد ، إذا تـرجـمت إلى الفـرنسيـة ) يشكـر = Remercier يفكـر Penser ) مما يكـدر أتباعـه، أو التـلاعـب اللفظي بعمل كـرة ثلـج من عبارة Sorge als besorgende Fűrsorge ، " هـمُ بوصفـه إهتمـام الإنشغـال بالآخـر"، التي يمكن أن تـوسم بأنها فانلـة لفظيـة إذا لـم تنتـج شبكة التلميحات المورفولوجيـة والإحـالات الإشتقاقيـة وهـم تمـاسك شـامـل للشكـل ، ومـن ثـم للمعنى ، وهكـذا لمظهـر ضرورة الخطـاب:
Die Entschlossenheit aber ist nur in der sorge gesorgete und als sorge Eigentlichkeit dieser selbst
( ليس العزم ، على أي حال ، سوى تلك الأصالة ، وهو في الرعاية ، موضوع الهم ، ويكون ممكنا بوصفه هما - يمثل أصالة الهم ذاته ) (4) .
تُعرض كل المصادر الكامنة للغة لتعطي الإنطباع بأنه توجد علاقة ضرورية بين كل الدوال وأن العلاقة بين الدوال والمدلولات قد أسست عبر توسط نظام المفاهيم الفلسفية ، والكلمات الفنية ( التقنية ) فقط غير أنها أشكـال مفخمة من الكلمات العادية ( كشف، لا إختفاء Entdeckung ، الإنكشاف ، اللا إختفاء Entdeckheit ، وأفكار تقليدية مثل ( الوجود هناك ) ولكنها إستخدمت لحد ما خارج مواضعها لكي تظهر إبتعادها ، كما إبتدعت ألفاظ جديدة عن طريق القياس حتى تؤلف تمييزات يُدعى أنه لم يفكر فيها ، أو على الأقل توليد إنطباع بأنها تمثل تجاوزا جذريا ( وجودي existentiel ، موجودي existential ، آني zeitlich/ Temporel ، وزمني ،Temporal وهو تعارض لم يلعب أي دور مؤثر في كتاب الوجود والزمان ).
ينتج فرض الشكل وهم وجود نظام نسقي، ومن خلال القطيعة مع اللغة العادية التي تتأثر بذلك ، وهم وجود نظام مستقل ذاتيا. بإدخال كلمة رعاية Fűrsorge في شبكة من الكلمات متشابهة مورفولوجيا ومرتبطة إشتقاقيا ، ومن ثم نسجها في قماش بنيته المعجمية ، فإن هيدجر ينتزع الكلمة من إستعمالها العادي ، وهي التي عُرضت بغير إلتباس في التعبير "الرعاية الإجتماعية" sozialfűrsorge : غير أنه ما أن تتحول وتغير مظهرها ، حتى تفقد هويتها العادية ، وتتخفى في معنى مشوه (يمكن توصيله بهذا القدر أو ذاك بواسطة الكلمة ، " رعاية Procuration" مأخوذة بمعناها الإشتقاقي ) . في نهاية عملية التشويـه هذه ، الجديرة بأحد الحواه الذي يجـذب الإنتباه إلى شئ غير هام لكي يحول إنتباهنا عن ما يريد إخفاءه ، نجد أن الوهم الإجتماعي عن المساعدة ( الإجتماعية ) رمز " دولة الرعاية " أو " دولة التامين " التي يدينها كارل شميدت أو إرنست يونجر بلغة أقل تورية ، يمكن أن يسكن أو يخيم على الخطاب الشرعي ( الهم Sorge والرعاية Fűrsorge هما في قلب النظرية عن الزمانية ) ولكن في شكل لا يبدو فيه أنهما يقومان بذلك ، وهما في الواقع لا يقومان بذلك .
بينما تستبدل العملية العادية للتورية كلمة (وهي غالبا ذات معنى مناقض ) بأخرى ، أو تحيد على نحو ظاهر المعنى العادي بواسطة علامات تحذير واضحة ( ما بين القوسين، على سبيل المثال ) أو بواسطة تعريف مميز ، ينطلق هيدجر بتأسيس شبكة من الكلمات المترابطة داخليا من الناحية المورفولوجية ، تتلقى ضمنها الكلمة العادية ، وهي متماثلة ومتغيرة المظهر في آن معا ، هوية جديدة : وهكذا فهي تستدعي قراءة فيلولوجية وبوليفونية ، قادرة على أن تستحضر وتعيد إستحضار المعنى العادي في آن واحد ، وفي وسعها أن توحى به بينما تقمعه ظاهريا ، مع تضميناته الإزدرائية ، داخل نظام من الفهم المبتذل، "الانثروبولوجي" بإبتذال (5) .
يستشعر الخيال الفلسفي ، مثله في ذلك مثل الفكر الأسطوري أو الشعري البهجة في أن يفرض من أعلى العلاقـات الظواهرية للصوت على عـلاقـة أساسيـة للمعنى ، وفي اللعب بالأشكـال اللغـويـة التي هـي أيضـا أشكـال تصنيفيـة : وهكـذا ففي كتـاب عـن مـاهيـة الحقيقـة von wesen der wahrheit ، فإن التعـارض بين المـاهيـة (wesen ) والـلا - ماهيـة un - wesen أو غير الماهيـة in -wesen معزز بالتعارض الخفي الذي يستحضر ويعاد إستحضاره ، بين النظام - نوع من مصطلح ( مفهوم ) وهمي، يتسم بأنه غائب، وحاضر بعد في صـورة - والفوضى ، وهي واحـدة من المعاني الممكنة لكلمة الـلا - ماهيـة un - wesen . تقرر سلسلة التعارضات المتوازية، التي هي تنـويعات جرت تـوريتها بشكل غير متكافئ لعدد محدود من التعارضات " البدئية " ، هي نفسها قابلة للإختزال بفظاظة كل منها إلى الأخرى ، ويمكن إيجاد أمثلة عديدة عليها عبر عمل هيدجر اللاحق على "إنعطافه " - تقرر التعارض المؤسس ، الذي هو ذاته خاضع لتابو ، ولكنها تفعل ذلك في شكل معلى - شكل أكثر شمولا في تطبيقاتها لأنها أصعب على الإدراك ( مثل التعارض بين الموجودي ľontique والأنطولوجي Ľontologiqe). بعمل ذلك ، فإنها تشكل هذا التعارض بوصفه مطلقا ، وبإدراجه داخل الوجود في نفس الوقت كأنها لا تفعل غير أن تنكره رمزيا .
إن إدماجها داخل نظام اللغة الفلسفية هو الذي يسهل نفي معانيها الأوليه ، أي المعنى الذي تأخذه الكلمة المحرمة من إحالتها إلى نظام اللغة العادية والذي يستمر في التواجد بشكل خفي رغم إبعاده رسميا من النظام المعلن. هذا النفي هو أساس المقاييس المزدوجة التي تخولها الرسالة المزدوجة المسجلة في كل عنصر إستدلالي يُشكل دائما من نسقين في وقت واحد، النظام الظاهر للغة الإصطلاحية الفلسفية والنظام الكامن للغة العادية ، أو ينتمي ، بمعنى آخر إلى فضائين عقليين لا يمكن فصلهما عن فضائين إجتماعيين . يتضمن إخضاع المصلحة التعبيرية للتحويل الضروري وإلحاقها بنظام ما هو قابل للقول في مجال معين وتمييزها عن غير القابل للقول، وغير القابل للتسمية، يتضمن أكثر من مجرد إبدال كلمة مقبولة بأخرى ، مراقبة. لأن هذا الشكل الأولى للتورية يخفى آخر ، يكمن في إستعمال الخاصية الأساسية للغة ، طبقا لنموذج سوسير التعارضي حول أولوية العلاقات على العناصر والشكل على المادة من اجل إخفاء العناصر المقموعة بإدخالها في شبكة من العلاقات التي تعدل قيمتها بدون تعديل " مادتها " . مع اللغات المتخصصة وحدها ، التي أنتجها الأخصائيون بقصد واضح في خلق نسق ، يشتغل أثـر التقنيع والإخفاء من خلال فرض الشكل تماما : تبقي في هذه الحالة كما في كل حالات التمويه من خلال الشكل ، الدلالات التي وسمت بوصفها محرمة ، مع انها مدركة نظريا ، مساءة الإدراك في الممارسة ، ورغم أنها موجودة كمادة ، فإنها غائبة بوصفها شكلا، مثل وجه مخفي في لغز وصل النقاط ببعضها. إن دور مثل هذا النوع من التعبير هو تقنيع التجارب البدائية للعالم الإجتماعي والأوهام الإجتماعية التي هي مصدرها ، وبقدر ما تسمح لها بأن تتكلم تكشفها، بينما تستخدم نمطاً من التعبير يوحى بأنها لا تقال. لا يمكن لهذه اللغات المتخصصة أن تعرب عن مثل هذه التجربة إلا في أشكال من التعبير تجعلها غير قابلة للإدراك ، لأن المتخصص غير قادر على أن يعترف أنه يعلنها . تنحل المادة البدائية في الشكل حين تخضع للمعايير الضمنية أو الصريحة لمجال معين ، إذا جـاز القـول. فـرض الشكـل بهذه الكيفية هو تحويل وإستحالة في وقت واحد: مادة المدلول هي شكل الدال الذي تحقق فيه.
عبر فرض الشكل يصبح مبررا وغير مبرر معا إختزال النفي إلى ما ينفيه ، إلى الوهم الإجتماعي الذي هو مصدره. بسبب حقيقة أن هذا النفي الذي يسميه فرويد ، مستخدما مصطلحاً هيجليا ، تجاوز ( رفع ) Aufhebung الكبت يستبقي وينكر في آن معا كلا من الكبت وما هو مكبوت ، وهو يضاعف العائد ، مضيفا إلى ميزة الكلام ربح إنكار ما قيل ، من خلال الطريقة التي قيل بها. هكذا على سبيل المثال ، فإن التعارض بين الأصالة Eigentlichkeit واللا أصالـة uneigentlichkeit هـذه الأنماط البدئية لـ "الوجود هناك" ، كما يقول هيدجر ، التي ينتظم حولها كل العمل ( حتى من وجهة نظر أشد القراءات الداخلية تشدداً ) هي إعادة ترجمة نوعية وحاذقة بصفة خاصة للتعارض الشائع بين " النخبة " و " الجماهيـر " . " هُـم " ( on، تعني حـرفيـا " المـرء " ) إستبـداديـون (الدكتاتورية الحقيقية للـ " هُم " )، فضوليون ( يراقبون كل شئ ) ، ويختزلون كل الأشياء إلى أدنى مستوى ، إن العمومي " هُم " يتفادون مسئولياتهم ، مجردون من حريتهم : وهم يعيشون على مساعدة مدبرة ، ويعتمدون بعجز على المجتمع أو على " دولة الرعاية " ، التي تعني بهم خاصة من خلال " المساعدة الإجتماعية " ( Sozialfűrsorge ) وترعى مستقبلهم نيابة عنهم. يمكن لنا أن ندبج قائمـة بالأشياء الشائعة عند الأرستقراطية الأكاديمية التي تترى عبر هذا المقطع (6) ، الذي غالبا ما عُلق عليه. طافح بموضوعات Topoi الساحة العامة Agora كنقيض للمدرسة Schole ، الفـراغ ضد المدرسة: هناك كراهيـة للإحصائيات ( التي تعزف على فكرة " المتوسط " ) التي ترى بوصفها رمزا لكل عمليات "التسوية " التي تهدد " الشخص " ( الذي يسمى هنا الوجود هناك Dasein ) وأشد صفاته قيمة ، "أصالته " و " خصوصيته ". هناك إحتقار لكل القوى " التي تسوى " وبلا شك هناك إشمئزاز خاص من ايديولوجيات المساواة التي تعرض للخطر " كل شئ جرى إحرازه بواسطة صراع " ، يعني الثقافـة رأس مال الماندارين النوعي ، الذي هو إبن أعماله ، والأيديولوجيات التي تشجع الجماهيـر على " أن تأخذ الأشياء بسهولة وتجعلها سهلة " . هناك أيضا تمرداً ضد الآليات الإجتماعية مثل تلك التي تتعلق بالرأي ، العدو الوراثي للفيلسوف ، الذي يتـواتر هنا عبـر اللعب على كلمتي offentlichkeit و offentlich ، " الـرأي العام " و العام ، وضد أي شئ يرمز إلى " المساعدة الإجتماعية " ، أي الديمقراطية ، الأحزاب السياسية ، الإجـازات مدفـوعة الأجـر ( بوصفها خـرقا لإحتكار المدرسة scholé والتأمل في الغابـة )، " ثقافـة الجماهيـر " ، التلفـاز ، وأفـلاطـون في كتـاب الجيب. (7) كـان لهيدجـر أن يقـول هـذا على نحـو أفضـل للغـايـة ، بأسلوبـه الرعوي الذي لا يضاهي ، عندمـا إنطلق ، في كتابـه مـدخـل إلى الميتافيزيقيـا ، الـذي كتـب في عـام 1935 ، ليبين كيف أن إنتصــار الــروح العلمـ - تكنولـوجيـة في الحضـارة الغـربية قد أنجز وأكمـل وقد تجلى في "فــرار الآلـهة ، تدميـر الأرض ، تحويـل البشـر إلـى كتلـه، كراهيـة والشك في كـل شئ حر وخلاق"
(die flucht der Gotter , die zerstorung der Erde ,die vermassung des (8) (menschen , der vorrang des Mittelmassigen
يحرز هذا اللعب بالأشكال الملموسة للغة أكثر أشكاله إكتمالا عندما يدور حول أزواج من الحدود وليس حول الكلمات المعزولة ، أي حول العلاقة بين حدود متناقضة. بالتعارض مع الإختلافات اللفظية الفلسفية المؤسسة على الجناس الاستهلالي أو السجع ، فإن التلاعبات اللفظية " البدئية " تلك التي توجه وتنظم فكره في العمق ، تلعب على الأشكال اللفظية التي تمثل في آن واحد أشكالا حسية وبنى تصنيفية . هذه الأشكال الكلية التي توفق بين الضرورات المستقلة للصوت والمعنى في معجزة تعبير ضروري مزدوج ، هي الشكل المتحول للمادة اللغوية الذي جرت تنقيته سياسيا سلفا ، حتى انه متناسج مع بدائل متبنينة ، مسجلة ومحفوظة في اللغة العادية ، التي هي بالفعل سياسية موضوعيا . إن نزوع كل اللغات العالمة نحو التفكير الثنائي لا يمكن أن يفسر بخلاف ذلك : إن ما هو مراقب ومقموع ، في هذه الحالة ليس حدا محرما أخذ في حالة منعزلة ، وإنما علاقة تعارضية بين الكلمات التي تحيل دائما إلى علاقة تعارض بين المواقع الإجتماعية أو الجماعات الإجتماعية .
ليست اللغة العادية إحتياطيا لا نهائيا فقط من الأشكال الملموسة متاحا للألعاب الشعرية أو الفلسفية أو ، كما عند هيدجر الثاني وأخلافه ، للتداعيات الحرة حول ما أسماه نيتشه شعر المفهوم Begriffsdichtung ، وإنما هي أيضا مستودع لأشكال إدراك العالم، الإجتماعي ، للأشياء الشائعة التي تحفظ مبادئ رؤية العالم الإجتماعي وتتصف بالعمومية بالنسبة لجماعة ما ( الجرماني ضد السلتى أو اللاتيني ، العادي ضد المتميز ، إلخ ).لا يمكن تسمية وإدراك بنية العالم الإجتماعي سوى عبر أشكال التصنيف التي ، حتى وان كانت قد وظفت من قبل اللغـة العاديـة ، ليست مستقلة أبـدا عن هـذه البنية ( وهو ما ينسى دائما في التحليلات الشكلانيـة لهذه الأشكال ) : بالفعل ، بالرغـم من أن أشد التعارضات الإجتماعية " شهرة " مثل ( مبتذل / مميز ) قد تكتسب معاني شديدة الإختلاف وفقا للإستعمال والمستعملين ، فإن اللغة العادية، التي أنتجت بواسطة السيرورة المتراكمة لفكر هيمنت عليه علاقات القوة بين الطبقات ، ولسبب أقوى وهو أن اللغة العالمة التي أنتجت في مجالات حكمتها مصالح وقيم الطبقات السائدة ، هي على نحو ما أيديولوجيات أولية ، إرتبطت "بشكل طبيعي تماما" ، بإستعمالات تتفق مع قيم ومصالح الطبقات السائدة .(9) . يمكن للسياسة أن تتحول إلى انطولوجيا بواسطة تحويل الإنقسامات الثنائية ومخطط التفكير العادي إلى حدود مجازية. ولكن لا تقود السيرورة المجازية التي تتولد منها هذه الميتافيزيقا من الأشياء المرئية إلى الأشياء غير المرئية ، وإنما من المضمون الكامن الذي يحتمل أن يكون غير واع إلى المضمون المعلن للخطاب: إن وظيفة هذه المجازات بوصفها إنتقالات من فضاء إلى آخر، هي ان تربط الفضائين اللذين سببتهما القطيعة المفتعلة بأطروحة الإختلاف الأنطولوجي الذي أعلن رسميا أنه منفصل، وتهيئ أيضا لـ حفظ التعارضات المؤسسة وتستمر في تعزيز الخطاب بخفاء.
لا يمكن أن يعلن التعارض بين المتميز والمبتذل وسط النخبة المتميزة فلسفيا بمصطلحات مبتذلة : لدى هيدجر حس غاية في الرهافة بالتميز الفلسفي ينأى به عن أن تحمل كتاباته السياسية " بسذاجة " أطروحات سياسية ، وهناك دليل وافر على قصده لتمييز نفسه عن أكثر أشكال الأيديولوجية النازية وضوحا. (10). يوجد التعارض الذي يمكن أن نسمية "أوليا " - بمعنى مزدوج - في عمله فقط في أعلى شكل من أشكال المراقبة للأفكار الفلسفية philosophemes الشغالة بوصفها تورية ، والتي سوف تحول مظهرها على نحو دائم بقدرما يتطور نسقه الساكن من نواح أخرى في سلسلة من المظاهر المختلفة وانما المعلاه بنفس القدر.
يخدم فرض الشكل في حد ذاته بوصفه تحذيرا : إنه يعبر بعلوة عن بعده المهيمن عن كل التحددات، وحتى عن تلك " المذاهب " isms التي تختزل الوحدة غير القابلة للإختزال لنظام فكر إلى وحدة فئة منطقية وكذلك، بُعدة أيضا عن كل التحددات ، خاصة الإجتماعية منها ، التي تختزل الفردية الفذة لمفكر إلى إبتذالية طبقة . إنها هذه المسافة ، هذا الإختلاف ، الذي يصير مؤسسا بوضوح في قلب الخطاب الفلسفي، مخترقا التعارض بين الانطولوجي والموجودي ONTIC ( أو الأنثروبولوجي ) الذي يزود الخطاب الذي سبق توريته بثان، هذه المرة بحاجز دفاعي منيع: تحمل كل كلمة من ثم الأثر الذي يتعذر إزالته لـ القطيعة التي تفصل المعنى الانطولوجي الأصيل ، عن المعنى العادي والمبتذل ، والذي يدرج أحيانا في ذات المادة الدالة ، عبر واحدة من تلك الألعاب الصوتية ( الفونولوجية ) التي غالبا ما قلدت منذ ( موجودى existentiell ، / وجودى existential ) .
هذا اللعب المزدوج على الكلمات ذات الحدين يجد صداه الطبيعي في التحذيرات ضد القراءات " المبتذلة " و " الأنثروبولوجية" "بإبتذال " التي تحاول أن تعرض لضوء النهار الساطع المعاني التي نفيت ولكنها لم تدحض ، والتي ترجمت بواسطة الإعلاء الفلسفي إلى الحضور الغـائب لوجـود شبحى :" إن لمصطلح هَـم " preóccupe ، في المقام الأول ، " دلالته " ما قبل العلمية signification prescientfique ويمكن أن يعني تنفيذ شئ ، إنجـازه ، " تقويمه " . يمكن أن يعني أيضا أن يزود المرء نفسه بشئ ما . نحن نستخدم أيضا هذا التعبير مع صيغة أخرى للجملة حينما نقول " إنني معنى preóccupe بنجاح المهمة " . " معنى " هنا تعني شيئا ما مثل الإدراك . سوف يستعمل التعبير " هَم " في البحث الحالي في تضاد مع هذه الدلالات ما قبل العلمية والموجوديةontical العامية ، بوصفه مصطلحا أنطولوجيا للموجود existential) ( (، سوف يصف وجود طريقة ممكنة لـ الوجود - في - العالم. أختير هذا المصطلح ليس لأنه قد تصادف أن الوجود هناك هو الأقرب ولحد بعيد " عملي " وإقتصادي ، وإنما لأن وجود الوجود هناك يجب ان يعرض بوصفه رعاية (Sorge ). يتعين أن يؤخذ هذا التعبير أيضا بوصفه مفهوما يعين بنية أنطولـوجية. ليس للكلمة عـلاقـة بـ " المصاعب "أو " الضيق " أو "هموم الحياة رغم أنه يمكن لنا أن نصادفها موجوديا في كـل وجود هناك Dasein . (11)
قد تكون هذه الإستراتيجيات الإحترازية قد أيقظت شكوك القراء الفرنسيين ، إذا لم يكن الأخيرون قد خضعوا لشروط إستقبال جعلت تبينهم التضمينات الخفية التي تبرأ منها هيدجر بعيد الإحتمال ( وهذا هو الغالب ما دامت الترجمات " تقمعها " منهجيا باسم القطيعة بين الموجودي ontical والوجودي ontological ) . بالفعل ، بالإضافة إلى مقاومة التحليل الذي قدمه عمل هو نتاج مثل هذه الإستراتيجيات النسقية للتورية نلقي أيضا في هذه الحالة واحدا من الآثار الأشد ضررا لتصدير المنتجات الثقافية ، وهو إختفاء كل العلامات الدقيقة لأصولها السياسية أو الإجتماعية، لكل العلامات الخفية غالبا للأهمية الإجتماعية لخطاب معين والموقع الثقافي لمؤلفه ، بإيجاز ، لكل الملامح متناهية الصغر التي يكون القارئ المحلي أشد عرضة لها بوضوح ، ولكنه هو الذي يستطيع أن يدركها أفضل من الآخرين إذا ما زود بتقنيات التموضع objectification . نحن نفكر على سبيل المثال في كل التضمينات " الإدارية " التي إكتشفها أدورنو (Jargon der Eigentlichkeit, Zur deutschen Ideologie, Francfort, Suhrkamp, 1964, PP66-70) خـلـف المصطلحات " الوجـودية " Existentiels مثل ( تفويض ) Auftrag ،( مواجهة ) Begegung ، أو كلمات مثل ( هُم ) Anligen ،و هو مصطلح ملتبس بجلاء ، يعني أيضا كل من " موضوع الأمر الإداري " و " رغبة قلبية " الذي كان بالفعل موضـوع إستعمال شاذ في شعر ريلكة Rilke .
إن فرض قطيعة حادة بين المقدس والدنيوي ، الأمر الذي يعزز دعاوي أي هيئة من الإختصاصيين، في ضمان إحتكار نطاق معرفة أو ممارسة مقدسة بتعيين الأخرى بوصفها دنيوية ، يتخذ هكذا شكلا أصليا : إنها كلية الحضور ، تقسم كل كلمة ضد ذاتها ، إذا جاز القول، بجعلها تدل بأنها لا تدل ، على ما يبدو انها تدل عليه - بوضعها بين قوسين ، أو تغيير مادتها الدلالية ، أو أحيانا مجرد وضعها فقط إشتقاقيا أو فونولوجيا ضمن مجموعة معجمية ذات نزعة معينة - وهكذا تنقش داخلها المسافة التي تفصل المعنى " الأصيل " عن المعنى "الساذج" أو المبتذل. (12) بتشويه الدلالات الأولية التي تستمر في الاشتغال بوصفها دعما خفيا لعدد من العلاقات المكونة للنسق الظاهر ، يزود الخبراء أنفسهم بوسائل لخداع من يخمن وجود هذا الازدواج بشأن تعاملهم المزدوج . بالفعل ، رغم اللعنة التي يستنزلونها ، فلا زالت هذه المعاني المنفية تنجز وظيفة فلسفية ، مادامت تشتغل في أقل القليل بوصفها مرجعا سلبيا نقيس به المسافة الاجتماعية والفلسفية التي تفصل " الانطولوجي " ľontologiqueعن "الموجودي " ontique ، أي الخبير عن الدنيوي - الذي يعد جهله أو ضلاله مسئول كلية عن أي إثارة مذنبة للمعاني المبتذلة. بإعطاء دلالة بديلة لكلمات الرجل العادي ، بإعادة تنشيط الحقيقة الدقيقة ، أو جذر الكلمة etumon ، الذي يخفق الاستعمال العادي في إدراكه ، فإن المرء يجعل نجاح أو إخفاق السيمياء الفلسفـ - فيلولوجيه يعتمد على العلاقة الحقيقية بين الكلمات : " إذا ما أخفق سيميائي لا يحفزه القلب والروح في تجاربة ، فإن ذلك لا يرجع فحسب إلى أنه يستخدم عناصر غير نقية ، ولكن فوق كل شئ بسبب أنه يستخدم الخصائص العادية لهذه العناصر غير النقية في تفكيره ، بدلا من فضيلة العناصر المثالية. وهكذا فبمجرد ان نحقق الإزدواج المطلق الكامل ، نجد أنفسنا مغمورين في تجربة المثالية.(13) اللغة ، أيضا ، لها عناصرها الدقيقة، تحررها الفلسفـ - فيلولـوجيا ،وأمامنا مثل إزدواج الكـلمـة الأغـريقية on ( الوجـود ) ، فـهي إسم وصيغة فعلية Verbale forme في نفس الوقـت ، مما يؤدي بهيدجر إلى القول: إن ما هو مطروح أمامنا ، الذي قد يؤخذ في البداية على أنه مماحكة نحوية ، هو في الحقيقة لغز الوجود . (14)
بهذه الطريقة ، إذا ما آمنا بفعالية النفي الفلسفي ، فإننا نستطيع ان نستخرج حتى المعاني المراقبة ، ونجد تأثيرا تكميليا في القلب التام للعلاقة بين النسق الظاهر والنسق الخفي، الذي أثير بواسطة عودة المكبوت : كيف يمكن لنا أن نتجنب ملاحظة ان أفضل دليل على قوة " الفكر الأساسي " هو موهبتة في أن يؤسس في الوجود وقائع مثل " الضمان الإجتماعي " العرض الحادث الباعث على السخرية - وهي موضوعات غير جديرة بالتفكير لأقصى حد حتى أنها تذكر فقط بين قوسين ؟ (15) وهكذا نصل إلى مأزق ، في هذا " العالم المقلوب " حيث الحدث ليس أكثر من وصف لـ " الماهية " والأساس يؤسس بواسطة ما يؤسسه (16) على سبيل المثال " الرعاية " ( Fűrsorge ) بوصفها " الرعاية الاجتماعية "تجريبية ، مؤسسة في حالة وجود الوجود هناك ľetre-La بوصفها الوجود - مع être-avec-autrui . تستمد " الرعاية الاجتماعية " إلحاحيتها التجريبية دافعها من أن هذا الوجود هناك ľetre-La يبقى ذاته بصفة رئيسية وعلى الأغلب في أنماط الرعاية الناقصة ، (17) . تساعد الإحالة الصارخة لكن غير المرئية ، وهي غير مرئية بسبب كونها صارخة ، على إخفاء حقيقة أنه كان يناقش دوما الرعايـة الإجتماعيـة في عمل مكرس ظاهريا بكاملة للخاصية الأنطولوجية للوجـود هنــاك وتبدو " حاجته" التجريبية ( العادية ، المبتذلة ، التافهة ) للمساعدة حادثة عرضية. يتمثل تماما هنا نموذج الخطاب المسروق ، الذي يصفه لاكان بواحدة من نكات فرويد : " إذا قلت أنك ذاهب إلى كراكوف ، فأنت تريدني أن أعتقد انك ذاهب إلى ليمبرج . ولكني أعلم في الحقيقة أنك ذاهب إلى كراكوف. لم تكذب علىّ إذن ؟ " (18) يميل الخطاب المورى ، إلى الإيحاء ،بالتصريح أنه يقول حقيقة ، بأنه لم يقل حقيقة ما لم يتوقف عن قوله. في الواقع ما من شك : أن الرعاية الإجتماعية SozialFűrsorge ، هي تحديدا ما " يعني " بهؤلاء الذين تشمللهم الرعاية وتقوم " في صالحهم " بما يريحهم من أن يرعوا أنفسهم ، مخولة إياهم أن يكونوا لا مبالين ، " هينين " " وتافهين " ، تماما مثل الهَم Fűrsorge الفلسفي ، الطبعة المعلاه مما سبق، تريح الوجود هناك Dasein من الرعاية ، او إذا (أعدنا صياغة) ما جـاء في كتـاب سارتـر الوجـود والعـدم ( 1943 ) ، يحـرر ما هـو من أجل ذاته pour soi ( الكائن الواعي بذاته ) من حريته ، غامرا إياه في " سوء القصد " و " صرامة العقل " لوجود " غير أصيل " . " وهكذا فإن هُم أذن " أي الذي تحرر من عبء رعاية الآخرين، هو من يحرر الوجود هناك من وجوده اليومي . ليس هذا فحسب ؛ بل إن تحريره من عبء وجود ، الـ " هم " يتكيف مع الوجود هناك إذا كان للوجود هناك أي ميل إلى أن يأخذ الأشياء بسهولة ويجعلها سهلة . ولأن الـ " هم " يتكيفون دوما مع الوجود هناك Dasein العيني بتحريره من عبء وجوده ، يستبقي الـ " هم " ويعززون سيادته العنيدة (19) .
كل شئ معد بحيث يحظر أي محاولة بوصفها جاهلة أو غير لائقة تحاول أن تطبق على نص ما العنف الذي إعترف به هيدجر نفسه بوصفه شرعيا حين طبقه على كانط ، والذي يمكن لنا به فقط أن " ندرك خلف الكلمات ما تريد هذه الكلمات أن تقول " . أي عرض للفكر الإبداعي يجحد إعادة الصياغة الملهمة لأسلوب التعبيرغير القابل للترجمة تدان مقدما من قبل حراس الحرم المقدس. (20) الطريقة الوحيدة لقول ما تريد الكلمات أن تقول ، حين ترفض أن تقول ببراءة ماذا تعني ، أو ، بدلا عن ذلك ، حين تواصل قوله وإنما بشكل غير مباشر فحسب ، هو أن نختزل غير القابل للإختزال ، هو أن نترجم ما هو غير قابل للترجمة، أن نقول ماذا تعني في المصطلحات الساذجة التي تتقوم وظيفتها الأولية في ان تنكر تحديدا . ليست "الأصالة " تعيينا ساذجا لخاصية مقصورة على " نخبة " إجتماعية ، إنها تشير إلى إمكانية شاملة - مثلها في ذلك مثل " اللا أصالة " - مع ذلك فإن هذه الإمكانية لا يمكن أن يصل إليها بالفعل إلا هؤلاء الذين يتدبرون الإستيلاء عليها بإداراكها بوصفها ما هي عليه ، وبتدبر " إنتزاع أنفسهم " من " اللا أصالة ، وهي نوع من الخطيئة الأصلية ، لذا وصمت بوصفها خطأ مدين بإخفاقه لذاته ، مادامت القلة المختارة قادرة على ان تتحول . وهو ما أعلنه يونجر بوضوح : " أن يأخذ المرء مصيره على عاتقه ، أو أن يعامل بوصفه رقما : هذه هي المعضلـة ، التي من المؤكد أن تحتـم على كل واحد ، في هذه الأيام ، أن يحلها ، غير أن عليه أن يقرر بشأنها وحده …).). أنظر إلى الإنسان في حالة حريته الأصلية ، كما خلقه الله . إنه ليس إستثناءً ، ولا هو بواحد من النخبة . ما أبعده عن أن يكون كذلك : فالإنسان الحر مخفي داخل كل إنسان ، ولا توجد والاختلافات إلا بالقدر الذي يكـون فيه كـل فرد قادرا على تطوير هذه الحرية التي كانت حق ميلاد بالنسبة له " . (21) رغم أن البشر متساوون في إمكانات حريتهم ، إلا أنهم غير متساوين في قدرتهم على أن يستعملوا حريتهم إستعمالا أصيلا ، وبإمكان " النخبة " فقط ان تنتهز الفـرصة التي تقدمها هذه الإمكانية الشاملة وتنضم إلى حرية " النخبة ". هذه النزعة الإرادية الأخلاقية - التي سوف يدفعها سارتر إلى حدودها القصوى - تحول الإزدواج الموضوعي للمصير الإجتماعي إلى إزدواجية العلاقات بالوجود ، مشتقة وجودا أصيلا من " التعديل الوجـودي " للطريقة العاديـة في إدراك الوجـود اليـومي، أي بحديث واضح ، ثورة عقلية. (22) يجعل هيدجر الأصالة تبدأ بإدراك اللا أصالة ، في لحظة الحقيقة حيث تكشف الوجـود هنـاك Dasein عبـر القلـق مسقطا نظـاما على العالـم من خـلال قـراره وهو نوع من " قفزة " (كيركجارديه) إلى المجهول (23) . وعلى العكس ، فهو يصف إختزال الإنسان إلى حالة الأداة بوصفها " طريقة أخرى لإدراك الوجود اليومي أي " الطريقة التي يتبناها " هُم " حين يعامل الـ " هُم " أنفسهم كأدوات و " يعنون " بالأدوات لمنفعتهم الأدواتية ، وهكذا يصبحون هم أنفسهم أدوات ، مكيفين أنفسهم للآخرين كما تكيف أداة نفسها لأدوات اخرى ، منجزين وظيفة يمكن ان ينجزها الآخرون بنفس القدرة ، وإذا ما أختزلوا بهذه الطريقة إلى حالة عنصر قابل للإبدال في مجموع ما ، ينسون أنفسهم حال إنجـاز وظيفتهم. حين ينـاقش هيدجـر الوجـود بلغة هذه البدائل ، فإنه يختزل الإزدواجية الموضوعية للشروط الإجتماعية إلى إزدواجية انماط الوجود التي تشجعها ويتجلى ذلك بشكل غاية الإجحاف ، وهو من ثم يعتبر كل من هؤلاء الذين يجدون سبيلا إلى " الوجود الأصيل " وهـؤلاء الذين " يتركـون انفسهم لوجـود " غير أصيل " مسؤلـين عما هـم عليه إما بسبب " عزيمتهم " (24) في إنتزاع أنفسهم من الوجود اليومي لكي يستغلوا إمكاناتهم أو " نكوصهم " الذي يحكم عليهم بـ " الإنحطاط " و " الرعاية الإجتماعية ".





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,044,852,830
- الأنطولوجيا السياسية عند مارتن هيدجر -- بيير بورديو -- الفصل ...
- الأنطولوجيا السياسية عند مارتن هيدجر -- بيير بورديو -- الفصل ...
- الأنطولوجيا السياسية عند مارتن هيدجر - بيير بورديو -- الفصل ...
- العبث القانونى وهل يحمى الرئيس الثورة ؟
- المادية التاريخية والصراع الطبقى والممارسة الثورية -- جورج ل ...
- المادية التاريخية والصراع الطبقى والممارسة الثورية - جورج لا ...
- المادية التاريخية والصراع الطبقى والممارسة الثورية - جورج لا ...
- المادية التاريخية والصراع الطبقى والممارسة الثورية - جورج لا ...
- فى حقوق إمتياز الدولة البوليسية - إعادة هيكلة - قوى الثورة
- الانطولوجيا السياسية عند مارتن هيدجر -- بيير بورديو
- قانون حماية مكتسبات الثورة -- الا نقضاض على مكتسبات الثورة ت ...
- المفهوم الماركسى للقانون جانيجر كريموف
- القانون ونظرية الخطاب
- امبريالية ام مابعد امبريالية ؟
- القمع يؤرخ للثورة -- ضد مشروع قانون الطوارئ
- القسم الثانى من رواية عشاق افينيون بقلم الزا تريوليه -- مراج ...
- القسم الاول من رواية عشاق افينيون بقلم الزا تريوليه -- مراجع ...
- رواية عشاق أفينيون بقلم الزا تريوليه -- مقدمة ومراجعة ابراهي ...
- النص القانونى بين التأويل و-او التدليل
- حول النقد الماركسى للقانون


المزيد.....




- مباني -جنيات- غريبة الأطوار تظهر في أنحاء جزيرة بريطانية
- ميركل تؤيد فكرة إنشاء جيش أوروبي موحد
- اجتماع لمجلس الأمن الدولي لمناقشة تطورات أعمال العنف في غزة ...
- ترامب يغرد ويتهكم على مقترح ماكرون ببناء جيش أوروبي
- اجتماع لمجلس الأمن الدولي لمناقشة تطورات أعمال العنف في غزة ...
- -محتجز في وظيفة لا أحبها-.. كيف تتعامل مع أزمة ربيع العمر؟
- ترحيب أممي بالتهدئة في الحديدة وبريطانيا تعلن نقل عشرات الجر ...
- بولتون: تسجيلات مقتل خاشقجي لا تشير لتورط محمد بن سلمان
- مصر: أحكام مخففة ترسخ إفلات الشرطة من العقاب
- الحريري يتهم حزب الله بعرقلة تشكيل الحكومة


المزيد.....

- تأثير الفلسفة العربية والإسلامية في الفكر اليهودي – موسوعة س ... / شهد بن رشيد
- الإله الوهم والوجود والأزلية / سامى لبيب
- الطريق إلى الكائن الثالث / معتز نادر
- في محبة الحكمة / عبدالله العتيقي
- البُعدُ النفسي في الشعر الفصيح والعامي : قراءة في الظواهر وا ... / وعد عباس
- التحليل النفسي: خمس قضايا – جيل دولوز / وليام العوطة
- نَـقد الشَّعب / عبد الرحمان النُوضَة
- التوسير والرحلة ما بين أصولية النص وبنيوية النهج / رامي ابوعلي
- مفاهيم خاطئة وأشياء نرددها لا نفطن لها / سامى لبيب
- في علم اجتماع الجماعة- خمسون حديثا عن الانسان والانتماء والا ... / وديع العبيدي


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - سعيد العليمى - الأنطولوجيا السياسية عند مارتن هيدجر - بيير بورديو - الفصل الرابع