أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - عدنان عاكف - الذي رأى على ظهر جبل سمكة






















المزيد.....

الذي رأى على ظهر جبل سمكة



عدنان عاكف
الحوار المتمدن-العدد: 3927 - 2012 / 11 / 30 - 01:12
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    



الذي رأى على ظهر جبل سمكة

الى صديقي الذي رحل، الشاعر مهدي محمد علي
عدنان عاكف

منذ منتصف السبعينات أخذ اهتمامي يميل باتجاه تاريخ العلم، وخاصة ما يتعلق بالعلوم التي لها علاقة بالأرض. وقد آثرت فكرة البحث عن مصادر المعرفة عن الأرض عند العرب بعيدا عن المصدر الأجنبي، وخاصة المصدر اليوناني.
لهذا توجهت نحو الشعر العربي القديم للبحث عن الجيولوجيا. أو بالأحرى البحث عن الأفكار الجيولوجية لأن الجيولوجيا لم تكن قد تبلورت عند العرب كعلم قائم بذاته، بل كانت مجرد أفكار، او بذور معرفية نضجت في مراحل لاحقة.

ما أثار دهشتي اني وجدت بان الشعر القديم كان أقرب الى علم عصره، في حين ان الشعر العربي الحديث نأى بنفسه بعيدا عن علم هذا العصر واكتفى بالشكوى من محاصرة التقدم والتكنولوجيا للشعر والفن، وبقي بعيداً كل البعد عن العلم وهمومه، فلم أعثر في الشعر الحديث إلا على قصيدتين لهما علاقة بالموضوع: الأولى قصيدة " هاجس الأديم " والثانية قصيدة لمهدي بعنوان " سمكة الجبل " كان قد أهداها الى "عدنان عاكف" وأحتفظُ بها وهي بخط يده.

في صيف 1994 بدأت مرحلة حياتي “الحلبية” التي دامت حتى نهاية عام 2000 ، وهناك سألني مهدي، بعد ان لاحظ اهتمامي بقراءة كتب الشعر القديم فحدثته عن ما أبحث عنه. لم يعلق حينها، لكنه عاد فسألني ذات مرة :
- ولكن ما علاقة الجيولوجيا بالشعر؟ علمكم صخور ورمل ومعادن، وبراكين وزلازل. هذا ما أعرفه!
- قد تكون هذه وجهة نظركم، شعراء هذا العصر. لكن كان لأسلافكم من الشعراء رأي آخر... كان لأبي الريحان البيروني كتاب “الجماهر في معرفة الجواهر” ، أعتبر أفضل ما صدر عن المعادن حتى القرن السادس عشر. وقد استشهد بأكثر من 320 بيت من الشعر، واعتبرها من مصادره العلمية المهمة. ما قولك بشأن جلمود امرئ القيس الذي "حطه السيل من علِ؟" ؛ ترددت قهقهاته في الغرفة ثم نهض من مقعده وراح يقطع الغرفة ذهابا وايابا وهو يهرش شعره الكث الطويل :
- لم يبق إلا ان تقول بان امرئ القيس كان نقيبا للجيولوجيين!
ثم مد يده نحو كومة من الكتب واستل منها كتاب"المعلقات السبع".

كان من الواضح انه يحاول ان يتملص من التعليق. موقف كهذا من قبل شاعر كمهدي يكفيني، في الوقت الحاضر على الأقل. ولكي لا "يتدحرج جلمود كبير" ويقطع علينا الحديث قلت وأنا بين الجد والهزل:
- لكن كن حذرا وانت تقرأ وإلا سيحصل معك ما حصل معي. لم أعد أرى في الشعر إلا الجلاميد والصخور التي تتدحرج من قمم الجبال. حتى البحر الواسع الهادئ الجميل لم أعد المح فيه سوى وحش مفترس بأمواجه العاتية، التي تبدو كأنياب مخيفة وهي تنقض على صخور الشاطئ مخلفة أكواما من حطامها من حصى ورمل وطين...
- يا ولد أبوي ! امرؤ القيس كان يتحدث عن كائن حي، مكر مفر ، وليس عن صخرة دحرجها السيل من علِ.
- هذا لا يغير من واقع الأمر. سيكون من السذاجة لو تصورنا ان الشاعر استعار الجلمود المتدحرج ليصف فرسه بعد ان جلس في العراء يراقب السيل وهو يجرف الجلاميد من قمة الجبل. انها استعارة رمزية مبنية على معرفته العامة، التي اكتسبها من حياته اليومية، بدور المطر والسيل الجارف في تفتيت صخور الجبل وجرفها نحو الوادي.
- يبدو لي انك تبالغ في استنتاجاتك الجيولوجية.
- لا أدعي ان ما قاله امرؤ القيس ينتمي الى الأدب الجيولوجي. ولكن عليك ان تعلم ان أول محاضرة في مادة الجيولوجيا في الكلية كانت بالذات عن الجلاميد التي تحطها السيول من علِ!

بعد فترة عرضت عليه بيتا آخر عثرت عليه في كتاب " نهاية الأرب في فنون الأدب " للنويري :
تتناثر الأطواد وهي شوامخ **** حتى تصير مداوس الأقدام

أعجبه البيت أكثر من جلمود امرئ القيس. رائحة الجيولوجيا في هذا البيت أقوى من البيت الأول. لقد أدرك مهدي بحس الشاعر اننا انتقلنا من الخاص الى العام، من حالة الجلمود الوحيد المتدحرج عند امرئ القيس الى الظاهرة الطبيعية العامة التي تتحدث عن تغير معالم سطح الأرض حيث تتكسر الجبال الصخرية القوية الراسخة لتتحول الى أرض مستوية. وهذا يعني اننا انتقلنا من الحديث عن عملية ملموسة منظورة – تدحرج الجلمود – الى عملية طبيعية غير منظورة، لا يمكن تحديد أبعادها إلا بالاستعانة بالخيال.
وكان لابد ان يكون خيالا خصبا جامحا قادرا على تخطي العرف القوي السائد عن ديمومة الجبال ورسوخها، بحيث يضرب بها المثل عن المناعة والصلابة. ولم يكن مثل هذا العرف والمعتقد مقتصرا على العرب بل بقي سائدا في أوربا حتى القرن الثامن عشر. لقد كان غالبية العلماء يعتقدون ان الأرض كانت دائماً كما تبدو عليه اليوم من جبال ووديان وبحار، ولم تتغير منذ يوم الخليقة.

لم تذهب جهودي المضنية في اعداد محاضراتي “الجيوشعرية” مجانا. لقد سدد مهدي أجور الدروس الخصوصية بقصيدة سأبقى أعتز بها، ليس فقط انها من شاعر صديق، وليس لكونها مهداة الى الجيولوجي، بل وأيضاً لكونها أول قصيدة عربية حديثة تتناول موضوعا يخص ماضي الأرض وتأريخها الموغل في القدم:

سمكة الجبل !

(مهداة إلى الصديق الجيولوجي د. عدنان عاكف)

" لَمْ أرَ على ظهْر جبلٍ سَمكة " !
هذا ما قاله (العَروضيُّ) ،
ثم كتبهُ ،على اللوح ، هكذا :
" لَمْ أرَ عَلَى ظهر جَبَلِنْ سَمَكَتَنْ " !
فقال الشاعرُ :
أيها العروضيّ
ما أشعركَ في هذه العبارة ،
وما أبعدكَ عن الميزان !
ولكنْ ، من ذا الذي رأى على ظهر جبلٍ سَمَكَة ؟!
فأجاب العروضيّ ضاحكاً ، مطمئنّاً :
" إنها – وكما تعلم –
عبارة نقولها نحن العَروضيينَ
كي نجمع فيها السبَبَيْن ، خفيفاً وثقيلا ) : لَمْ أرَ(
والوتدين ، مجموعا ومفروقا) : على ظهر (
و الفاصلتين ، صغرى وكبرى:) جَبَلِنْ سَمَكَتَنْ(
ولا أحدَ رأى على ظهر جبل سمكة " !
.. هنا ، جاء صوتُ عالم الجيولوجيا ،واثقاً يقول :
أنا !
أنا الذي رأى على ظهر جبلٍ سمكة ،
سمكة متحجِّرة منذ مئة مليون عام !

مهدي محمد علي، حلب - 1996

ليس العروضي لوحده من كان يرفض ان يصدق ان أحدا قد رأى سمكة فوق قمة الجبل. لقد رفض ذلك الغالبية العظمى من علماء الجيولوجيا في أوربا حتى منتصف القرن الثامن عشر. ولكن علماء مثل البيروني وابن سينا والدمشقي وغيره استخدموا السمكة التي عثروا عليها داخل صخورالجبل للتأكيد على ان هذا الطود الشامخ كان ذات يوم، قاعاً للبحر!

كانت تلك أول مرة أتعامل مع قصيدة من الشعر العربي الحديث عن ماض الأرض البعيد، لكن الأمر لم يكن كذلك مع الشعر القديم. هذا ابن الرومي يتحدث عن التغيرات الكبرى التي تحدث فوق سطح الأرض :

أجبلت الأبحر في عصرنا *** هذا، كما أبحرت الأجبل

وهناك الكثير من أبيات الشعر التي تتطرق الى دورة المياه في الطبيعة والتي يزعم البعض انها لم تكتشف إلا بعد القرن السادس عشر، ولنبدأ بالشاعر الضرير، الذي كان يرى اللامرئي: المعري !

أعارض مُزْنُ أورد البحر ذوده **** فلما تروت سار شرقا الى نجد

ويقول أيضا :
وقد يُجتدى فضل الغمام وإنما **** من البحر فيما يزعم الناس يجتدي

يقول الطغرائي حول نفس الموضوع:
فإنـي رأيـت الـغـيـم يحمـل مــاءه **** من البحر غمرا ثم يهدي له قطرا

وهذا ما قاله ابن خفاجة :
وسخا الكرام بما استمدوا منهم **** ان البحار لمنشأ الأمطار

ومن أجل ان ندرك القدرة الخلاقة لمخيلة الطغرائي، واستباقه للقرون، أنقل لكم هذه الفقرة من كتاب صدر في النصف الثاني للقرن العشرين لعالم الفلك المصري ورائد علم الأنواء الجوية، د. جمال الدين فندي، وهو يحدثنا عن الدورة المائية :

" والعجيب أن الإنسان لم يعرف أن الهواء إنما يحمل بين طياته بخار الماء الذي تنشأ منه السحب والأمطار إلا في عصر النهضة. وعذره في ذلك أنه لا يبصر البخار. وفي عصر النهضة عرف الإنسان كذلك أن هناك دورة مائية ما بين البحار والمحيطات وجو الأرض"!
ما رأيكم دام عزكم ؟؟

ستبقى سمكة مهدي راسخة في الصخر الى الأبد.. كذلك ستبقى قصائده في ذاكرة الأجيال القادمة لتذكرهم ان الشعر الجيد الأصيل إنعكاس للحياة وديمومتها. ستتفتت صخور الجبل وسوف تحط السيول الجلاميد ليتغنى بها امرؤ قيس جديد ، وسيتناثر "الطود الشامخ" ويتحول الى "مداوس الأقدام" وسوف تجرف مياه الأمطار والسيول الحصى والحجارة والرمال الى الوديان لتمضي الى الأنهار التي ستوصلها الى البحر،حيث تسبح سمكة مهدي. وهناك عند قاع البحر، ستتكاثف الرواسب لتغوص في أعماق الأرض فتتكون منها صخور جديدة ، لتنهض فيما بعد وتنبثق من الأعماق فيرتفع جبل جديد، طود شامخ آخر، عند قمته "جلمود" يحمل سمكة مهدي، لـ "يحطه السيل من علِ"، ويبدأ دورة حياة جديدة ... لا تنتهي.

من هذه الأحجار، أعرفُ أن شمسا في عروق الأرض تبدأ.
ربما من قبل آلاف السنين، وربما من قبل مليونٍِ ...
تظل الشمس نائمة بكل بهائها
مخبوءةَ الخُصلاتِ . . .
ترسل خصلة ً يوماً الى نبع ِ
وترسل خصلة يوماً إلى جبل ِ ليفتح صدرَهُ . . .
والشمسُ نائمةُ
وفوق أديم هذه الأرض ، تسعى الناسُ والأشجارُ
ثم تغور تحت أديمها لتكون شيئاً يشبه الأحجار
شيئأً سوف يلمس نورَ شمس ٍ في عروق الأرض نائمةٍ . .
ليطلع ، ربما من بعد آلاف السنين


(هاجس الأديم... سعدي يوسف)






رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 1,688,592,265
- هل يعود الماءُ الى النهر بعدما !
- مَن شَرَمَ الشيخ !!
- تحية لمن جدد فينا الأمل
- حضارة السلب والنهب !!
- الإسلام بين النجارين
- الإسلام بين كامل النجار وصادق العظم
- لماذا أخفق العرب في انجاز - الوثبة الأخيرة - نحو العلم الحدي ...
- أفتخر بكوني شيوعي
- البحث عن الإسلام الآخر
- شيء من كتاب - تاريخ العلم العام -
- قوموا انظروا كيف تزول الجبال -2
- حرية الفكر بين البيروني ودافينشي
- قوموا انظروا كيف تزول الجبال
- المسيحية وعمر الأرض
- الجيش والسياسة قبل ثورة تموز 1958
- هل كان العراقيون القدامى هواة عنف ودم ؟؟
- العالم كما أراه
- العلاقات الاجتماعية السياسية في بابل - 2 -
- العلاقات الاجتماعية السياسية في بابل - 1-
- حوار لم يتم بين مختار ورضا الظاهر


المزيد.....




- بي_بي_سي_ترند: وفاة -الشحرورة- صباح
- الصين تدرس اصدار قانون ضد العنف الاسري للمرة الاولى
- وليد المعلم يجتمع بالرئيس بوتين في سوتشي
- الجزائر تقول إنها قتلت مسلحا ضالعا في اختطاف ومقتل سائح فرنس ...
- مصر.. مقتل ثلاثة رجال شرطة بينهم ضابط في سيناء
- زيارة مرتقبة لملك الأردن لواشنطن لبحث عملية السلام
- بالصور.. تدريبات "نمر3" بالسعودية
- محكمة مصرية تلغي قرارا لرئيس الوزراء بمنع عرض -حلاوة روح-
- بالفيديو.. صيني ينجو من موت محقق بعد دهسه من 3 سيارات متتالي ...
- المؤشرات المصرية تصعد في نهاية تداولات الأربعاء


المزيد.....

- كركوك الارض والتاريخ / برهان البرزنجي
- السفر الهيرمينوطيقي عبر جزر الخيال: أملات في البرزخ وتعدد د ... / نرجس اليعقوبي
- أهمية علم الاجتماع / سمير ابراهيم حسن
- محاضرة ثمن الإنتاج عند كارل ماركس / محمد عادل زكي
- البخلاء للجاحظ / محمد عادل زكي
- دراستان علميتان رصينتان حول اليهودية والتلمود / نبيل عودة
- التشكيلة الاجتماعية لسلطنة دارفور / تاج السر عثمان
- الثقافة وديناميكية التجدد / صبري المقدسي
- نقد تصور ماركس في سعر الفائدة وربح التاجر / محمد عادل زكى
- محطات مهمة في تاريخ الحزب الشيوعي العراقي / جاسم الحلوائي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - عدنان عاكف - الذي رأى على ظهر جبل سمكة