أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - سامى لبيب - إشباع نرجسية وغرور من لذة التماهى فى مفهوم مغالط للوجود - لماذا يؤمنون وكيف يعتقدون (23)















المزيد.....

إشباع نرجسية وغرور من لذة التماهى فى مفهوم مغالط للوجود - لماذا يؤمنون وكيف يعتقدون (23)


سامى لبيب

الحوار المتمدن-العدد: 3729 - 2012 / 5 / 16 - 13:15
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


فى هذه السلسلة من " لماذا يؤمنون وكيف يعتقدون" نبحث فى الأسباب السيكولوجية التى أنتجت فكرة الإيمان بكيانات ميتافزيقية لنجد أن أسباب الإندفاع نحو الإيمان عديدة وذات تمظهرات متنوعة , فالفكرة من العبقرية بمكان لتستوعب فى داخلها الكثير من المشاعر والهواجس الإنسانية , ليغزل منها الإنسان أساطيره وقصصه مترجماً نوازعه الداخلية وكل ما يعترية من خوف وقلق وأمل ورغبة لتكون العملية الإيمانية هى عملية عبور من الألم والتوجس إلى عالم من الراحة والأمان حتى ولو صدحت بوهمها وهوانها .

* فهمنا المغلوط للوجود .
كيف نفهم الوجود ؟.. هل للوجود غاية أم نحن من نجعل للوجود معنى وغاية .؟!
مشكلة الإنسان مع الوجود أنه يفهم الوجود كما يريد وليس كما هو موجود .. أى أنه لا يكتفى بالتعاطى مع المشهد الوجودى وفق علاقاته المادية فقط بل مضيفاً له إحساسه وإنطباعاته ومشاعره المضطربة والمتباينة ليخلق غاية ومعنى خاص لديه .

بإمتلاك الإنسان الوعى أدرك أن وجوده مفارق للطبيعة وأنه فى حالة مُتقدمة ومُتميزة ومُغتربة عنه , فهو الوحيد القادر على الإدراك وتسجيل المشاهد والرصد وتحديد المواقف منها الحسية والوجدانية , ليتولد فى داخله إحساس بمحوريته للوجود فهو العاقل والمتميز الوحيد وسط طبيعة غير عاقلة .
لا يكون إحساس الإنسان بمحوريته هو نتاج شعور نرجسى يغذيه إحساسه بالتمايز والتفرد فحسب , بل كسبيل لكسر الإحساس بالعدمية فما معنى دوائر الألم والراحة إذا كانت ستتجدد ثم تتبدد فى النهاية على صخرة الموت , وما قيمة حياته اللاهثة وراء الإشباع إذا كانت ستهرم وتنتهى بالموت , فالموت هو الصدمة الوجودية الكبرى الذى لم يعرف كيف يتجاوزها إلا بخلق فكرة الإله الذى يعبر به حاجز الموت لتتبلور فى الداخل الإنسانى فكرة أنه محور الوجود من خلال الإله الذى خلقه ليتحدى به الطبيعة والإنتهاء .. قد نعتبر أن فكرة الإله هنا هو الداخل الإنسانى أى الإنسان الإله الذى أراد إعلان سيادته على الوجود ولكن يقف ضعفه كحائل دون ذلك , فتستر وراء صورة الإله كتحقيق لرغباته فى مشهد مُتخيل .

أرى أن ظهور الأديان والمعتقدات فى المجتمعات الإنسانية لم تأتى لتفسير الوجود وإيجاد علاقة مع إله هذا الوجود كما يسوق أصحاب الفكر الميتافزيقى فى الأساس وإلا أصبحنا أمام فلسفة , ولكن هى مشاريع إجتماعية وتأكيد هويات وقوميات تريد الحضور لم تخلو من مشاريع سياسية لنخب تريد تحقيق هيمنتها ووصايتها ونظامها الخاص تحت ستار المقدس .. أما لو حاولنا التعامل مع الأديان من منظور أنها قدمت فكراً تأملياً للوجود فهى تعبير عن رؤية بشرية لم تكتفى بتفسير الوجود من خلال إله فحسب بل جعلت فكرة الإله تدور نحو تأكيد محورية ومركزية الإنسان فى الوجود ليترجم ما فى داخله من إنطباعات ورؤى ومشاعر عبر القصة والأسطورة ,, لن نبذل جهداً كبيراً عند بحثنا فى النص الدينى لنجد أن بناءه قائم على تأكيد وترسيخ فكرة محورية الإنسان وتميزه بحثاً عن إيجاد قيمة ومعنى وإحساس متمايز فى وجود غير مَعنى ولا مُعتنى .

فى النص الدينى سنجد كل المشاهد مُعتنية بأهمية ومحورية وجود الإنسان فخلق الكون والسماوات والأرض والحيوانات والطيور والنباتات هى من أجل تجهيز المسرح للإنسان كبطل وحيد ومتفرد ينعم بها " الله الذي خلق السموات و الأرض و انزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره وسخر لكم الأنهار ، وسخر لكم الشمس و القمر دائبين و سخر لكم الليل و النهار" (إبراهيم 32) - فهدف الخلق هو الانسان كمحور للوجود ولنا أن نتصور بأن الأرض التى لا تمثل أكثر من حبة رمل فى صحراء الكون الشاسعة تحتل المشهد كاملاً فى أسطورة الخلق لتتحرك كل المشاهد من أجل الإنسان الذى يتحرك على حبة الرمل تلك ,!! بل لم تكتفى الأمور بهذا المشهد لتطال الكائنات السمائية فقد أجبرها مُبدع الأسطورة على السجود لآدم كإعلان لتفرده وسيادته ومحوريته , ويأتى رفض الشيطان السجود لآدم فى منحى تجريم وإقصاء من لا يعترف بمركزيته فيكون النبذ والجحيم إستحقاقه من الإنسان الإله .

فكرة الروح تصطبع هى الأخرى بنرجسية الإنسان فالإله نفخ فى الإنسان من روحه بينما لا نجد أى مشهد تفصيلى لبث الروح فى الحيوان بإسطورة الخلق فهم ليسوا بذات معنى فلا تعرف هل هى كيانات ذوات روح أم لا , وإذا كانت بها روح فهل مارس الإله نفخ الروح فيها أم لا ؟!!.. المؤمن بعد أن يعتمد قصة الروح كتفسير للكائن الحى لن يقبل أن ينفخ الإله نسمة الحياة فى الصراصير والبراغيت فالمحور هو الإنسان ولن يقبل أن يشاركه أى كيان هذه المحورية .

* دعونا نأخذ بعض التصورات لمفهومنا المغلوط للوجود والذى تسوقه دائما رغبة نفسية عميقة بأن الوجود تواجد من أجل الإنسان ففى آية " وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاء الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُوماً لِّلشَّيَاطِينِ " سنعتنى بفكرة أن النجوم هى مصابيح للزينة وسننصرف عن كونها رجوم للشياطين فهى من التهافت واللامعقولية لنتناولها .
مقولة أن النجوم مصابيح للزينة هى رؤية إنسانية ساذجة لمشهد النجوم وإعطائها معنى ناتج من قلة إدراك ووهم الإنسان بأنه محور الوجود , فالنجوم التى تعد بالملايين وبمثابة مواقد نووية هائلة متأججة تُعادل الواحدة منها أكثر من مليون مرة حجم الأرض تواجدت لتكون بمثابة نقط مضيئة فى سماء ليلة صيفية صافية !! .. والغريب أن مانراه من نجوم هى قطرة فى الفضاء الكونى الذى يحوى على ملايين النجوم !! .. بل ما نراه قد لا يكون موجودا لتبددها فالرؤية التى نحظى عليها الآن هى الضوء الذى وصل لعيوننا بعد ان قطع ملايين السنين الضوئية !!.. فهل من المنطقى ان نتصور ان هذه الغابة من النجوم الهائلة وبهذه الوضعية هى مصابيح للزينة لمنحنا إضاءة خافتة أو ان تراصها فى السماء جاء بمثابة الدليل الذى يهدينا فى رحلتنا البحرية أو الصحراوية .
الإنسان فى العصور القديمة لم يجد للنجوم وظيفة غير كونها تمنحه هذه الإضاءة الخافتة أو ترشده فى رحلته , فهكذا ترائى له وهكذا إستنتج وظيفتها وجدواها , ولكن ما يعنينا فى هذا المشهد هو تسخيره لمشهد النجوم لخدمة مركزيته وأنه محور الوجود .!
بالطبع النجوم تتواجد هكذا دون أن تقدم لنا خدمة إضاءة خافتة متى توفرت سماء صيفية صافية ولا هى تواجدت لكى تهدى أعرابى أو ملاح فى رحلته فهى تواجدت بحالتها المادية قبل الوجود البشرى , وعندما ظهر الإنسان فى المشهد الوجودى وجدها على شكل نقاط مضيئة كالمصابيح ليوجد لها معنى ,, وحتى تعاطيه معها من خلال إستخدامها فى علم الفلك فما هى سوى محاولة منه فى ايجاد علاقات بين النجوم لإستخدامها كخريطة تسمح لملاح أو أعرابى الإسترشاد فى رحلته فهى لم ترص نفسها من أجلنا بل نحن من أوجدنا علاقات إرشادية منها كمثل إلقائنا لمجموعة حجارة بين موقعين حتى نستدل عليهما بعد ذلك .

* "والخيل والبغال والحمير لتركبوها " - "وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ " !! ... لن يعنينا أيضا أن نهتم بمدى سذاجة هذه الآيات كونها تقدم معلومة مُدركة منذ القدم فإذا لم تكن الخيل والبغال والحمير للركوب فماذا ستكون وإذا لم تكن الأنعام للأكل فهل كان هذا الأمر غير مُدرك من قبل !!.. ولكننا سنعتنى بأن الإله خلق هذه الحيوانات للإنسان أى أن وجودها ومنافعها جاء من أجل الإنسان وهذا يعطينا مشهد قوى عن محورية الإنسان فالحيوانات سُخرت للإنسان لخدمته وإشباعه .
الخيل والحمير والبغال لم تأتى للركوب إلا مع قدرة الإنسان على ترويضها فقط فهناك حيوانات أخرى لها نفس التكوين الجسمانى ولكن الإنسان لم يستطع ترويضها إما لشراستها المفرطة أو بعدها عن بيئته .. إذن الأمور لا علاقة بأن تُسخر لنا " سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين " بقدر ما هى قدرتنا على التعامل معها .. كما أن هناك حيوانات عديدة يمكن الإستفادة منها فهى تتشابه مع الأنعام فى لحمها ومنافعها ولكننا لا نأكلها كوننا لم نستطع ترويضها وتدجينها ... إذن لا توجد اشياء مُسخرة وتواجدت خصيصاً من أجل معدة الإنسان بقدر ماهو صراعه معها وقدرته المحدودة فى التعامل مع بعض الأغنام والأبقار والدجاج , ولنسأل فى النهاية ما موقف كل الحيوانات التى تتواجد ولا نتعاطى ونستفيد منها من فكرة التسخير .

* الطبيعة جميلة وساحرة ولكن بعيوننا نحن .
نتصور أن الطبيعة جميلة وانها من خلق الإله الذى يحب الجمال ويستحسنه فخلقه لنا خصيصا ً حتى نستمتع بمشاهده الجميلة فهل الجمال من أجل الإنسان أم الانسان هو من يمنح الاشياء جمالياتها .؟!
تناولت فى مقال سابق "فلسفة الجمال" وأن الجمال هو حكم وتوصيف الإنسان للأشياء وفقا لإنطباعاته فلا توجد جزيئات فى المادة إسمها جزيئات جميلة , فالجمال توصيف لمشهد نسقط عليه إستحساننا كونه يفى بحاجات جسدية ونفسية عميقة , أما القبح فهو نعت مشهد يستدعى نفورنا من إرتباطه بألم وشقاء .
نحن من منحنا المشاهد الطبيعية معنى ومدلول من خلال إنطباعاتنا المرتبطة بالحاجة والراحة والإشباع بينما هذه الاشياء مستقلة عنا لا تحمل رسالة جمالية خاصة .. فالطبيعة لم ترتب جزيئاتها ومشاهدها من أجل ان ترسم للإنسان منظر جميل يُسعده بل نحن من نسقط مشاعرنا وإنطباعاتنا على الطبيعة ويرجع هذا إلى الجهل الإنسانى بإدراك كينونة الأشياء مع غرور لا بأس به يجعله يرى أنه محور الوجود فالمشاهد تم رسمها بعناية من أجل عيونه الجميلة .!

* النحل والعسل .
"وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون ، ثم كلي من كل الثمرات فاسلكي سبل ربك ذللا يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون "– النحل 69 ... نحن أمام آية تثبت محورية الإنسان فالنحل وإنتاجه من العسل جاء للإنسان لدرجة أن الله أوحى للنحل أن تقوم بهذه المهمة لتسلك دروب شتى حتى ينعم الإنسان بالإستفادة منها لتكون آية ومعجزة .!
النحل يتغذى على رحيق أزهار النباتات والأشجار المختلفة وهو ينتج العسل كمخزون غذائي يحتفظ به ليستعمله غذاءاً له فى فصل الشتاء ، التي تتوقف فيها النباتات والأشجار عن الإزهار حيث يقل الرحيق أو ينعدم فيها ليمارس هذا الفعل من 150 مليون سنه قبل ظهور شئ اسمه الوجود الإنسانى !! .. وهذا يعنى أنه يمارس هذا الإنتاج ليس للإنسان بل كمخزون غذائى لوجوده فلا معنى للإيحاء هنا أو إعتبار هذا المشهد الإنتاجى مُعد خصيصاً ليحظى به الإنسان .
الفكرة أن الإنسان البدائى رأى العسل فمارس فعل لعقه ليستحسنه وليداوم على هذا ثم يلاحظ أولاده وأحفاده بأن العسل ليس طيب المذاق فحسب بل يعطى نتائج جيدة فى القوة والصحة والشفاء ليتوهم الإنسان بنرجسيته أن النحل ينتج العسل خصيصاً لمعدته بينما هو يمارس دور نهب وتطفل على مخزون النحل الغذائى .. إذن القول بأن هناك إله يعتننى بهذا الإنسان ويخلق النحل من أجله هى فكرة محورية الإنسان الذى يتصور أن الحياة تم إعدادها من أجل إسعاده .

* البحث عن التكاثر عبر التلقيح وليس من أجل أنوفنا .
الزهور جميلة تطلق زهورها العطرية الرائعة لنتوهم ان هذه الزهور والورود تواجدت من أجل أن نستنشقها ونتعطر بها .. نعتقد أن هناك من يعتنى بأن نستمتع بعبق الزهور فخلقها خصيصاً كى نشمها ونتعطر بها بينما النباتات العطرية تفرز زيوتها الطيارة لتحتمي من الحشرات التي تسبب لها الأذى , كما تساعدها فى التكاثر بجذب النحل لنقل حبوب اللقاح أى أن الزيوت العطرية لم تتواجد من أجلنا بل فى طبيعة النباتات الطبيعى , فكون تصادف تواجدنا فى طريقها وإستحسنا رائحتها فهذا لا يعنى على الإطلاق أنها تواجدت من أجل أنوفنا الجميلة .!

كل ما نستحضره من مواد طبية أو عطرية من آلاف النباتات المختلفة هى مواد تتواجد فى بنية النباتات لخدمة وظيفتها فى النمو والتكاثر والحماية فلا تكون الأمور مُرتبة وذات عناية خاصة أى لم تتواجد خصيصاً من أجلنا فهى متواجدة قبل وجودنا وكوننا جربنا التعاطى معها لنجد بعضها يُفيد المعدة والبعض الآخر يقوى القلب أو يشفى الجلد فهذا من باب التجربة والملاحظة .. والدليل ان هناك نباتات تؤذى المعدة والبعض يُسمم الجسد ويفسد الجلد , وهذا يعنى ان الوجود تواجد بدون ان يُعد لنا هدايا ومكافآت خاصة بل نحن من باب التجربة والملاحظة وجدنا أن هذا يفيد وذاك يضر .

الإنسان ترجم رغبته فى إثبات محوريته للوجود من خلال الأديان والمعتقدات وتمادى بشكل كبير فى اثبات تميزه ومحوريته لتخرج الفكرة من إطار رؤية وحاجة نفسية عامة تعتريه إلى تشرنق شديد داخل فكرة المركزية لتنتج حالة أكثر غروراً وتشوهاً !! , فكل دين يُصر على تفرده بالإيمان الحق و المعتمد من قبل الإله , بل يحظى أتباعه على الرضا والقبول الإلهى فهم شعبه وأمته المُفضلة والمُختارة ليصبح الإنسان الدينى هنا فى وضعية متميزة ذات مركزية شديدة الخصوصية والمحورية فى الوجود فهوالمُعتنى به من قبل القوة الإلهية ومحور اهتمامه ودلاله , بل تزداد الفكرة تشرنقاً وخيالاً عندما تعطى النبى لهذا الدين أو ذاك أفضلية خاصة عن عموم البشر فكل الأمور تم ترتيبها منذ البدء لقدوم النبى أو الإبن المتجسد .

الفكر الدينى يعتبر محورية الإنسان هو حجر الزاوية الذى يحقق الإيمان لذا فهى تجد حضور فى نفوس المؤمنين بأنهم ذو أهمية وإعتناء خاص فكل الترتيبات السمائية والأرضية تم تجهيزها خصيصاً لهم وعلى أفضل صورة وهذا يمنح الإنسان أن يُداعب نرجسيته وينهل من مخدر الغرور الذى يصرفه عن بؤسه وعجزه فى الوجود .. بالطبع هذه الوضعية المتوهمة ستكون اكثر قبولاً من ان تصفع إنسان وتعلن له أن الوجود غير معنى به وهو ليس بذات أهمية فالوجود سيبقى ينتج مشاهده بلا إهتمام ولا إكتراث لوجوده ولن يعنيه كونه يَعي هذا أم لا , أو يتوهم أن الفيل جاء من أجل النملة أم لا .. لذا نجد الإيمان أفضل قبولا فى الشعوب التى لم تتخلص من طفوليتها وغرورها ولكن تبقى الإشكالية الكبرى فى هذا الإستعلاء والغرور الذى يمارس فعله ليترجم ويكرس للتمايز والنبذ والعنصرية .

العلم يتناول الوجود كما هو ولا يعتنى بسؤال " لماذا" الباحث عن الغاية فهو يستطيع أن يفسر "لماذا" من خلال العلاقات المادية ولكن لن يقدم إجابة عن "لماذا " الباحثة عن الغائية والمعنى , بينما نقرأ الوجود نحن سواء بطريقة صحيحة أو خاطئة فيهمنا أن نضع فيه غاية ومعنى .. فالغاية والمعنى هى نتاج أحاسيسنا ومشاعرنا وإنطباعاتنا العاطفية ونوازعنا الداخلية التى نسقطها على الوجود المادى لنتصوره كما نريد لنخلق فى داخلنا إرتياحية خاصة ومعنى وقيمة لوجود مادى صارم غير مُعتنى وبلا مَعنى .

لو تأملنا أى مشهد وجودى بدون ان نُسارع بخلق غاية سنجده مشهد يقدم صوره ديناميكية للحياة لا يعتنى بوجود الإنسان وليس لها علاقة عضوية مع وجوده فلن يوجد مشهد حياتى واحد ينتج وجوده من أجل الإنسان كهدف وغاية له بل نحن من نقف أمامه لنفترسه أو نتطفل عليه لنجعل منه غاية ومعنى .

الإنسان كائن نفعى برجماتى يلهث وراء إشباع حاجاته وإيفاء رغباته ويمتلك فى الوقت نفسه رؤية نرجسية وغرور متعال متوهماً أن النباتات والحيوانات التى يستفيد منها ويتطفل عليها تواجدت خصيصاً من أجل وجوده فهى مُسخرة لخدمة وإشباع حاجياته الذاتية بينما الأشياء تتواجد بذاتها غير مُتعمدة أو مُجهزة أن يكون مصيرها فم الإنسان , فما نراه مناسبا للتعاطى معه من خلال التجربة سنتعاطى معه , ومن نجده ضار وغير مفيد سننصرف عنه فالأشياء تواجدت هكذا .

الإنسان يؤمن بالميتافزيقا والأديان لأنها تحقق له طفوليته وغروره بإحساسه بالتفرد بأنه محور الوجود والإهتمام ولا يكون الغرور والنرجسية هنا هو تعبير فج عن الغطرسة بقدر ماهو غرور الفكرة والمنهج يريح إنسان مضطرب وعاجز ومهمش فهى تعطى له دعم نفسى فى أنه مازال متواجداً فاعلاً ضد التهمييش الوجودى , وإذا كان هذا يريحه فلن يسعفه فى التعاطى مع الوجود بهذا الفهم المغلوط , فالفهم الحقيقى هو أنه وحدة وجودية متطورة تتعاطى مع الوجود لتفهمه وتتناغم معه وعليه أن يتعامل معه كما هو بدون أى إضافات أو غايات تجعله يتوهم أنه محور الحياة .

دمتم بخير .
"من كل حسب طاقته لكل حسب حاجته " حلم الإنسانية القادم فى عالم متحرر من الأنانية والظلم والجشع .





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,563,092,720
- عسكرة الإيمان أم إيمان العسكرة - لماذا نحن متخلفون ( 5 )
- نحو تطوير الفكرة الإلهية ! - خربشة عقل على جدران الخرافة وال ...
- ليس هوساً جنسياً بل الشذوذ بعينه - الدين عندما ينتهك إنسانيت ...
- إشكالية النص والواقع -الأديان بشرية الهوى والهوية (4)
- خمسة قرود - لماذا يؤمنون وكيف يعتقدون (22)
- الإسلام السياسى يعيد إنتاج النظام ومن كنف نفس الطبقة .
- الشيطان يعتزل - خربشة عقل على جدران الخرافة والوهم (15)
- هكذا يؤمنون - تأملات وخواطر فى الله والدين والإنسان (16)
- الطبيعة تنحت وترسم الآلهة - لماذا يؤمنون وكيف يعتقدون (21)
- أيهما الإسلام أفيدونا ؟!- الدين عندما ينتهك إنسانيتنا (34)
- الإيمان إيجاد معنى لوجود بلا معنى -لماذا يؤمنون وكيف يعتقدون ...
- ثقافة التشرنق والتحفز - لماذا نحن متخلفون ( 4 )
- المنطق الدينى بين الهشاشة والسذاجة والهراء - خربشة عقل على ج ...
- البحث عن قضية إهتمام - الله مهتماً - لماذا يؤمنون وكيف يعتقد ...
- المرأة العربية بين جمود الثقافة والتراث وهيمنة مجتمع ذكورى
- الأديان بشرية الهوى والهوية -خيالات إنسان قديم (3)
- ثقافتنا ومعارفنا البائسة بين التلقين والقولبة - لماذا نحن مت ...
- حكمت المحكمة - يُقتل المسلم بكافر ! (4)
- عذراً لا أريد أن أكون إلهاً - خربشة عقل على جدران الخرافة وا ...
- مَخدعون و مُخادعون - كيف يؤمنون ولماذا يعتقدون (18)


المزيد.....




- في أميركا.. التدين في تراجع حاد والإلحاد يزداد
- لماذا يتراجع عدد القساوسة بصورة مثيرة للقلق في إيرلندا؟
- الفارق بين -بني إسرائيل- و-اليهود- و-أصحاب السبت- و-الذين ها ...
- بسبب المخاوف الأمنية.. نيوزيلندا تسيّر دوريات مسلحة تجريبية ...
- مديرة مدرسة إسلامية غير مسجلة في بريطانيا تتحدى السلطات وتوا ...
- الفاتيكان يبتكر مسبحة صلاة إلكترونية بصليب ذكي
- الأردن يدين الانتهاكات الإسرائيلية في المسجد الأقصى
- ما هي أبعاد تبني تنظيم -الدولة الإسلامية- إطلاق سراح عدد من ...
- التعايش الديني في مصر الإسلامية.. مخطوطة تظهر شراء راهبين لع ...
- المنح التعليمية بالحضارة الإسلامية.. موسيقي يرعى العلماء ومس ...


المزيد.....

- ماملكت أيمانكم / مها محمد علي التيناوي
- السلطة السياسية، نهاية اللاهوت السياسي حسب بول ريكور / زهير الخويلدي
- الفلسفة في تجربتي الأدبية / محمود شاهين
- مشكلة الحديث عند المسلمين / محمد وجدي
- كتاب ( عدو الله / أعداء الله ) فى لمحة قرآنية وتاريخية / أحمد صبحى منصور
- التدين الشعبي و بناء الهوية الدينية / الفرفار العياشي
- ديكارت في مواجهة الإخوان / سامح عسكر
- الاسلام الوهابى وتراث العفاريت / هشام حتاته
- قراءات في كتاب رأس المال. اطلالة على مفهوم القيمة / عيسى ربضي
- ما هي السلفية الوهابية ؟ وما الفرق بينها وبين الإسلام ؟ عرض ... / إسلام بحيري


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - سامى لبيب - إشباع نرجسية وغرور من لذة التماهى فى مفهوم مغالط للوجود - لماذا يؤمنون وكيف يعتقدون (23)