أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - ملف - المتغيرات فى تركيبة الطبقة العاملة ودورها، والعلاقة مع الأحزاب اليسارية - - بمناسبة 1 ايار- ماي عيد العمال العالمي 2012 - سعيد مضيه - شغيلة فلسطين وكادحوها تحت ضربات الليبرالية الجديدة















المزيد.....


شغيلة فلسطين وكادحوها تحت ضربات الليبرالية الجديدة


سعيد مضيه
الحوار المتمدن-العدد: 3711 - 2012 / 4 / 28 - 13:17
المحور: ملف - المتغيرات فى تركيبة الطبقة العاملة ودورها، والعلاقة مع الأحزاب اليسارية - - بمناسبة 1 ايار- ماي عيد العمال العالمي 2012
    


شغيلة فلسطين وكادحوها تحت ضربات الليبرالية الجديدة
درج الخطاب التقليدي على طرح أولوية الصراع القومي على الصراع الطبقي كمبرر لفتور المطالب الاجتماعية في طروحات اليسار. أسفر هذا المنطق، المناقض للمنطق الجدلي، عن فتور النضال الوطني ضد الاحتلال مع ضعف المطالب الاجتماعية والعزوف عن المشاركة السياسية، وإشاعة السلبية الاجتماعية وتراجع أداء الحركات العمالية والطالبية والنسوية.
أفاق حزب الشعب الفلسطيني على حالة الركود الاجتماعي السائدة فطرح خطة للخروج من المتاهة ، تضمنت وضع برنامج اقتصادي لليسار يتوجه به للجماهير يخرجها ويخرج اليسار من حالة الضياع . وعهد من خلال "مركز دراسات التنمية"، ويحمل اسم القائد الشيوعي الراحل فؤاد نصار، إلى أكاديميين إعداد دراسة اقتصادية ؛ ثم دعا لعقد مؤتمر اقتصادي ضمن توجه "نحو سياسات اقتصادية فلسطينية بديلة "، شارك فيه عدد من الخبراء المحليين وخبراء قدموا من البرازيل والصين وروسيا . وبعث الدكتور ابراهيم العيسوي بورقة تليت بالنيابة عنوانها "الأزمة العالمية وثورة يناير تستدعيان تبني نموذج جديد للتنمية في مصر". اجمع المتحدثون، وقد أمعنوا النظر في الواقع، على ان حياتنا، في فلسطين المحتلة، توجهها تعليمات الليبرالية الجديدة، على الأقل منذ قدوم السلطة الفلسطينية. برزت ضرورة التصدي للنهج ، الذي كان ولم يزل يوجه السياسات الاقتصادية للسلطة الفلسطينية . بعض عوامل التوجه مرجعها سياسات الاحتلال المفروضة بموجب اتفاق باريس بين السلطة وإسرائيل ، وبعض آخر عوامل ذاتية يمكن اختزالها في " غياب شروط الدولة الوطنية لنمو رأسمال فلسطيني"؛ فمعظم الرأسمال الفلسطيني الكبير لم يتراكم من خلال الاستثمار في عمليات إنتاجية محلية ؛ إنما تراكم خارج فلسطين. بعض الرأسماليين ارتبط بأنشطة المضاربة وانفصل عن المهام الوطنية لتأسيس الدولة المستقلة. ومن ثم ضعفت توجهات البرجوازية الوطنية على السلطة الفلسطينية .
وتتحمل السلطة مسئوليات الأزمة الناشبة نظرا لتجاوب إجراءاتها مباشرة مع شروط الليبرالية الجديدة . الليبرالية الجديدة توجه سياسات المحافظين الجدد في الولايات المتحدة ، القوة التي تسند الاحتلال وتدعو لاستمراريته مع إسكات النقد الموجه ضده. والهدف أن إسرائيل أداة للعولمة ولتحقيق الهيمنة الكونية للولايات المتحدة . والليبرالية الجديدة من جانب الهيئات الاقتصادية للعولمة تضيق الخناق على اقتصاد الأراضي المحتلة. والغاية جعل الحياة شاقة على السكان بحيث يضطرون للهجرة، كي تشكل إسرائيل قوة أقليمية كبرى داخل المنطقة.
هكذا تجمعت ملابسات، كما جاء في ورقة تيسير محيسن، الباحث الاقتصادي وعضو المكتب السياسي لحزب الشعب الفلسطيني ، لتضع فوق المجتمع الفلسطيني طبقة عليا تتكون من شرائح طفيلية ينحصر نشاطها في التداول وليس الإنتاج، توليفة تضم كبار الرأسماليين تجارا وصناعيين وملاك أراضي ومضاربين وسماسرة وأثرياء جدد من الجهاز البيروقراطي للسلطة. تمارس البرجوازية القهر والاستغلال تجاه الطبقات الأخرى، تحمل صفات كمبرادورية ( وكلاء شركات أجنبية) وتقيم تحالفات بينها وبين بيروقراطية السلطة. تكرس التحالف بين السلطة ورؤوس الأموال الكمبرادورية الفلسطينية بتأثير الجهات المانحة ونخبة المنظمات المحلية ، "وجدت صداها في التقاء المصالح مع ما أسماه نتنياهو بالسلام الاقتصادي أو في الشراكة الإقليمية التي تمهد لخلق واقع سياسي جديد ومختلف كليا يصل مداه إلى حد الاتهام ببيع الوطن".
كما يبدو وضع المشاركون في المؤتمر الإصبع على الجرح النازف. أرجع النقابي عاطف سعد، الباحث في الشؤون النقابية والرئيس الأسبق لتحرير صحيفة "صوت العامل" ، الناطقة بلسان الاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين، الأزمة إلى بداياتها لدى قدوم السلطة الفلسطينية عام 1993 . روى الحكاية ضمن ورقة ألقيت أمام المؤتمر:
"في مقابلة أولى مع الرئيس عرفات طرح النقابي شاهر سعد، باسم الوفد العمالي، ’نريد إصدار مرسوم يتضمن الحد الأدنى للأجور‘. فتغيرت ملامح الرئيس وقام عن كرسيه وأزاحه خلفه ودق على الطاولة بقبضة يده وقال غاضبا ’ إيه يا شاهر، إيه يا ابني انت عايز تعملي ثورة بالجيش؟!‘ وعاد ليجلس... فهمنا الدرس وفهمنا شيئا لم يكن مطروحا على جدول أعمال الثوار الوطنيين شركاء النضال الوطني قبل مجيء الرئيس ومنظمة التحرير إلى الوطن".
قبل ذلك التاريخ سجلت الحركة النقابية في فلسطين تقاليد كفاحية نقابية ووطنية طورت تقاليد ما قبل الاحتلال. خاضت الحركة النقابية نضالات ضد الاحتلال، اندمجت مع الدفاع عن حقوق العمال ومصالحهم. أفرزت النضالات المتواترة قيادة عمالية انتخبت عام 1976، نجحت في تكريس يوم الأول من أيار عيدا رسميا مدفوع الأجر للعمال . وفي نفس العام جرت انتخابات بلدية قصد الاحتلال منها إخراج قيادة عميلة ، بديلة لمنظمة التحرير الفلسطينية . أصيبت إدارة الاحتلال ووزير الدفاع موشيه دايان بخيبة أمل ، إذ أسفرت الانتخابات عن فوز ساحق لقيادات وطنية نال فيها مرشحو النقابات العمالية أصواتا عالية .
يواصل الباحث النقابي القول، "بعد قدوم السلطة لم تأت على ذكر النقابات العمالية او العمال كطبقة اجتماعية. صدر قانون تشجيع الاستثمار، وكان أول قانون يصدّق عليه الرئيس. لم يتضمن القانون حماية حقوق العمال، وحصل تباطؤ شديد في إقرار تشريعات ذات صلة". فقانون العمل الفلسطيني تأجل سبع سنوات، حيث أقر عام 2000، وحمل رقم 7 لعام 2000، وتطلب وضعه موضع التنفيذ فترة ثماني سنوات أخر. وكذلك قانون الحماية الاجتماعية الذي صادق عليه الرئيس ولم يتم تطبيقه بعد. وفسر الإعاقة احمد قريع، رئيس الوزراء حينذاك، فقال " أن صندوق النقد الدولي لا يقدم أموالا لقوانين الحماية الاجتماعية" .
زاد الطين بلة نهج حكومة سلام فياض ، التي أخلصت في تطبيق نهج الليبرالية الجديدة . رفعت شعار "الشراكة الكاملة" دون أن تحقق أي قدر منها. لم تؤسس نظام ضمان اجتماعي رغم أن بيانها تضمن السعي " إلى تعزيز النمو الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والتنمية العلمية للشعب الفلسطيني مع تأكيد التزامها بضمان أسس العدالة الاجتماعية". تجاهلت حكومة سلام فياض الحقوق الأساس للعمال وتوفير الحماية من حوادث العمل والضمان والحماية الاجتماعية . نالت ثناء الهيئات المالية العالمية لتحقيق وتائر نمو عالية لم تشمل العمال. يذكرنا هذا الثناء بما كان يوجه لرؤوس الجماعة الاقتصادية في حكومات مبارك ، أمثال يوسف بطرس غالي وحسين سالم .
يمكن أن نجد تفسير المفارقة بين التوجه الوطني لحركة فتح وبين توجه قيادتها للسلطة، في نظرية الحزب لدى مهدي عامل كما فسرها الدكتور هشام غصيب، الباحث والفيلسوف الأردني ، وذلك في بحثه " نظرية الحزب لدى مهدي عامل" ، المنشور على موقع الحوار المتمدن [ العدد 3407 بتاريخ 25/6/ 2011]. أسقط مهدي عامل، مفهوم الصراع الطبقي الماركسي، على ظروف لبنان والعالم العربي، فالتقطه كامنا في ما تمور به المجتمعات العربية من صراعات طائفية وعرقية وقبائلية ومناطقية. يقول الدكتور غصيب "وأزعم أن مهدي أفلح في مجابهة هذا التحدي بفتح مسار واعد أمام التقدميين للانخراط بفاعلية في الصراع الاجتماعي القائم في أقطار الوطن العربي. لذلك، فإن مهدي يستحق بجدارة أن يسمى فيلسوف الثورة العربية بامتياز. .. هضم الجوهر الطبقي للصراع الاجتماعي المتنوع الأوجه في لبنان والأقطار العربية الأخرى".
يمكن اختزال مقاربة مهدي عامل للمسألة كما شرحها الدكتور غصيب في نقطتين جوهريتين: الأولى إغراق الصراعات الطبقية في نماذج من صراعات تحرف عن الجوهر وتبعث عناصر التقسيم الاجتماعي الموروث وانتماءاته المتخلفةـ الطائفية والقبلية والعرقية الخ. والنقطة الثانية وظيفة الحزب لدى البرجوازية والبرجوازية الصغيرة المتناقض مع المفهوم الثوري للماركسية.
النقطة الأولى تفشي نجاح البرجوازية الفلسطينية في التستر على أهدافها الأنانية الضيقة، وإخفاء استغلالها الطبقي وأنشطتها التجارية الكمبرادورية، تحت سجادة النضال المشترك ضد الاحتلال ، طبقا لقاعدة تقديم التناقض الرئيس على التناقض الثانوي. غيبت البرجوازية ووكلاؤها في السلطة حقيقة أن مناهضة الاحتلال اتخذت في واقع الممارسة مضامين طبقية متباينة، وربما متناقضة: الفقراء يستشهدون والأثرياء يضاعفون ثراءهم. انجرفت الجماهير الفقيرة مع هذه القسمة، وانخدع اليسار ردحا من الزمن بتظاهرات البرجوازية. من خلال إشاعة الوعي الزائف تمكنت البرجوازية الفلسطينية خلال فترة السلطة، في إزاحة السياسي عن مستواه صوب الاقتصادي والآيديولوجي والقومي الفاقد للمنحى الطبقي.
انتهجت السلطة سياسات ليبرالية جديدة رفعت عن الحكومة أعباء توفير فرص العمل حسب النهج الكينزي، ومراقبة الأسعار والأجور . لم تستنكف عن محاربة الإنتاج الوطني لصالح الاستيراد، وأضعفت قدرة المنافسة ورفعت تكاليف الإنتاج في الصناعات كثيفة العمالة . "لحقت إضرار بالغة بقطاعات إنتاجية نتيجة الممارسات الاحتلالية، وانخفضت مستويات الأجور في ظل نظام لا يقيم وزنا للعدالة ومكافحة الفساد وإعادة النظر في الأثر التوزيعي لممارساته وسياساته، كما لا يحترم آليات الإدارة الديمقراطية للتخفيف من الاحتقانات وانتشار مظاهر الانحطاط الاجتماعي المتمثلة في النزعة الاستهلاكية والكسل الفكري وتدهور العلاقات والوعي الاجتماعي الزائف والاستلاب والقدرية"، حسب تقديرات الباحث محيسن.
شاع الفساد في عمل المؤسسات الرسمية، فاحتلت السلطة الفلسطينية المرتبة 107 عام 2005؛ وفي استطلاع عام 2009 تجلت أكثر أشكال الفساد في المحسوبية والمحاباة والواسطة ثم الرشوة وتسخير الوظيفة والممتلكات العامة لمصالح شخصية.
تظهر تقارير التنمية أن ثمة ضعفا في الترابط بين النمو الاقتصادي والتحسن في ظروف معيشة الأغلبية الساحقة من الشعب. إذ تتدهور باستمرار خدمات الصحة والتعليم . ولا ترتقي مخرجات نظام التعليم إلى المستوى المطلوب كرافعة للتحرر والتنمية . فهذا المرفق ينطوي على إمكانيات غير مستثمرة لدمج التعليم في التنمية الاجتماعية وربطه بحاجات الإنتاج وقضايا المجتمع الأخرى بحيث تتقلص البطالة بين شرائح الخريجين ويضمن تزويد الإنتاج بالكفاءات المقتدرة. ولكن لم يتم التفكير بهذا الخيار بين فصائل اليسار ، ناهيك عن بيروقراطية السلطة .
القضية هامة ومحورية وتحتاج إلى معالجات متكررة وينبغي أن يقاربها اليسار بجدية .
وجرى تسخير التمويل الأجنبي أداة لتخريب المنظمات الوطنية؛ فانزلقت عناصر مناضلة في السابق إلى ممارسات مدمرة . لم يعد يربطها بماضيها غير الاسم، و بدل العمل التطوعي المتفاني في خدمة المجتمع وتعويض نقص الخدمات المقدمة من سلطة الاحتلال، صعدت تلك العناصر إلى وظائف إدارية برواتب عالية ورحلات سياحية ومكاتب فخمة ، تقتصر مهماتهم على أعمال تدريب وتعليم الديمقراطية. انحسر نفوذ وتأثير فصائل اليسار.
ورثت السلطة اقتصادا مشوها وبنية اجتماعية على وشك التفتت والمزق، فأدخلت بيروقراطية السلطة مزيدا من الفساد والإفساد والمحسوبية . حصرت وظائف السلطة في عناصر فتح ، وعزلتها عن جماهيرها في أداء سياسي واقتصادي واجتماعي سيئ فاقم التشوهات والمحددات الرئيسة لانهيار مشروع السلطة عمليا. كتب أحد الأدباء الفلسطينيين "بدأت السلطة من حيث تنتهي الدول".
الملمح الرئيس للبنية الاجتماعية هي السيولة الطبقية وضعف وارتباك الوعي الطبقي، فتور همم الشرائح الفقيرة والمتوسطة في الدفاع عن حقوقها أمام نفوذ كبير لقطاع الرأسمال والبيروقراطية. تآكل الأجور والمداخيل، مشاركة النساء لا تتجاوز 12% ، وينحصر في قطاع الخدمات الذي استوعب حوالي 55% من العاملات عام 2006.
بينما أكد القانون الأساسي للسلطة الفلسطينية أن " العمل حق لكل مواطن " وعلى أن علاقات العمل يجري تنظيمها بما يكفل العدالة للجميع ويوفر للعمال الرعاية والأمن والرعاية الصحية الاجتماعية إلا أن أداء السلطة في مضمار الحد من البطالة لا يعد أداء ناجحا في ظل عوامل وأسباب موضوعية أخرى كتشوهات سوق العمل والأوضاع السياسية غير المستقرة . على العكس من ذلك يمكن اعتبار أن بعض سياسات السلطة وممارساتها قد ساهمت بصورة أو بأخرى في تفاقم ظاهرة البطالة . فقد فتحت الأبواب على مصاريعها أمام الاستيراد فدمرت صناعات محلية بلغت درجة عليا من الكفاءة ، مثل صناعة الأثات وصناعة الملابس والأثاث. تدمير البنية التحتية والقطاعات الإنتاجية ، الإغلاق والحصار والعزل والقيود المشددة على الحركة، كلها مظاهر لنهج اللامبالاة حيال أوضاع الجماهير ؛ بينما الاحتلال يتبع نهجا مماثلا بهدف إجبار الناس على الهجرة!!
شكلت البطالة المقنعة في صفوف الشرائح الوسطى حوالي 60% من المجتمع . فالكثير من العاطلين عن العمل طرقوا أبواب المشاريع الصغيرة مثل خدمات المطاعم ووجبات الساندوتش وبيع أجهزة الخلوي وبسطات على الأرصفة او سياقة سيارات عمومية بمركبات غير مرخصة. أما الحرفيون وصغار المنتجين والمهنيين والمزارعين من الشرائح الوسطى فشكلت الفئتان العليا والوسطى 7,5%فقط.
يقتطف الدكتور غصيب من كتاب “في التناقض” للراحل مهدي عامل قوله: “إن نزع الطابع السياسي عن الصراع الطبقي هو الطابع السياسي الخاص بالممارسة السياسية للطبقة المسيطرة. حين يظهر الصراع الطبقي في شكله الرئيسي كصراع آيديولوجي أو اقتصادي، أي حين يكون المظهر الرئيسي في التناقض السياسي مظهراً غير سياسي، يمكننا القول إن الممارسة السياسية للطبقة المسيطرة هي الممارسة المسيطرة في تطور صراع الطبقات الاجتماعية أي القوة السياسية التي تدفع البنية الاجتماعية إلى البقاء في تطورها داخل الإطار البنيوي الثابت لعلاقات الإنتاج القائمة.” [ مهدي عامل: مقدمات نظرية لدراسة أثر الفكر الاشتراكي في حركة التحرر الوطني: (1) في التناقض، (2) في الإنتاج الكولونيالي، دار الفارابي، بيروت (الطبعة الثالثة، 1980)، ص. (49]).
ما الذي يعيق الحراك الاجتماعي للخروج من حالة الاختناق؟
الحزبان الكبيران على الساحة الفلسطينية يضطلعان بالمهمة . تارة عن طريق التوظيف في الميليشيات ، حيث الشباب لا يحصل خلال الفترة الملائمة للاستيعاب على مؤهلات التدرب على مهن منتجة أو كفاءات عملية، وتارة عن طريق الانخراط في وظائف إدارية تصيب الأفراد ذوي الثقافة الضحلة بداء البيروقراطية والتعالي على الجمهور. حسب رؤية مهدي عامل "ولئن كانت هذه الأحزاب تتمتع بنوع من الاستقلالية والفاعلية والثورية، في مرحلة ما قبل توليها السلطة، فإنها تفقد استقلاليتها وفاعليتها لحظة وصولها إلى السلطة، وتندمج في جهاز الدولة تماماً. ".
البرجوازية الصغيرة شرائح غير مهيمنة في أساسها، بمعنى أنها لا تحمل في باطنها وتركيبتها الداخلية نمط إنتاج خاصاً بها، كما هو الحال لدى البرجوازية والبروليتاريا. وفي السياسة غالبا ما تقع فريسة الاستغفال وتنجر وراء استدراج الخصوم إلى مواقع هزيمتها . ومثال الصدامات المسلحة التي استدرجت إليها فصائل البرجوازية الصغيرة في فلسطين مثال على احتمالات انخداعها واستغفالها لكي تمنح أعداءها نصرا مدويا بثمن زهيد . لذلك، رأى مهدي عامل أن "وصولها إلى السلطة وسيطرتها الطبقية واردة تماماً في الأطراف الكولونيالية، برغم فضائحية هذه الإمكانية". ويعزو مهدي ذلك كله إلى كون البرجوازية الصغيرة طبقة غير مهيمنة، ويستحيل أن تحكم بغير القمع والإكراه. ويقول مهدي في هذا الصدد: “ولا غرابة في الأمر، فعجزها هذا نتيجة منطقية مباشرة لاستحالة كينونتها طبقة مهيمنة. الحزب أداة الهيمنة الطبقية، إن استحال وجود هذه، استحال وجود الحزب، أو بطل فعله، فإن وجد برغم ذلك، كان بالضرورة مسخاً من المهد إلى اللحد، وفي أحسن الحالات قزماً سياسيا وإن عظمت جثته” [مهدي عامل، في الدولة الطائفية، دار الفارابي، بيروت الطبعة الثانية،1989 ، ص.72].
يبقى على الفصائل الصغرى، اليسارية أن تحتضن مصالح البؤساء تشحن كوادرها بالثقافة الوطنية الديمقراطية، لتنقل إلى جماهير البؤساء والمستلبين الوعي الثوري المتجسد في الماركسية. فلسفة ماركس هي فلسفة ثورة البؤساء، فلسفة الثورة، ومن طبيعتها الثورية ينبع طابعها الجدلي. فالجدل أرقى أنماط التفكير، ويملك مفاتيح الحياة الاجتماعية لدراسة نواميس حركة المجتمع التقدمية ؛ لأنه يملك بوصلة الربط بين الظواهر الاجتماعية . مفتاح المنهج الجدلي هو السعي لاكتشاف الروابط الضرورية التي تربط الأشياء والظاهرات، التي تبدو على السطح مستقلة عن بعضها ومجزأة، تبدو كومة من البيانات والانطباعات.
وهنا نصل إلى النقطة الثانية من طروحات مهدي عامل. فالبرجوازية، في ممارسة الصراع الطبقي، تسخر البرجوازية الصغيرة وأحزابها وما يسمى الأجهزة الأيديولوجية، كالمؤسسات التعليمية والدينية والإعلامية. فهذه الأدوات تعمل في إطار جهاز الدولة وتستمد معناها ووظائفها من هذا الجهاز. جهاز التربية في ظل السيطرة البرجوازية يعمل لإعادة إنتاج العلاقات الاجتماعية ، علاقات السيطرة الطبقية من استغلال وقهر. وبمقدور القوى الديمقراطية أن تحول جهاز التربية إلى رافعة لتعليم الديمقراطية وروح المبادرة والتفكير المستقل وكفاءة الأداء الإنتاجي والإداري.
يكمن أساس نظرية مهدي عامل في حزب البروليتاريا الثوري في فكرة أن الأخير يختلف نوعيا عن أحزاب البرجوازية والبرجوازية الصغيرة من جميع الزوايا. فهو ليس جهازاً كما هو الحال مع الأحزاب الأخرى، وإنما هو التنظيم الثوري الرئيس للطبقة العاملة؛ ليس ملحقاً بجهاز الدولة، كما هو الحال مع الأجهزة الأخرى. من خلال المثابرة على نهج التحرر والديمقراطية والتنمية الاجتماعية ينتهج خط التحالف والصراع مع البرجوازية ، يكافح ضد نزعاتها للتساوم مع المحتلين والخشية من حركة الجماهير المستقلة. يتقدم الكادحون الصفوف ويديرون الصراع ضد المحتل، وينتزعون أدوارا للعمال في إشراك النقابات في إدارة الإنتاج. إن جوهر وجود الحزب الثوري إذاً هو كونه نقيضا لجهاز الدولة في حدّ ذاته في مرحلة سيطرة البرجوازية، حيث يدخل في صراع متواصل مع جهاز الدولة البرجوازية، وما يتبعه من أجهزة أخرى؛ وفي حال التغلب على سيطرة البرجوازية فإن أول ما يفعله هو تحطيم جهاز الدولة البرجوازية وبناء جهاز دولة عمالية، ويظل مستقلا حتى عن جهاز دولته.
الحزب البروليتاري الثوري أداة توسيع الديمقراطية لتغدو نمط حياة، وأداة تربية سياسية وإيديولوجية للمقهورين سابقا، كي يعوا نواميس حركة المجتمع وسبل التغلب على ازمات التغيير الاجتماعي. يطور الحزب مفعول الديمقراطية من تكافؤ الفرص السياسية إلى المساواة الاقتصادية لتحقيق العدالة الاجتماعية. وحيث يتعذر تحقيق الديمقراطية والحرية والاستقلال الاقتصادي في ظل الاحتلال الأجنبي يركز الحزب الثوري طاقات الجماهير على تصفية الاحتلال بالتعاون والتحالف مع القوى الإقليمية والدولية المناهضة للأبارتهايد والعولمة ونهج العدوان والحروب .





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- نطلق مبادرات التحدي بدل مقترحات التفاوض
- ليس للفلسطينيين قيمة استراتيجية في نظر الولايات المتحدة
- يوم الأرض الفلسطيني
- جرائم الأبارتهايد تحت الأضواء الكاشفة
- وضعية المرأة مرهونة بالتدافع الاجتماعي (يوم المرأة العالمي)
- مغالطات ام جهل .. يا أبراهامي ؟!
- مشروع نصر حامد أبوزيد
- السلفية والعولمة
- سلفية العصر الحديث
- التكفير يقتحم المشهد الثقافي
- اليسار وقضايا الفكر والثقافة التراث 2
- اليسار وقضايا الفكر والثقافة
- البعد القومي في مهام اليسار العربي ومركزه القضية الفلسطينية
- التحول الديمقراطي.. أعطاب ذاتية
- الحوار المتمدن في العاشرة من عمره المديد
- مصر والثمار المرة للطغيان
- أشباح تحوم في فضاء مصر
- الخروج من متاهة التفاوض
- ردع تدخلات الامبريالية أولا
- بنية نظام الأبارتهايد الإسرائيلي وشروط تقويضه


المزيد.....




- ترامب لماكين بعد تبادلهما انتقادات حادة: سأواجهك
- البحرين تبتاع طائرات F-16 بـ3.8 مليار دولار: المنطقة مهددة ب ...
- ضابط أمريكي سابق: الأكراد يستحقون دعمنا.. ولولاهم لاكتسح داع ...
- القوات العراقية تسيطر على مناطق خاضعة للأكراد في نينوى
- رئيس أركان الجيش الإيراني يزور مقام السيدة رقية في دمشق
- عشية انتهاء المهلة.. مدريد تدعو زعيم كتالونيا للتعقل وإعطاء ...
- توقعات بانفجار شمسي قاتل
- 12 مصابا بحريق في دار العجزة في إيركوتسك
- ملالا يوسفزاي تختار ارتداء الجينز والكعب العالي في جامعة أكس ...
- دراسة: التغير المناخي قد يكون سبب ثورات قدماء المصريين


المزيد.....

- هكذا تكلم محمد ابراهيم نقد / عادل الامين


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - ملف - المتغيرات فى تركيبة الطبقة العاملة ودورها، والعلاقة مع الأحزاب اليسارية - - بمناسبة 1 ايار- ماي عيد العمال العالمي 2012 - سعيد مضيه - شغيلة فلسطين وكادحوها تحت ضربات الليبرالية الجديدة