أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - جودت شاكر محمود - العدوان ونظرية المواقف السيكولوجية















المزيد.....


العدوان ونظرية المواقف السيكولوجية


جودت شاكر محمود

الحوار المتمدن-العدد: 3679 - 2012 / 3 / 26 - 21:01
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


لقد عكف الإنسان ومُنذ فجر التاريخ محاولا إيجاد تفسيراً ما لظاهرة العدوان أسوءة بسعيه لمحاولة تفسير جميع الظواهر الأخرى التي تحيط به وتؤثر فيه، وذلك من خلال إثارة جملة من الأسئلة والتي سعى محاولاً الإجابة عليها وتكوين أطار نظري لتفسير تلك الظاهرة، ومن تلك الأسئلة:
• هل يعتبر العدوان سلوك طبيعي له وظيفة ما في حياة الإنسان ؟ أم هو سلوك عارض وطارئ ليس له أي وظيفة هامة في حياته ؟
• هل يتسبب بالسعادة له، أو إنما فقط يسبب الأذى له وللآخرين ؟
• هل هو سلوك فطري فسيولوجي عصبي ينشأ تلقائيا من داخل الإنسان ؟ أم هو سلوك متعلم يكتسبه الفرد من خلال جملة من العوامل البيئية ؟
• وهل الأفراد يختلفون فيما بينهم في ممارسة ذلك السلوك ؟
• وهل يمكن التحكم في تلك العوامل المسببة له ؟
• وهل ذلك التحكم يؤدي إلى قدرتنا على التحكم بالسلوك العدواني ومحاولة تغييره أو توجيهه إلى وجهات أخرى ؟
ولكن قبل ذلك لنتعرف أولاً على ما هو العدوان؟
العدوان Aggression ظاهرة عامة ومعقدة ومتنوعة تشمل حزمة واسعة من المظاهر والصفات السلوكية، والتي هي أي سلوك أو فعل يقصد به إيقاع الأذى أو الضرر بشخص ما أو حيوان ما، أو إحداث تخريب أو تدمير على أي شيء ما، وقد يتجه هذا السلوك نحو المجتمع ككل أو نحو مجموعة من الأفراد والممتلكات، ينطوي عن إصرار وعمد، متخذا أشكالا عديدة منها ما هو لفظي ومنها ما هو بدني، يهدف إلى تحقيق غرض أو رغبة ما، يعيها القائم به أو قد لا يعيها، تؤدي إلى تحقيق نوع من التوازن الداخلي للشخص القائم به.
فهو شكل من أشكال السلوك غير الطبيعي والذي لا يصدر عن الشخص غير السوي فقط، وإنما كثيرا ما نشاهد الأشخاص الأسوياء يمارسون السلوك العدواني لفترة قصيرة وبصورة مؤقتة. في حين الشخص غير السوي يمارس ذلك السلوك بحق نفسه أو أفراد أسرته أو المجتمع وبصورة دائمة نسبيا ولفترات أطول.
لذا فأن محاولة صياغة تعريف العدوان تعريفا جامعا مانعا أمرا صعبا للغاية، فكلمة عدوان رغم كونها كلمة دارجة إلا إنها تستخدم بمعان كثيرة، كما إنها تتضمن الكثير من الأحداث والأفعال والتي يمكن أن تدرج تحت مفهوم العدوان، مما يجعل إيجاد ذلك أمراً بغاية الصعوبة. فالعدوان مفهوم غامض تتعدد معانيه وتتداخل العوامل التي تمهد له وتتنوع النظريات المفسرة لماهيته، مما يؤدي إلى صعوبة التنبؤ به أو محاولة ضبطه، ومن هنا اختلفت الرؤى والتفسيرات التي حاولت دراسته.
ولكن العدوان من وجهة نظر الباحث هو ظاهرة عامة ومعقدة ومتنوعة تشمل حزمة واسعة من المظاهر والصفات السلوكية، والتي هي أي سلوك أو فعل يقصد به إيقاع الأذى أو الضرر بشخص ما أو حيوان ما، أو إحداث تخريب أو تدمير على أي شيء ما، وقد يتجه هذا السلوك نحو المجتمع ككل أو نحو مجموعة من الأفراد والممتلكات، ينطوي عن إصرار وعمد، متخذا أشكالا عديدة منها ما هو لفظي ومنها ما هو بدني، يهدف إلى تحقيق غرض أو رغبة ما، يعيها القائم به أو قد لا يعيها، تؤدي إلى تحقيق نوع من التوازن الداخلي للشخص القائم به.
وبناءاً على ما جاء في ذلك التعريف نجد أن العدوان يتخذ أشكال وصور تختلف باختلاف العوامل البيئية والاجتماعية ولأسرية والثقافية والنفسية إضافة إلى عوامل عضويه قد تكون أساسا لبناء التكوين النفسي والنمط الخلقي الذي سوف ينشأ عليه ذلك الفرد. وهناك العديد من النظريات حاولت تفسير السلوك العدواني لدى الأفراد.
فمنذ القدم وحتى الآن فسر الكثيرون السلوك العدواني بأنه انعكاس للطبيعة الإنسانية، فلقد شهد التراث الفكر العلمي وقبله الفكر الخرافي تفسيرات متعددة لتعليل ظاهرة عدوان الإنسان على أخيه الإنسان، وتفسير عدوان الحيوان أيضاً. واتسمت التفاسير البدائية باعتمادها على الخرافة والشعوذة وإسناد العدوان وغيره من ضروب السلوك الشاذ أو غير السوي إلى الأرواح الشريرة والعفاريت والجان أو إلى غضب الآلهة وسخطها على الإنسان.
ولقد كان العرب من السباقين إلى طرح العديد من التفسيرات التي يحاول المحدثون الغربيون اليوم طرحها وإخضاعها للقياس والتجريب، فنجد إن جماعة(إخوان الصفا وخلان الوفاء) ومنذ القرن الرابع الهجري أكدوا بان للعوامل الجغرافية (الطبيعية) دورا رئيسيا في حياة الأمم والجماعات، وان هذه العوامل مسئولة عن تحديد طباع الناس وأخلاقهم وأرائهم وعاداتهم وهي من أقوى أسباب التمايز بينهم في الخصائص والصفات الخلقية والانفعالية. ويتفق (ابن خلدون في مقدمته) مع جماعة (إخوان الصفا) حول اثر تلك العوامل في تحديد السلوك، فيرى إن المناطق ذات الطبيعة والمناخ المعتدلين يكون " سكانها من البشر اعدل أجساما وألوانا وأخلاقا وأحوالا... فتجدهم على غاية من التوسط في مساكنهم وملابسهم وأقواتهم وصناعهم يتخذون البيوت المنجدة بالحجارة المنمقة بالصناعة...... ويبعدون عن الانحراف في عامة أحوالهم..... أما الأقاليم البعيدة عن الاعتدال.... فأهلها ابعد من الاعتدال في جميع أحوالهم فبناءهم بالطين والقصب وأقواتهم في الذرة والعشب وملابسهم من أوراق الشجر يخصفونها عليهم أو الجلود وأكثرهم عرايا من اللباس وفواكه بلادهم وأدمها غريبة التكوين.... وأخلاقهم مع ذلك قريبة من خلق الحيوانات العجم.... والسبب في ذلك إنهم ببعدهم عن الاعتدال يقرب عرض أمزجتهم وأخلاقهم من عرض الحيوانات العجم ويبعدون عن الإنسانية بمقدار ذلك".
ولم يقف (ابن مسكويه) عند حد تفسير هذا السلوك بل يفترض وجود أمراض نفسية لها أسباب نفسية، ويحدد أمراض النفس برذائلها إما أسبابها فتحددها شهوات النفس الجامحة، ويرى إن تلك الشهوات نتائج سيئة تؤذي النفس وتؤدي إلى أقبح النتائج في حياة الإنسان.
ومع التقدم في مضمار العلم وتقنياته، والبحث العلمي ومناهجه، والتطور الاجتماعي والتكنولوجي والمعرفي، تغيرت مفاهيمنا عن العدوان وتفسيراته.مما دفع العلماء النفس إلى عدم القبول بتفسير هذا السلوك استنادا إلى عامل واحد بل تعددت النظريات ووجهات النظر لإيجاد تعليلا ما لتفسير السلوك العدواني ومحاولة التعرف على أسبابه والوصول إلى علاجه والتقليل من آثاره. ومن هذه النظريات:
• النظرية البيولوجية.
• نظرية التحليل النفسي.
• النظرية السلوكية (الإحباط).
• نظرية التعلم الاجتماعية.
• نظرية المواقف السيكولوجية.

نظرية المواقف Positions Theory

إن المحصلة النهائية للسلوك تساعد الفرد على تشكيل أو تبني الفرد لمواقف سيكولوجية، أو مواقف حياتية ومعيشية مختلفة. هذه المواقف تتطور لدى الفرد أثناء حياته، وتمثل الاعتقادات التي يشكلها الفرد عن ذاته، ويسعى إلى إعطاءها قيما سيكولوجية تسمح له بأن يقارن القيم السيكولوجية التي شكلها مع مواقف حياة الآخرين الذين يتعامل معهم. لذا فان أول من طرح فكرة المواقف السيكولوجية هو الطبيب المعروف(توماس هارس Thomas Harris) في كتابه المعروف )أنا بخير وأنت بخير I am ok, Your ok) والذي أطلق عليه اسم مواقف الحياةLife Positions)). فيرى (هارس Harris) إن الناس يقومون بتقديم افتراضات لتقييم ذواتهم خلال مراحل نموهم، كما إنهم يقدمون افتراضات أخرى حول قيمة الآخرين المهمين في محيط بيئتهم. وان الافتراض الذي يقدمه الشخص حول قيمة نفسه، والافتراض الذي يقدمه حول قيمة الشخص الآخر يسمى عادة (بالموقف في الحياة). وعادة تميل تلك المواقف والاعتقادات إلى الثبات النسبي لدى الفرد. وتقوم تلك الافتراضات أو الاعتقادات على أساس حالة I Am ok) ) أي كون الإنسان على ما يرام أو بحالة جيدة. لذلك فان الفرد يفترض نفسه هل هو على ما يرام أم لا ؟ أو هل هو يمتلك قيمة أو قدر بالحياة أم لا ؟ وينتج عن مواقف الإنسان في الحياة أربعة علاقات محتملة. قسمها (هارس Harris) على أساس بُعدين أساسيين هما:
 إن الحياة أما بخير وعلى ما يرام .OK
 أو إن الحياة ليست بخير وليست على ما يرام NOT OK.
وعلى أساس هذين البعدين استطاع (هارس Harris) أن يحدد المواقف السيكولوجية التي يطورها الفرد أثناء حياته وعلى النحو الآتي:
1. كلانا يمتلك قيمة. أنا بخير وعلى ما يرام I am ok وأنت بخير وعلى ما يرام you are ok.
2. أنت تمتلك قيمة وأنا لا امتلك قيمة. أنا لستُ بخير ولستُ على ما يرام I am not ok ، أنت بخير وعلى ما يرام you are ok .
3. أنا امتلك قيمة وأنت لا تمتلك قيمة. أنا بخير وعلى ما يرام I am ok ، أنت لستَ بخير ولستَ على ما يرام you are not ok .
4. ولا شخص يمتلك قيمة أو جدارة. أي أنا لستُ بخير ولستُ على ما يرامI am not ok وأنت لستُ بخير ولستُ على ما يرام you are not ok.
هذا وإذا أردنا أن نعبر عن تلك المواقف في ضوء (نافذة جو هاري) التي قدمها (جوزيف لوفت Luft J. 1961) والتي تقوم على فكرة أن الفرد في سلوكه مع المجتمع يظهر جوانب من مسببات سلوكه ويخفي جوانب أخرى، فإنه يمكننا أن نعبر عن تلك المواقف في ضوء نافذة (جو هاري) والتي هي عبارة عن شكل مربع، الضلع الذي في الأعلى يمثل ما يعرفه الآخرون(نحن، هم) في حين الضلع المقابل له من الجهة السفلى ما لا يعرفه الآخرون(نحن، هم)، أما الضلع الذي على جهة اليمين فانه يمثل ما يعرفه الفرد أو(الأنا)، والضلع المقابل له والذي يقع في الجهة اليسرى ما لا يعرفه الفرد(الأنا). هذا المربع يمر به مستقيمين متقاطعين من الأعلى إلى الأسفل ومن اليمين إلى اليسار، ومن منتصف أضلاعه، وبذلك يقسمانه إلى أربعة مربعات أصغر حجماً، المربع الأول والذي هو في الأعلى على جهة اليمين يمثل المنطقة (الوضوح) أنا اعرف والآخرون يعرفون، في حين المربع الآخر الذي في الأعلى ولكن في جهة اليسار يمثل المنطقة(العمياء) أنا لا اعرف ولكن الآخرون يعرفون. أما المربع الذي في الأسفل وعلى جهة اليمين فانه يمثل المنطقة(القناع) أنا اعرف ولكن الآخرون لا يعرفون، وكذلك المربع الذي على جهة اليسار من الأسفل فانه يمثل المنطقة(المجهولة) أنا لا اعرف وكذلك الآخرون لا يعرفون.
وفي ضوء تقسيمات هذه النظرية، فان المربع الأول والذي في الأعلى وعلى جهة اليمين أي منطقة الوضوح تمثل(أنا بخير وأنت بخير)، في حين المربع الثاني والذي هو على جهة اليسار من الأعلى والذي يمثل المنطقة العمياء تمثل(أنا لست بخير وأنت بخير)، أما المربع الثالث والذي على الجهة اليمنى من الأسفل والذي يمثل منطقة القناع فهو(أنا بخير وأنت لست بخير)، وأخيراً المربع الرابع والذي هو إلى الأسفل من جهة اليسار والذي يمثل المنطقة المجهولة فانه يمثل(أنا لست خير وأنت لست بخير).
ولكن عندما يسيطر أحد المواقف على الشخص فان النافذة أو الموقع الذي يعبر عنه يكون أكبر من المواقع الأخرى. وكمثال على ذلك فان الشخص في الموقف " أنا بخير وعلى ما يرام وأنت لست بخير وليست على ما يرام " يمكن التعبير عنه بشكل النافذة(المربع) ذات الأربع نوافذ صغيرة ولكن النافذة الثالثة والتي تعبر عن منطقة القناع تكون اكبر من باقي النوافذ (المربعات) الأخرى، والتي تكون اصغر حجما منها.
ذلك الوصف يظهر لنا بوضوح كيف أن المنطقة الثالثة قد اتسعت على حساب المناطق الأخرى. ويطرح (هارس Harris1991 ) بعض الملاحظات العامة حول تلك المواقف وقبل
البدء بتوضيح تلك المواقف لابد لنا من تقديم بعض الملاحظات العامة حول تلك المواقف.
ففي نهاية السنة الثانية من الحياة أو بعض الأحيان خلال السنة الثالثة فان الطفل يكون قد قرر احد المواقف الثلاث الأخيرة. ويعتبر الموقف ( أنا لست بخير– أنت بخير) هو أول استنتاج تقريبي يستند إلى تجربة الطفل خلال السنة الأولى من حياته، وبنهاية السنة الثانية أما يثبت هذا الموقف ويستقر لدى الطفل أو يترك مكانه ليحل محله الموقفين الآخرين، واللذان يحملان كل من المفهوم (أنا لست بخير –أنت لست بخير)أو المضمون (أنا بخير–أنت لست بخير). وحالما تنتهي هذه العملية فان الطفل يبقى على الموقف الذي اختاره ويحكم هذا الموقف جميع تصرفاته اللاحقة ويبقى راسخا معه طيلة حياته، ما لم يقم هو (لا شعوريا) بتغيره إلى الموقف الأول والذي هو(أنا بخير وأنت بخير)، حيث لا يحصل للإنسان انتقال مفاجئ في المواقف سواء إلى الموقف الأدنى أو أعلى. وان القرار حول أي موقف من المواقف الثلاث الأخيرة هو مرتكز تماما على تلقي الحنان الكافي أو عدم تلقيهِ من الآخرين.
إن الثلاث مواقف تلك هي ليست قرارات لفظية أو شفوية بل إنها عصارة وخلاصة بدلا من كونها سرد توضيحي. وعلى الرغم من كونها بنفس الوقت تمثل أكثر من استجابات محكومة بشروط فأنها حسبما سماها (Piaget) إسهاب في الوصف الذهني للتركيب التكويني، بتعبير آخر أنها نتاج لمعلومات البلوغ متمثلة في ذاكرة الطفولة.
ولكن الذي يعنينا هنا هو الموقف الثالث والذي هو:

" أنا بخير وعلى ما يرام وأنتَ لستَ بخير ولستَ على ما يرام"

إن الطفل الذي يعامل بقسوة من قبل والديه فان شعوره الذي كان يلازمه في باديُ الأمر والذي كان (أنا على ما يرام) سوف يتحول إلى الموقف الثالث أو إلى (الموقف الإجرامي)، حيث تبرز لنا هنا حالة من (الشعور بالرضا عن النفس) ولكن من أين مبعثها يا ترى ؟ وماذا حل بمصدر الحنان حتى يعتبر (أنت لست على ما يرام) ؟ بعد إن كانت( أنت بخير وعلى ما يرام).
يبدو انه سؤال صعب إذا اعتبرنا إن تقرير ذلك الموقف يتم في السنة الثانية أو الثالثة من العمر. وبنفس الوقت إذا ما قيض للطفل ذو السنتين من العمر إن يستنتج شعورا بالرضا والقناعة حول نفسه فهل يعني ذلك بان هناك حناناً ذاتياً مبعثه من نفسه إلى نفسه وإذا كان كذلك فكيف يمكن لطفل صغير بهذا العمر إن يغدق حناناً على نفسه.
إن حنان الطفل القادم من ذاته يحدث في الحقيقة خلال الوقت الذي يشفى فيه الطفل الصغير أو يبرأ من جراحاته المؤلمة مثل تلك الجراحات قد تنزل بالمراهق الذي يعرف حينها بالطفل المحطم. وهذا هو مثال الطفل الذي يضرب بقسوة حتى لتتحطم عظامه ويتمزق جلده، فكل من تتحطم عظامه ويتلقى كدمات ورضوض جسيمة هائلة يعرف كيف يشعر بمقدار الألم. والشيء المشترك بهذا الصدد بين الأطفال المحطمين والمضروبين بعنف هو الجراحات التي تكون غاية في الألم نتيجة للعنف الذي يتعرضون له. ففي كل ساعة ما يقارب خمس أطفال على الأقل يتلقون جراحات نتيجة لهذا النوع من العنف على يدي أبويهم. كذلك يعتقد بأنه بينما يبدأ جرح الطفل بالالتئام والاندمال يكون هذا الالتئام من منطلق الانزواء ولعق الجراح، فانه بذلك يجرب شعوراً من مواساة نفسه واستشعارها بالارتياح فان تحسنت حالته إن لم يكن لأي سبب آخر يكون مقارنا بالألم الجسيم والظلم الفادح الذي جربه للتو. حيث أنه بعبارة أخرى كما لو كان يشعر " سأكون بخير إن تركتموني وحدي" أو "سأكون بخير لوحدي"، وحالما يعاودان الأبوان الوحشيان بالظهور مرة ثانية أمامه فانه سيتقلص وينكمش رعباً قائلا " انتم آذيتموني، انتم لستم جيدين، أنا لم اقترف ذنباً، وانتم لستم جيدين معي".
وقد يكشف لنا التاريخ المبكر للكثير من المجرمين الذين يعانون من اعتلال نفسي (سايكوباثي) ممن يشغلون هذا الموقف من مواقف الحياة عن وجود ذلك النوع من الإساءة الجسمانية المبرحة. مثل ذلك الطفل قد جرب الوحشية والقسوة عليه من جانب، ولكنه جرب البقاء على قيد الحياة من جانب آخر، وهو يقول في نفسه (ما حصل يمكنه إن يحصل مرة أخرى, سوف أتشبث بالبقاء على قيد الحياة). وبعبارة أخرى فانه يرفض الاستسلام. وكلما ينضج فانه يبدأ بتعلم القوة والتحمل، لقد رأى الخشونة والمعاملة القاسية وتعلم كيف يكون خشنا، وهو أيضا يمتلك (إذناً ورخصة) من والديه ليكون عنيفا وقاسيا. فالكراهية تملئه وتستقر في داخله على الرغم من تعلمه إخفاءها بقناع من التهذيب.
يقول Caryl Chessman " لاشيء يملئك ويستقر في دخلك مثل الكراهية، لذلك فمن الأفضل لك إن تكون أي شيء غير الخائف".
مثل هذا الطفل يأتي الموقف (أنا بخير– أنت لست بخير) كقرار لاستمرار حياته. وتكمن المأساة لنفسه وللمجتمع في انه يستمر في الحياة رافضاً أمعان النظر إلى داخله، انه غير قادر ليكون موضوعي (جاد) حول مشاركته بالعمل الخاطئ وبما يحصل له، ويعتبره دائما(خطئهم) أي خطأ من يعامله بتلك الوحشية، ويعتبرهم أناسا بدون ضمير على إنهم يقنعون المقابل (بحسن نواياهم) بغض النظر عما يفعلون، وان الخطأ التام في كل حالة يقع على الآخرين غيرهم.
إن تلك الحالة والتي يشار إليها في وقت ما (بالعته أو السخف الأخلاقي والأدبي)، هي في الحقيقة حالة يُبعد فيها الشخص عن أي معلومات يمكن لها إن تأتي من داخل ذاته حول إمكانية أي شخص يقابله ذو نوايا جيدة. وفي هذا السبب تكمن صعوبة العلاج منذ إن اعتبر المعالج ذو نوايا غير جيدة وليس على ما يرام لكونه ينتمي إلى فئة الأشخاص الذين حكم عليهم بأنهم ذو نوايا غير جيدة. ويكون التعبير النهائي لدينا هنا حول هذا الموقف(هي قتل النفس) والشعور من قبل القاتل بإمكانية كونه سلوك له ما يبرره (وبأنه يشعر وبنفس الطريقة انه قد برر أخذ ذلك الموقف كموقف أول له).
الشخص في الموقف (أنا على ما يرام–أنت لست على ما يرام) يعاني من الحرمان من العطف والرعاية، حيث إن الحنان يكون جيدا فقط في جملة المعطى له وبما انه لا يوجد أناس جيدين فبالتالي لا يوجد حنان ورعاية جيدان. مثال ذلك الشخص الذي يمتلكه هذا الشعور ربما يؤدي به إلى طلب حاشية وخدم من (رجال يقولون له نعم) وهم عادة يمتدحونه ويغدقون الحنان عليه. لكنه بطبيعة الحال يعرف بأنهم مخادعون وحنانهم غير موثوق به لأنه هو من أعدهم بنفسه مستخدماً نفس الطريقة التي ولد بها حنانه لنفسه في الموقف الأول. وكلما زادوا في مديحه كلما زاد هو في ازدرائهم واحتقارهم إلى إن يقدم في النهاية برفضهم لصالح تكوين مجموعة أخرى من الرجال يقولون نعم دائماً.
للنظر ونسترجع ونقارن، أليس هذا ينطبق على الكثير من زعمائنا وسياسينا ورجال ديننا، وما أكثر هؤلاء الأشخاص في هذا العالم.
حينما نقيم وجهة النظر هذه قد لا تختلف عن الكثير من وجهات النظر الأخرى، إلا أننا يمكننا القول بأنها تختزل الحياة إلى نمطين أما هي بخير أو ليست بخير، وهذه الثنائية قد لا تحقق لنا التفسير الشامل والواضح للسلوك الإنساني. ومن الصعوبة إحداث التغيرات المطلوبة عليها لان المواقف السيكولوجية للحياة تميل إلى الثبات النسبي لدى الفرد. وهكذا يرى الباحث أن هذه المواقف ما هي إلا امتداداً تطورياً لنظرية التحليل النفسي. وللمواقف السيكولوجية أساسا فسيولوجيا بالرغم من تأكيد أصحاب هذه النظرية على دور التنشئة الاجتماعية في نمو وتطور هذا السلوك. فهم يؤكدون على العلاقة بين الطفل ووالديه فقط ويعتبرونها هي الأساس في هذا السلوك، وهذه واحدة من أهم الإخفاقات إذ يشاطر الباحث العديد من المختصين الرأي بان هناك الكثير من العوامل والمؤثرات التي لها الأثر الفاعل والمؤثر في سلوك الطفل. ومن صعب اختزال السلوك الإنساني بعدد من العوامل والأنماط وذلك لتفرد هذا السلوك وتنوعه. كما أن هذا الفرد الذي تتكلم عنه وجهة النظر هذه، قد لا يمثل نسبة كبيرة من بين الأشخاص من ذوي السلوك العدواني فان ليس كلهم قد يصل للقيادة والزعامة والسيطرة على غيره من الأشخاص. ولكنها وبالرغم من ذلك وجهة نظر جديرة بالدراسة والتحليل(1).
ـــــــــــــــــ
(1) محمود،جودت شاكر(2009).(أثر مشاهدة أفلام الرسوم المتحركة الخالية من العنف على خفض السلوك العدواني لتلاميذ الحلقة الأولى من مرحلة التعليم الأساسي)(دراسة تجريبية) رسالة ماجستير غير منشورة في علم النفس التربوي . جامعة أم درمان الإسلامية: كلية التربية. الصفحات(ص8)،(ص11)،(ص16-17)،(28-33).
1.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,398,066,529
- رغبات آدم
- دردشات: هل تعرف ما هو Captology ؟
- وقالت: شكراً ولكن كان متأخراً جداً
- الشيطانُ يتحدث
- دردشات: إن ينصرُكم -الناتو- فلا غالب لكم
- دردشات: العرب وصندوق باندورا
- مشاعر تستيقظ مجدداً
- نظرية نموذج عجلة ألوان الحب(الجزء الثالث)
- نظرية نموذج عجلة ألوان الحب(الجزء الثاني)
- نظرية نموذج عجلة ألوان الحب
- خربشات للحب في عيد الحب
- ما هي نظرية مثلث الحب Triangular Theory of Love ؟
- ماذا تقول البيولوجيا عن مشاعرنا
- حب الذات(Self-Love) طاقة ايجابية بين مشاعر متناقضة (الجزء ال ...
- حب الذات (SELF-LOVE) طاقة ايجابية بين مشاعر متناقضة
- الشخصية الإنسانية وسيكولوجية الألوان
- الإنسان والحب الرومانسي Romantic Love
- العرب بين التثوير والثورية
- الشخصية الإنسانية من العناصر الأربعة إلى الأمزجة الأربعة
- أنواع من الحب الإنساني والحب الأفلاطوني نموذجاً


المزيد.....




- ورشة البحرين.. اختلاف موقف الكويت مع المنامة لا يفسد للود قض ...
- أميركا وإيران.. حرب كلامية أم مواجهة مرتقبة؟
- حراك شعبي متواصل في السودان للمطالبة بنقل السلطة إلى المدنيي ...
- الدكتور إبراهيم نوار يحلل خطة طرامب وصفقته المشبوهة
- روسيا ترفض الاتهامات بشأن ضربات عشوائية على أهداف في إدلب
- الحوار الذي اجرته صحيفة نخبة السودان
- الحوار الذي اجرته الحوار المتمدن
- المقابلة التي اجرتها الأردن العربي
- أوكرانيا تستدعي سفيرها لدى الاتحاد الأوروبي بعد قراره بشأن ا ...
- بومبيو يأمل بالتوصل لاتفاق سلام مع -طالبان- قبل سبتمبر


المزيد.....

- راهنية العقلانية في المقاولة الحديثة / عمر عمور
- التطور الفلسفي لمفهوم الأخلاق وراهنيته في مجتمعاتنا العربية / غازي الصوراني
- مفهوم المجتمع المدني : بين هيجل وماركس / الفرفار العياشي
- الصورة والخيال / سعود سالم
- في مفهوم التواصل .. او اشكال التفاعل بين مكونات المادة والطب ... / حميد باجو
- فلسفة مبسطة: تعريفات فلسفية / نبيل عودة
- القدرةُ على استنباط الحكم الشرعي لدى أصحاب الشهادات الجامعية ... / وعد عباس
- العدمية بإعتبارها تحررًا - جياني فاتيمو / وليام العوطة
- ابن رشد والسياسة: قراءة في كتاب الضروري في السياسة لصاحبه اب ... / وليد مسكور
- الفلسفة هي الحل / سامح عسكر


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - جودت شاكر محمود - العدوان ونظرية المواقف السيكولوجية