أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - مجدي عزالدين حسن - فلسفة التحليل اللغوي















المزيد.....



فلسفة التحليل اللغوي


مجدي عزالدين حسن
الحوار المتمدن-العدد: 3676 - 2012 / 3 / 23 - 22:45
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


يمكننا القول بأن علاقة الإنسان بهذا العالم، منذ مرحلة ما قبل التفكير العلمي "الخرافة" وإلى بدايات عصر النهضة، لم تصل إلى النضج الكافي. وبعد حركة الكشوف العلمية، تغيرت التصورات التقليدية للعلم، فنجد في العصر الحديث أن فيزياء "نيوتن" قد رسخت أقدام التصور الفلسفي النيوتني للكون، وجاء بعد ذلك جيل آخر من العلماء وظهرت مكتشفات علمية جديدة متمثلة في النظرية النسبية الخاصة والعامة ل "انشتاين"Einstein. ثورة علمية شاملة، وأصبح الحديث –حينذاك– يدور حول مفاهيم العلم الجديدة مثل الضرورة، الحقيقة، التنبؤ..الخ.
هذه الثورات العلمية في منتصف القرن التاسع عشر كانت تعني أن الفلسفة لا يمكن أن تستوعب كل مقررات العلوم ـ قديما كان الفيلسوف يلم بكل أنواع العلوم ـ مما أدى إلى ظهور نوع من التخصصات في مجالات العلوم المختلفة، وفي النصف الأخير من القرن التاسع عشر تم انفصال العلوم عن الفلسفة.
انفصال العلوم غير الشكل الدائري للتصور الكوني ـ الطبيعة تصب في الميتافيزيقياـ وأصبح التقسيم تقسيماً أفقياً وأصبح التطور رأسياً في العلم الواحد، وتولدت مجموعة تخصصات في العلم الواحد (مثلا الفيزياء: الفلك، الفيزياء النووية، الفيزياء النظرية..الخ) وأصبحت الدكتوراة متخصصة في جزئية معينة من العلم الواحد. وهذا بدوره أظهر نوعا جديدا من المشكلات: فإذا كان كل علم مستقل عن غيره من العلوم، وأن العلم كلما يتطور يذهب بعيدا في التخصص ـ والجزئية لا يمكن أن يتولد منها الكليةـ ولا يستطيع هنا ـ تأسيسا على هذا المنطق ـ العالم أو الفيلسوف أن يضع وحده تصور عام للكون. وبالتالي ظهرت الضرورة لنوع آخر من أنواع التفكير يختلف عن طريقة التفكير التي كانت سائدة في القديم (أرسطو، أفلاطون، كانط، هيغل= بحث شخصي في العلوم = إنتاج فلسفي فردي). وحينذاك كان سائدا مفهوم "الفيزياء الاجتماعية" التي تعني أن قوانين الفيزياء تسري على المادة والإنسان، والآن أضحى من المستحيل ضبط السلوك الإنساني وفق مقررات العلوم الفيزيائية، وهنا ظهرت الحاجة إلى قيام مناهج إنسانية واجتماعية تعتمد على مفهوم القاعدة الإصطلاحية في حالة دراسة المجتمع والإنسان وليس على مفهوم القانون.
أما الآن بعد أن تغير الشكل العلمي وأصبح ذا طبيعة تخصصية، ظهرت طريقة الفكر الجماعي، والعقل الإنساني أصبح عقلاً جمعياً، هذا ما اقتضته الثورة العلمية. وأصبحت المهمة الصعبة هي تكوين هذه الرؤية من خلال تحليل نتائج العلوم، والفلسفة المعاصرة ـ بهذا المعنى ـ هي فلسفة تحليلية وليست تركيبية ولا يستطيع الفيلسوف أن يأتي بنظرية جديدة. والتحليل أخذ مذاهب متعددة( الظاهراتية، التأويلية، البرغماتية، البنيوية، التحليلية اللغوية..الخ) ورأت معظم الفلسفات المعاصرة أن منهج الفلسفة ليس تركيبياً.
1/ مسلمات التحليل اللغوي
فلسفة اللغة نشاط جديد نسبياً بدأ في القرن العشرين، غير أن الفلاسفة منذ "هيرقليطس"Heracalits وما قبله طرحوا قضايا تتعلق بفلسفة اللغة. والفلسفة– آنذاك- لم تعد أنساقاً منظمة بل هي تحليل وهي منهج Method. هذا المنهج أخذ أوجهاً مختلفة ومن ضمنها منهج التحليل اللغويLinguistic analysis
مدارس التحليل اللغوي هي تيارات تتبنى مناهج تحليلية، تهدف من خلالها إلى إعادة طرح ومعالجة المشكلات الفلسفية بمنظور جديد. وهناك مجموعة مسلمات تنطلق منها مدارس التحليل اللغوي منها:
أ/ أن معظم المشكلات التي واجهت الفلسفة في العصور التاريخية المختلفة هي مشكلات زائفة، نتجت عن خلط وسوء فهم في استخدام اللغة. فالفيلسوف يعبر عن العالم أو الوجود بمجموعة من المفاهيم، وإذا راجعنا هذه المفاهيم وجدناها بنيت على أسس زائفة. والعقل البشري من هذا المنظور أتعب نفسه بخلقه مشكلات واهمة كان يمكن تلافيها بالاستخدام السليم للغة.
ب/ مسلمة ثانية هي أن أي نشاط إنساني على مستوى العلوم، ينقل إلى الغير من خلال وسيط إيصالي. والسؤال هنا: كيف نستطيع أن نعبر عن ما تريد العلوم قوله ؟ كيف يستطيع الشخص أن يفهم هذا الوسيط الإيصالي، وهذه هي المشكلة. لأن هذه الوسائط قد تؤدي إلى الغموض والخلل والضعف، وهو ما يؤدي بدوره إلى فهم المعلومة بشكل خاطئ. إذن، نحن نحتاج إلى وسيط اتصالي أمين وقوي ودقيق يحمل المعلومة المعرفية من جيل إلى جيل آخر يستفيد منها ويطورها.
سوف نتناول هنا اتجاه اللغة المثالية واتجاه اللغة العادية، تحديداً عند "فتجنشتين" من خلال ما يعرف ب"علم العلامات" السميائيات وهو يدرس كل علامة لغوية من جهة تصنيفات معينة:
أ– الدلالات والمعاني: يدرس العلامة اللغوية من جهة ما تشير إليه من معنى في الواقع الخارجي.
ب– البناء والتركيب: يصف العلامة اللغوية في علاقتها مع بقية السياق اللغوي، وتركيب الجمل بغض النظر عن علاقتها بالخارج.
ج– التداول: العلاقة بين العلامة اللغوية ومستخدمها، وهنا جانب اجتماعي وسيكولوجي.
يتم تحديد الفكر بوضوح أو بالتباس عن طريق اللغة، ومن المشكوك فيه أن يكون من الممكن قيام أي ضرب من التفكير بدون اللغة، فحتى أفكارنا غير المنطوقة توضع في شكل علامات مكتوبة. ولذلك فإن كل تفكير يتضمن لغة، ومن خلالها يصبح التفكير عاماً وشائعاً وفي متناول الجميع. هناك مناقشة لا يستهان بها للغة عند التحليلية المنطقية، لأنها اهتمت بالبناء الداخلي للغة أو بتركيبها المنطقي وهي إهتمت أيضاً بالطريقة التي ترتبط بها اللغة بالعالم، وحاولت الإجابة عن مجموعة تساؤلات:
هل يحتم أن يستعين الإنسان برموز (لغة) لينتقل من إحساسه المباشر بالأشياءObjects إلى مرحلة يحول فيها ذلك الإحساسSense إلى أفكارMental images؟
هل تعتمد دقة التفكير على دقة الرموز المستخدمة فيه؟
هل يرجع اتفاق المشتغلين بالعلوم المضبوطة النتائج إلى دقة الرموز التي يستخدموها؟
هل تكون علة الخلافات التي تدب بين المشتغلين في فروع المعرفة التي هي موضع خلاف، أن الرموز التي يستخدمونها تنقصها الدقة ؟
إذا قومنا الرموز القاصرة في دقتها، فهل تصبح كل العلوم على اختلاف ضروبها مضبوطة النتائج؟
ماهي الطريقة التي ترتبط بها اللغة بالعالم؟
كيف "تدل" الكلماتWords؟ وإلى ماذا تشير؟
كيف يمكن أن يكون للقضاياPropsitions معنى؟ وما هي شروط صدقها؟
2/ النظرية التصويرية للواقع:
فلسفة اللغة المثالية، هي أول مدرسة ظهرت في هذا المجال في بدايات القرن العشرين ـ والذي عُرف بعصر التحليل ـ على يد فيلسوفين : "برتراند رسل" B.Russell و"فتجنشتين"Wittgenstein، واستفادت منهما الوضعية المنطقيةLogical Positivism فيما بعد. وعلى الرغم من الاختلافات النوعية بين هذين الفيلسوفين والوضعية المنطقية، فإن هذه المدارس لم تخرج من الوحدة (اللغة المنطقية المثالية). والمثالية هنا ليس المقصود بها الفهم الفلسفي للكلمة، بل هي اتجاه تجريبي مفرط في التجريبية ويعتبر قمة التطور للفكر التجريبي. وهو اتجاه يرى أن اللغة العادية، لغة الإدراك الشائع ""common sense أو لغة رجل الشارع العادي، لغة الحياة اليومية، لا تصلح كوسيط اتصال أمين وقوي لنقل المعرفة من جيل لآخر، لأنهم يرون أن اللغة العاديةOrdinary Language مليئة بالخلط والغموض واللبس وعدم التحديد. وذلك يؤثر في المعلومة بالتأكيد، وتظهر كنتيجة له المشكلات الزائفة مثل (مفهوم العدم) حيث نجد كثيراً من الفلاسفة أقاموا على أساس هذا المفهوم مجموعة أنساق مفاهيمية، وأعطوا له كينونة وجودية بالمعنى المعطى لكلمة وجود. والفلاسفة من خلال الاستخدام المغلوط أعطوا مفهوم العدم وجوداً وبنوا عليه أنساقاً فكرية، ولم يعوا حقيقة أنه مجرد مردود لغوي فقط لكلمة وجود، لأنني لا أستطيع أن أقول هذا عدم (وقس على ذلك الكثير من المشكلات).
أ/ المقابلة بين اللغة والعالم: ضرورة تأسيس لغة مضبوطة ودقيقة
كان تيار اللغة المثالية يري ضرورة تأسيس لغة مضبوطة تكون لها نفس درجة الدقة والإتقان والضبط الموجودة في الرياضيات، بغض النظر عن طبيعة هذه اللغة .
تيار اللغة المثالية هو نظام منطقيLogical System, ففي مجال علم الدلالات: يجب أن تكون العلامة اللغوية وضعية وينبغي أن يكون لها مقابل مادي ملموس في العالم. وهذا المقابل المادي، هو الفيصل للحكم على صدق القضية أوكذبها. فقضية مثل (الله موجود, الطاولة موجودة ): من خلال التجربة يمكن أن أحدد هل هناك طاولة موجودة في الحجرة أم لا؟ ويمكن استدعاء أي عدد من الناس لمشاهدة هذه التجربة, وبالتالي القضية: "الله موجود" والقضية: "الله غير موجود" تصبح قضايا خالية من المعنى، لأنها لا تقبل التحقيق ولا نستطيع التعامل معها بالوسائط الحسية، ولا تقبل الإجراء الحسي. وبالتالي نجد أن طبيعة المشكلات الزائفة لا تقبل الحسم الموضوعي. إذن لابد أن تكون كل علامة لغوية مستخدمة تقبل التحقيق وتشير إلي واقع مادي موجود في الواقع الخارجي.
أما من ناحية التركيب والبناء: فالعلاقة بين العلامات لابد أن تأخذ نفس علاقة العلامات في الرياضيات (قوائم الصدق والكذب) وأن يتم تركيب جملة مع جمل أخرى برابطة ذات دلالة منطقية. من ناحية التداول: أمام الواقع وأمام المنطق نظام واحد يسري على جميع البشر وتصبح الكرة الأرضية واحدة تفكر بطريقة واحدة.
واضح أنها لغة طموحة ولغة تضيق بالعقل البشري، إن لم نقل إنها لغة مستحيلة. وفلسفة اللغة المثالية في مجمل أفكارها بنيت وفق التصور التقليدي للفيزياء، وأسست على المفهوم التقليدي للحقيقة بإعتبارها مطابقة ما بين اللغة من جهة والواقع من جهة أخرى. وهذا هو السبب في انتهائها في الراهن المعاصر.
نجد في "رسالة منطقية فلسفية"-المؤلف الأكثر شهرة ل"فتجنشتين" Wittgenstein - فكرته عن الذرية المنطقية، ونظريته التصويرية للغة، وفكرته عن طبيعة المعنى. وهي تمثل أفكاره الفلسفية الأولى التي اعتقد في وقت كتابته "للرسالة" أنه قد توصل بها إلى حل جميع مشكلات الفلسفة. وكتب في مقدمة "الرسالة" أن أفكاره هذه: " يستحيل الشك في صدقها أو هي فيما أرى أفكار مقطوع بصحتها. ولذا فإنني أعتقد أن كل ما هو أساسي في مشكلات الفلسفة قد تم حله نهائياً" .
ب/ حدود اللغة: حتى لا نتكلم فيما لا يمكن الكلام فيه:
الفكرة الرئيسية التي تدور حولها رسالة "فتجنشتين" بصفة عامة، هي معرفة حدود اللغة حتى لا نتكلم فيما لا يمكن الكلام فيه، أي أن لا نقول إلا ما يمكن أن يقال. ولما كان ما يمكن قوله هي قضايا العلم الطبيعي ـ التي تتكلم عن الواقع الخارجي ـ كانت قضايا الميتافيزيقا خالية من المعنى. ولذلك يخبرنا أن ما لا يستطيع الإنسان أن يتحدث عنه، ينبغي له أن يصمت عنه.
يرى "فتجنشتين" العالم مؤلف من مجموع الوقائعFacts, ونحن لا نستطيع أن نتعامل مع شئ أو نفهمه بمعزل عن علاقة هذا الشيء بغيره, وبالتالي التعامل مع الشيء في إطار علاقة ما يعني أننا في وسعنا أن نقدم تعريفاً لذاك الشيء.
ولا نستطيع أن نتعامل معرفياً مع شيء إلا إذا أدخلته بالضرورة في علاقة بشيء ما، وهذه العلاقة يسميها "فتجنشتين Wittgenstein" الواقع Fact, إذن العالم هو مجموعة وقائع، بإعتبار أن الواقعة هي علاقة الأشياء ببعضها. وهو يقسم الوقائع إلى مركبة وذرية. الواقعة الذرية هي تحديد العلاقة بين شيئين فقط، وهو أدنى حد من تأليف الوقائع. في حين أن الواقعة المركبة هي علاقة بين أكثر من شيئين. إذن العالم عنده مؤلف من أشياء تدخل مع بعضها البعض في مجموعة وقائع، العالم –عنده– مجموعة وقائع. العالم ينحل إلى وقائع ذرية تتكون من أشياء أو من بسائط منطقية.
لكن ما هو السبب الذي دعا "فتجنشتين Wittgenstein " إلى القول بتحليل العالم إلى وقائع؟ السبب الأساسي كان هو " ضرورة وحدات أولية ينحل إليها العالم، لكي تقابل الوحدات الأولية التي تنحل إليها اللغة، بحيث يتوقف صدق أو كذب الوحدات الأولية للغة ـ وهي القضايا الأولية ـ على وجود أو عدم وجود هذه الوحدات الأولية التي ينحل إليها العالم ـ أي الوقائع الذرية ـ وعلى ذلك كان تحليل "فتجنشتين" على هذا النحو تبريراً لتحليله للغة إلى مجموعة من القضايا الأولية".
إذن تركيب اللغة يوازي تركيب العالم، بمعنى أن اللغة تنحل إلى مجموعة من القضايا الأولية أو الذرية، وإذن فنحن نجد مقابلة ما بين اللغة من جهة والعالم من جهة أخرى. فالكلمة أو اللفظ في مقابل الشيء، والقضية في مقابل الواقعة.
والقضية لا تحتوي على مشار معناها، بل أن كل ما تحتوي عليه هو قدرتها على التعبير عن ذلك المشار. وعلامة القضية قوامها كون عناصرها ـ أي كلماتهاـ مترابطة فيها بطريقة معينة (وبالتالي فعلامة القضية في ذاتها واقعة) فليست القضية خليطا من الكلمات، بل القضية ما يفصح عن واقعة موجودة في العالم.
وعلامة القضية تتكون من عناصر يسميها "فتجنشتين" بالعلامات البسيطة وهي ما يدعوه بالأسماء (الألفاظ) واللفظ يدل على شيء. إن تيار اللغة المثالية يريد أن يقول لنا إن الطريقة التي تتشكل بها العلامات البسيطة بحيث تتكون منها علامة القضية، تقابلها طريقة تشكل الأشياء في الحالة الواقعة في الخارج. وأن الاسم الوارد في القضية يمثل الشيء، وأن كل ما تستطيعه القضية هو أن تقول كيف يكون الأشياء، لا ماهيتها.
إن القضية التي تخبر عن مركب ما، ترتبط بعلاقة داخلية مع القضية التي تتحدث عن أحد الأجزاء التي تتكون منها. وأن الواقعة المركبة لا يمكن معرفتها إلا عن طريق وصفها، وهذا الوصف إما أن يكون صواباً أو خطأ.
إن ألفاظ القضية هي فكرة ما حين نطبقها ونحلل مضمونها. والفكر هو القضية التي تحمل معنى، واللغة هي مجموع القضايا. واللغة الجارية هي جزء من الكيان العضوي الإنساني، كما أنها لا تقل تعقيداً عنه، ومن هذه اللغة الجارية يستحيل على الإنسان أن يصل إلى منطق اللغة مباشرة. اللغة، إذن، تنحل إلى مجموعة من القضايا الأولية أو الذرية التي يتوقف صدقها أو كذبها على مدى مطابقتها للوقائع الذرية الموجودة.
إن معظم القضايا والأسئلة التي كتبت عن أمور فلسفية ليست كاذبة، بل هي خالية من المعنى فلسنا نستطيع أن نجيب عن أسئلة من هذا القبيل: ما الروح؟ ما النفس؟ ما الله؟ ما الشيطان؟ ومثل هذه القضايا والأسئلة، تنشأ من حقيقة كوننا لا نفهم منطق لغتنا، والأسئلة السابقة هي من نفس نوع هل الحق هو الجميل أم لا ؟ إذن أعمق المشكلات ليست في حقيقتها مشكلات على الإطلاق. وبهذا المعنى فالفلسفة كلها عبارة عن "نقد للغة".
إن الصورة المنطقية الظاهرة للقضية، ليس من الضروري أن تكون هي صورتها الحقيقية. إن القضية رسم (صورة) للوجود الخارجي، هي نموذج للوجود الخارجي على النحو الذي نعتقد أنه عليه، وبالتالي فإننا نستطيع التعبير عن معنى هذا الوجود الخارجي من خلال القضية فهي التي تظهر معناه.
إن القضية تظهر لنا كيف توجد الأشياء، إذا كانت صادقة، كما تخبرنا بأن الأشياء موجودة على هذا النحو. فالقضية –إذن- تقيم عالماً مستعينة في ذلك بإطار منطقي, وإذا أردنا فهم معنى قضية ما, فذلك يعني أن نعرف ما هنالك، إذا كانت صادقة, ولذا لا يمكننا أن نفهم القضية بدون أن نعرف ما إذا كانت صادقة أم لا. كيف نفهم القضية؟ إذا فهمنا الأجزاء التي تتكون منها. وإذا أردنا فهم معاني العلامات البسيطة(الألفاظ) فلا بد من شرحها لنا, والقضية في وسعها أن تنقل إلينا معنى جديداً بواسطة ألفاظ قديمة. إن القضية تنقل إلينا أمراً من أمور الواقع، ولذا لابد لها من أن تكون على صلة جوهرية بذلك الأمر, وما تلك الصلة إلا كون هذه القضية رسماً منطقياً لهذا الأمر من أمور الواقع.
إن كل اسم (لفظ) واحد يقابله شيء واحد, والاسم الآخر يقابله شيء آخر, ثم ترتبط هذه الأسماء بعضها ببعض بحيث يجئ الكل بمثابة رسم واحد حي يمثل الواقعة الخارجية. إن إمكان القضية إنما يقوم على مبدأ تمثيل الأشياء بواسطة الألفاظ. وخلاصة ما سبق، أن العالم يتكون من مجموع الوقائع التي تكونه, نعبر عنها في قضايا (مضامين جملة مفيدة)، ومضمون الجملة واحد في جميع اللغات بالرغم من الترجمة.
إن الجملة هي الشكل اللغوي وليست موضوع بحث فلسفة اللغة، موضوع فلسفة اللغة، القضايا ـ مضامين الجمل ـ كذلك اللغة مؤلفة من قضايا ذرية وقضايا مركبة. القضية الذرية بين متغيرين، والمركبة علاقة بين أكثر من متغيرين. ونلاحظ أن أهم مبحث في المنطق الرمزي هو مبحث القضايا ـ منطق دلالات الصدق يتعامل مع العلاقات للقضايا الذرية ـ المنطق الرمزي حاول أن يضع قائمة صدق لتحقق أو عدم تحقق القضايا الذرية، ويمكننا أن نضع بدل المتغيرات مقابلاً لغوياً. والقضية المركبة يفترض فيها أن تصف الواقع.
والعالم في نظر "فتجنشتين Wittgenstein" لا يقبل التناقض ويقبل التضاد. وإذا كان تركيب المنطق الذي من خلاله أصف الواقع يقبل التناقض فإذن هو لا يصف الواقع. وتأتي المشكلة في الوسيط الذي من خلاله أصف الواقع، وهو اللغة التي تستخدم الصورة المنطقية في وضع مجموعة دلالات أصف بها الواقع.
وظيفة اللغة إذن هي تصوير أو وصف صادق ودقيق وأمين للعلاقات الموجودة في العالم (العلاقات الذرية والمركبة). و"فتجنشتين Wittgenstein" يقول أن العالم هو مجموعة وقائع لا أشياء، وجوهر الشيء يكون مكوناً ممكناً لواقعة ذرية ما، ومفهوم الواقعة ليس فقط العلاقات بين الأشياء بالطريقة التي نراها بها ولكن أيضاً ما يمكن تخيله من علاقات هذا أيضا يدخل في إطار العالم وفي إطار المعرفة و"فتجنشتين" يسمي هذه العملية بالرسم، وعلاقة الإنسان مع هذا العالم هي علاقة رسم مستمر. ولولا عملية الرسم الذهني للواقع الخام ما تحول الحديد إلى طائرات: دخول الواقع المادي إلى دماغ الإنسان، ثم التعامل معه، تأليف بشكل آخر ثم إنتاج تصور جديد، يصبح أحد مكونات العالم. ولولا الخيال لما كان هناك تقدم علمي، لأن معظم الاكتشافات العلمية في الراهن المعاصر طرحت في روايات في السابق، ولذلك فالخيال عنده خيال تجريبي، لكن ما وراء ذلك لا يمكن أن يكون خبرة. فهل نستطيع أن نتخيل مفهوم الإنسان بمعزل عن تخيل شخص بعينه؟
ما لا يستطيع الإنسان أن يبحث عنه (الخيال باعتباره مفردة ميتافيزيقية) ينبغي أن يصمت عنه، وهو ما لا يقبل أن يكون موضوعاً في الرسم الذهني كواقعة يمكن أن تكون موجودة الآن أو يمكن أن تكون موجودة في المستقبل. فمثلا إذا قلت الله موجود، تدخله في دائرة شروط معينة، وإذا قلت إنه غير موجود كفرت، الحل في نظر "فتجنشتين" هو أن تصمت. كل خيال الشعراء والفنانين لا يدخل في إطار البحث المعرفي ولا يمكن نقله الى الغير:
في حضرة من أهوى
عبثت بي الأشواق
حدقت بلا وجه
ورقصت بلا ساق
تخطى هذا الشاعر مرحلة الرسم الذي يمكن أن ينقل إلى الآخرين، "الفيتوري" فقط يستطيع أن يعطيه دلالات، أما أنا فلا- حسب النظرية التصويرية للواقع- ولهذا قمة البعد التجريبي هي نقطة شكية. إفراط في التجربة (وهنا مدخل الصوفية) ويدخل الإنسان في منطقة الخلو من المعنى.
والمعنى هو الدلالة عند "فتجنشتين Wittgenstein"، ما يشير إليه في الواقع أو ما يمكن أن يشير إليه في الواقع. إذن المعنى والدلالة شيء واحد، والقضية الكاذبة تحمل معنى ولكنها كاذبة. الشيء الذي لا يقبل التحقق، لا يمكن أن نحكم بصدقه ولا بكذبه (أين هو؟ كيف هو؟ ماهو شكله؟ ماذا يماثل؟) فمشكلة وجود الله مثلاً، لا أستطيع أن أحكم فيها بين المؤمن والملحد. لماذا؟ لأنها من وجهة نظر النظرية التصويرية للواقع: قضية فارغة من المعنى، ولا تمثل قضية معرفية ولا علمية ولا تمثل معرفة يمكن نقلها للآخر.
ج/ نقد اللغة المثالية:
إذن، "فتجنشتين Wittgenstein" رأى أنه بطرحه هذا قد عالج مشكلات الفلسفة، ورأى أن الذي دعا إلى إثارة هذه المشكلات هو أن منطق لغتنا منطق يساء فهمه. إن ما يمكن قوله على الإطلاق، يمكن قوله بوضوح، وأما ما لا نستطيع أن نتحدث عنه، فلابد أن نصمت عنه.
ويرى "فتجنشتين Wittgenstein" أننا إذا أردنا أن نقيم لغة مثالية لابد أن نضع معياراً لما له معنى، باعتبار أن اللغة لا يمكن أن تكون مسألة ذاتية، بل ينظر إليها باعتبارها وسيطاً اتصاليا. وبالتالي التجارب الذاتية (الشعراء والصوفية) تصف قضايا غير موجودة ولا تخضع لقوانين الهندسة وبالتالي لا تحمل معنى..
واضح أنها لغة طموحة ولغة تضيق بالعقل البشري إن لم نقل إنها لغة مستحيلة. وفلسفة اللغة المثالية في مجمل أفكارها بنيت وفق التصور التقليدي للمادة وهذا هو السبب في انتهائها في الراهن المعاصر.
هذا المذهب لم يستمر طويلاً، و"فتجنشتين Wittgenstein" نفسه هو أول شخص ثار عليه لأنه يحد من فعالية الإنسان (المحصور في قوانين الهندسة والرياضيات والمنطق) والذهن الإنساني أصبح معه مجرد وسيط سلبي لنقل الصورة، بالإضافة إلى أن الإنسان هو مجموعة أمراض، رغبات، نزوات...الخ وعملية الكشف العلمي تعتمد على العامل النفسي والاجتماعي. ولذلك مذهب اللغة المثالية لم يعطِ مساحة لقدرات العقل الإنساني. والعالم نفسه كما صوره لنا "فتجنشتين": العالم ليس 1+1=2، لأن هناك أشياء كثيرة تؤثر في حياة الشعوب: الخرافة، الدين، الميثولوجيا، الشعر، الأفكار الميتافيزيقية، وقد ثبت أن هذه الأفكار تؤثر في حياة الشعوب، ولذلك فما كان يسعى إليه من خلال وضع لغة مثالية وهو نظام لغوي واحد للعقل البشري يمكن أن يحدد حياة الإنسان بطريقة واحدة وبالتالي أنظمة اجتماعية واحدة، طبيعة واحدة للمجتمعات، استخدام لغوي واحد...الخ.
ونموذج القوالب الجاهزة الذي نجده متمثلاً في فلسفة اللغة المثالية أثبت فشله، فمثلا النموذج التنموي الذي أدى الى تطوير بريطانيا، لا ينفع –كنموذج، قالب جاهز– لغيره من الدول التي تنشد النمو، هذه النظرية أثبتت فشلها.
واضح جداً، أن العقل الإنساني لا يقبل البرمجة على طريقة منطقية لغوية واحدة، البنية النفسية للإنسان لا تقبل ذلك، وعلى ذلك فقد تخلى "فتجنشتين" عن طرحه السابق (رسالة منطقية فلسفية) والذي كان يعتبر إنجيل الفكر الحديث. وأعاد النظر في ذلك في مؤلفاته المتأخرة (نظرية ألعاب اللغة) والتي ما زال تأثيرها حتى الآن.
3/ نظرية ألعاب اللغة:
انتقد "فتجنشتين Wittgenstein" اللغة المثالية باعتبارها لغة طموحة خيالية، وتبنى في مؤلفاته المتأخرة، فلسفة "اللغة العاديةOrdinary Language" والتي كان يرى– على عكس ما كان يتصوره سابقاً– أنها صحيحة وينبغي التعامل معها كما هي دون إدخال أي تعديل عليها، على اعتبار أنها تعبر عن طريقة الإنسان في الحياة وسط بيئة معينة.
أ/ وظيفة الفلسفة محددة بالتحليل:
أن المسلمات في الاتجاهين (اللغة المثالية/اللغة العادية) بالرغم من اختلافهما ظلت هي هي: الحديث عن كيف يتركب العلم من اختصاص العلم ؟ أما المشكلة الفلسفية هي في كيفية استخدام الوسائط التي تنقل هذا الفهم. بمعنى آخر لا زالت وظيفة الفلسفة محددة بالتحليل فقط." إن موضوع الفلسفة هو التوضيح المنطقي للأفكار. فالفلسفة ليست نظرية من النظريات، بل هي فاعلية. ولذا يتكون العمل الفلسفي أساساً من توضيحات. ولا تكون نتيجة الفلسفة عدداً من القضايا الفلسفية، إنما هي توضيح للقضايا. فالفلسفة يجب أن تعمل على توضيح وتحديد الأفكار بكل دقة، وإلا ظلت تلك الأفكار معتمة ومبهمة... فالفلسفة يجب أن تحدد ما يمكن التفكير فيه وبالتالي ما لا يمكن التفكير فيه. إنها تحدد مالا يمكن التفكير فيه، وذلك من خلال ما يمكن التفكير فيه. إنها تشير إلى مالا يمكن التحدث عنه، بكونها تبين بياناً واضحاً عما يمكن التحدث عنه. وكل ما يمكن التفكير فيه على الإطلاق يمكن التفكير فيه بوضوح، وكل ما يمكن أن يقال يمكن قوله بوضوح".
في فلسفة العلم ظهر تيار (النموذج العلمي) يبني أفكاره حول قضايا العلم، بناء على نظرية النسبية وميكانيكا الكم، فالنسبية أضافت إلى الأبعاد المكانية بعداً آخر، بعداً رابعاً هو الزمان: وهو الذي يحدد علاقة هذا الجسم بالمحيط به، وهو بعد مرتبط بماهية الكائن حسب موقعه في الكون وزمانه الخاص.
والبحث يعتمد على عدة عوامل منها شخصية الملاحظ ودوره، فالإنسان لا يستطيع أن يترك بناءه النفسي خارج المعمل وبالتالي لابد أن ينشأ نوع من التفاعل يختلف باختلاف تركيبة الملاحظين العقلية والبيئة التي ينتمون إليها، والبناء النفسي..الخ. وبنفس الطريقة ذاتها، ظهرت فكرة النموذج المعرفي الذي يتغير بتغير المشاهدة أو الملاحظة ودرجة التفاعل، فالإنسان لا يستطيع أن ينفك من وسطه الاجتماعي ولا يستطيع أن يتحكم في الغرس الاجتماعي.
ب/ العلامة اللغوية يمكن استخدامها بكيفيات متعددة:
يأتي هنا دور "فتجنشنتين Wittgenstein" ليقرر بأنه إذا كان في الطرح السابق (اللغة المثالية) المعنى والدلالة شيئاً واحداً، فهنا (مع اللغة العادية) أصبح الأمر مختلفاً: العلامات اللغوية ليست دلالات في الواقع وإنما هي مجموعة من الأدوات كل منها له وظيفة، ويمكن استخدامها بكيفيات متعددة، ويرتبط مفهوم "ألعاب اللغة" ارتباطاً وثيقاً بنظرية الاستعمال للمعنى.
وبالإضافة إلى تشبيه ألعاب اللغة في الفقرات الأولى من كتابه "الفحوص" يقدم أيضاً تشبيهاً آخر وهو "الأداة" tool، فاللغة نشاط يرتكز على استخدام الكلمات كأدوات. وهو يقدم تشبيه الأداة ليلفت أنظارنا إلى تنوع استعمال الكلمات كما تتنوع الأدوات في الصندوق." تأمل الأدوات الموجودة في الصندوق: توجد مطرقة، زردية، منشار، مفك،غراء، مسامير، رزات. ووظائف الكلمات المتنوعة مثل وظائف هذه الأشياء". ويذكر لنا مثالاً يرمي من ورائه كيف أننا نخطئ في استعمال الكلمات عندما نستعمل كلمة غير التي نريدها، كما نخطئ عندما نستعمل أداة لغرض غير الذي نقصده. وهو هنا يقارن بين ما قاله في "رسالة منطقية فلسفية" حول بنية اللغة وبين تنوع وتعدد ألعاب اللغة، ومن الأفكار التي أنكرها هنا الفكرة القائلة (أن الاسم يعني الشيء، والشيء هو معناه).
هو يقارب اللغة باللعبة game واللغة مثلها مثل أي لعبة أخرى لها قواعد يتم الاصطلاح عليها في الوسط الذي يتعامل مع هذه اللغة، وهذا يعني أن اللغة ذات طابع اصطلاحي وهذا الطابع وليد البيئة الاجتماعية ويحدث بشكل اعتباطي، من خلال عملية التواصل بين الأفراد تنشأ مجموعة من الرموز يصفون بها مجموعة أشياء.
ج/ ألعاب اللغة: معنى الكلمة في كيفية استخدامها وليس فيما تشير إليه في الواقع
في "ألعاب اللغة" معنى الكلمة في كيفية استخدامها وليس فيما تشير إليه في الواقع: ماذا أقصد باستخدامي لهذه العلامة؟ أصبحت العلامة اللغوية لا يشترط فيها أن تشير إلى مدلول خارجي، بل كيفية الاستخدام للكلمة هو ما يحدد معناها. وبالنسبة للتركيب المنطقي ليس هناك معيار منطقي تصاغ فيه اللغة لأنها تختلف باختلاف مجال الاستخدام.
والتداول أصبح له دور أساسي ولا نستطيع أن نخفي في استخدامنا للعلامة كل الجوانب الإنسانية المختلفة التاريخية والتربوية والميتافيزيقية..الخ. ولا يمكن فصل العلامة اللغوية عن الوسط الاجتماعي الذي يختلف هو داخل نفسه ويتمايز إلى شرائح، كل شريحة اجتماعية لديها كيفية معينة لاستخدام اللغة، كيفية معينة من الوسائط في الاستخدام اللغوي.
إذن، التفاعل الاجتماعي هو السبب في إصدار اللغة وأي إنسان ينتمي إلى مجال اجتماعي ويتبنى كيفية استخدام اللغة عند هذه الجماعة، وبالتالي كيفية استخدام اللغة في مجتمع ما تعبر مباشرة عن طريقة حياة ذاك الشعب، وهنا نستطيع أن نقرر أن تركيبة اللغة توازي تركيبة البيئة الاجتماعية.
ح/ من التطابق إلى الاتساق:
اختلف معيار الصدق من التطابق إلى الاتساق – بالرجوع إلى مجال معين، فنحن لا نستطيع أن ندرك شيئاً ما إلا من خلال انتماء هذا الشيء لمجال معين، ولا نستطيع أن ندرك جوانب أي ظاهرة مرة واحدة وإنما جانب معين يرتبط بمجال معين.
مع فلسفة اللغة العادية نهتم كثيراً بكيف نستخدم الكلمة؟ وبأي قصد؟ وفي أي سياق؟ والهدف الأساسي من استخدام اللغة هو الفهم والتأثير. كيف أفهم الآخر؟ وكيف أؤثر فيه سلباً أو إيجاباً؟ وحتى يحدث التأثير لابد أن أدخل إلى حياتهم (المجتمع المراد دراسته) حتى أعرف كيف يستخدمون المفردة، واللغة ليست شرطاً أن تكون معينة، في بلغاريا إيماءات نعم/لا معكوسة. ولفهم لغة عامل البناء لابد من معاينة البيئة التي ينتمي لها، وهناك عدد من اللغات داخل المجتمع الواحد.
ونموذج القوالب الجاهزة الذي نجده متمثلاً في فلسفة اللغة المثالية أثبت فشله، فمثلا النموذج التنموي الذي أدى إلى تطوير بريطانيا، لا ينفع –كنموذج، قالب جاهز– لغيرها من الدول التي تنشد النمو، هذه النظرية أثبتت فشلها من خلال اتجاه اللغة العادية، لأنني لا أستطيع أن أضع نظاماً تنموياً لأي شعب من خلال برامج جاهزة مستوردة، ولكن من خلال فهمي للبيئة الثقافية لهذا الشعب والخصائص الذاتية له يمكنني أن أقدم برنامجاً تنموياً، الآن كل مجتمع يفرض قواعده من خلال اللغة التي يتعامل بها ويعبر بها عن حياته.
ويرى "فتجنشتين Wittgenstein" ـ من خلال ألعاب اللغةـ أننا لا نستطيع أن نفصل علامة لغوية عن بقية السياق ونقول إنها تعني كذا، لأنها إذا فصلت عن سياقها تكون قد فقدت معناها. ولابد حتى نفهم معنى علامة ما، من أن تدخل في سياق يربطها بمجموعة من العلامات الأخرى لتأدية غرض معين.
وهو يرفض تقسيم المناطقة للجملة إلى ثلاثة أنواع: تقرير واستفهام وأمر، إذ يقول: " كم نوعاً يوجد من الجملة؟ هل نقول التقرير، الاستفهام، والأمر؟ توجد أنواع لا تحصى ولا تعد: أنواع مختلفة لا تحصى من الاستعمال لما نطلق عليه "الرموز" و" الكلمات" و"الجمل" ويرى أننا لا ندرك التنوع الضخم في ألعاب اللغة في الحياة اليومية وذلك لأن مظهر لغتنا يجعل كل شئ متشابهاً. ثم يقدم قائمة بألعاب اللغة يدعونا فيها إلى تأمل كثرة هذه الألعاب في الأمثلة التالية:
1/ إصدار الأوامر والامتثال لها.
2/ صياغة الفرض واختباره.
3/ وصف المظهر الخارجي لشئ أو تقديم أحجامه.
4/ بناء شئ من الوصف (الرسم).
5/ التقرير عن حادثة.
6/ التفكر حول حادثة.
7/ تأليف قصة وقراءتها.
8/ الترجمة من لغة لأخرى.
9/ تقديم نتائج تجربة في لوحات ورسوم بيانية.
10/ التساؤل، التفكير، السب، الترحيب، التوسل.
خ/ لعبة اللغة:
تحاول أمثلة "فتجنشتين Wittgenstein" السابقة أن توضح "الوظائف" المختلفة للجملة و"الأغراض" المتباينة التي قد تستعمل لها. ويمكن استعمال جملة بعينها لأغراض مختلفة كثيرة من تلك التي يوصفها "فتجنشتين Wittgenstein" هنا. لنتأمل مثلاً الجملة: "أتود أن تذهب الى القدس" نجد أنها قد تستعمل كدعوة، وسؤال للمعرفة، وطريقة مهذبة لإعطاء أمر ونكتة، وطريقة لإثارة الضيق، وسخرية...الخ.
ويرى أنه لا يوجد قاسم مشترك أو خاصية مميزة لكل الفاعليات التي ندعوها "لغات" تماما مثلما لا يوجد قاسم مشترك بين كل الفاعليات التي نسميها "ألعاباً" أو الأشياء التي نطلق عليها أعداداً.
وكل ما نجده بعد فحص ومقارنة الألعاب المتنوعة المتباينة لا يزيد على أن يكون شبكة معقدة من التشابهات تتداخل وتتشابك كما في حالة التشابهات بين أفراد العائلة. هذا مجمل يفصله "فتجنشتين Wittgenstein" تفصيلاً دقيقاً على النحو التالي " تأمل على سبيل المثال الأحداث التي ندعوها (ألعاباً) وأقصد الألعاب ذات اللوحة الخشبية وألعاب الورق، وألعاب الكرة، والألعاب الأولمبية وهلم جرا. فما القاسم المشترك بينها جميعا؟ ولو أنك نظرت إليها جميعاً فلن ترى شيئاً ما يكون مشتركاً بينها جميعاً، ولكن تشابهات وعلاقات".
ويمعن "فتجنشتين Wittgenstein" النظر في هذه التشابهات المتداخلة المتشابكة ثم يقرر: " إنني عاجز عن التفكير في تعبير لوصف هذه التشابهات أفضل من (تشابهات العائلة) لأن التشابهات المتنوعة بين أفراد العائلة: البنية، والصورة، ولون العيون، وطريقة المشي، والمزاج، الخ تتداخل وتتشابك بالطريقة ذاتها. وسوف أقول: " الألعاب تكون عائلة" ويمكن أن نقول مثل هذا عن الأعداد إذ أنها تكون عائلة بالطريقة ذاتها".
إن رفض القول بخاصية مميزة مشتركة بين كل ما نطلق علية اسم "لعبة" والقول بشبكة معقدة من التشابهات المعقدة المتداخلة هو الملمح الذي اعتقد "فتجنشتين" أن اللعبة تتقاسمه مع "اللغة".
والحقيقة أن تكلم اللغة هو جزء من الفاعلية الاجتماعية، وطريقة السلوك والحياة في مجتمع، وذلك ما يسميه ب "صورة الحياة" form of life: " من السهل أن تتخيل لغة تتألف فقط من أوامر وبيانات، أو لغة تتألف فقط من أسئلة وتعبيرات للإجابة بنعم أو لا، وأشكال أخرى في اللغة لا تعد ولا تحصى وتخيل اللغة يعني تخيل صورة الحياة".
"ويعني تعبير "ألعاب اللغة" هنا إبراز الحقيقة القائلة بأن تكلم لغة هو جزء من الفاعلية أو من صورة الحياة". إن لعبة اللغة هي مثال واحد لصورة الحياة، وتسميتها هكذا هو القول بأنها شيء ما تمت صياغته أو قياسه بمعيار في حياتنا، إذ أنها واحدة من صور الحياة. وليس من الضروري قياسها بأية وسيلة ثابتة، فألعاب اللغة ـ مثل أي ألعاب أخرى ـ سوف تظهر وتتغير وتتلاشى. وإذا سأل سائل ما هي الغاية أو القيمة الفورية للقول بأن لعبة اللغة هي صورة الحياة، لكانت الإجابة أنه لا يمكن أن توجد أية ألعاب خاصة، وأن ألعاب اللغة مرتبطة وبصورة معقدة مع الجوانب الأخرى من الحياة ومع الأهداف والمناظر والأفكار والفعاليات، ولا يمكن فهمها بمعزل عن هذه الجوانب.
هناك جانب في تشبيه اللغة باللعبة يؤكد عليه "فتجنشتين" تأكيداً قوياً هو أن كلا من الألعاب واللغات تستلزم استخدام القواعد. ويحاول أن يبرهن هنا أن قواعد اللغة تتشابه في عدم التشريع سلفاً لكل الاحتمالات، وبعبارة أخرى إن استعمال الكلمات ليس مقيداً في كل موضع بالقواعد " لا توجد قواعد فيما يتعلق بكيفية ارتفاع المرء الذي يقذف بالكرة في التنس أو كيفية عنفه، ومع ذلك فإن التنس لعبة ولها قواعد أيضاً. ويمكن أن يقال إن ما نسميه قاعدة في لعبة اللغة ربما يكون لها وظائف مختلفة اختلافاً شديداً في اللعبة".
هو يتذبذب بين الحديث عن قواعد اللغة كما لو كانت قواعد قانونية مثل قواعد الشطرنج وبين الحديث عنها كما لو كانت مثل القواعد الاختيارية والمرنة فيما يتعلق باستعمال السكين أو العتلة.
إذا تسألنا أخيراً لماذا يهتم الفيلسوف التحليلي بدراسة اللغة؟ لكي يوضح المعنى ويميز بين الكلام ذى المعنى وبين اللغو ؟ ولقد قال "فتجتنشتين Wittgenstein" في نهاية "الرسالة": ".. تبرهن دائما "أي الفلسفة" حينما يرغب شخص آخر في أن يقول شيئاً ميتافيزيقياً، تبرهن له أنه لم يقدم أي معنى لعلامات معينة في قضاياه" وذلك عن طريق إظهار أن الفيلسوف يفعل ما يفعله هكذا عن طريق استعمال الكلمة خارج ألعاب اللغة، يعني خارج موضعها الأصلي، " عندما يستعمل الفلاسفة كلمة "المعرفة" و"الوجود" و "الشيء" و"الأنا" و "القضية" و"الاسم" ويحاولون إدراك "ماهية" المسألة، فيجب على الواحد منهم أن يسأل نفسه دائما: هل يتم استعمال الكلمة بالفعل دائما بهذه الطريقة في لعبة اللغة التي هي موضعها الأصلي؟ وما نفعله هو إعادة الكلمات من استعمالها الميتافيزيقي إلى استعمالها في الحياة اليومية".





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,839,393,485
- نقد هايدغر وغادامر لموضوعية التأويل
- ليس ثمة تأويل موضوعي في مضمار الأديان (2)
- ليس ثمة تأويل موضوعي في مضمار الأديان (1)
- مشروع نقد الفكر الديني عند نصر حامد أبو زيد
- صراع الأفيال: هابرماس وغادامر وريكور، التأويل والتاريخ (3)
- تأويل التاريخ وتاريخية التأويل (2)
- تأويل التاريخ وتاريخية التأويل (1)
- كيف يجب للعقل الإسلامي المعاصر أن يتعاطى مع النص الديني الإس ...
- التأويل داخل حقل الإسلاميات (3)
- التأويل داخل حقل الإسلاميات (2)
- التأويل داخل حقل الإسلاميات (1)
- كيف يجب أن نتعاطى مع النص الديني الإسلامي؟ (1)
- الطريق إلى الحقيقة: سؤال المنهج
- الوجود البشري والحقيقة (6)
- الحقيقة أم التأويل: التساؤل بشأن (حقيقية) الحقيقة(5)
- تفكيكية جاك دريدا: نقل سؤال الحقيقة إلى مجال التأويل (4)
- الحقيقة لا تمثل الواقع الخارجي بل مفهومه، مراجعات فلسفية في ...
- مراجعات فلسفية في مفهوم الحقيقة (2)
- مراجعات فلسفية في مفهوم الحقيقة (1)
- العقل الإسلامي المعاصر: إلى أين؟


المزيد.....




- حمد بن جاسم: لم يعد هناك -مجلس خليجي-.. وعلي النعيمي يرد
- أمير الكويت يبدي للعبادي استعداد بلاده لمساعدة العراق في تجا ...
- كيف سرق الموساد نصف طن من ملفات طهران النووية السرية؟
- هلسنكي تستعد لقمة بوتين وترامب
- أردوغان: تركيا طوت صفحة الانقلابات في تاريخها
- أمير قطر يخلي مكانه لبريجيت
- بوتين يبحث مع ماكرون تعزيز العلاقات
- "وحدات حماية الشعب" الكردية تنسحب من مدينة منبج في ...
- الإعلام السوري: إسرائيل تقصف موقعاً عسكرياً قرب حلب
- الإعلام السوري: إسرائيل تقصف موقعاً عسكرياً قرب حلب


المزيد.....

- أساطير أفلاطون – موسوعة ستانفورد للفلسفة / ناصر الحلواني
- حديقة القتل.. ماذا فعل جنود الله في العراق؟ / يوسف محسن
- ميشيل فوكو مخترع أثريات المعرفة ومؤرخ مؤسسات الجنون والجنس ... / يوسف محسن
- مميزات كل من المدينة الفاضلة والمدينة الضالة لدى الفارابي / موسى برلال
- رياضة كرة القدم.. مقاربة سوسيولوجية / عيبان محمد السامعي
- المعرفة عند أرسطو / عامر عبد زيد
- الفن والسلطة والسياسة : هيدجر ، عن المؤامرة والشعر / رمضان الصباغ
- القيم الفنية والجمالية فى الموقف الاكسيولوجى / رمضان الصباغ
- جينالوجيا مفهوم الثقافة كآلية لتهذيب الإنسان / نورالدين ايت المقدم
- ( قلق الوجود والجمال المطلق ( ما بعد لعنة الجسد وغواية الحض ... / أنس نادر


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - مجدي عزالدين حسن - فلسفة التحليل اللغوي