أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - حسن محسن رمضان - في العلمانية ومفهوم الليبرالية والهدف منهما















المزيد.....

في العلمانية ومفهوم الليبرالية والهدف منهما


حسن محسن رمضان

الحوار المتمدن-العدد: 3640 - 2012 / 2 / 16 - 09:08
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    




تبرز الليبرالية والعلمانية في محيط الإسلام السياسي كتهديد مباشر للقوى المتمصلحة من توظيف الدين لصالح هيمنتها. فالقضية بالنسبة لهذا التيار السياسي الذي يوظف الإسلام لمصالحه المباشرة هي قضية “تسلط” يمارس من خلالها إلغاء الآخر المختلف بصورة متعمدة ونهائية، فهي ليست على حقيقتها هيمنة سياسية ضمن صراع تحدده المفاهيم والقناعات الديموقراطية كما يدعي بعض أصحاب الإسلامي السياسي. فمفهوم “التسلط” من وجهة نظر الإسلام السياسي هو أوسع وأشمل وأكثر تغلغلاً من "الهيمنة" السياسية حتى بصورها الديكتاتورية بالتأكيد، إذ التسلط يشمل كل نواحي الحياة للفرد من أول العلاقة الزوجية وتفاصيلها الخاصة والدقيقة وما ينتج عنها من أسرة ونشئ ومروراً بالحريات الفردية والخيارات المتاحة ضمن المحيط الفاعل ونهاية بديناميكيات التفاعل الاجتماعي والاقتصادي والسياسي وتعريفات المواطنة وتحديد الولاءات. فلا شيء إطلاقاً عند الإسلام السياسي يدخل تحت المفهوم النبوي المنصوص عليه في كتب الحديث: (أنتم أعلم بشؤون دنياكم)، وإنما هو مجهود واعي ومقصود وفاعل على مستويات الفقه والإفتاء والممارسة لإدخال كل شيء ضمن المحيط الديني حتى يكون “التسلط” على البلاد والعباد، أي تسلط حركات الإسلام السياسي أو حتى الديكتاتوريات التي تستغل هذا الإسلام السياسي، حتى يكون التسلط لصالحها باسم “الله” وتحت ادعاء أن هذا التسلط هو بالضبط “شريعته” جل وعلا. والمثال البارز في هذا الخصوص هو التوجهات الشيعية ضمن مفهوم ولاية الفقيه كما تمثلها إيران ومن يرى رأيها، والتوجهات السنية السلفية، بفرعيها المعتدل والمتطرف، كما تمثلها المؤسسة الدينية الرسمية في المملكة السعودية من جهة وجماعة القاعدة من جهة أخرى، وأيضاً أحزاب الإسلام السياسي في بلدان متعددة كما تمثلها جماعة الإخوان المسلمين على سبيل المثال. وبما أن الليبرالية بما تحويه من مبادئ متطورة تدور حول الحريات، والعلمانية بما تستدعيه من فصل الدين وسلطة الكهنوت عن السياسة، يشكلان تهديداً مباشراً لهذا “التسلط” الذي ينتحل اسم “الله” في هيمنته، فإن الإسلام السياسي يعادي هذين المفهومين عداءً شرساً من خلال التشويه المتعمد لهما. ولهذا السبب بالذات يتوجب النظر في تعريفات هذين المفهومين بصورة متكررة لمعاكسة محاولات التشويه هذه.

العلمانية، بمفهومها فصل الدين عن السياسة، تستدعي بالضرورة ممارسة محددة يكون النص المقدس فيها غير مؤثر، حتى وإن وُجدَ هذا النص الصحيح الواضح من وجهة نظر المؤمنين فيه، أو أن يكون “النص” المقدس غير موجود أصلاً فيما يخص هذه الممارسة بالذات ولكن يتم البحث في الموضوع (أو التشريع) بعيداً عن تأثيرات مفاهيم أخرى تحمل صفة القدسية. وأول اعتراض على هذا التعريف سوف يأتي من حركات الإسلام السياسي، وسوف يدور حول نقطة وحيدة واحدة مهما اختلفت تفريعاتها أو تفاصيلها وهي (أن هذا مخالف للإسلام وخروج عليه وعنه). والحقيقة أن موقفهم هذا يحمل بذرة التناقض، لأن ما يتهمون به غيرهم من المعاصرين العلمانيين بأوصاف لا أول لها ولا آخر، لا يتجرأون أن يطلقوها على مجتمع الصحابة (صحابة النبي محمد) الذين مارسوا بالضبط نفس محتوى هذا التعريف أعلاه. فإذا كان لا يسعنا الخروج على "النص المقدس" لأي سبب (بسبب علمانية أو غيرها)، فمن باب أولى أن مجتمع الصحابة لا يسعهم أيضاً الخروج على النص لأي سبب كان. إلا أن الحقيقة هي أن الممارسة المحددة التي يكون النص المقدس فيها غير مؤثر كما في تعريف العلمانية أعلاه قد مارسها صحابة النبي محمد وبكل رحابة صدر وبدون أي إشكالية دينية كما يبدو جلياً في نصوص التاريخ، تاريخهم هم، التاريخ الذي يتبناه الإسلام السياسي نفسه.

قال الله تعالى في سورة التوبة (إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم …) الآية. هذا نص مقدس، ثابت صحيح، واضح جلي في استحقاق “المؤلفة قلوبهم” سهماً من الزكاة لم يستثني فيه الرب تعالى زمان أو مكان منه، وإنما النص عام مطلق. ومع هذا، وكما هو ثابت من نصوص الفقه الإسلامي وتاريخه، فقد منع عمر بن الخطاب، الخليفة الإسلامي الثاني، سهم المؤلفة قلوبهم بسبب اختلاف الظروف وعدم حاجة الإسلام لهؤلاء بعد أن عَـزّ وظهر. وكذلك فعل في امضاء من طلق زوجته ثلاث طلقات بفم واحد على أنه طلقات ثلاث وليست واحدة وذلك للمصلحة التي تغيرت في زمنه، بينما كان الأمر على أيام النبي محمد وخليفته الأول أبو بكر أن الطلقات الثلاث بفم واحد هي طلقة واحدة لا غير. وكذلك قسمته للبلاد المفتوحة عنوة، أي بحد السيف، التي رفض فيها قسمة غنائهما على المقاتلين، وتعطيله حد السرقة عام الرمادة، ورأيه في الجزية المفروضة على نصارى بني تغلب، وسهم ذوي القربى في القرآن وغيرها من الأمور التي كانت الممارسة فيها غير متأثرة بالنص الإسلامي المقدس (قرآن أو سُنة ثابتة) كما جاء في تعريف العلمانية أعلاه. وليس الأمر مقصوراً على عمر بن الخطاب، فهذا علي بن أبي طالب رفض ملاحقة قتلة عثمان مع أن النص المقدس يوصيه أن (النفس بالنفس) لأن الوضع السياسي كان غير مؤاتي، وأيضاً رفض التحكيم أولاً ثم عاد ورضي به لأن من معه أصروا عليه، وهذا سبب خروج الخوارج عليه بدعوى مخالفته للنص. بل أن الأطياف المذهبية الشيعية يصرون على أن علي بن أبي طالب هو الخليفة بعد النبي محمد بسبب دعوى “النص” عليه، ولكن، وعلى هذا الإصرار، فإن علي بن أبي طالب قد خالف “النص” من وجهة النظر الشيعية بسبب قبوله ذهاب الخلافة منه لأبي بكر ثم قعوده في بيته ستة أشهر من دون بيعة حتى وفاة فاطمة بنت النبي محمد. أليست هذه ممارسة علمانية، إذا أخذنا بالرأي الشيعي، بسبب “قعوده” عن “النص” عليه في مسألة سياسية؟

يقول ابن أبي الحديد المعتزلي:

“وقد أطبقت الصحابة إطباقــاً واحداً على ترك كثير من النصوص لما رأوا المصلحة في ذلك، كإسقاطهم سهم ذوي القربى وإسقاط سهم المؤلفة قلوبهم، وهذان الأمران أدخلُ في باب الدين منهما في باب الدنيا. وقد عملوا بآرائهم أموراً لم يكن لها ذكر في الكتاب والسنة كحد الخمر فإنهم عملوه اجتهاداً، ولم يحدّ رسول الله (ص) شاربي الخمر، وقد شربها الجمّ الغفير في زمانه بعد نزول آية التحريم. ولقد كان أوصاهم (ص) في مرضه أن أخرجوا نصارى نجران من جزيرة العرب، فلم يخرجوهم حتى مضى صدر من خلافة عمر، وعملوا في أيام أبي بكر برأيهم في ذلك باستصلاحهم. وهم الذين هدموا المسجد بالمدينة، وحوّلوا المقام بمكة، وعملوا بمقتضى ما يغلب في ظنونهم من المصلحة، ولم يقفوا مع موارد النصوص”.

الجملة المحورية في النص أعلاه هي: “وعملوا بمقتضى ما يغلب في ظنونهم من المصلحة، ولم يقفوا مع موارد النصوص”. كل هذه الممارسات، وغيرها كثير في التاريخ الإسلامي بفرعيه السني والشيعي، كان “النص” غير مؤثر في القرار كما جاء في تعريف العلمانية أعلاه، فأي فرق هنا؟

والجواب هو لا فرق إطلاقاً، الممارسة العلمانية واحدة، والتشابه واضح لكل منصف لا يريد أن يتعسف في التأويل أو التفسير لممارسات صحابة النبي محمد بعد وفاته. إذ من الواضح أن “المصلحة“، بمعناها الشامل أو الفردي، هي المحرك الرئيس في كل هذه التصرفات في مجتمع الصحابة أنفسهم مما يؤكد رسوخ المبدأ العلماني في التصرفات البشرية حتى وإن كان ظاهرها دينياً بحتاً. إلا أن هذا يقودنا أيضاً إلى مفهوم الليبرالية.

جاء في مفهوم الليبرالية:

“لا توجد نظرية متكاملة صاغها مفكر أو فيلسوف واحد بشأن الليبرالية، وإنما يشير التعبير إلى مجموعة من الأفكار التي تطورت ما بين القرن السابع عشر والقرن العشرين، والتي عبر عنها مفكرون مثل: ديفيد هيوم، آدم سميث، لورد أكتون، جون لوك، وجون ستيوارت مل في انجلترا، وجان جاك روسو، دي توكفيل، وفولتير في فرنسا، وشيلر في ألمانيا، وجيمس ماديسون وجون مارشال في الولايات المتحدة الأمريكية. ويترتب على ذلك أن الليبرالية ليست ايديولوجية ممنهجة تترابط فيها المقدمات والأفكار والنتائج، وإنما هي تيار فكري له منابع وروافد مختلفة تم الربط بينها فيما يسمى بالمذهب أو الإتجاه الليبرالي (...) وتنهض الفكرة الليبرالية على مفهوم الحرية التي عبر عنها جون لوك في أوضح صورة. لقد انطلق لوك من فكرة القانون الطبيعي الذي يعطي للأفراد، بحكم كونهم بشراً، حقوقـاً طبيعية غير قابلة للتصرف فيها. وأكد على الحقوق والحريات المدنية مثل حرية الفكر والتعبير والاجتماع والملكية، وتم الدفاع عن هذه الأفكار باسم الحقوق الطبيعية. وفي مجال الاقتصاد استخدم مفهوم “المذهب الطبيعي” لتبرير حرية الاقتصاد وعدم تدخل الدولة في النشاط الاقتصادي (...) وعلى مستوى الممارسة قامت نظم الديموقراطية الليبرالية على عدة أسس. أولها، التعددية السياسية وتداول السلطة بينها. ثانيها، القرار السياسي هو ثمرة التفاعل بين كل القوى السياسية ذات العلاقة بالموضوع. ثالثها، إقامة هيئات تشريعية تمثيلية واحترام مبدأ الأغلبية كأسلوب لاتخاذ القرار. رابعها، المساواة السياسية التي تتمثل في اعطاء صوت واحد لكل مواطن. خامسها، مفهوم الدولة القانونية، وأهم عناصرها وجود دستور والفصل بين السلطات وخضوع الحكام للقانون وانفصال الدولة عن شخص حاكمها وتدرج القواعد القانونية واقرار الحقوق الفردية للمواطنين وتنظيم الرقابة الشعبية”. [المصدر: ندوة بحثية: الفكر العربي المعاصر – تقييم واستشراف، الكويت، نوفمبر – ديسمبر 1997، عالم الفكر، المجلد 26، العددان 3 و 4، يناير – يونيو 1998، ورقة عمل بعنوان: أزمة الفكر الليبرالي العربي، د. علي الدين هلال، ص 111 – 113]

فعلى هذا فإن الهدف الأساسي، الأول والرئيس، من تبني الليبرالية وما تستدعيه من ديناميكيات سياسية علمانية هو نفي “الاستبداد” أياً كان شكله أو نوعه وخصوصاً الاستبداد السياسي أو ما يتم باسم الدين، ومن ثم التركيز والدفع في اتجاه “المصلحة” الفردية والجمعية لأفراد المجتمع. وهذا هو أساس الصراع الليبرالي – الديني في مجتمعاتنا.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,559,780,385
- ديموقراطية الشذوذ القَبَلي
- أرى خلل الرماد وميض نار - الحالة الكويتية
- عندما يقول الغرب لكم: إن قبائلكم ومذاهبكم يثيران الاشمئزاز ا ...
- الكلمة التي ألقيتها في الحلقة النقاشية عن مواقع التواصل الاج ...
- إنها قشور دولة
- حقيقة التلبس الشيطاني - الفرق بين أوهام رجال الدين ومنطقية ا ...
- إشكالية المجاميع الليبرالية الكويتية
- السلطة المعنوية لقمة الهرم السياسي الكويتي كما هي عليها اليو ...
- مقالة في الفرق بين التمدن والتحضر
- المشكلة المذهبية في مجتمعات الخليج العربي
- الذهنية السياسية الشعبية الكويتية المتناقضة … الموقف من معتق ...
- في مشكلة الائتلاف والاختلاف ... الحالة الكويتية كنموذج
- الآراء الاستشراقية في نقد النصوص المقدسة الإسلامية
- مقالة في أن الحرية لا بدّ لها من قانون يقننها
- أن الحرية ذات المنشأ الديني هي حرية أنانية بالضرورة
- المنهج الليبرالي وضرورات الإيمان والإلحاد
- الرأي العام في السياسية المذهبية والدينية
- في أوهام الشعار الإسلامي (صالح لكل زمان ومكان)
- المشكلة العرقية في المجتمع الكويتي
- المشكلة السياسية في الكويت


المزيد.....




- المنح التعليمية بالحضارة الإسلامية.. موسيقي يرعى العلماء ومس ...
- أيتام تنظيم الدولة الإسلامية يواجهون مصيرا مجهولا
- منظمة التعاون الإسلامي تُدين اقتحام المسجد الأقصى المبارك
- -قناصة في الكنائس وأنفاق-... بماذا فوجئت القوات التركية عند ...
- مسيحيون يتظاهرون احتجاجا على غلق كنائس بالجزائر
- عضو مجلس الإفتاء بدبي: الثراء الفقهي المنقول منهل لا ينضب لك ...
- مفتي الأردن: علماء الشريعة الإسلامية وضعوا علوماً وقواعد مست ...
- رحلة لاستكشاف عالم سري أسفل كاتدرائية شهيرة
- كيف يعود أطفال تنظيم الدولة الإسلامية إلى بلدانهم؟
- 611 مستوطنا يتزعمهم وزير إسرائيلي يقتحمون المسجد الأقصى


المزيد.....

- ماملكت أيمانكم / مها محمد علي التيناوي
- السلطة السياسية، نهاية اللاهوت السياسي حسب بول ريكور / زهير الخويلدي
- الفلسفة في تجربتي الأدبية / محمود شاهين
- مشكلة الحديث عند المسلمين / محمد وجدي
- كتاب ( عدو الله / أعداء الله ) فى لمحة قرآنية وتاريخية / أحمد صبحى منصور
- التدين الشعبي و بناء الهوية الدينية / الفرفار العياشي
- ديكارت في مواجهة الإخوان / سامح عسكر
- الاسلام الوهابى وتراث العفاريت / هشام حتاته
- قراءات في كتاب رأس المال. اطلالة على مفهوم القيمة / عيسى ربضي
- ما هي السلفية الوهابية ؟ وما الفرق بينها وبين الإسلام ؟ عرض ... / إسلام بحيري


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - حسن محسن رمضان - في العلمانية ومفهوم الليبرالية والهدف منهما