أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ربيعة العربي - بدأ الخطو قصة قصيرة















المزيد.....


بدأ الخطو قصة قصيرة


ربيعة العربي
الحوار المتمدن-العدد: 3582 - 2011 / 12 / 20 - 21:32
المحور: الادب والفن
    




كالريح أسابق العمر، كالريح ...و باتساع المدى كان التيه. باتساع المدى... و كان القدر عود ثقاب يسخر من نبتي... كنت أرجو الندى، كنت أبلله بالريق و الدمع. جف الريق. نضب الدمع و بقي القدر عود ثقاب. اشتد الحر و تاهت العيس في بيدها، و اشتد الشوق إلى نبع كنا من شدة اللهفة نرسمه بأعيننا فوق التل. كالريح نسابق العمر...نعد خطاه... ننزع أوراقه من اليوميات شوقا للقاء. أنا و أخي كنا ضحيتين. كان نصيبه النفي من الزمن الحلو، و كان نصيبي دمعتين على الوسادة. أنا و أخي كنا ضحيتين.
- اصحي فاطمة.
- كم الساعة.
- العاشرة صباحا.
أحس بدوار في رأسي و بجسمي مشدود إلى الفراش، و برغبة عارمة في ألا أصحو. تدافعت الأفكار إلى رأسي. تزاحمت. أعلنت الحضور و تمردها على النسيان.
- اصحي فاطمة.
لا أريد أن أصحو، أريد أن أغمض عيني و أنام عسى ظلام الجفون يطفأ لهيب الذاكرة. رنين الهاتف ما زال يحتل فضاء غرفتي و صوت عمر على الطرف الآخر:
- فاطمة أريد أن أراك حالا، إذا سمح لك الوقت بذلك.
لم يسبق لعمر، رغم أنه صديق قديم أن كلمني بهذه الصيغة الاستعجالية، لذلك استغربت الأمر و قلت له :
- ماذا جرى؟
- الأمر في غاية الخطورة، و لا يمكنني إخبارك هاتفيا.أرجو أن تأتي بسرعة.
تلاطمت أمواج البحر بداخلي و تدافعت الأفكار السوداء في رأسي: يا إلهي. ما الأمر؟.
بدلت ثيابي بسرعة و خرجت مهرولة إلى الشارع. قصدت المكان الذي حدده عمر: مقهى التقدم. وجدته في انتظاري.
- صباح الخير عمر. ماذا وقع؟
- صباح الخير فاطمة. تفضلي أولا بالجلوس و لا تستعجلي الأمور.
- أخبرني بدون مقدمات، عمر.
- أنت تعرفين أن لك مكانة خاصة في قلبي، لهذا السبب قررت إخبارك و لو أن الموضوع يسبب لي نوعا من الحرج.
- قل ما عندك أرجوك، فقد زاد توتري.
- لقد أتيت للتو من مدينة مراكش، و لأهمية الموضوع لم أشأ أن أذهب إلى بيتي لأخذ قسط من الراحة. فضلت أن ألتقي بك أولا و أن أتحدث معك.
- نعم عمر ، قل ما الأمر؟.
بدا لي عمر مرتبكا و لسانه لا يطاوعه، فخمنت أنه يريد أن يطرح علي موضوع الزواج، فقد سبق أن لمح لي عدة مرات بعاطفته اتجاهي، و هذا أمر كان يغيظني لذا كنت أتجاهله، فعمر متزوج و له خمسة أولاد و أنا أعتبره مجرد أخ و قد عبرت له عن مشاعري الأخوية في أكثر من مناسبة و اعتقدت بأنه قد فهم بشكل غير مباشر أنني لا أفكر في الارتباط به. نفذ صبري و كدت أطلب منه أن يدعني أنصرف لولا أنه بادر بالقول:
- أريد أن أحدثك عن أحمد.
صرخت باستغراب:
- أحمد.
- نعم. لقد التقيته هناك في مدينة مراكش.
نط قلبي فرحا. خمسة أعوام لم أر فيها أحمد أخي. خمسة أعوام و أنا أبحث عنه دون جدوى.
- صحيح؟ التقيت بأحمد هل هو بخير ؟ هل تحدثت معه؟ ما هي أخباره؟
- مهلا. مهلا فاطمة. سأخبرك بكل شيء.
صمت عمر و كأنه يبحث عن كلماته، و بدا واجما. استغربت أمره فهذا خبر مفرح، و من المفروض أن يتحدث عنه بحماس و بفخر كعادته حينما يحس بأنه صاحب فضل، و هو الآن صاحب فضل. أليس هو الذي وجد أحمد؟ لكن صمته هذا يزيد من حدة قلقي. قلت بصوت مفجوع :
- لم لم يعد معك أحمد ؟ هل أصيب بمكروه.
أجابني مسرعا:
- لا. اطمئني. لم يصب بمكروه فهو بصحة جيدة، غير أن وضعيته لا تسمح له بالعودة الآن.
قلت بدهشة كبيرة :
- لماذا؟ عمر أخبرني بكل شيء،أرجوك.
- اسمعي فاطمة. لما رأيت أحمد لم أصدق أنه هو. لقد كان رث الثياب و ...
صمت عمر و بدا مترددا على غير عادته، فهو شخص يميل إلى الثرثرة و لا يمل من الكلام و الضحك و حاله الآن تدل على أن مكروها ما قد حصل لأحمد، فقلت أحثه على الكلام:
- و ماذا؟ تكلم عمر.
- أخشى أن أصدمك فاطمة. لولا أني أعرف أنك تحبين أخاك محبة كبيرة و أنك تبحثين عنه لسنوات خلت ما أخبرتك.
- هات كل ما عندك عمر بدون أدنى تردد.
- أحمد أصبح متسولا.
خرجت هذه الكلمات دفعة واحدة من فمه و كأنه يلقي بقنبلة يخشى أن تنفجر في وجهه. أحسست أنه طعن كبريائي. لولا أنني أعرف عمر جيدا و أعرف صدقه و رزانته لثرت عليه، فأنا لا أسمح لأي كان بأن يقول كلمة سوء في حق أخي. همست:
- مستحيل.
- نعم فاطمة. أنا أيضا لم أصدق عيني.
وجدتني أحاول أن أستجمع قواي لأسال عمر عن المزيد من التفاصيل:
- لقد سافرت إلى مراكش في الأسبوع الماضي للقاء بأحد التجار الذي دعاني للعشاء،فلبيت دعوته و هناك بالقرب من منزله صادفت أحمد. في الواقع فاطمة ليس من السهل علي أن أقول لك هذا الكلام. لكن من الواجب علي أن أخبرك.
- أتمم أرجوك
- حينما هممت بالدخول إلى منزل صديقي استرعى انتباهي رجل ينام فوق حصير متسخ غير بعيد من الباب. لم أشأ أن أسأل صديقي عنه فالمتشردون كثر، و قد أصبح من المألوف رؤيتهم يحتلون الأرصفة للجلوس والنوم و التسول. كان الرجل يغط في نوم عميق و لا يبدو منه إلا الشعر الكثيف و اليدين المتسختين و الثياب الرثة، أما الوجه فلم أتبين ملامحه. ركله صديقي و قال له:
- ابتعد من هنا هيا.
تململ الرجل فقال له صديقي بصوت غاضب:
- أتحسب نفسك في غرفة النوم لقد قلت لك مرارا ألا تنام بجانب منزلي.
غير أن الرجل لم يعره اهتماما، و استمر يغط في نوم ثقيل.أحسست بالشفقة اتجاهه، فقلت لصديقي:
- بالله عليك دعه و شأنه، لو كان لديه مكان يبيت فيه لما نام هنا. فقال لي صديقي متأففا:
- إنه يشوه الحي بهذا المنظر، و الأدهى من ذلك أنه يبحث في القمامة عن الأكل فيترك المكان مليئا بالأزبال. تصور، لقد وجدته زوجتي يدخن البارحة رغم أننا في شهر رمضان. فقدت أعصابها فصبت عليه سطلا من الماء البارد كي يغادر المكان، لكن رغم ذلك لم يذهب. بل إنه جلس تحت الشمس لتجفيف ملابسه و كأن شيئا لم يحدث.
دخلت منزل صديقي و أنا أتأسف على حال وطني الذي لفظ أبناءه. مكثت عنده تلك الليلة، و في الصباح استيقظت متأخرا، لقد كنا في شهر رمضان و قد تأخرنا في النوم. ودعت صديقي و شكرت له حسن الضيافة. غير أنني لما غادرت منزله رأيته هناك. قرب القمامة منشغلا في البحث فيها. التقط أنفي رائحة دخان سجائر و لمحت عيني سيجارة بفم يتلذذ بتدخينها بشراهة. أشفقت عليه، فاقتربت منه لأدس في يده بعض النقود، لاحظ يدي ممدودة إليه فمد يده و التقط النقود بسرعة و بدون أن ينظر إلى وجهي أو ينبس بأدنى كلمة و تابع تدخينه غير آبه بي. غير أني رأيته و دققت في ملامحه: لقد كان هو. أحمد ذلك الولد الأنيق الذي كنت أراه دائما يمر من أمام باب دكاني في الحي بخطواته الثابتة و بضحكته المشرقة.
همست و دموعي على خدي:
- أحمد , أصبح حاله هكذا. لا أصدق.
- آسف فاطمة. أعرف أن هذا الأمر يؤلمك كثيرا و لكن أعرف أنك كنت تبحثين عنه و أنك ستفعلين المستحيل من أجله.
- طبعا عمر و شكرا لأنك لم تخف عني الأمر.
- أريد أن أساعدك فاطمة، لكن هناك أمور لا أعرفها. ما أعرفه هو أنه لما توفيت والدتك رحمها الله انتقلت أنت و أخوك أحمد للعيش عند والدك. أنت كنت تأتي لزيارة الحي فقد كنت على علاقة طيبة مع الجيران، لكن أخوك لم يكن يأتي، وحين كنت أسألك عنه كنت دائما تقولين: إنه بخير فكيف ساءت الأمور إلى هذا الحد؟
- وقعت أمور كثيرة لم أستطع البوح بها لأحد.
- أذكر يوم أخبرتني بعينين دامعتين عن اختفاء أحمد. يومها سألتك عن سبب اختفائه لكنك لم تشائي إخباري، و أنا احترمت صمتك. لكن الآن ينبغي أن تخبريني لكي نتمكن معا من إنقاذ أحمد من الوضع الذي يعيشه الآن.
البوح أعرفه...كم تهت في لياليه...كم شجونا أنا و أخي أحمد. كم حكينا و كان قلبانا مفتوحين كأشرعة سفينة بعيدة بيضاء. أنا و أحمد تقاذفتنا الأمواج. أطاحت بنا في اتجاهات شتى. البوح كان منقذنا و لما تشابكت أيادينا عند مقترف الطرق مات البوح و مارسنا الحلول في أقبية الصمت. قال عمر يحثني على الكلام :
- احك فاطمة. أفرغي ما بقلبك كي تستطيعي السلوان. أنا أعرف بعض التفاصيل. أذكر كيف كنتم أنت و أحمد و أمك تعيشون بكل سلام. أمك رحمها الله كانت إنسانة مكافحة. ربتكما معا أحسن تربية كانت تشتغل مربية بمدرسة خاصة و كان راتبها محدودا، لكن مع ذلك كانت حريصة على أن توفر لكما كل ما كنتما بحاجة إليه.أعرف أن والديك كانا منفصلين لكن لم أكن أعرف الكثير عن أبيك. كل ما أعرفه أنه كان رجلا ميسورا، غير أنه كان يعامل الناس باستعلاء ظاهر. هذا كل ما أعرفه، لذلك يصعب علي تحديد الأسباب التي جعلت أحمد يصل إلى هذا الوضع.
يطالعني وجه عمر متسائلا، ألمح في عينيه نظرة حيرة فأتيه في تفاصيل الذاكرة... في دروبها المتشعبة. ...الدرب الأول عنوان لمدينة لفظتني. أذكر كم مارست التسكع في شوارعها بحثا عن عمل. طرقت أبوابا عديدة، و كان الرد يأتي في كل مرة بالسلب. مطرقة لا ما زالت تتردد إلى حد الآن في أذني كلازمة. قررت الهجرة السرية إلى فرنسا. اشتغلت هناك بدون أوراق إقامة. أعترف أنه لولا عمر لما استطعت الهجرة و جمع قدر من المال و الرجوع إلى وطني لعمل مشروع صغير.
... الدرب الثاني عنوان لمعاناة أمي مع زوج ظالم: أبي. ذبلت أمي قبل الأوان، و ماتت بعد طلاقها من أبي بأربع سنوات. ما بين طلاقها و موتها رحلة من الكفاح لكي توفر لنا أنا و أخي العيش الكريم، و من المعاناة مع المرض الذي انتهى باقتلاعها من بيننا.
... الدرب الثالث عنوانه: أبي . حينما أذكره ينقبض صدري. أذكر الحديقة العمومية التي كان يأخذنا إليها أنا و أخي. أذكر لعبة الغميضة التي كنا نلعبها معا، و أذكر بائع الحلويات كلما مر بجانبنا و طلبنا من أبي أن يشتري لنا بعض الحلوى تنقلب ابتسامته إلى عبوس و يقول لنا:
- أليس عندكما أمكما.
- بلى.
- إذن، هي التي ينبغي أن تشتري لكما الحلوى ،فأنا أعطيها النفقة في كل شهر.
أذكر أني لما حكيت الأمر لأمي بكت و من يومها و هي تعطينا النقود في كل مرة نذهب لزيارة أبي لكي نتمكن من شراء الحلوى. و في كل مرة نشتري الحلوى يأخذ أبي قسطا منها و يتلذذ بأكلها. أبي كان ميسورا، لكنه كان بخيلا على عكس أمي التي كانت تضطر للعمل ساعات إضافية كي تتمكن من توفير حاجياتنا. لما توفيت والدتي انتقلنا للعيش عند أبي . كان أبي يسكن في بيت كبير، و كانت له زوجة قاسية القلب. وجودنا كان يزعجها كثيرا خاصة أخي أحمد الذي كان لا يطيع أوامرها، لذلك كانت تعمل دائما على الانتقام منه. فكانت كلما حضر أبي إلى المنزل تستقبله بالشكوى من أحمد، فيضربه إرضاء لها. أما أنا فقد كنت أطيعها بدون تردد، كي لا أتعرض للضرب. كنت أساعدها كثيرا في أشغال البيت، لذلك قلما كنت أتعرض لغضبها. لم تكن تحبني. نعم، لكن وجودي كان مفيدا لها. لقد كنت أعتني بأخي الصغير، و أقوم برعايته حينما تضطر إلى الخروج. تحملنا الكثير في بيت أبي الكبير الذي لم يكن لنا فيه مكان في قلوب ساكنيه.
...آه البوح ينسج في ذاكرتي خيوطا من سواد.
- ما بك صامتة، فاطمة. احكي.
قلت لعمر برجاء:
- هل يمكن أن نسافر الآن إلى مراكش. أريد أن أرى أحمد.
- نعم. طبعا.
أخذنا القطار المتوجه إلى مدينة مراكش، كان غاصا بالمسافرين. أخذت مكانا قرب النافذة و أغمضت عيني. كنت أظن أنني و أخي نسير في درب واحد بخطو واحد، لكن للأسف تاه الخطو و افترقت بنا الطرق. إذ بقدر ما جعلتني المعاناة متشبتة بإتمام دراستي، بقدر ما جعلته عزوفا عن الدراسة كارها للتعليم. كان أحيانا كثيرة يتظاهر بالمرض ليبقى بالبيت و يغيض زوجة أبي. غير أن الحال تغير فجأة و أصبح يذهب بحماس إلى المدرسة. استبشرت خيرا و حمدت الله كثيرا. قلت في نفسي : لقد أدرك أحمد أخيرا أهمية التعليم. سينال الشهادة العليا و سيصبح موظفا و سيكون أسرة. أدمنت هذا الحلم، لكن خاب الظن. لقد علمت أن أحمد لم يكن يذهب إلى المدرسة بغرض الدراسة- كما كنت أعتقد- و لكن بغرض آخر أدركته بعد فوات الأوان. أتى به يوما أبي و هو يجره من قميصه. كان أحمد يصرخ و يبكي من شدة الألم فقد أشبعه أبي ضربا و ركلا و رفسا. سألته عن السبب فصرخ في وجهي:
- إن هذا الحقير يتناول حبوب الهلوسة.
صدمت للخبر. تذكرت يوم اتهمته زوجة أبي بالسرقة. يومها أشبعه أبي ضربا و تعنيفا. تألمت كثيرا. لقد كنت أعتقد يومها أنها تهمة باطلة، غير أنني لاحظت بعد ذلك أن بعض الأغراض تختفي من البيت، فبدأت أشك في أمره و لما سألته أنكر في بادئ الأمر، ثم بعد ذلك صارحني. قال لي إنه يضطر إلى ذلك لأن أصدقاءه يأتون دائما بالنقود و هو لا يريد أن يكون أقل منهم. صدقته و ألححت عليه في أن يعدني بألا يعود إلى السرقة، و الواقع أنه التزم بوعده فاطمأن قلبي.
التفت إلى أحمد بغضب:
- ألهذا السبب كنت تسرق أغراضنا ؟ لكي تشتري حبوب الهلوسة. لكن ..لكنك كففت عن السرقة، فمن أين كنت تأتي بالنقود إذن؟
نظر إلي أحمد. كانت الكدمات تملأ وجهه، و جسمه لم يدع أبي شبرا منه إلا و ترك فيه بصمات الحذاء الثقيل الذي كان ينتعله.
- كيف أصبحت مدمنا؟
نظر إلي أحمد مليا. لم يكن يرغب في الحديث. لكن نظرة الرجاء و الإصرار التي كانت بعيني جعلته يقتنع بأن عليه أن يتكلم. طويت مسافة الصمت التي كانت بيننا لمدة، لتفتح صفحة البوح من جديد...
البوح... يقتلني... يرسم في ذاكرتي أخاديد.
- أتذكرين ذلك الصباح، لما ضربني أبي بشدة و أرغمني على الذهاب إلى المدرسة؟ في ذلك اليوم لبثت عند بابها. لم أشأ الدخول إلى الفصل. كي لا يهزأ مني زملائي، فآثار الضرب كانت بادية على وجهي. بقيت أراقب المارة، فجأة اقترب مني شابان كانا يمتطيان دراجة نارية. قال لي أحدهما: نراك مهموما ؟ ما الأمر؟ لم أشأ التحدث معهما غير أنهما تعاملا معي بود، و جلسا إلى جانبي و بدآ بمواساتي، و لما أرادا الانصراف قدما لي حبة من حبوب الهلوسة، و قالا لي: إنها دواء للصداع. تناولتها في الحين فأحسست بأنني أطير و بأن قلبي لم يعد مثقلا بالهموم. في الغد أتى الشابان و ناولني أحدهما حبة أخرى، بعد ذلك أصبحت مجبرا على شراء هذه الحبوب كلما أحسست بألم برأسي. لجأت إلى السرقة و لما انكشف أمري اقترحا علي أن أساعدهما في بيع الحبوب على أن يمداني بنصيبي منها فقبلت مجبرا.
كنت أعتقد أن أبي سيفعل أي شيء لينقذ أخي من الإدمان لكنه اكتفى بتهديده من الطرد من المنزل. بعد ذلك تناسى أمره، كأنه لا يعني له شيئا و بدأ يمعن في تجاهله و استمرت الأيام تنصرم بشكل روتيني يوحي بأنه ليس هناك أمر أدهى مما حصل إلى أن أتى عندنا ضيف ثقيل. إنه هشام ابن أخت زوجة أبي . كان يكبرني بعشر سنوات. كان قصير القامة و بدينا. نظرته كانت غير بريئة، فهو كلما رآني يطيل النظر إلي و يتفحصني كأنه يريد تجريدي من ملابسي، و كان أحمد يتابع نظراته إلي، و كان يكرهه.. اغتنم هشام فرصة غياب أحمد و زوجة أبي من المنزل و حاول اغتصابي. لم أجد ما أدافع به عن نفسي غير صحن كسرته على رأسه و فررت هاربة من المنزل. ذهبت عند الجارة و حكيت لها الأمر فنصحتني بألا أخبر أحدا لكي لا أثير مزيدا من المشاكل. حاولت تجنبه قدر الإمكان غير أن مضايقاته كانت تزداد ، لذلك انتهزت فرصة غياب أبي و أخذت أحمد إلى مكتبه و أخبرته بالأمر، استشاط غيضا فخرج مسرعا يبحث عنه... ما لم يكن في الحسبان ذلك اليوم هو أن نجد هشام في غرفة النوم في وضع شاذ مع زوجة أبي. كان هذا اليوم حاسما في حياة أحمد، فبقدر ما كانت صدمته قوية بقدر ما أشبع هشام و زوجة أبي ضربا و شتما. هرب هشام و هو لا يلوي على شيء. يومها طردت زوجة أبي أحمد و رمت بأغراضه في الشارع، أما أنا فقد هددتني بأن ألتزم الصمت إذا أردت أن أستمر في العيش في هذا المنزل. لم أشأ أن أخبر أبي ليسا خوفا من تهديدها و إنما شفقة عليه. نعم. لأول مرة أحسست بالشفقة على أبي، و لما عاد إلى المنزل نظرت إليه كأني أراه لأول مرة. حاولت تفحص تقاسيمه علي أجد سببا أفسر به خيانة زوجته له. كانت التجاعيد قد غزت بوضوح وجهه و اشتعل الرأس شيبا، أما زوجته فلقد كانت شابة في مقتبل العمر. لعله فارق السن إذن. لكن هشام ابن أختها. أي حقارة هذه.
... دروب ذاكرتي متشعبة. لكل درب منها عنوان و قصة. قصص منها انتهت و قصص أخرى لما تنتهي و سؤال عمر و حثه لي على الكلام. جعلني أتوه في كل الدروب.
- أريد أن أصل بسرعة إلى مراكش. أريد أن أرى أحمد.
- سترينه، و سنحاول معا انتشاله من الوضع الذي هو فيه. لا تخشي شيئا.
... و يغدو الحنين أقصى درجة من الوعي بالآخر ... و يغدو الحنين هبة ريح قوية تعصف بالدواخل، تبعثر أشياءنا الصغيرة و تنثر خبايانا فوق أرصفة الطريق. توقف القطار،فقال لي عمر:
- ها قد وصلنا.
أخذنا سيارة الأجرة و توجهنا توا إلى الحي الذي كان عمر قد صادف فيه أحمد.
...أنا أتيت إلى هذه المدينة بحثا عن ملامح كانت تسكن ذاكرتي وجدتني أمام ملامح غيرها زمن رخيص، زمن رديء...زمن هجر صهوة الكبرياء ليقبع تحت أشجار عارية بلا ظل. غبار...غبار ...غبار تراكم فوق هذا الجرح. غبار... غبار... غبار احتل هذا الوجه الذي أعرفه. هذا الوجه الذي شهد معي مرحلة الصبا و عز الشباب. هذا الوجه الذي يذكرني بالضحكات و السيقان التي كانت تسابق الريح في بيتنا العتيق. هذا الوجه شاخ قبل الأوان، و العيون العسلية التي كانت تطفح بالمحبة أصبحت خالية من أي تعبير، من أي معنى. دنوت منه شددت الساعد بقوة هززته. نظرت إلى العينين الغائرتين. صحت:
- أحمد.
مد يده بشكل تلقائي، كمن يتوقع أن أقدم له صدقة. حركة اكتسبها مع مرور الوقت، فأصبح يقوم بها بشكل تلقائي و بدون أدنى تفكير. مددت يدي و حضنت يده و ضغطت عليها. جذب يده بقوة و نظر إليها و نظرت إليه: إنسان غائب أو مغيب لست أدري. ناديته من أعماق القلب:
- أحمد...أحمد المنسي.
رفع بصره إلى في نظرة سريعة، تأبى أن تستقر على حال. نظرة تشبه كثيرا الكرة التي يتلاعب بها الأطفال. صرخت و أنا أهزه باليدين:
- أحمد. أنا أختك فاطمة المنسي. هل عرفتني.
تحول بصره عني و تركني و هرول إلى القمامة. لقد استرعت انتباهه علبة عصير فارغة رمت بها إحدى خادمات البيوت. التقطها بسرعة و فتحها و وضعها على فمه، أملا في التقاط تلك القطرة المتبقية في قعرها. ثار كبريائي فأخذت العلبة و رميت بها أرضا و صفعته، فنظر إلي نظرة حائرة. قلت و أنا أحاول أن أهدئ أعصابي:
- انظر إلي. تأمل وجهي جيدا. من ترى أمامك؟
تمتم قائلا بصوت خافت:
- فاطمة.
- نعم أنا فاطمة المنسي. أختك و أنت أحمد المنسي. إنسان امتهن التشرد و أكل الفتات. آن لك أن تغير هذا الوضع. أنت إنسان ذو قيمة. و ينبغي أن تعيش عيشة تليق بك.
رأيت على وجهه ما اعتبرته شبح ابتسامة، فقلت:
- أحمد. انظر ما فعلت بك المخدرات. غيبت وعيك بذاتك و جعلتك ترضى بالمهانة. انظر أحمد الحال الذي أنت عليها. هل أنت راض على نفسك؟
لم أظفر من أحمد إلا بدمعة سقطت على الخد. فهززته بعنف قائلة:
- كفى بكاء و قاوم. آن لك أن ترفض هذا الوضع، آن لك أن تقاوم. آن لك أن تقول لا.
ظللت أهز أحمد و أنا أتكلم. ظننت أنه لا يسمعني. لا يأبه بوجودي، غير أنه وضع يديه على كتفي و هزني صارخا بأعلى صوته:
- لا...لا.
تردد الصدى في أرجاء الحي.
- لا...لا.
فتحت النوافذ و أطلت رؤوس في استغراب شديد، و سمعت امرأة تقول بصوت هازئ :
- أبشروا . قد نطق الأخرس.
و سمعت أخرى تقول:
- هذا الصوت يزعجنا .أسكتوه.
غير أن الأطفال توقفوا عن اللعب و بدؤوا يرددون بصوت واحد و هم يجوبون كل الدروب:
- لا...لا...لا...
نفض أحمد عنه الغبار، و مد إلي يدا مرتعشة.أخذت اليد بثقة دفأتها بين جنبات القلب.غادرنا المكان و صوت ناس الغيوان الذي ينبعث من مقهى الحي يرافقنا:
- يا اهل الحال ..يا اهل الحال
امتى يصفا الحال.
تزول الغيوم على العربان و تفاجاء الاهوال
ياسمعني زيد سمعني افهم جالرتي
سرنا. تركنا وراءنا قصة انتهت، و أخرى لم تتحدد ملامحها بعد، لكن: قد بدأ الخطو.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,106,244,713
- الحقيقة و الشبح
- صعوبات التعلم و ظاهرة الفشل الدراسي (2)
- صعوبة التعلم و ظاهرة الفشل الدراسي (1)
- معمارية الخطاب الشعري في ديوان -هسيس الدهشة-للشاعر أحمد بهيش ...
- معمارية الخطاب الشعري في ديوان -هسيس الدهشة- للشاعر أحمد بهي ...
- هجرة القاصرين : قراءة في المعاهدات و المواثيق الدولية(3)
- هجرة القاصرين: قراءة في المعاهدات و المواثيق الدولية (2)
- هجرة القاصرين : قراءة في المواثيق و المعاهدات الدولية
- الخطاب الإسلامي و تحديات العولمة (2)
- الخطاب الإسلامي و تحديات العولمة
- لحم يستباح
- حريق أينع
- أنا في جنة الخلد قصة قصيرة
- سقط القناع
- أبي و الشجرة قصة قصيرة
- رحل الربيع قصة قصيرة
- زغرودة- قصة قصيرة
- قصة قصيرة
- الصورة النمطية للمرأة المسلمة في الغرب


المزيد.....




- الفدرالية المغربية لناشري الصحف تعقد مؤتمرها الجمعة
- فرقة -الحنونة-.. ربع قرن في حراسة الذاكرة الفلسطينية
- المدرسة الشرقية بالموصل.. صرح عريق تعلم فيه رئيس ووزراء
- دراسة: الذهاب إلى السينما أو مشاهدة مسرحية تقي الإنسان من ال ...
- دراسة: الذهاب إلى السينما أو مشاهدة مسرحية تقي الإنسان من ال ...
- بالفيديو... فنان سعودي شهير يكشف -مواقف إنسانية- لمحمد بن سل ...
- هل تعيد فرنسا -الغنائم- الأثرية لبلدان شمال أفريقيا؟
- أعمال غيرت التاريخ.. تعرف على أشهر كتّاب الغرب
- صحيفة أمريكية: -ثقوب جوليا روبرتس تتحسن مع التقدم بالعمر-!
- اختطاف واغتيال.. مخاطر أن تكون فنانا يمنيا


المزيد.....

- خرائط الشتات / رواية / محمد عبد حسن
- الطوفان وقصص أخرى / محمد عبد حسن
- التحليل الروائي للقرآن الكريم - سورة الأنعام - سورة الأعراف ... / عبد الباقي يوسف
- مجلة رؤيا / مجموعة من المثقفين
- رجل من الشمال / مراد سليمان علو
- تمارين العزلة / محمد عبيدو
- المرأة بين المقدمة والظل، عقب أخيل الرجل والرجولة / رياض كامل
- الرجل الخراب / عبدالعزيز بركة ساكن
- مجلة الخياط - العدد الثاني - اياد الخياط / اياد الخياط
- خرائب الوعي / سعود سالم


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ربيعة العربي - بدأ الخطو قصة قصيرة