أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادارة و الاقتصاد - محمد باليزيد - الأزمة الدائمة















المزيد.....


الأزمة الدائمة


محمد باليزيد

الحوار المتمدن-العدد: 3542 - 2011 / 11 / 10 - 14:20
المحور: الادارة و الاقتصاد
    


قبل حوالي قرن، تجرأ مناضلون، قادهم نضالهم المستميت، ضد نظام عايشوا مآسيه من استغلال وحروب بشعة، إلى أن "يحلموا" بأن تاريخ الإنسانية على عتبة أن تحدث فيه قطيعة، نهاية عصر وبداية عصر مخالف له تماما. والآن، بعد أن خَفَت ذلك الحلم الجميل، ها هو ذا النظام، الذي هلل لخفوت ذلك الحلم واعتبر أن الزمن زمنه وحده وإلى الأبد، ها هو ذا يعيش "أزمة" دائمة لا أفق واضح للخروج منها. فمنذ سنة 2007 (دون اعتبار الأزمات السابقة) والنظام الرأسمالي ينفجر هنا وهناك. وكلما نجح في تجاوز أزمة ظهرت أخرى.
إن معطيات هذا الموضوع كثيرة ومتشعبة إلى درجة أن ذلك يجعل من الصعب "القبض" عليها من أجل مقال فقط وليس من أجل كتاب ضخم. لنبدأ بمعطى واحد لعله فيه من الدلالة ما يكفي:
يوم 02/01/2008 تجاوز سعر برميل النفط سقف ال100 دولار. وما أن اقتربت نهاية 2008 حتى تجاوز هذا السعر ال35 دولارا (إلى أسفل). وسواء كانت الأزمة، أم ميكانيزمات تجاوزها، هي التي سببت في تأرجح سعر هذه المادة بهذه الدرجة من القوة، فإن هذا لدليل واضح على أن هذا النظام، الاقتصادي بالخصوص، قائم على "أسس لا أساس لها"، أو بتعبير آخر، إن سيادة هذا النظام تعني أن مستقبل البشرية، وقبله حاضرها، على عجلة كازينو.
نحن الآن بصدد الأزمة المالية اليونانية التي تحولت إلى أزمة منطقة اليورو ومن ثمة إلى أزمة عالمية.
كثير من المحللين، حسب ما قرأت(1)، يتفقون على أن السبب الرئيسي للأزمة هو أنه لفترة معينة، كان لدى اليونان عجز مستمر(2)، لكن الحكومات السابقة كانت تظهر حسابات مغلوطة واستمر الممولون يقرضون اليونان على أساس، وعلى ضمانة، أن اقتصادها لا خلل فيه، إلى أن جاءت حكومة باباندريو التي كشفت الخلل (12,9% من PIB كعجز و115% منه كمديونية)، ومذاك والعجز يستمر والمديونية وفوائدها ترتفع إلى أن أعلنت الحكومة ذاتُها ،التي طبقت إلى حدود 2 ماي 2010 الخطة الرابعة للتقشف، أعلنت عجز اليونان عن الأداء فبدأت كرات الثلج في التساقط.
المحللون الذين لا يريدون أن يلقوا باللوم على اليونان وحدها يذهبون إلى أن قسطا من المسؤولية يقع كذلك على الاتحاد الأوروبي، ذلك أنه حين انضمت اليونان لهذا الاتحاد، لم تكن مؤهلة لذلك، وإنما حسابات سياسية هي التي جعلت الاتحاد يقبلها. وكأن هذا القول يريد أن يقول: ما كان على الاتحاد الأوربي أن يقبل اليونان أصلا، والدليل هو أن انسحابها اليوم لم يعد خارج النقاش. لكن هذا القول يخبئ من الحقيقة أكثر مما يظهر، فحتى إذا كان صحيحا أن اليونان آنذاك (1981) لم تكن مؤهلة 100% للانخراط في الاتحاد، فقد مضى على ذلك ثلاثة عقود، ولم تزل اليونان غير مؤهلة؟؟؟
إذن هناك خطأ جوهري في نظرنا (بالإضافة إلى خطأ سياسيي اليونان الذين لا يمكن عزلهم عن عصابات الرأسمال) يتمثل في بنية النظام الرأسمالي حيث، ما بين دول تسعى إلى التوحد، لم تكن هناك رغبة في تصنيع و بناء اقتصاد دولة عضو بما يجعلها عضوا قويا، وفضلت برجوازية الدول القوية فيه أن تتركها سوقا كما فضل أصحاب رأس المال أن يتركوها باسطة يديها إلى أمام. ولا ندري ما تخبؤه الأيام، فدول أخرى كإسبانيا والبرتغال وإيطاليا على الطريق.
لقد أشرنا سابقا أنه، إلى حدود 02/05/2010، طبقت الحكومة اليونانية أربع خطط تقشف، بالإضافة إلى عشرات المليارات من القروض التفضيلية، ومع ذلك بقيت الأزمة تتزايد، فما السر في ذلك؟ ولماذا هذه الأزمة عصية على الحل؟
أ) أولا إن خطط التقشف تعني الحد من الاستهلاك الخاص، كما العام الذي يصب فقط في الاستهلاك الخاص. وفي نظرنا فإن مسألة الدين يجب أن ينظر إليها من منظور الادخار، لكن أي ادخار؟ يجب أن يُدفع باليونان إلى إنتاج أكثر مما تستهلك وليس إلى استهلاك أقل مما تنتج. نعني بهذا أنه كان على مخططات الإنقاذ أن ترتكز على شيئين اثنين:
_ توجيه القروض نحو إحداث مشاريع إنتاجية قادرة على إحداث فائض في ميزان الأداءات.
_ إعطاء اليونان الوقت الكافي للحصول على نتائج كافية. لكن ما الذي يمنع من أن تصير الأمور هكذا؟ ألأن خبراء الاقتصاد الأوربيين(وFMI) يجهلون ما يعلمه مثقف بسيط مثلي؟ كلا وألف كلا. إننا هنا بصدد ما أشرنا إليه سابقا: هذا التوجه في الحل يعني أن يُدفع باليونان إلى أن تصدر أكثر مما تستورد. مما يعني فقدان صناعات أوربية أو أمريكية لمنافذ في اليونان وفي خارج اليونان لحساب صناعة يونانية صاعدة، وهنا مربض الفرس. فلا أحد يريد أن يتخلى عن موقع أو مورد، تضحية منه، في سبيل حل أزمة تهدد الاقتصاد العالمي والشعب اليوناني بالدرجة الأولى. من هنا لم يأت الحل إلا على وصفات تقشف، حل هو عقاب لليونانيين المغفلين الذين ركنوا لحسابات مغلوطة من طرف مسؤوليهم لمجرد أنهم "في رخاء".
لكن الحل الذي طرحنا تواجهه في الحقيقة مصاعب أخرى غير ما أشرنا إليه. إن الاقتصاديات التي يطلب منها أن تتخلى عن بعض مواقعها لصالح اليونان هي الآن في أزمة خاصة، فالبطالة تزداد في العديد من هذه الدول وتقليص بعض النشاط الاقتصادي، ولو الموجه نحو التصدير، سوف يزيد من البطالة فيها وهو وضع لا تريده أية دولة. "الأزمة" إذن لا تخص اليونان وحدها. ومن هنا تعلقت الأنظار بالصين ودول أخرى، غير الدول الأوربية والو.م.أ. وما دامت الدول الاقتصادية الكبرى، راعية النظام الرأسمالي، عاجزة عن إنقاذ دولة صغيرة ، وتابعة سياسيا لهذه المنظومة، من أزمة يعرف الجميع ويعترف بأنها إن لم تعالج فلا أحد يدري مدى حدود هزاتها، فإن هذا يعني، بما لا يترك أي مجال للشك، أن النظام الرأسمالي كله في "أزمة" بنيوية حادة.
قال أحد المحللين: "على الصين كذلك، التي تمتلك هذا الاحتياطي الهائل من النقد الدولي(حوالي 3500 مليار دولار) بسبب غزو بضائعها العالم وعدم غزوها من طرف بضائع العالم، عليها أن تعدل من صرف عملتها كي يتجه الميزان التجاري نحو التعادل ولو قليلا." إذا ربطنا هذا القول بواقع أن النظام النقدي هو نظام النقد العائم (الذي بُدِئ العمل به منذ 1971) حيث الأسواق هي من يحدد قيمة النقد وليس الاتفاقيات الثنائية ولا المتعددة الأطراف، سنستنتج شيئين:
أ) أن هذا القول يدعو إلى التخلي عن نظام النقد العائم دون أن يقول ذلك صراحة. ربما لأن المطالبة الصريحة بذلك سترفض.
ب) أن هذا يطلب من دولة ما، وهي الصين هنا، أن تحد من نجاحها الخاص لحساب، وتكافلا مع، دول(ليست اليونان وحدها المعنية(ّّّ3) قادتها سياستها الاقتصادية إلى استهلاك أكثر مما تنتج. لكن هذا المطلب لا يعني سوى استعمال النقد (دوليا) والتحكم به باستمرار كي تتخلى الصين عن كل ما ربحت بفضل كدها "صدقة" على الدول التي ذكرنا، وقد يشمل هذا الميكانيزم كذلك ما تكدسه الدول المنتجة للبترول كي تقلص من احتياطها من العملات الأجنبية. نحن هنا، يا للغرابة، أمام مطلب "اشتراكي جد متقدم" على صعيد العالم، إذ أن هذا المطلب اتجاه الصين يتلخص في "من كل حسب طاقته ولكل حسب حاجياته" واتجاه الدول النفطية يتلخص في أن ما على الكرة الأرضية من ثروات هو ملك للبشرية جمعاء.
مسألة أخرى يجب الإشارة إليها، الأزمة مؤقتة من المنظور البرجوازي، وحلها يجب أن يكون مؤقتا، أما برامج التقشف هته التي تطرحها البرجوازية كإعادة بناء من أجل الاستمرار والديمومة، في اليونان وفي أماكن أخرى غيره ، فهي الدليل القاطع على أن البرجوازية سوف تخلق هذه الأزمة، حتى ولو لم تحدث بشكل فجائي غير مقصود، من أجل إعادة البناء هذه التي تحتاجها البرجوازية حتى دون وجود أزمة، ذلك أن استمرار بنيات "دولة الرعاية الاجتماعية" في مناخ تشعر فيه البرجوازية بأنها القائد الوحيد والمحدد الوحيد لقيم العالم، إن هذا بحد ذاته تعتبره البرجوازية أزمة.
في الخطة الأخيرة للإنقاذ، التي وُقِّعت بتاريخ 27/10/2011، تم الاتفاق على أن يتخلى القطاع المالي الخاص على 50% من قروضه نحو اليونان، أي ما يعادل حوالي 100 مليار يورو (أما المبلغ الإجمالي للدين العمومي اليوناني فهو حوالي 350 مليار يورو)، مقابل هذا الكرم الفريد من نوعه، لقد تعهدت الأطراف المتدخلة، صندوق النقد الدولي FMI والمؤسسة الممثلة لوزارات المالية في الاتحاد الأوروبي و البنك المركزي الأوروبي، بأن تعاد رسملة (Recapitalisation) الأبناك التي في حاجة إلى ذلك، حوالي 70 مؤسسة بنكية. وقد قدرت التكاليف اللازمة لذلك، من طرف السلطة البنكية الأوروبية (EBA)، بحوالي 106 مليارات يورو، أما صندوق النقد الدولي فقد قدر ذلك بحوالي 200 مليار!! ومن أجل القدرة على تغطية مثل هذه التكاليف مستقبلا فقد تقرر رفع احتياطي الصندوق الأوروبي للاستقرار المالي (le Fonds européen de stabilité financière (FESF)) من 440 مليار يورو إلى 1000 مليار يورو. نحن هنا إذن أمام صندوق هائل مستعد لإنقاذ أية مؤسسة بنكية تتجه نحو الإفلاس، فهل لدى هذه الدول صندوق مماثل لإنقاذ فئات اجتماعية بكاملها مقبلة على الإفلاس وستدخله حتما بمجرد أن يتعافى النظام الرأسمالي وتتكرس قوانين الرأسمالية المتوحشة؟؟

في محطات كثيرة، كما في هذه، أثار كثير من المحللين مسألة النظام المالي، أو بتعبير أصح، فقد أثار هؤلاء مسألة القطاع المالي ومدى ارتباطه بالاقتصاد وتأثيره وسيطرته عليه. لقد قيل ما يكفي في هذا الموضوع بما لا يدع مجالا للشك بأن هذا القطاع أصبح طفيليا أكثر مما هو "منتجا". وهاهي بعض الإشارات إلى ذلك:
يقول Paul Grignon، مؤلف كتاب "النقد الدين"، بأن [المؤسسات البنكية الخاصة صارت شبه مسيطرة تماما على عملية إصدار النقد. الأزمة تأتي إذن، في نظام مبني على "الربا"(4)، من أن الدين هنا له أصلا خاصية عدم الأداء. فالمؤسسات البنكية تخلق فقط النقد الذي يُمنح قرضا ولا تخلق النقد الذي يساعد على تأدية لا فوائد الدين ولا الدين نفسه. من هنا فالنظام متجه منذ البداية نحو الإفلاس. ويضيف، على الدولة أن تضع حدا لاستقلالية الأبناك وأن تأخذ عملية خلق النقد بين يديها.] (5)
وفي نفس الاتجاه يرى كثير من المحللين أن طفيلية قطاع المال تجاوزت بكثير الحد المعقول، ففي حين أن نسبة الأرباح في القطاع الإنتاجي لا تكاد تقترب من 20% سنويا، تتجاوز مثيلتها في القطاع المالي ال20% في اليوم الواحد أحيانا!! من أين يأتي كل هذا الربح؟ ببساطة من المضاربات، لكن المضاربات ليست بسيطة. لقد تطور النظام الرأسمالي كثيرا إلى درجة يمكن القول معها أنه أحدث قطيعة مع ما كان سائدا إلى حدود منتصف القرن الماضي. لقد صار إنسانا ساذجا، مثلي، من يعتقد أن أرباح قطاع رأس المال ما هي، أو يجب أن تكون، إلا فرعا من أرباح قطاع الإنتاج. أن يعتقد الإنسان أن قطاع الإنتاج، صناعيا وغيره، هو أساس الاقتصاد، وما النقد سوى أداة لتسهيل ميكانيزمات الاقتصاد ، كما تسهل الزيت حركة الميكانيزمات الآلية، فذلك دليل على أنه من العصر الغابر.
إعادة النظر في إطلاق يد الاقتصاد وابتعاد الدولة عنه، هذا المبدأ الذي نَظَّر له كل المنظرين الاقتصاديين البرجوازيين وهلل له السياسيون، إلى درجة أن الأحزاب المدعوة اشتراكية هي من قام، على رأس الحكومات، بتنفيذ برامج إعادة الهيكلة في كثير من الدول وخوصصة القطاع العمومي، إعادة النظر هذه لم تبق حكرا على بعض المنظرين الاقتصاديين السباقين، فلقد أرغمت أزمة 2007 الرئيس أوباما على أن يصرح في أول ندوة صحفية بعد توليه الرئاسة: "الدولة هي، منذ الآن الفاعل الاقتصادي الوحيد الذي يستطيع أن يخرج الاقتصاد من المأزق، إن تخفيضات الضرائب غير قادرة على حل الأزمة المالية. إن الحكومة الفدرالية، بمواردها، هي الملجأ الوحيد لإنعاش الاقتصاد."(6)
نعم، إن كل معارضي الرأسمالية المتوحشة، سواء كانوا برجوازيين معتدلين أم من "بقايا أحلام ماركس ورفاقه"، وكل الطيف الذي بين هذين اللونين، كل هؤلاء لا يعارضون، أو هم الأول من قال أن على الدولة أن يكون لها دور في الاقتصاد، وأن لا تبقى مكتوفة الأيدي تتفرج في حين تتحكم في مصير الإنسانية، وكل شعب على حدة، عصبة من ذوي المال والأعمال الجشعين، لكن ما لا يتفق عليه هؤلاء هو تدخل الدولة من أجل إنقاذ بنك أو شركة من الإفلاس ورفضها التدخل حين تكون البنوك معافاة في صحة جيدة لكن ملاين الناس عاطلين أو بدون مأوى.
حين أُتعِب الشعب اليوناني من برامج التقشف التي لم تجْد شيئا، أو لنقل بكل وضوح، لم تكف المضاربين الذين ظلوا، هذا ينزل نقطة اليونان درجة بعد درجة وذاك يُهبط قيمة أسهمه والآخر يرفع سعر الفائدة على ديونه، حين وصل الأمر هذه المرحلة تذكر باباندريو الصناديق التي أتت به إلى كرسي الرئاسة: يجب أن تقول هذه كلمتها وتقرر ما بين "أن يقبل اليونانيون مزيدا من التقشف حتى يصيروا أقنانا لمرابي أوروبا والعالم وبمحض اختيارهم أو أن يقبلوا بإفلاس بلدهم." لقد علق أحد المعلقين على أزمة اليونان قائلا: "لقد قُدِّم من زيفوا حسابات البنك (...) إلى العدالة، فلماذا لم يقدم إلى العدالة من زيفوا حسابات دولة كاملة وأوصلوا إلى الإفلاس شعبا كاملا؟" هذا الجانب من الديمقراطية يريد باباندريو وأمثاله أن تتناساه الشعوب وتأتي إلى صناديق الاقتراع فقط من أجل أن تختار السيناريو الأقل سوء لمستقبلها من بين السيناريوهات السيئة.
بعد أزمة 1929، حاول تحليل أسبابها عدد من الاقتصاديين. وتوصلوا إلى شروحات مختلفة لذلك. فمنهم من قال أن سببها هو المضاربات، ومنهم من قال أنه السياسة النقدية وآخرون اعتبروها "عادية" لأنها نتيجة "الدورة الاقتصادية". وطرف آخر أشار إلى أن السبب "أخلاقي" ثم هناك تفسير يُرجع الأزمة إلى شيء بنيوي في النظام، لكنه ليس شيئا مما أُشِير إليه سابقا، إنه "قلة الاستهلاك" (la sous-consommation) وهو ما سوف أبحثه بعد أسطر بشيء من التفصيل.
قلت أن النظام الرأسمالي، بعد أزمة 1929، وبعد ما أفاض منظرو الرأسمالية في تفسيرها، ساد اعتقاد بين الأكاديميين والسياسيين البرجوازيين أن الكل أصبح يفهم، وأن الخطأ لن يتكرر. لكن المسألة ليست مسألة فهم ولا تنظير، المسألة مسألة بنية نظام اقتصادي ميكانيزماته الذاتية، في أحسن أحوال صيرورته، تضَيِّق عليها الطريق كلما تقدمت خطوة، أو بتعبير أبسط، تصير نحو عنق الزجاجة.
السبب، "قلة الاستهلاك" (la sous-consommation)، من قال به هم اقتصاديون ذوو اتجاه ماركسي أو متأثر بالماركسية، فلننظر الآن بإيجاز ماذا يعني هذا.
لا أحد يجهل أن الاقتصاد الرأسمالي مبني على "البضاعة". وتعني هذه البنية بالذات أنه حتى وإن كانت الآليات والمعامل والبنوك بصحة جيدة، قادرة على إنتاج ما يكفي أو يزيد عن الحاجة، فإن هذا النظام لا يحصل على شهادة "الصحة الجيدة" ما لم تجد كل المنتجات/البضائع سوقا كافية، قدرة شرائية كافية لتغطيتها. في بداية نمو النظام الرأسمالي، كانت هناك شروط تتلخص، حسب اعتقادي، في ما يلي:
_ أولا وبالدرجة الأولى الضعف النسبي للمكننة التي لم تكن تنتج ما يفيض على الحاجة. مع وضع كلمة يفيض بين أكثر من قوسين.
_ السبب الأول يستتبع أن القاعدة العمالية للنظام الصناعي متسعة بالقدر الذي يجعلها تستوعب كما هائلا من المنتجات/البضائع.
_ بالإضافة إلى ذلك ما تزال هناك قاعدة سكانية واسعة في الأرياف حيث أن التكاثف السكاني في المدن لم يزل في بدايته.
هذه الأسباب مجتمعة تتلخص في أن المنتجات/البضائع تجد سوقا كافية ل"تحقيق قيمتها"، وبالتالي، اكتمال دورة الإنتاج بسلام.
يجب أن نشير أولا إلى أن هذه الشروط الملائمة لم تنتف بالمطلق منذ 1929، ومع ذلك حدثت أزمة حادة. هذا، في نظري، ما جعل المنظرين كل فريق يظهر سببا، وربما الحقيقة،[والجزم في مسألة بهذه الخطورة حماقة] هي أن بعضا من تلك الأسباب، أو كلها، اجتمع ليُعجل بالوصول إلى عنق الزجاجة. ثم، أتت الحرب العالمية الثانية وظروف أخرى لتمنح الاقتصاد الرأسمالي فرصة التجدد كي يستمر، وقد عاش تقريبا ثلاثة عقود دون أزمة(7). وهو ما عرف بالثلاثين سنة "المشهورة/الجيدة" (période des « Trente Glorieuses ») Glorieuses.
والآن؟ كل الظروف التي أشرنا إليها كادت تنتفي بالمطلق. القاعدة السكانية في الأرياف تقلصت، المكننة وصلت حدا كبيرا فالمنشآت الصناعية يوما بعد يوم تواجه مشكل التخلص من مستخدَميها... بخلاصة: حب البرجوازية للربح أوصلها إلى أنها تنتج بضائع لكنها لم تترك للفئات الأخرى من المجتمع ما به تشتري تلك البضائع كي تكتمل الدورة الإنتاجية بسلام ، ونعتقد أنه ليس سوى نتيجة لكل هذا أن الرأسمال المالي، صار يجد الاستثمار في الإنتاج ذا مردودية ضعيفة فاتجه، أو خلق، مجالا جديدا ابتكر له ميكانيزمات ماكرة كي تكون مردوديته أعلى، إنه مجال المضاربات البورصوية، أو بتعبير آخر، "الأعمال في سوق المال". إن طغيان سوق المال على الاقتصاد ليس سوى النتيجة الحتمية لظاهرة أن إنتاج البضائع لم يعد مربحا للبرجوازية التي صارت أكثر فأكثر تستولي على الحصة الأكبر من مردودية الإنتاج وتترك باقي المجتمع على هامش عملية الإنتاج. هذا في اعتقادي هو السبب لأزمة النظام العالمي ككل دون أن نضع اليونان وحده في قفص الاتهام. فالأزمة عامة وإن كان من حظ بلد ما أن يجتمع فيه من الظروف ما يجعل الانفجار يبدأ منه فليس معنى هذا أنه وحده السقيم الذي لولاه ما انتشرت العدوى.
من بين المطالب التي تضعها الصين كمكافأة لها على تدخلها بشكل جدي لإنقاذ منطقة اليورو هو أن تعترف لها الدول الأوربية بأنها في وضع "اقتصاد السوق". فمنذ سنوات خطت الصين خطوات هامة في إبعاد اقتصادها عن "الاقتصاد الموجه" الذي ساد إبان المرحلة الاشتراكية لكن الدول الوصية على النظام الرأسمالي ما تزال تطلب منها المزيد كي تعترف لها بوضع "اقتصاد السوق". هنا لا بد أن نذكر بمعطى تاريخي كثيرا ما يتناساه الاقتصاديون. في القرن الماضي، كانت الاتحاد السوفييتي هي الدولة الوحيدة التي لم تتأثر بأزمة 1929. وحين يضطر بعض الاقتصاديين البرجوازيين أن يشيروا إلى هذا، يضيفون كملاحظة، "الدولة التي كانت تعيش تحت حكم توتاليتاري." صحيح أن الاتحاد السوفييتي كانت تعيش سياسيا تحت حكم توتاليتاري." وهذا لم يعد يجهله أحد وحتى في تلك الأيام فقد كان هناك، ومن داخل النظام من يرفض ذلك. لكن المنظرين الاقتصاديين البرجوازيين يتعاملون مع هذه الواقعة، واقعة أن تلك الدولة هي الوحيدة التي لم تتأثر بأزمة 1929، يتعاملون معها بكثير من البلادة أو التبلد. أليس حريا بهم أن يبحثوا بجدية المسألة دون المرور عليها مغمضي الأعين وكأنهم يعرفون أنهم إن فتحوا أعينهم فسوف يروا ما لا يعجبهم؟ ليس هنا أي سر. فتحكم الدولة في الاقتصاد، [ولا حاجة بنا هنا إلى الكلام عن الاشتراكية] حمى الاتحاد السوفييتي من التأثر بهزات المضاربة العالمية آنذاك. المنظرون الاقتصاديون البرجوازيون، خصوصا وأنهم ما يزالون يعيشون خوفا داخليا من أي رجوع محتمل للاشتراكية، يعملون ما في جهدهم كي تندثر من القاموس كلمة اشتراكية وكل ما يتعلق بها كتدخل الدولة وتنسى الشعوب تلك الفترة من التاريخ. الاقتصاديات المريضة تطلب النجدة من اقتصاد لم يصل بعد مرضه مرحلة متقدمة كي يدخل النادي، والصين، تريد الحفاظ على أقل ما يمكن من "الدولتية" وقاية من المجهول وفي نفس الوقت تريد أن يُعترف لها بعضويتها في النادي المريض لمصالح تجارية.
لقد وضعت كلمة أزمة بين "..." في موضع أو اثنين من هذا المقال وذلك اعتقادا مني بأن المصطلح يحتاج إلى كثير من الفحص قبل استعماله. وأن لا نأخذ مصطلحات البرجوازية السائدة كمصطلحات علمية محايدة. إن مصطلح أزمة هذا يجب أخذه كمصطلح سياسي، وهو كذلك فعلا، ومن حق كل طرف أن يحمله ما يشاء من المعاني. لقد عرف الجميع منذ أزمة 1929[ليس في معلوماتي أن هذا حدث قبل ذلك التاريخ] ظاهرة فريدة من نوعها، حيث أنه إبان الأزمة هناك بضائع تحرق، والمثل الشهير هو البن، من أجل أن تنتعش السوق! وإذا أخذنا بعين الاعتبار أن هناك شعوبا، أو فئات اجتماعية، تجد صعوبة في تحقيق الاكتفاء الغذائي وشعوبا، أو فئات اجتماعية، أخرى تتخلص من فائض غذائي عن طريق الإتلاف، نفهم جيدا أن أزمة هؤلاء ليست هي أزمة أولئك قطعا. الأزمة إذن ليست واحدة ولكل أزمته. وما قيل بالنسبة لأزمة 29 صحيح إلى درجة 100% بالنسبة للأزمات الحالية. لنأخذ مثلا أزمة 2007 المعروفة بالرهن العقاري: هناك منازل قد بنيت، أي أن المجتمع لديه من الإمكانات ما يكفي لبناء تلك المساكن ومن جهة أخرى هناك مواطنون في حاجة إلى مأوى. إذن إذا أخذنا المجتمع الأمريكي كوحدة متماسكة فليس هناك من أزمة. لكن إذا أخذنا المجتمع الأمريكي كمجموعتين مختلفي المصالح فهناك أزمتين وليس أزمة واحدة: _الأزمة الأولى أزمة الفئات التي لا سكن لها ولا موارد كافية لامتلاك هذا الحق الأساسي من حقوق المواطنة _الأزمة الثانية أزمة فئة استحوذت على خيرات المجتمع إلى درجة أنها لم تترك فيه حتى من يشتري منتجاتها.
الأزمة التي نعيش الآن هي أزمتان: من جهة أزمة برجوازية متوحشة تريد أن تقذف إلى مزابل التاريخ بكل مقولات "دولة الرعاية الاجتماعية" ومن جهة أخرى أزمة الفئات المهمشة والتي في طريقها إلى التهميش، التي ستجد نفسها، بعد أن يكتمل نضح الرأسمالية المتوحشة، في غيتووات لا حاجة ل"المجتمع" بها.......



1) الرابط التالي، سيجد فيه القارئ العزيز ما استطعت، واعتقدت فائدته في الموضوع، أن أجمعه من مقتطفات هنا وهناك:
http://www.4shared.com/file/u5cBuDLh/Crise_conomique_dite_de_la_Gre.html
2) إذا كان جل احتياطي الصين من العملة الصعبة (3500 مليار دولار)هو من الدولار، فمعنى هذا أن الو.م.أ تتجاوز اليونان في سياسة "الاستهلاك دون إنتاج"، لكن ما الذي جعل الكساد يحط على الأراضي اليونانية بدل الأمريكية؟

3) Lors de sa visite à Pékin en novembre 2009, Barack Obama n a rien pu obtenir de concret sur la question de la parié dollar/yuan, qui conditionne un rééquilibrage des échanges entre ces deux pays.
L insistance de Dominique Strauss-Kahn, directeur du FMI présent à Pékin, pour que la Chine réévalue sa monnaie n a rien pu y faire.
4) وضعنا كلمة الربا بين قوسين لنشير إلى أن المقصود ليس قيمة دينية وإنما قيمة تجارية.
5) المقطع الأصلي بالفرنسية هو:
D autres, comme Paul Grignon, auteur de L Argent Dette, considèrent que les banques privées ont pris le contrôle de la quasi-totalité de l émission de l argent. La crise proviendrait donc, dans un système basé sur l usure, du caractère impayable de la dette, les banquiers ne créant que l argent du prêt, et pas l argent nécessaire pour rembourser les intérêts. Par conséquent, le système serait condamné dès le départ à la faillite. Il serait donc nécessaire pour les États de mettre fin à l indépendance des banques centrales et de reprendre le contrôle de la création monétaire.
6) Lors de sa première conférence de presse depuis son investiture, Barack Obama a rappelé que «l’État est désormais le seul acteur économique à pouvoir sortir l’économie de l’ornière, et les baisses d’impôts ciblées ne peuvent pas résoudre les problèmes financiers. Le gouvernement fédéral est la seule entité qu’il reste, avec les ressources nécessaires pour réanimer l économie.»
7) هذا القول "عاش دون أزمة" لا يشمل كل الدول الصغيرة التي لا أحد تزعجه مشاكلها، وإنما القول يعني الدول الرأسمالية الكبرى.





الحوار المتمدن في مقدمة المواقع الإعلامية في العالم العربي، شكرا للجميع



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,321,340,592
- حذار من أمركة الثورة!
- اللامساواة الاقتصادية وطرق قياسها.
- اليهود والمصالحة مع تاريخهم
- لا تهرموا
- حروف الجر، مسألة لغوية
- قبل الدستور
- لا عدالة لا تنمية..
- نعم لتعديل/تغيير الدستور ولكن،
- استفق يا رفيق اتشافيز.
- إلى السادة:خبراءنا المغاربة في الاقتصاد.
- المغرب، هل هو الاستقرار؟
- جهازي القضاء والأمن، أية علاقة؟
- -المنھج الجديد في الاقتصاد العالمي-
- من مستويات فقدان الذاكرة
- منحى لورونز ومعامل جيني: شرح وبرهنة
- التقاعد والرأسمالية المتطورة
- مسؤولية المثقف العربي
- الأصولية والنقد الماركسي للاقتصاد السياسي(2)
- الأصولية والنقد الماركسي للاقتصاد السياسي(1)
- أخلاق الشعب الإسرائيلي من خلال الكتاب المقدس. (الجزء الثاني)


المزيد.....




- مسؤول روسي رفيع يبحث مع الرئيس السوري التعاون الاقتصادي بين ...
- شركات الطيران تعتزم رفع أسعار التذاكر هذا الصيف.. فما علافة ...
- الكرملين تعليقا على تقرير مولر: على دافعي الضرائب الأمريكيين ...
- بعد -اقتلاع البشير-... كيف تغير الجنيه السوداني أمام الدولار ...
- بلومبرغ تنشر مؤشر البؤس الاقتصادي
- مؤشر البؤس الاقتصادي
- تتعلق بحجز أموال وسعر الصرف.. قرارات للمجلس العسكري بالسودان ...
- ماذا حققت مشاركة سوريا في منتدى يالطا الاقتصادي
- قفزة كبيرة في الاستثمارات الأجنبية بروسيا رغم العقوبات
- مسؤول سعودي: سوق النفط ستتوازن في 2019


المزيد.....

- السعادة المُغتربة..الحدود السوسيواقتصادية للمنافع الاختيارية / مجدى عبد الهادى
- تقييم حدود التفاوت الاقتصادي بين منطقتي العجز التجاري الامري ... / دكتور مظهر محمد صالح
- المحاسبة والادارة المالية المتقدمة Accounting and advanced F ... / سفيان منذر صالح
- الموظف الحكومي بين الحقوق والواجبات Government employee betw ... / سفيان منذر صالح
- حدود ديموقراطية الاستغلال..لماذا تفشل حركات الديموقراطية الا ... / مجدى عبد الهادى
- الثلاثة الكبار في علم الاقتصاد_مارك سكويسين، ترجمة مجدي عبد ... / مجدى عبد الهادى
- تجربة التنمية التونسية وازمتها الأقتصادية في السياق السياسي / أحمد إبريهي علي
- القطاع العام إلي أين ؟! / إلهامي الميرغني
- هيمنة البروليتاريا الرثة على موارد الإقتصاد العراقي / سناء عبد القادر مصطفى
- الأزمات التي تهدد مستقبل البشر* / عبد الأمير رحيمة العبود


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادارة و الاقتصاد - محمد باليزيد - الأزمة الدائمة